المسلمين، فقد كان يخشى أن يميزَ نفسَه عن أدناهم بأقلِّ شيءٍ، وما ذاك منه إلا تقوى لربِّه جل وعلا، ومراعاة لمشاعرِ من لا يجد اليسار والغنى من رعيته، وهو في ذلك كلِّه متَّبعٌ ومقتفٍ أثرَ صاحبيه؛ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر رضي الله عنه، وأَكرِم بها من صحبة، وأَنعِم بها من رفقة، فقد كان حريصًا كلَّ الحرصِ أن لا يفوتوه بشيءٍ، وأن يشاركَهم في كلِّ أمرٍ.
زهد عثمان ذي النورين رضي الله عنه:
عن بدر بن عثمان، عن عمه، قال: آخرُ خطبةٍ خطبها عثمانُ رضي الله عنه في جماعةٍ: (إنَّ اللهَ إنمَّا أعطاكم الدنيا لتطلبوا بها الآخرة، ولم يعطكُموها لتركنوا إليها، إنَّ الدنيا تفنى، والآخرة تبقى، لا تَبْطَرنَّكم الفانيةُ، ولا تَشغلنَّكم عن الباقية، آثِروا ما يبقى على ما يفنى، فإن الدنيا منقطعةٌ، وإنَّ المصيرَ إلى اللهِ عز وجل، اتقوا الله، والْزَموا جماعتَكم، ولا تصيروا أحزابًا، ﴿وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ كُنتُمۡ أَعۡدَآءٗ فَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِكُمۡ فَأَصۡبَحۡتُم بِنِعۡمَتِهِۦٓ إِخۡوَٰنٗا﴾، إلى آخر الآيتين)(51) .
وقولُ عثمان رضي الله عنه كسالف أقوال صاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وهو كقول من سيأتي من بقية الصحابة الأجلاء، من أنَّ حقيقةَ الزهدِ في الدنيا ليس معناه هجرها، والإعراض عنها، فهذا لم يفهمه أحدٌ منهم، بل ما فهموه عن سيِّدِهم ونبيهم صلى الله عليه وسلم أن تكون هذه الدنيا مزرعةً للآخرة، فمن أحسن الزرعَ فيها، ظفِر ونعِم بجميل الحصاد في الآخرة.
