عقولُكم فنعذُرَكم، إنكم لتُبَيِّنونَ صوابَ الرأيِ في دنياكم، وتأخذون بالحزمِ في أمرِكم، ما لكم تفرحون باليسيرِ من الدنيا تصيبونَه، وتحزنون على اليسيرِ منها يفوتُكم، حتى يتبيَّنَ ذلك في وجوهِكم، ويظهرَ على ألسنتِكم؟ وتُسمُّونها المصائبَ، وتقيمون فيها المآتمَ، وعامَّتُكم قد تركوا كثيرًا من دينهم بما لا يتبيَّن ذلك في وجوهِكم، ولا يتغيَّر حالُكم، إني لأرى اللهَ قد تبرَّأ منكم، يلقى بعضُكم بعضًا بالسرورِ، وكلُّكم يكرهُ أن يستقبِل صاحبَه بما يكره مخافةَ أن يستقبِلَه صاحبُه بمثله، فأصبحتم على الغِّلِّ، ونبتَتْ مراعيكم على الدِّمَنِ، وتصافَيْتم على رفضِ الأجلِ، لوددتُ أن اللهَ أراحَني منكم، وألحقَني بمن أحبُّ رؤيتَه، ولو كان حيًّا لم يصابِرْكم، فإن كان فيكم خيرٌ أسمعْتُكم، وإن تطلبوا ما عند اللهِ تجدوه يسيرًا، وبالله أستعينُ على نفسي وعليكم)(82)
وهذا هو حال كثير من الناس، فإذا كان أبو الدرداء يقول هذا الكلامَ في ذلك الزمان، والناسُ لم يزالوا على العهدِ الأولِ في غالبيتهم، فماذا لو رأى هذا الزمانَ، وكيف تعلق الناسُ بهذه الدنيا، وانصرفوا عن الآخرة؟!
زهد عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «أنتم اليومَ أطولُ اجتهادًا وأطولُ صلاةً، أو أكثرُ صلاةً من أصحابِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا خيرًا منكم»،
