وعن عبد الملك بن شداد بن الهاد، قال: (رأيتُ عثمانَ بن عفان رضي الله عنه يومَ الجمعةِ على المنبر، عليه إزارٌ عدَنِيٌّ غليظٌ، ثمنُه أربعةُ دراهم، أو خمسةُ دراهم، ورَيْطَة(52) كوفية مُمَشَّقَة(53)(54) ) . وعن شرحبيل بن مسلم: (أنَّ عثمانَ رضي الله عنه كان يُطعم الناسَ طعامَ الإمارة، ويَدخُل بيتَه فيأكلُ الخلَّ والزيتَ)(55) .
هذه الآثار هي كسابقتها مما ورد عن الصديق والفاروق رضي الله عنهما حينما تولوا الإمارة، فقد كان حظُّ الواحدِ منهم الشيءَ اليسيرَ من أمر الدنيا، والاهتمامَ بحاجة رعيته، ونواقصهم، أكثرَ من اهتمامه بنفسه، بل كان الواحدُ منهم لا يأْبَه لما يأكل، ولما يلبس، مادام أن الرعية في عيشٍ رغيدٍ، وحياةٍ هانئةٍ، فمتى سعِدت الرعيةُ، سعِد هو، ومتى حزنت حزن، وهذا خلاف ما وقع بعد هذا الجيل المبارك من حرص القائمين على أمور الناس على الدنيا، وتكالُبهم عليها، والاستكثار من شهواتها، ضاربين بحاجة الرعية وفقرهم وعوَزهم عرض الحائط.
