ومن الجدير بالتنبيه عليه أنَّ عدم ورود آثار خاصة عن بعض الصحابة الأجلاء في هذه العبادة، لا يلزم منه عدم قيامهم بذلك في ذات الأمر، بل يكفينا في أنَّه كان لكلِّ واحدٍ منهم نصيبُه من هذه العبادة، قولَ عليٍّ رضي الله عنه: (لقد رأيتُ أثرًا من أصحابِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فما أرى أحدًا يشبِهُهم، والله إنْ كانوا ليُصبحون شُعثًا غُبرًا صُفرًا، بين أعينهم مثل رُكَبِ المِعْزَى، قد باتوا يتلون كتابَ اللهِ، يراوحون بين أقدامِهم وجباهِهم، إذا ذُكر اللهُ مادُوا كما تميد الشجرةُ في يومِ ريحٍ، فانهملت أعينُهم حتَّى تبلَّ واللهِ ثيابُهم، واللهِ لكأنَّ القومَ باتوا غافلين)(272) ، وقولَ ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما: (لم يكن يمضي عليهم ليلة إلا يأخذون منها ولو شيئًا)، وهذا يدل على أنَّ لكلِّ واحدٍ منهم نصيبَه الذي لا يتركه، ولو كان قليلًا، أمَّا مسألة نقل ذلك عن كلِّ واحدٍ منهم بخصوصه، فهذه قضية أخرى.
ومما جاء عنهم مخصوصًا:
ما ورد أنَّ العبَّاس بن عبد المطلب رضي الله عنه كان جار عمر رضي الله عنه، وكان يقول: (ما رأيتُ مثلَ عمر قطُّ، نهارُه صائمٌ، وفي حاجاتِ النَّاس، وليلُه قائمٌ، فلمَّا تُوفِّي عمرُ سألتُ اللهَ أنْ يُرِيَنيه، فمكثتُ سنةً ثم رأيتُه فيما يرى النائم، مقبلًا من السوق، فسلَّمتُ عليه، وسلَّم علَيَّ، فقلتُ: كيف أنت، وماذا وجدتَ؟ فقال: الآن فرغتُ من الحساب! وإن كاد عرشي ليهوي لولا أنَّي وجدتُ ربًّا رحيمًا)(273) .
