نوع المطبوع: كتاب — الطبعة: الأولى — عدد الصفحات: 271
السلسلة: تراث الآل والأصحاب (6)
الناشر: مبرة الآل والأصحاب
ص. ب. 12421 الشامية — الرمز البريدي 71655 — ت: 2560203
إلا لمن أراد التوزيع الخيري بشرط عدم التصرف في المادة العلمية
الطَّبْعَةُ الأُولَى
ص. ب: 12421 الشامية الرمز البريدي 71655 الكويت
سلسلة تراث الآل والأصحاب (6)
آدَابُ
مُعَامَلَةِ الكِبَارِ وَالمَرْضَى
فِي تُرَاثِ الآلِ وَالأصْحَاب
حازم الشربيني
فكرة ومراجعة مركز البحوث والدراسات بالمبرة
عنوان الكتاب: أدب معاملة الكبار والمرضى في تراث الآل والأصحاب.
اسم المؤلف: حازم محمد حسن الشربيني.
الفهرست
ردمك: 978 99966 64 41 0 ISBN
حقوق الطبع محفوظة لمبرة الآل والأصحاب
1439 ه 2017م
هاتف: 22560203 22552340 فاكس: 22560346
E mail: almabarrh@gmail.com
www. almabarrah.net
بسم الله الرحمن الرحيم
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| مقدمة مركز البحوث والدراسات | 13 |
|---|---|
| المقدمة | 17 |
| تعريف كلمة «آداب» | 25 |
| تعريف كلمة «معاملة» | 27 |
| تعريف كلمة «الكبار» | 29 |
| تعريف كلمة «المرضى» | 30 |
| تعريف كلمة «تراث» | 32 |
| تعريف كلمة «الآل» | 34 |
| تعريف كلمة «الأصحاب» | 43 |
| باب آداب معاملة الكبار | |
| بيان قوة ترابط المجتمع المسلم | 52 |
| تسويد الأكابر | 54 |
| إجلال الكبير | 56 |
| إجلال ابن الأخ لعمه | 60 |
| الإشفاق على الكبير | 60 |
| الاستفسار عن فعل الكبير | 62 |
| استفسار الولد عن فعل أبيه | 63 |
| الاحتجاج بأفعال الكبار | 64 |
| إنكار الصغير على الكبير | 65 |
| زجر الكبير الذي يخالف الشرع | 67 |
| صور من بر الوالدين | 67 |
| تعظيم أهل العلم | 70 |
| تقبيل يد العلماء | 74 |
| الإقرار لذوي الفضل بفضلهم | 76 |
| تسليم الصغير على الكبير | 81 |
| الأدب في خطاب الكبار | 82 |
| مناداة الكبير ب«العم» | 85 |
| مخاطبة الكبير بكنيته | 87 |
| خدمة الصغار للكبار | 89 |
| الصغير يوضئ الكبير أين يقوم منه | 92 |
| خدمة الأكبر لذوي الفضل | 93 |
| إيثار الكبير بالقُرَب | 94 |
| مناولة الأكبر | 96 |
| تقديم الكبير للكلام على الصغير في المهمات | 100 |
| إكرام الكبير، ويبدأ الأكبر بالكلام والسؤال | 102 |
| الصغير يشتد خلف الكبير وهو راكب | 104 |
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| باب آداب معاملة المرضى | |
| وجوب عيادة المريض | 109 |
| العيادة مرة سنة | 111 |
| الحث على عيادة المريض | 111 |
| تفقد الغائب | 113 |
| معرفة الجار مرض جاره | 115 |
| عيادة الرجال للنساء | 119 |
| عيادة النساء للرجال | 121 |
| عيادة الشقيق لشقيقه | 122 |
| عيادة العم لابن أخيه | 123 |
| عيادة ابن الأخت لخاله | 123 |
| عيادة الصديق | 125 |
| العيادة جوف الليل | 125 |
| الحرص على عيادة المريض رغم الاختلاف | 126 |
| عيادة الفاسق | 128 |
| العيادة من الرمد | 128 |
| عيادة المغمى عليه | 130 |
| سؤال المغمى عليه إذا أفاق | 131 |
| تبشير المريض | 132 |
| تزكية المريض | 134 |
| ما يستحب أن يقال عند المريض من |
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| الكلام | 135 |
| التعوذ للمريض | 136 |
| ما يقول للمريض | 137 |
| ما يجيب المريض | 137 |
| وضع اليد على المريض | 139 |
| استحباب سؤال أهل المريض عن حاله | 141 |
| مواساة أهل المريض | 142 |
| من جاء لعيادة، ثم جاء غيره فضاق المجلس، أن ينصرف الأول | 144 |
| ترك صلاة الجمعة لأجل المريض | 145 |
| إذا عاد مريضاً، فحضرت الصلاة فصلى بهم جماعة | 146 |
| سؤال المعتكف عن المريض | 147 |
| البكاء عند المريض | 147 |
| التحديث في المرض | 151 |
| التذاكر في المرض | 153 |
| الوصية في المرض | 156 |
| النذر في المرض | 157 |
| من آداب الصحب والآل عند المرض | 159 |
| من كره للعائد أن ينظر إلى الفضول من البيت | 151 |
| المرأة إذا عسر عليها ولدها | 165 |
| من ذهب بالصبي المريض لِيُدعى له | 166 |
| لا رُقْيَةَ أَشْفَى وأَوْلَى مِنْ رُقْيَةِ العَيْنِ وذِي الحُمَةِ | 168 |
| رقية أهل الكتاب | 170 |
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| كتابة الرقية | 170 |
| حرق الحصير لِيُسَدَّ به الدَّمُ | 171 |
| تبريد الحمى بالماء | 172 |
| الحجامة من الخراج | 175 |
| خدمة المريض | 176 |
| عدم منع المريض من شيء | 177 |
| إعطاء الدواء للمريض رغماً عنه | 179 |
| التلبينة مجمة لفؤاد المريض | 180 |
| اهتمام الشقيق بمرض شقيقه | 181 |
| رقية البنت لأبيها | 182 |
| إحساس الزوجة بزوجها | 182 |
| رأس المريض في حجر امرأته | 184 |
| رقية الزوجة زوجها | 185 |
| رعاية الزوج لزوجته في مرضها | 186 |
| ملاطفة الرجل زوجته في مرضها | 187 |
| مداواة النساء الجرحى وقيامهن على المرضى | 188 |
| المرأة تَرْقِي الرجل | 193 |
| طلب المريض الدعاء من الصالحين | 194 |
| تمني المريض الموت | 197 |
| تأوه المريض | 198 |
| هل يكون قول المريض إني وجع شكاية؟ | 199 |
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| دعاء المريض بالمغفرة أو العافية | 205 |
| محاسبة المريض نفسه | 206 |
| عظم الآخرة وصغر الدنيا في عين المريض | 209 |
| التصدق في المرض | 210 |
| محبة العافية | 211 |
| الحث على الاجتهاد حال الصحة | 213 |
| التهنئة بالعافية من المرض | 214 |
| ذِكر الأسقام | 215 |
| التوجس ممن لم يمرض | 217 |
| جزاء الصبر على المرض | 219 |
| أربع للمريض | 222 |
| كفارة المريض | 222 |
| يكتب للمريض ما كان يعمل وهو صحيح | 229 |
| عدم الجزع من المرض | 231 |
| عدم السخرية من المريض | 234 |
| صلاة الأرمد على وسادة | 236 |
| من كان يَقعد خلفه رَجلٌ يحفظ صلاته | 238 |
| من تجهز للغزو فمرض | 238 |
| المرض من الرؤيا | 239 |
| ما يكره من الاحتيال في الفرار من الطاعون | 241 |
| رجاء الموت يوم الاثنين | 243 |
| رثاء الأخت لأخيها | 245 |
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| لا بأس بالندب اليسير | 246 |
| الخاتمة. أهم النتائج | 248 |
| قائمة المصادر والمراجع على حروف المعجم | 251 |
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة مركز البحوث والدراسات
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته الغر الميامين، أما بعد؛
فلا ريب أن للقدوات الصالحة أثرًا بالغ الأهمية في الارتقاء بحياة الأمم والشعوب؛ وذلك أنهم هم الذين يقدمون الدليل الواقعي والتطبيق العملي للتعاليم التي تمثّل منظومة القيم والأخلاق التي تشكّل هوية تلك الأمم، وتعتبر مثالها السامي الذي تستهدف احتذاء حذوه والاهتداء بهديه.
