قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَبَكَيْتُمْ كَثيرًا، وَلَضَحِكْتُمْ قَليلًا، وَلَهَانَتْ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا، وَلَآثَرْتُمُ الآخِرَةَ». ثم قال أبو الدرداء من قِبلِ نفسِه: (لو تعلمونَ ما أعلمُ لخرجْتُم إلى الصَّعُداتِ تبكون على أنفسِكم، ولتركْتُم أموالَكم لا حارسَ لها، ولا راجعَ إليها، إلا ما لا بدَّ لكم منه، ولكن يغيبُ عن قلوبِكم ذكرُ الآخرةِ، وحضَرَها الأملُ، فصارت الدنيا أملكَ بأعمالِكم، وصرتُم كالذين لا يعلمون، فبعضُكم شرٌّ من البهائم التي لا تدعُ هواها مخافةً مما في عاقبتِه، ما لكم لا تحابُّون، ولا تناصحون، وأنتم إخوانٌ على دينٍ؟ ما فرَّق بين أهوائِكم إلا خبثُ سرائرِكم، ولو اجتمعتم على البِرِّ لتحابَبْتُم، ما لكم تناصحون في أمر الدنيا، ولا تناصحون في أمر الآخرة؟! لا يملك أحدُكم النصيحةَ لمن يحبُه ويعينُه على أمر آخرته! ما هذا إلا من قلةِ الإيمانِ في قلوبِكم، لو كنتم توقنون بخيرِ الآخرةِ وشرِّها، كما توقنون بالدنيا، لآثرتم طلبَ الآخرةِ، لأنها أملكُ لأموركم، فإن قلتم: حبُّ العاجلة غالبٌ، فإنَّا نراكم تدَعون العاجلَ من الدنيا للآجلِ منها، تكُدُّون أنفسَكم بالمشقَّة والاحتراقِ في أمرٍ لعلَّكم لا تدركونه، فبئس القومُ أنتم، ما حقَّقتُم إيمانَكم بما يُعرف به الإيمانُ البالغُ فيكم، فإن كنتم في شكٍّ مما جاء به محمدٌ صلى الله عليه وسلم فاْتُونا فلَنُبيِّن لكم، ولنُرِيَكم من النورِ ما تطمئنُّ إليه قلوبُكم، والله ما أنتم بالمنقوصةِ
الزهد والعبادة في تراث الآل والأصحابورقة PDF 50 · صفحة مطبوعة 49
