وفي رواية: عن قيس، قال: (لما قدمَ عمرُ رضي الله عنه الشامَ، استقبله الناسُ وهو على البعيرِ، فقالوا: يا أميرَ المؤمنين لو ركبتَ بِرْذَونًا، يلقاك عظماءُ الناسِ ووجوهُهم، فقال عمرُ: لا أراكم ها هنا، إنمِّا الأمرُ من هنا، وأشار بيدهِ إلى السماءِ)(39)
إن فِعْل عمر رضي الله عنه في هذا الأثر والذي قبله إنما هو لبيان أن من كان مُتأمِّرًا على الناس، قائمًا بشؤونهم، فالأصلح له، والأولى به، أن يكون زاهدًا في هذه الدنيا، غيرَ متطلعٍ لزخرفها، لأنه قدوة للناس، فلا يليق بالأمير أو الوالي أن يكون منفتحًا على هذه الدنيا بكل ما فيها، وفي أبناء رعيته من يعاني شظف العيش، وعُسْر الحياة! أو أن يطالبهم بالاقتصاد والزهادة، ثم تكون حالُه كما ذكرنا، فكيف سيُسمع قولُه عندها، أو يُرجى الاقتداءُ به؟! ولذا كان الأمراء في عهد الفاروق رضي الله عنه ينسجون على منواله، ويقتفون أثره، وهذا ما يوضحه الأثرُ الآتي.
وعن عروة بن الزبير قال: (قدم عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه الشامَ، فتلقّاهُ أمراءُ الأجنادِ وعظماءُ أهلِ الأرضِ، فقال عمرُ: أين أخي؟ قالوا: من؟ قال: أبو عبيدة، قالوا: يأتيكَ الآن. فجاءَ على ناقةٍ مخطومةٍ بحبلٍ، فسلَّم عليه وسأله، ثم قال للناس: انصرفوا. فسار معه حتى أتى منزلَه فنزل عليه، فلم يرَ في منزلِه إلا سيفَه وتُرسَه ورحلَه، فقال له عمر: لو اتخذتَ