وقد نبّه القرآن الكريم على ذلك المعنى وأشاد به في آيات كثيرة، مبينًا فضلَ الائتساء والاقتداء بالأنبياء والصالحين، قال تعالى: ﴿لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا﴾ [الأحزاب: 21]، وقال عز وجل: ﴿قَدۡ كَانَتۡ لَكُمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ فِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ﴾ [الممتحنة: 4]، وقال سبحانه: ﴿لَقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِيهِمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَۚ﴾ [الممتحنة: 6]، وقال عقب ذكر صفوةٍ
من رسله وأنبيائه: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقۡتَدِهۡۗ﴾ [الأنعام: 90]، وقال عزّ مِن قائل: ﴿فَٱصۡبِرۡ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلۡعَزۡمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: 35]، وغير ذلك مما يفهم من النصوص بأدنى تأمّل.
والواجب على أمتنا الإسلامية أن تصوغ رؤيتها الأخلاقية والقيمية والحضارية انطلاقًا من الوحي قرآنًا وسنةً، في تناغم مع معطيات العلم في جميع المجالات، ومواكبةٍ لمستجدات العصر الذي نعيش فيه وما يزخز به من تحدياتِ عظيمة. فلا يحسن أن نقتصر في تدبرنا للوحي على مجرد الأمور الدينية العبادية المحضة، فإن الوحي قد أنزله الله هدى ونورًا للإنسانية تنتفع به في معاشها ومعادها، وإن كان مقصوده الأساس الفلاح الأخروي وما يقرب إليه؛ إلا أنه لا شك في كونه يرشدنا بهداياته في جميع مناحي الحياة العملية، ولو في صورة ضوابط ومعايير وقيم كلية نافعة، نستلهم منه ما يرضي ربنا ويحقق فلاحنا في الدنيا، مع عدم إغفال البحث والعلم في جميع المجالات بأدواتها ووسائلها.
ونحن إذا ذهبنا نستلهم قيم الوحي على مختلف الأصعدة العلمية والسلوكية؛ لم نجد امتثالًا وتطبيقًا وتفعيلًا؛ خيرًا مما نجده عن صحابة النبي صلى الله عليه وسلم الأخيار وأهل بيته الأطهار، فهم الذين انتهجوا الوحي كتابًا وسنة في جميع جوانب حياتهم، فسادوا وقادوا، وصاروا أئمة أعلامًا هداة.
وقد أخذت (مبرة الآل والأصحاب) كعادتها على عاتقها مهمةَ
تفعيلِ ذلك المعنى، وتقديمه في صورة بحثية توعوية منضبطة؛ بما هي مؤسسة متخصصة في تراث الآل والأصحاب حتى صار لها بفضل الله الريادة في ذلك المجال. فقام مركز البحوث والدراسات بالمبرة بوضع خطة طموحة تتضمن العديد من الموضوعات الهادفة، العلمية والعملية؛ التي نستهدف أن نستضيء فيها بتراث الآل والأصحاب، ونكشف عن ملامح تطبيقهم الوحي على جميع الأصعدة والأنحاء؛ ثم أوعزنا إلى مجموعة من الباحثين ليقدموا جهدهم في تحويل تلك الأفكار والموضوعات إلى أبحاث علمية وفق منهجية مركز البحوث والدراسات المنضبطة، القائمة على التحقيق العلمي، والاستدلال الصحيح، والاسترشاد بكتب أهل العلم السابقين والمعاصرين؛ فكانت هذه السلسلة من الموضوعات، التي تندرج في سلسلة (تراث الآل والأصحاب).
نرجو من الله عز وجلّ أن يوفقنا في مسعانا، وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
مَرْكز البُحُوث والدِّرَاسَات
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد
لله كثيراً كما أنعم علينا كثيراً، وصلى الله على رسوله محمد الذي أرسله شاهداً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، وعلى آله الذين أذهب عنهم الرجس وطهَّرهم تطهيراً، وعلى جميع المؤمنين الذين أمر الله نبيه أن يبشرهم بأن لهم من الله فضلاً كبيراً.
أما بعد:
لقد رفع الله تعالى شأن حُسن الخلق حين امتدح خليله محمداً صلى الله عليه وسلم بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٖ﴾(1) ، ونَوَّه صلى الله عليه وسلم بقدره حين قال: « إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق(2) » ، وأن مجامع الخير في حُسن الخلق، فقال: « البر حسن الخلق(3) » .
وأمر الله تعالى بحسن الخلق مع الناس كافة، ولم يستثن، فقال عز من قائل: ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسۡنٗا﴾(4) .
وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسۡنٗا﴾، قال: «يعني: الناس كلهم»(5) .
وعن عطاء قال: «للناس كلهم: المشرك وغيره»(6) .
وقال القرطبي: «قال أبو العالية: قولوا لهم الطيب من القول، وجازوهم بأحسن ما تحبون أن تُجَازَوا به، وهذا كله حض على مكارم الأخلاق؛ فينبغي للإنسان أن يكون قوله للناس ليناً، ووجهه منبسطاً طلْقاً مع البَرِّ والفاجر، والسُّنِّي والمبتدع، من غير مداهنة ولا موالاة محرمة، ومن غير أن يتكلم معه بكلام يظن أنه يرضي مذهبه؛ لأن الله تعالى قال لموسى وهارون: ﴿فَقُولَا لَهُۥ قَوۡلٗا لَّيِّنٗا﴾(7) ، فالقائل ليس بأفضل من موسى وهارون، والفاجر ليس بأخبث من فرعون، وقد أمرهما الله تعالى باللين معه.
وقال طلحة بن عمر: قلت لعطاء: إنك رجل يجتمع عندك ناس ذوو أهواء مختلفة، وأنا رجل فيَّ حدَّة، فأقول لهم بعض القول الغليظ؟
فقال: لا تفعل؛ يقول الله تعالى: ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسۡنٗا﴾، فدخل
في هذه الآية اليهود والنصارى، فكيف بالحنيفي؟»(8)
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، قال: قال معاذ: يا رسول الله أوصني.
فقال صلى الله عليه وسلم: « استقم ولْيَحْسُنْ خُلُقُكَ للناس(9) » .
وعن أبي ذر رضي الله عنه، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: « اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن(10) » .
ولقد شَمَّر السلف ومن تبعهم من الخلف عن سُوق الدأب في سوق الأدب، فخلفوا لنا تراثًا حافلاً يشهد بعظمة هذا الدين، وسمو تعاليمه، وشموله كل ما يصلح الأمم والأفراد في كل مناحي الحياة، وما كان ذلك إلا بفضل التربية النبوية المحمدية لخير أمة أخرجت للناس.
