وعن محمد بن المنكدر، قال: أرسل حبيبُ بن مسلمة وهو على الشامِ إلى أبي ذرٍّ رضي الله عنه بثلاثمائةِ دينارٍ، فقال: اِسْتَعن بها على حاجتِك، فقال أبو ذر: (اِرْجِع بها، فما وجدَ أحدًا أغرّ باللهِ منا؟! ما لنا إلا ظلٌّ نتوارى به، وثلَّةٌ من غنمٍ تروح علينا، ومولاةٌ لنا تصدَّقتْ علينا بخدمتِها، ثم إني لأَتَخَوَّف الفضلَ)(98)
وليس هذا الكلامُ بمستغربٍ على أبي ذرٍّ العابدِ الزاهدِ، الذي كان لا يرى جوازَ ادِّخارِ النقدَيْن مهما بلغ! والذي كان يعارض الصحابةَ ويخالفهم في ذلك، حتى اعتزل الناسَ في آخر عمرِه، وتحقَّق فيه قولُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: (يَرْحَمُ اللهُ أَبَا ذَرٍّ، يَمْشِي وَحْدَهُ، وَيَمُوتُ وَحْدَهُ، وَيُبْعَثُ وَحْدَهُ)(99) .
وعن جعفر بن سليمان، قال: (دخلَ رجلٌ على أبي ذرٍّ رضي الله عنه، فجعل يقلِّب بصرَه في بيتِه، فقال: يا أبا ذر، أين متاعَكم؟ قال: إنَّ لنا بيتًا نُوَجِّهُ إليه صالحَ متاعِنا. قال: إنَّه لا بد لك من متاعٍ ما دُمتَ ها هنا. قال: إنَّ صاحبَ المنزلِ لا يدعُنا فيه)(100)
