قال القرطبي في المفهم في شرح أثر الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر: (إنما كانت الدنيا كذلك؛ لأنَّ المؤمنَ فيها مقيَّدٌ بقيودِ التكاليفِ، فلا يقدرُ على حركةٍ ولا سكونٍ إلا أن يفسحَ له الشرعُ، فيفكَّ قيدَه، ويمكِّنَه من الفعلِ أو التركِ، مع ما هو فيه من توالي أنواعِ البلايا والمحنِ، والمكابداتِ من الهمومِ والغمومِ والأسقامِ والآلامِ، ومكابدةِ الأندادِ والأضدادِ والعيالِ والأولادِ،...، وأيُّ سجنٍ أعظمُ من هذا؟! ثم هو في هذا السجنِ على غايةِ الخوفِ والوَجلِ، إذ لا يدري بماذا يُختَم له من عملٍ؟ كيف وهو يتوقَّعُ أمرًا لا شيءَ أعظمُ منه، ويخافُ هلاكًا لا هلاكَ فوقه؟! فلولا أنه يرتجي الخلاصَ من هذا السجنِ لهلك مكانَه، لكنه لَطَف به، فهوَّن عليه ذلك كله بما وُعد على صبرِه، وبما كُشف له من حميدِ عاقبةِ أمرهِ، والكافرُ منفَكٌّ عن تلك الحالاتِ بالتكاليف، آمِنٌ من تلك المخاويفِ، مقبِلٌ على لذاتِه، منهمِكٌ في شهواتِه، معتزٌّ بمساعدة الأيامِ، يأكل ويتمتع كما تأكلُ الأنعامُ، وعن قريبٍ يستيقظ من هذه الأحلامِ، ويحصل في السجنِ الذي لا يُرام، فنسأل اللهَ السلامةَ من أهوالِ يوم القيامة)(111) .
وقال ملا علي قاري: (كالسجنِ للمؤمنِ في جنب ما أعد له في الآخرةِ من الثوابِ والنعيمِ المقيمِ، وكالجنةِ للكافرِ في جنب ما أعد له في