وكما أنه من المعلوم أنه لا يستوي ما حرمه الله من جهة واحدة، وما حرمه من جهات متعددة، فالجُرْم يعظم بتعدد جهات الانتهاك، ويعظم تبعاً لذلك الإثمُ، ويتضاعف العقاب، فكذلك هناك أصناف من الناس لهم حقوق وواجبات أكثر من حقوق المسلم العامة
وواجباته، أي: لهم حقوق أخرى متعددة خاصة بهم؛ لما قام بهم من صفات، ومن هذه الأصناف: كبار السن والمرضى، فلهم كل ما ثبت من حقوق المسلم على أخيه المسلم، ولهم حقوق المسنين والمرضى.
وانطلاقاً من هذه المعاني، ومما تحققت به مبرة الآل والأصحاب من جهود في نشر تراث الآل والأصحاب، والعمل على غرس محبتهم في نفوس المسلمين = تأتي هذه الدراسة في مطلبين رئيسين:
أحدهما : آداب معاملة الكبار في تراث الآل والأصحاب.
والثاني : آداب معاملة المرضى في تراث الآل والأصحاب.
وخطة الدراسة تتمثل في تمهيد وبابين وخاتمة.
* التمهيد : معاني مفردات العنوان (آداب معاملة الكبار والمرضى في تراث الآل والأصحاب)، وفيه: شرح معاني مفردات العنوان لغة واصطلاحاً، وبيان المراد بها في هذا المقام، وذلك في اختصار غير مخل، ولا تطويل ممل؛ لما يقتضيه المقام من الاختصار والإيجاز.
* الباب الأول : آداب معاملة الكبار في تراث الآل والأصحاب.
* الباب الثاني : آداب معاملة المرضى في تراث الآل والأصحاب.
وكلاهما اشتمل على تراجم أو عناوين، وتحت كل ترجمة أو عنوان ما يدل عليه من آثار للآل والأصحاب، تم جمعها من:
استقراء المصنفات المفردة في الآداب، ك«الأدب» لابن أبي شيبة (ت235ه)، و«الأدب المفرد» للبخاري (ت256ه)، و«المرض والكفارات» لابن أبي الدنيا (ت 281)، ونحوها مما نراه في قائمة المصادر والمراجع.
والرجوع إلى مظان هذه المعاني في مصادر التراث الإسلامي ودواوينه، كالصحيحين والسنن الأربعة وموطأ الإمام مالك، وغيرها.
ثم إن الأثر الواحد قد يحتوي على أكثر من وجه تربوي، فيكون صالحاً أن يُستشهد به في أكثر من جانب، فليس إيرادي له في جانب معناه أنه قاصر عليه فقط.
وتتلخص طريقة كل عنوان ومضمونه فيما يلي:
1 ترجمة أو عنوان، وقد تكون ذكرها أحد من أهل العلم السابقين، كالبخاري في «صحيحه» أو في كتابه «الأدب المفرد»، ونحو ذلك مما نراه مبيناً في حواشي البحث.
2 قد أذكر تحت كل ترجمة أو عنوان قَبَساً يسيراً من الهدي النبوي الدَّالِّ عليه، الموضِّح لأصله، إذ هو النور الذي أضاء للصحب والآل الطريق، وشقَّ لهم السبيل.
3 ذكر أثر أو أكثر تحت كل ترجمة أو عنوان.
4 أحياناً أترجم ترجمةً يسيرةً لصاحب الأثر إذا كان صحابياً غير
مشهور أو كان من الآل؛ للتعريف به، وللتحقق من مطابقته لشروط البحث.
5 التوفيق بين الآثار تحت العنوان الواحد إن تعددت، أو التعليق عليها في حالة تعددها أو تفردها، سواء كان من كلام أهل العلم السابقين إن وجد أو مما يفتح به الله عز وجل أثناء تدبر هذه الآثار.
6 ثم قمتُ بتخريج الأحاديث والآثار الواردة في الدراسة، وراعيت في ذلك الاختصار بما يتناسب مع المقام، وغالباً أردفه بحكم لإمام من الأئمة، وإذا لم أقف على كلام لإمام سابق، خاصة في غير المرفوع، فأحكم على الإسناد.
7 ذيَّلتُ البحث بقائمة للمصادر والمراجع الواردة في الدراسة على حروف المعجم.
وأخيراً: الخاتمة، وفيها: أهم النتائج.
والله الكريم أسألُ أن ينفع بهذا الكتاب، ويتقبله مني عملاً صالحاً زاكياً عنده، ويجعل فيه حافزاً على الأسوة بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه وآله، في الأقوال والأفعال، وجميع الشئون والأحوال، وفي ذلك لنا الخير كل الخير، والله الهادي لمن استهداه، إنه ربنا، ولا ربَّ سواه، وبيده التوفيق، وهو على كل شيء قدير، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
التمهيد
مَعَانِي مُفْرَدَاتِ العُنْوَان
(آداب معاملة الكبار والمرضى في تراث الآل والأصحاب)
تعريف كلمة «آداب»
( ء د ب ): من باب ضرب(11) .
والآداب : جمع أدب، مثل: سبب وأسباب(12) .
والأدب : عبارة عن معرفة ما يحترز به عن جميع أنواع الخطأ(13) .
وأدبته أدباً : علمته رياضة النفس ومحاسن الأخلاق.
وأدبته تأديباً : مبالغة وتكثير، ومنه قيل: أدبته تأديباً إذا عاقبته على إساءته؛ لأنه سبب يدعو إلى حقيقة الأدب(14) .
قال أبو زيد الأنصاري: «الأدب: اسم يقع على كل رياضة محمودة يتخرج بها الإنسان في فضيلة من الفضائل»(15) .
وقال البدر العيني في «العناية شرح الهدية»(16) «يجوز أن يعرف
بأنه: ملكة تعصم مَنْ قامت به عما يشينه».
وقال ابن الهُمام في «فتح القدير»(17) : «الأدب: الخصال الحميدة».
وعلوم الأدب عند المتقدمين: تشمل اللغة والصرف والاشتقاق والنحو والمعاني والبيان والبديع والعروض والقافية والخط والإنشاء والمحاضرات.
وتطلق الآداب حديثاً على الأدب بالمعنى الخاص والتاريخ والجغرافية وعلوم اللسان والفلسفة(18) .
والمراد بالأدب في قول الفقهاء: «كتاب أدب القاضي»، أي: ما ينبغي للقاضي أن يفعله، لا ما عليه.
والفرق بين الأدب وبين التعليم: أن التأديب يتعلق بالمرادات، والتعليم بالشرعيات، أي: الأول عرفي، والثاني شرعي، والأول دنيوي، والثاني ديني(19) .
وقد يُطلق الفقهاء الأدب على المندوب، وقد يطلقونه كذلك على السنة(20) .
والمقصود هنا : هي القواعد المتَّبعة في مجال أو سلوك معيَّن(21) ، وهو: معاملة الكبار والمرضى.
تعريف كلمة «معاملة»
(عَمِلَ) العين والميم واللام : أصل واحد صحيح(22) ، مِنْ باب طَرِبَ(23) ، وهو عام في كل فعل يفعل.
قال الخليل: عمل يعمل عملاً، فهو عامل(24) .
وتعامل فلان وفلان : عامل كل منهما الآخر(25) .
والتعامل : المعاملة(26) .
والمعاملة بضم الميم الأولى وفتح الثانية: التعامل مع الغير(27) ، وهي: مصدر عاملْته مُعامَلةً(28) .
