إني لا أبكي جزعًا على الموتِ، ولا حرصًا على الدنيا، ولكنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عهِدَ إلينا، فقال: «لِيَكُنْ بُلْغَةُ أَحَدِكُمْ مِثْلَ زَادِ الرَّاكِبِ»، قال: وحولي هذه الأساود(94) وإنما حوله وسادةٌ وجفنةٌ ومَطْهرةٌ. فقال سعدٌ: يا أبا عبد الله اِعْهَد إلينا عهدًا نأخذُ به مِن بعدِك، فقال: يا سعد اذكر اللهَ عند همِّك إذا همَمْتَ، وعند حكمِك إذا حكمتَ، وعند يدك إذا قسمتَ)(95)
فهذا سلمان رضي الله عنه يتَّهم نفسَه بأنه خالف وصيةِ حبيبه صلى الله عليه وسلم بأن يكون بلاغُ أحدِهم من الدنيا كزادِ الراكبِ، كنايةً عن قلةِ ذلك، مع أنه لم يترك عند موتِه إلا الشيءَ اليسيرَ الذي لا يُذكر، بل إنه مما لا يُنظر إليه، ولا يُأْبهُ به في نظرنا، فماذا يقول أصحابُ الأموال، والقصور، والعقارات، والذي حالُ أحدِهم كما وصف النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: (لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لَابْتَغَى ثَالِثًا، وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَنْ تَابَ)(96) ؟!!
زهد أبي ذر رضي الله عنه:
عن أبي ذر رضي الله عنه قال: (إِني لأقربِكم مجلسًا من رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وذاك أني سمعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول: «إِنَّ أَقْرَبَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ القِيَامَةِ مَنْ خَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا بِهَيْئَةِ مَا تَرَكْتُهُ فِيهَا»، وإنه واللهِ ما منكم من أحدٍ إلا وقد تشبَّثَ منها بشيءٍ غيري)(97)
