المطلبُ الرابعُ عشر: ذِكْرُ اللهِ تعالى
قال الإمامُ ابن القيِّم رحمه الله: (ومِن منازلِ: ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ﴾، منزلةُ الذِّكر، وهي منزلةُ القومِ الكبرى التي منها يتزوَّدون، وفيها يتَّجِرون، وإليها دائمًا يتردَّدون.
والذِّكرُ منشورُ الولاية الذي مَن أُعْطِيه اتَّصل، ومَن مُنِعَه عُزل، وهو قوتُ قلوبِ القومِ الذي متى فارقها صارت الأجسادُ لها قبورًا، وعمارةُ ديارِهم التي إذا تعطَّلت عنه صارت بُورًا، وهو سلاحُهم الذي يقاتِلون به قطَّاعَ الطريقِ، وماؤُهم الذي يُطفئُون به التهابَ الحريقِ، ودواءُ أسقامِهم الذي متى فارقهم انتكست منهم القلوبُ، والسببُ الواصلُ والعلاقةُ التي كانت بينهم وبين علَّامِ الغيوبِ، به يستدفِعون الآفاتِ، ويستكشفون الكرباتِ، وتُهون عليهم به المصيباتُ، إذا أظلَّهم البلاءُ فإليه ملجؤُهم، وإذا نزلت بهم النوازلُ فإليه مفزعُهم، فهو رياضُ جنَّتِهم التي فيها يتقلَّبون، ورؤوسُ أموالِ سعادتِهم التي بها يتَّجِرون، يدعُ القلبَ الحزينَ ضاحكًا مسرورًا، ويُوصل الذاكرَ إلى المذكورِ، بل يدعُ الذاكرَ مذكورًا.
وفي كلِّ جارحةٍ من الجوارح عبوديةٌ مؤقَّتةٌ، والذِّكرُ عبوديةُ القلبِ واللسانِ وهي غيرُ مؤقَّتةٍ، بل هم مأمورون بذكرِ معبودِهم ومحبوبِهم في كلِّ