والمعاملة عند الفقهاء : عبارة عن العقد على العمل ببعض الخارج مع سائر شرائط جوازها(29) .
والمعاملة عند العامة : يراد بها التصرف من البيع ونحوه، وفي كلام فقهاء أهل العراق: المساقاة في لغة الحجازيين(30) ، وعند الصوفية: ما يقرب إليه تعالى، وما يبعد منه من الأعمال(31) .
والمعاملات : جمع المعاملة من العمل، وهي: فعل يتعلق به قصد، وهي: حق العبد عرفاً(32) ، فهي: تطلق على مجموع الأحكام الشرعية المتعلقة بأمر الدنيا باعتبار بقاء الشخص، كالبيع والشراء والإجارة وغيرها(33) .
والمقصود هنا : أسلوب التصرف مع شخص ما(34) ، وهم: الكبار والمرضى.
والمعاملة الحسنة : أساس العلاقات الإنسانية الطيبة(35) .
وعامل فلاناً معاملة حسنة : تصرَّف حِياله بلُطْف، وعامله معاملة سيِّئة : تصرّف حِياله بخشونة(36) .
تعريف كلمة «الكبار»
(كَبِرَ) الكافُ والباءُ والراءُ : أصلٌ صحيحٌ يَدُلُّ على خِلَافِ الصِّغَرِ(37) ، أي: أَسَنَّ، وبابه: طَرِبَ(38) ، وتَعِبَ(39) .
يقال: كَبِرَ الصبيُّ يَكْبَرُ كِبَراً، وكُبْراً، فهو كبير، وكُبار، وكُبَّار(40) ، والأنثى: بالهاء، والجمع: كِبَار، وكُبَّارُون(41) .
وفي التفضيل: هو الأَكْبَرُ، وجمعه: الأَكَابِرُ، وهي: الكُبْرَى، وجمعها: كُبَرٌ وَكُبْرَيَاتٌ(42) .
قال الخليل: «الصغير: خلاف الكبير»(43) .
تعريف كلمة «المرضى»
(مرض) الميم والراء والضاد : أصل صحيح يدل على ما يخرج به الإنسان عن حد الصحة في أي شيء كان منه(44) ، مِنْ باب تَعِبَ(45) ، وفَرِحَ(46) .
ومرض يمرض مَرَضاً ومَرْضاً فهو: مَرِيض ومارِض(47) ومَرِضٌ، والأنثى: مريضة(48) .
وقالوا: مرض في الحاجة: قصر ولم يصح عزمه فيها(49) ، ومرض في الأمر: إذا لم يبالغ فيه، وريح مريضة: إذا ضعف هبوبها(50) .
وقال ابن دريد: «المرض: السقم، وهو: نقيض الصحة»(51) .
وفي «القاموس المحيط»(52) : «المرض: إظلام الطبيعة، واضطرابها بعد صفائها واعتدالها».
وفي «المعجم الوسيط»(53) : «المرض: كل ما خرج بالكائن الحي عن حد الصحة والاعتدال من علة أو نفاق أو تقصير في أمر، وفي التنزيل العزيز: ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ﴾(54) نفاق وفتور عن تقبل الحق.
المريض: من به مرض أو نقص أو انحراف، ويقال: قلب مريض: ناقص الدين، ورأي مريض: ضعيف أو فيه انحراف عن الصواب، وعين مريضة: فيها فتور، وريح مريضة: ساكنة أو شديدة الحر أو ضعيفة الهبوب، وليلة مريضة: لا يكون فيها ضوء إذا تغيمت، وأرض مريضة: إذا ضاقت بأهلها أو كثر بها الهرج والفتن والقتل».
والمرض : ما يعرض للبدن، فيخرجه عن الاعتدال الخاص(55) ، ويكون للإنسان والبعير، فهو: اسم للجنس(56) .
فالمريض : من اتصف بذلك، وجمعه: مرضى(57) ، ومراض، ومراضى(58) .
قال أبو زيد: «يقال: هذا رجل مريض، من قوم مرضى ومراض ومراضى»(59) .
تعريف كلمة «تراث»
قال صاحب «شمس العلوم»(60) : «التُّرَاثُ: الميراث، وأصله: وُرَاث، مِنْ: ورث».
وفي «الإبانة في اللغة العربية»(61) : «أصل التراث: وراث؛ لأنه من: ورثت، فأبدلوا الواو تاء، كما قالوا: التخمة، والأصل: الوخمة».
وقال ابن الأعرابي: «الوِرْث، والوَرْث، والإِرْث، والإراث، والوِرَاث، والتّراث: وَاحِد»(62) .
فالتراث في اللغة : مأخوذ من ورث، فالتاء مبدلة من واو، هي: فاء الكلمة(63) ، ولا يُجْمَعُ كما يُجْمَعُ الميراث(64) .
والورث أو الإرث بمعنى: البقاء، والوارث بمعنى: الباقي، والميراث أو التراث سمي بذلك؛ لأنه يبقى بعد ذهاب صاحبه، والورثة لأنهم يبقون بعد مورثهم، قال تعالى: ﴿وَتَأۡكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكۡلٗا لَّمّٗا﴾(65) .
ومن هنا: يطلق التراث أو الميراث على كل ما يخلفه الإنسان من مال أو علم أو نحوهما.
وفي الحديث: « العلماء ورثة الأنبياء(66) » .
وفي حديث الدُّعَاءِ: « وإليك مَآبِي ولك تُرَاثي(67) » ، قال ابن الأثير: «التُّراث: مَا يُخَلِّفه الرجُل لِوَرَثَتِه»(68) .
فتدور كلمة تُراث على هذه المعاني:
1 ما يُخَلِّفه الميِّت لورثته.
2 كُلُّ ما يُمْلَك، أي: نقل تُراث الأسرة.
3 كُلُّ ما خلَّفه السَّلف من آثار علمية وفنية وأدبية، سواء مادِّيَّة كالكتب والآثار وغيرها، أم معنوية كالآراء والأنماط والعادات الحضاريّة المنتقلة جيلاً بعد جيل، مما يعتبر نفيساً بالنسبة لتقاليد العصر الحاضر وروحه(69) .
ويلمح بعض المعاصرين في لفظ «التراث» إيحاءً خاصاً إلى ما خلفه الأدباء من علوم ومعارف ومصنفات، حتى صارت عَلماً بالغلبة على النتاج الفكري لأسلافنا الذين سبقونا بالبحث والدرس، وارتياد دروب التصنيف(70) .
تعريف كلمة «الآل»
معنى الآل لغة واصطلاحاً:
من معاني الآل في اللغة : الأتباع، يقال: آل الرجل؛ أي: أتباعه وأولياؤه، ويستعمل فيما فيه شرف غالباً، فلا يقال: آل الإسكاف، كما يقال: أهله، وأصله: أهل، أبدلت الهاء همزة، فصارت «أال»، توالت همزتان، فأبدلت الثانية ألفاً، وتصغيره: أويل وأهيل(71) .
وقد استعمل لفظ «أهل» مرادفاً للفظ «آل»، لكن قد يكون لفظ
«أهل» أخص إذا استعمل بمعنى زوجة، كما في قوله تعالى خطاباً لزوجة إبراهيم عليه السلام عندما قالت: ﴿ءَأَلِدُ وَأَنَا۠ عَجُوزٞ﴾(72) ﴿رَحۡمَتُ ٱللَّهِ وَبَرَكَٰتُهُۥ عَلَيۡكُمۡ أَهۡلَ ٱلۡبَيۡتِۚ﴾(73) وقوله صلى الله عليه وسلم: خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي(74) والمراد: زوجاته.
وقد قال الراغب الأصفهاني تحت لفظة آل: «الآل مقلوب من الأهل إلى أن قال ويستعمل في من يختص بالإنسان اختصاصاً ذاتياً، إما بقرابة قريبة أو موالاة، قال عز وجل: ﴿وَءَالَ إِبۡرَٰهِيمَ وَءَالَ عِمۡرَٰنَ﴾(75) وقال: ﴿أَدۡخِلُوٓاْ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ أَشَدَّ ٱلۡعَذَابِ﴾(76) قيل: وآل النبي صلى الله عليه وسلم: أقاربه، وقيل: المختصون به من حيث العلم، وذلك أن أهل الدين: ضربان، ضرب: مختص بالعلم المتقن والعمل المحكم، فيقال لهم: آل النبي وأمته، وضرب: يختصون بالعلم على سبيل التقليد، ويقال لهم: أمة محمد، ولا يقال لهم آله فكل آل للنبي أمة له، وليست كل أمة آل له، وقيل لجعفر الصادق رضي الله عنه: الناس يقولون: المسلمون كلهم آل النبي عليه الصلاة والسلام؟ قال: كذبوا
وصدقوا، فقيل له: ما معنى ذلك؟ فقال: كذبوا أن الأمة كافتهم آله، وصدقوا في أنهم إذا قاموا بشرائط شريعته آله»(77)
وقال الجوهري: «أهل فلان، أي: تزوج. قال أبو زيد: آهلك الله في الجنة، أي: أدخلكها وزوجك فيها»(78) .
وقال الزمخشري في «الأساس»(79) : «تأهل: تزوج، وآهلك الله في الجنة إيهالاً: زوجك».
وقال الخليل: «أهل الرجل: زوجه، والتأهل: التزوج، وأهل الرجل: أخص الناس به، وأهل البيت: سكانه، وأهل الإسلام: من يدين به»(80) .
وأهل البيت : مركب من الأهل والبيت، فقد قال صاحب «القاموس المحيط»(81) : «أهل الأمر: ولاته، وللبيت: سكانه، وللمذهب: من يدين به، وللرجل: زوجته كأَهْلَتِه، وللنبي: أزواجه وبناته، وصهره علي رضي الله عنه، أو نساؤه، والرجال الذين هم آله، ولكل نبي: أمته».
معنى الآل في اصطلاح الفقهاء:
لم يتفق الفقهاء على معنى «الآل»، واختلفت لذلك الأحكام عندهم.
فقد قال الحنفية والمالكية والحنابلة: إن الآل والأهل بمعنى واحد، ولكن مدلوله عند كل منهم يختلف.
فذهب الحنفية إلى أن أهل بيت الرجل وآله وجنسه واحد، وهو: كل من يشاركه في النسب إلى أقصى أب له في الإسلام، وهو الذي أدرك الإسلام، أسلم أو لم يسلم(82) . وقيل: يشترط إسلام الأب الأعلى(83) . فكل من يناسبه إلى هذا الأب من الرجال والنساء والصبيان فهو من أهل بيته(84) .
وقال المالكية: إن لفظ الآل يتناول العصبة، ويتناول كل امرأة لو فرض أنها رجل كان عاصباً(85) .
وقال الحنابلة: إن آل الشخص وأهل بيته وقومه ونساءه وقرابته بمعنى واحد(86) .
وقال الشافعية: إن آل الرجل أقاربه، وأهله من تلزمه نفقتهم، وأهل بيته أقاربه وزوجته(87) .
والمراد بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم: هم مَن تَحرُم عليهم الصَّدقةُ، وهم أزواجُه وذريَّتُه، وكل مسلم ومسلمة من نَسْل عبد المطلب، وهم بنو هاشم بن عبد مناف.
قال ابن حزم: «ولد هاشم بن عبد مناف: شيبة، وهو عبد المطلب، وفيه العمود والشَّرف، ولَم يبْقَ لهاشم عَقِبٌ إلا مِن عبد المطلب فقط»(88) .
ويدلُّ لدخول بني أعمامه في أهل بيته ما أخرجه مسلم في «صحيحه»(89) عن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب: أنه ذهب هو والفضل بن عباس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلبان منه أن يوليهما على الصدقة ليصيبا من المال ما يتزوجان به، فقال لهما صلى الله عليه وسلم: « إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد؛ إنما هي أوساخ الناس »، ثم أمر بتزويجهما وإصداقهما من الخمس.
وقد ألحق بعض أهل العلم منهم الشافعي وأحمد: بني المطلب بن عبد مناف ببني هاشم في تحريم الصدقة عليهم؛ لمشاركتهم إياهم في إعطائهم من خمس الخمس؛ وذلك للحديث الذي رواه البخاري في «صحيحه»(90) عن جبير بن مطعم، الذي فيه أن إعطاء النبي صلى الله عليه وسلم لبني
هاشم وبني المطلب دون إخوانهم من بني عبد شمس ونوفل؛ لكون بني هاشم وبني المطلب شيئاً واحداً.
فأما دخول أزواجه رضي الله عنهن في آله صلى الله عليه وسلم: فيدل لذلك قول الله عز وجل: ﴿وَقَرۡنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجۡنَ تَبَرُّجَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ ٱلۡأُولَىٰۖ وَأَقِمۡنَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتِينَ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِعۡنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذۡهِبَ عَنكُمُ ٱلرِّجۡسَ أَهۡلَ ٱلۡبَيۡتِ وَيُطَهِّرَكُمۡ تَطۡهِيرٗا٣٣ وَٱذۡكُرۡنَ مَا يُتۡلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ وَٱلۡحِكۡمَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾(91) .
فإن هذه الآية تدل على دخولهن حتماً؛ لأن سياق الآيات قبلها وبعدها خطاب لهن، ولا ينافي ذلك ما جاء في «صحيح مسلم»(92) عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: خرج النبي صلى الله عليه وسلم غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: «﴿إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذۡهِبَ عَنكُمُ ٱلرِّجۡسَ أَهۡلَ ٱلۡبَيۡتِ وَيُطَهِّرَكُمۡ تَطۡهِيرٗا﴾»؛ لأن الآية دالة على دخولهن؛ لكون الخطاب في الآيات لهن، ودخول علي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم في الآية دلت عليه السنة في هذا الحديث، وتخصيص النبي صلى الله عليه وسلم لهؤلاء الأربعة رضي الله عنهم في هذا الحديث لا يدل على قصر أهل بيته عليهم دون القرابات الأخرى، وإنما يدل على أنهم من أخص أقاربه.
ونظير دلالة هذه الآية على دخول أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في آله ودلالة حديث عائشة رضي الله عنها المتقدم على دخول علي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم في آله، نظير ذلك دلالة قول الله عز وجل: ﴿لَّمَسۡجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقۡوَىٰ مِنۡ أَوَّلِ
يَوۡمٍ﴾ على أن المراد به مسجد قباء، ودلالة السنة في الحديث الذي رواه مسلم في «صحيحه»(93) على أن المراد بالمسجد الذي أسس على التقوى مسجده صلى الله عليه وسلم، وقد ذكر هذا التنظير شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في رسالة «فضل أهل البيت وحقوقهم»(94)
وزوجاته صلى الله عليه وسلم داخلات تحت لفظ «الآل»؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: « إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد »، ويدل لذلك أنهن يعطين من الخمس، وأيضاً ما أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه»(95) بإسناد صحيح عن ابن أبي مليكة: «أن خالد بن سعيد بعث إلى عائشة ببقرة من الصدقة فردتها، وقالت: إنا آل محمد صلى الله عليه وسلم لا تحل لنا الصدقة».
ومما ذكره ابن القيم في كتابه «جلاء الأفهام»(96) للاحتجاج للقائلين بدخول أزواجه صلى الله عليه وسلم في آل بيته قوله: «قال هؤلاء: وإنما دخل الأزواج في الآل وخصوصاً أزواج النبي صلى الله عليه وسلم تشبيهاً لذلك بالنسب؛ لأن اتصالهن بالنبي صلى الله عليه وسلم غير مرتفع، وهن محرمات على غيره في حياته وبعد مماته،
وهن زوجاته في الدنيا والآخرة، فالسبب الذي لهن بالنبي صلى الله عليه وسلم قائم مقام النسب، وقد نص النبي صلى الله عليه وسلم على الصلاة عليهن، ولهذا كان القول الصحيح وهو منصوص الإمام أحمد رحمه الله أن الصدقة تحرم عليهن؛ لأنها أوساخ الناس، وقد صان الله سبحانه ذلك الجناب الرفيع، وآله من كل أوساخ بني آدم، ويالله العجب كيف يدخل أزواجه في قوله صلى الله عليه وسلم: اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً وقوله في الأضحية: اللهم هذا عن محمد وآل محمد وفي قول عائشة رضي الله عنه: ما شبع آل رسول الله صلى الله عليه وسلم من خبز بر، وفي قول المصلي: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، ولا يدخلن في قوله: إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد، مع كونها من أوساخ الناس، فأزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى بالصيانة عنها والبعد منها؟
فإن قيل: لو كانت الصدقة حراماً عليهن لحرمت على مواليهن، كما أنها لما حرمت على بني هاشم حرمت على مواليهم، وقد ثبت في الصحيح: أن بريرة تصدق عليها بلحم فأكلته، ولم يحرمه النبي صلى الله عليه وسلم، وهي مولاة لعائشة رضي الله عنها.
قيل: هذا هو شبهة من أباحها لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم.
وجواب هذه الشبهة: أن تحريم الصدقة على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ليس بطريق الأصالة، وإنما هو تبع لتحريمها عليه صلى الله عليه وسلم، وإلا فالصدقة حلال لهن قبل اتصالهن به، فهن فرع في هذا التحريم، والتحريم على المولى فرع التحريم على سيده، فلما كان التحريم على بني هاشم أصلاً
استتبع ذلك مواليهم، ولما كان التحريم على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم تبعاً لم يقو ذلك على استتباع مواليهن؛ لأنه فرع عن فرع.
قالوا: وقد قال الله تعالى: ﴿يَٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ مَن يَأۡتِ مِنكُنَّ بِفَٰحِشَةٖ مُّبَيِّنَةٖ يُضَٰعَفۡ لَهَا ٱلۡعَذَابُ ضِعۡفَيۡنِ﴾»، وساق الآيات إلى قوله تعالى: ﴿وَٱذۡكُرۡنَ مَا يُتۡلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ وَٱلۡحِكۡمَةِۚ﴾، ثم قال: «فدخلن في أهل البيت؛ لأن هذا الخطاب كله في سياق ذكرهن، فلا يجوز إخراجهن من شيء منه، والله أعلم».
ويدل على تحريم الصدقة على موالي بني هاشم: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث رجلاً على الصدقة من بني مخزوم، فقال لأبي رافع: اصحبني فإنك تصيب منها، قال: حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسأله، فأتاه فسأله، فقال: « مولى القوم من أنفسهم، وإنا لا تحل لنا الصدقة(97) » .
تعريف كلمة «الأصحاب»
قال الجرجاني: «الصحابي: هو في العُرْفِ من رأى النبي صلى الله عليه وسلم وطالت صحبته معه، وإن لم يرو عنه صلى الله عليه وسلم. وقيل: وإن لم تَطُلْ»(98) .
وقال ابن حجر في «نخبة الفكر»(99) : «الصحابي هو : من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً به ومات على الإسلام، ولو تخللت ردة في الأصح».
والمراد باللقاء : ما هو أعم من المجالسة والمماشاة ووصول أحدهما إلى الآخر وإن لم يكالمه، وتدخل فيه رؤية أحدهما الآخر سواء كان ذلك بنفسه أو بغيره.
وقوله « مؤمناً » : كالفصل يخرج من حصل له اللقاء المذكور لكن في حال كونه كافراً.
وقوله « به »: فصل ثان يخرج من لقيه مؤمناً لكن بغيره من الأنبياء.
وقوله مات على الإسلام فصل ثالث يخرج من ارتد بعد أن لقيه مؤمناً به، ومات على الردة كعبيد الله بن جحش، وعبد الله بن خطل، ومالك بن نويرة(100) وربيعة بن أمية بن خلف(101)
فمثل هذا: ليس صحابيَّاً اتفاقاً، كما قال الحافظ ابن حجر(102)
وقوله « ولو تخللت ردة » ، أي: بين لقيه له مؤمناً به وبين موته على الإسلام، فإن اسم الصحبة باق له سواء أرجع إلى الإسلام في حياته صلى الله عليه وسلم أو بعده، وسواء ألقيه ثانياً أم لا؟
وقوله « في الأصح » إشارة إلى الخلاف في المسألة.
ويدل على رجحان الأول: قصة الأشعث بن قيس، فإنه كان ممن ارتد وأتي به إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه أسيراً فعاد إلى الإسلام، فقبل ذلك منه، وزوجه أخته، ولم يتخلف أحد عن ذكره في الصحابة ولا عن تخريج أحاديثه في المسانيد
وغيرها(103)
وكذلك: طليحة بن خويلد الأسدي، الذي كان في وفد بني أسد الذين قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ارتد وادعى النبوة، فلقيه خالد بن الوليد فأوقع به ومن معه، وهرب طليحة إلى الشام، ثم أسلم إسلاماً صحيحاً، ولم يغمص عليه في إسلامه بعد، وقد شهد القادسية ونهاوند مع المسلمين، وله مواقف عظيمة، ويقال: إنه استشهد بنهاوند(104) .
باب
آدَابُ مُعَامَلَةِ الكِبَار
للمسن مكانة متميزة في المجتمع الإسلامي، فهو يُتعامل معه بكل توقير واحترام، ويعد توقير الكبير وتقديره أدبًا من آداب الإسلام، وسنة من سنن نبي الإسلام، وفي ذلك يقول صلى الله عليه وسلم: « ليس منا من لا يرحم صغيرنا ويعرف حق كبيرنا(105) » .
وقال الترمذي: «قال بعض أهل العلم: معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم ليس منا ، يقول: ليس من سنتنا، ليس من أدبنا»(106) .
وقد اهتم الإسلام بكبار السن وأولاهم عناية خاصة باعتبارهم جزءاً من المجتمع الإسلامي، حيث أوضح عدد من علماء الدين أن إجلال كبار السن وقضاء حوائجهم من سنن الأنبياء وشيم الصالحين، وأن الشريعة الإسلامية دعت إلى التراحم بين أفراد المجتمع ونشر الفضائل.
واهتمام الإسلام هذا بأمر المسنين في المجتمع منذ أكثر من أربعة عشر قرناً، حيث اعتنى بهم في جميع نواحي الحياة الاجتماعية، والصحية، والاقتصادية، والنفسية، وبهذا يكون الإسلام قد سبق الأنظمة المعاصرة التي أخذت تنادي بالاهتمام بالمسنين في الآونة الأخيرة.
وكذلك النظرة الإسلامية للمسن تختلف عن النظرة الوضعية التي يقتصر
اهتمامها على بعض الجوانب في حياة المسن، فالإسلام ينظر إلى المسن نظرة سماوية تعبدية شمولية تهتم بصحته، وروحه، وحياته الاجتماعية، والاقتصادية، والنفسية، ومن أبرز مظاهر عناية الإسلام بالمسنين العناية بهم ضمن النطاق الأسري في الأسرة، ويظهر هذا في الأمر ببر الوالدين والإحسان إليهما، ولقد تعددت الآيات القرآنية التي توصي الإنسان بوالديه، وبرهما والإحسان إليهما في كل مراحل العمر، لكن القرآن خص مرحلة كبر سنهما باهتمام أوسع.
فالإسلام يقدم التكافل الاجتماعي للمسن ضمن نطاق العائلة الكبيرة أو الأسرة الصغيرة الواحدة أو ضمن الأسرتين، بعكس المجتمع الغربي الذي يسوده الجفاء والنكران لجميل التربية والتنشئة الاجتماعية إبان مراحل الطفولة والشباب.
وفي الإسلام أيضاً اهتمام كبير ورعاية خاصة للمسنين فيرعى الشاب المسلم أو الفتاة المسلمة الوالدين والأقارب المسنين الآباء والأمهات، والأجداد والجدات والأعمام والعمات والأخوال والخالات.
وقد أشار العلماء إلى ضرورة معاملة كبار السن ورعايتهم بطرق حسنة، والإنفاق عليهم، وتأمين الحياة الكريمة لهم من أجل إسعادهم بعد أن بذلوا عصارة حياتهم، وأدوا دورهم في الحياة على أكمل ما يكون، مؤكدين أن اهتمام الشريعة الإسلامية بالمسنين تجلى في نصوص كثيرة وردت في القرآن الكريم وفي السنة النبوية، تحث على التراحم بين أفراد المجتمع الإسلامي، ونشر الفضائل الإنسانية بينهم.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَبۡخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشۡيَآءَهُمۡ﴾(107) وقال تعالى: ﴿قَالُواْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡعَزِيزُ
إِنَّ لَهُۥٓ أَبٗا شَيۡخٗا كَبِيرٗا فَخُذۡ أَحَدَنَا مَكَانَهُۥٓۖ إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾(108) فمِن ثَمَّ قال بعض العلماء: «الفقه من هذه الجملة أن للكبير حقَّاً يُتَوَسَّلُ به، كما توسلوا بكبر يعقوب، وقد ورد في الاستسقاء إخراج الشيوخ»(109)
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « أعط كل ذي حقٍّ حقَّه(110) » .
فمن محاسن هذه الشريعة الإلهية: أنها فرضت للأكابر حقوقاً وآداباً يجب أن تُعطى لهم كاملة غير منقوصة، وأن تُبذل لهم تعبداً وتأدباً عن قناعة، بل عن طيب خاطر، وسماحة نفس كخفض الصوت بحضرتهم، وإعداد المحاريب لإمامتهم، والانتفاع بخبرتهم، والالتقاط من جواهر علومهم، وإفساح المجالس لهم، وتهيئة الموضع اللائق بشيبتهم في صدورها، كما توضع الدرر الكبار في العقد المنضود.
وقد خاطب بعض الشيوخ النشء معلماً ومؤدباً، فقال ضمن وصية جامعة نافعة: «اعرف للكبير قدره وحقه، فإذا ماشيته فسِر عن يمينه متأخراً
عنه بعض الشيء، وإذا دخلت أو خرجت فقدمه عليك في الدخول والخروج، وإذا التقيت به فأعطه حقه من السلام والاحترام، وإذا اشتركت معه في حديث فمكنه من الكلام قبلك، واستمع إليه بإصغاء وإجلال، وإذا كان في الحديث ما يدعو للمناقشة فناقشه بأدبٍ وسكينة ولُطف، وغُضَّ من صوتك في حديثك إليه، وإذا خاطبته أو ناديته فلا تنس تكريمه في الخطاب والنداء»(111)
بيان قوة ترابط المجتمع المسلم
عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم، كمثل الجسد، إذا اشتكى عضواً تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى(112) » .
في هذا الحديث جعل النبي صلى الله عليه وسلم أهل الإيمان الكامل هم الذين يرحم بعضهم بعضاً بإخوة الإيمان لا بسبب شيء آخر، وهم الذين يتواصلون تواصلاً جالباً للمحبة كالتزاور والتهادي، وهم الذين يعين بعضهم بعضاً، كما يعطف الثوب عليه ليقويه.
علاقة طردية:
فكأن في هذا الحديث علاقة طردية بين المجتمع الإسلامي ورعاية المسنين، فحيثما وجدت مجتمعاً مسلماً فثمة اهتمام ورعاية خاصة بالمسنين المسلمين، حيث يعتبر من السخافة والسفاهة والعار ترك الأقارب في دور المسنين والعجزة، ولا شك أن الأجيال الكبيرة في السن هي الأجيال البانية التي بنت وزرعت للأجيال الشابة، فكما بنى الأجداد لآبائنا، فإن آباءنا بنوا لنا، ونحن نبني لأبنائنا، وهكذا تسير الحياة عبر التاريخ الإنساني، وبالتالي فإن من الواجب توقير الأجيال الكبيرة في السن واحترامها ومنحها الرعاية الهامة والمهمة في حال عجزها وعدم تمكنها من تمضية أوقات فراغها أو عدم استطاعتها ممارسة الحرف والمهن التي كانت تمارسها قبل تعبها وإرهاقها من سنوات الحياة الطويلة.
قال القاضي عياض: «فتشبيهه المؤمنين بالجسد الواحد تمثيل صحيح، وفيه: تقريب للفهم وإظهار للمعاني في الصور المرئية، وفيه: تعظيم حقوق المسلمين والحض على تعاونهم، وملاطفة بعضهم بعضاً»(113) .
وقال ابن أبي جمرة: «شبه النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان بالجسد، وأهله بالأعضاء؛ لأن الإيمان أصل وفروعه التكاليف، فإذا أخل المرء بشيء
من التكاليف شأن ذلك الإخلال الأصل، وكذلك الجسد أصل كالشجرة، وأعضاؤه كالأغصان، فإذا اشتكى عضو من الأعضاء اشتكت الأعضاء كلها كالشجرة، إذا ضرب غصن من أغصانها اهتزت الأغصان كلها بالتحرك والاضطراب»(114)
تسويد الأكابر(115)
لا شك أن كبير السن إن كان يعاني صورة واضحة من صور الضعف، فقد ازداد خبرة ودراية وحكمة، وقد يكون ازداد مالاً وجاهًا كذلك، فهو أولى بالسيادة من الأحداث الذين لا فقه لهم.
فعن حكيم بن قيس بن عاصم: أن أباه(116) أوصى عند موته بنيه فقال: «اتقوا الله وسودوا أكبركم، فإن القوم إذا سودوا أكبرهم خلفوا أباهم، وإذا سودوا أصغرهم أزرى بهم ذلك في أكفائهم. وعليكم بالمال واصطناعه، فإنه منبهة للكريم، ويستغنى به عن اللئيم. وإياكم ومسألة الناس، فإنها من آخر كسب الرجل. وإذا مت فلا تنوحوا، فإنه لم ينح على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإذا مت فادفنوني بأرض لا يشعر بدفني بكر بن
وائل، فإني كنت أغافلهم في الجاهلية»(117)
فقول قيس بن عاصم: «إن القوم إذا سودوا أكبرهم خلفوا أباهم، وإذا سودوا أصغرهم أزرى بهم ذلك في أكفائهم» = تعليل واضح في تسويد الأكابر دون الأحداث.
وقال أبو الحسن المدائني: «خطب زيادٌ ذات يوم على منبر الكوفة، فقال: أيها الناس إني بتُّ ليلتي هذه مُهْتماً بخلالٍ ثلاث، رأيت أن أتقدم إليكم فيهن بالنصيحة: رأيتُ إعظام ذوي الشرف، وإجلال ذوي العلم، وتوقير ذوي الأسنان، والله لا أوتى برجلٍ رَدَّ على ذي علمٍ ليضع بذلك منه إلا عاقبته، ولا أوتى برجل رد على ذي شرف ليضع بذلك من شرفه إلا عاقبته، ولا أوتى برجل ردَّ على ذي شيبة ليضعه بذلك إلا عاقبته، إنما الناس بأعلامهم، وعلمائهم، وذوي أسنانهم»(118) .
وقال المناوي: «البركة مع أكابركم المجربين للأمور، المحافظين على تكثير الأجور، فجالسوهم لتقتدوا برأيهم، وتهتدوا بهديهم»(119) .
إجلال الكبير(120)
إجلال الكبير وتوقيره وقضاء حوائجه سنة من سنن الأنبياء، وشيمة من شيم الصالحين الأوفياء، ومن ثم يجب أن يُجل الصغار كبار السن لاسيما الوالدين من الآباء والأمهات، قال تعالى: ﴿إِمَّا يَبۡلُغَنَّ عِندَكَ ٱلۡكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوۡ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفّٖ وَلَا تَنۡهَرۡهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوۡلٗا كَرِيمٗا٢٣وَٱخۡفِضۡ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحۡمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرۡحَمۡهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرٗا﴾(121) .
ولقد دعا الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أن نحسن معاملة المسنين، وأن نوقرهم، فقال صلى الله عليه وسلم: « ما أكرم شاب شيخاً لسنه إلا قيض الله له من يكرمه عند سنه(122) » .
ومن ثم فإن الإسلام يحفظ الحقوق ويقدر دور المسنين والآباء في عطائهم، فأوجب على المجتمع توفير الرعاية لهم في فترة ضعفهم، ولقد كان أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما يستنيران برأي الشيوخ حين تختلط الأمور عليهما؛ لثقتهما في خبرة الشيوخ، كما كان أبو بكر رضي الله عنه مثالاً للابن البار، فلم يجلس وأبوه واقف، بل كان يوقره
ويحسن معاملته.
ولابد أن يعلم الصغار أن توقير واحترام الكبار هو من تعظيم العزيز الجبار، فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، قال: «إن من إجلال الله: إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه ولا الجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط»(123) .
فأبو موسى رضي الله عنه في هذه الكلمات الرقيقة يُعظِّم عند المسلمين قيمة الشيخ الكبير، حتى إنه لَيُقدِّمه على حامل القرآن، وعلى الحاكم العادل مع عظم قدرهما، وسمو مكانتهما.
فقوله: «إن من إجلال الله»، يعني: من تبجيل الله وتعظيم الله.
و«إكرام ذي الشيبة المسلم»، أي: تعظيم الشيخ الكبير صاحب الشيبة البيضاء الذي عمر في الإسلام، بتوقيره في المجالس، والرفق به، والشفقة عليه، ونحو ذلك، كل هذا من كمال تعظيم الله لحرمته عند الله(124) .
فمن العلامات التي تبين أن هذا الإنسان يعظم الله سبحانه وتعالى: إكرام ذي الشيبة المسلم، أي: الذي شاب رأسه ولحيته في التوحيد، وفي العبادة، وفي الصيام، وفي طاعة الله سبحانه وتعالى، وفي ذكره عز وجل.
فهذا لا شك أنه تتضاعف حرمته بسبب هذا النور الذي جعله الله في شعره، وهو نور المسلم كما وصفه النبي صلى الله عليه وسلم، فهذه الشيبة توجب له حقاً زائداً على من هو دونه، فإن من تعظيم الله أن تعظم من شاب رأسه ولحيته في التوحيد.
قال الصنعاني: «أي: أنه تعالى يكرمه فيغفر له ويعظم شأنه، ويعلمكم أنه يكرمه، أو من إجلالكم الله تعالى أن تكرموا ذا الشيبة المسلم، فتعظيمكم إياه وتوقيره إجلال لله تعالى؛ فإنه يحتمل الإضافة إلى الفاعل والمفعول»(125) .
وعن عمرو بن عبسة مرفوعاً: « من شاب شيبة في الإسلام كانت له نوراً يوم القيامة(126) » .
وعن طاوس، قال: «من السنة أن يوقر أربعة: العالم، وذو الشيبة، والسلطان، والوالد»، ويقال: «إن من الجفاء أن يدعو الرجل والده باسمه»(127) .
فالمعاملة بين أهل الإسلام ينبغي أن تكون وفق ما جاء في تعاليم دين العزيز العلام، ومن ذلك أن يُعامل بعضهم بعضاً بكل أدب واحترام، يقول الإمام ابن القيم: «وأما الأدب مع الخلق: فهو معاملتهم على اختلاف مراتبهم بما يليق بهم، فلكل مرتبة أدب، والمراتب فيها أدب خاص، فمع الوالدين: أدب خاص، وللأب منهما: أدب هو أخص به، ومع العالم: أدب آخر، ومع السلطان: أدب يليق به، وله مع الأقران أدب يليق بهم، ومع الأجانب: أدب غير أدبه مع أصحابه وذوي أنسه، ومع الضيف: أدب غير أدبه مع أهل بيته»(128) .
ويقول الإمام الدهلوي: «السنة الفاشية في الملل جميعها توقير الكبير»(129) .
وذلك عملاً بما أمرنا به رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، فقد قال: « ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويُوَقِّرْ كبيرنا(130) » .
يقول الحافظ المناوي: «ويوقر كبيرنا، الواو بمعنى: أو، فالتحذير من كل منهما وحده، فيتعين أن يعامل كلاً منهما بما يليق به، فيعطي
الصغير حقه من الرفق به والرحمة والشفقة عليه، ويعطي الكبير حقه من الشرف والتوقير»(131)
ومن صور الإكرام وتوقير الصغير للكبير: أن يحترمه وينزله منزلته، وأن لا يؤذيه بقوله ولا بفعله، وأن يعينه، ويقف معه إذا احتاج إليه، ويبدأه بالسلام إذا لقيه.
إجلال ابن الأخ لعمه
وإن كنا مأمورين بإجلال الكبير، الذي ليس بيننا وبينه قرابة نسب، فلا شك أن إجلال الكبير ذي النسب أولى وأولى، وهذا ما نجده عند آبائنا الأولين.
فعن أبي صالح ذكوان، عن صهيب مولى العباس قال: رأيت علياً رضي الله عنه يقبل يدي العباس ورجله ويقول: «يا عم، ارض عني»(132) .
الإشفاق على الكبير
يُعتبر المجتمع المسلم من أفضل المجتمعات الإنسانية العالمية قاطبة؛ لما فيه من الود والمحبة والتعاون والتكاتف والتكافل
الاجتماعي في جميع مناحي مسيرة الحياة من الولادة وحتى الممات، أو كما يقال: من المهد إلى اللحد، فالمجتمع المسلم كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً، ولقد زخر مجتمع سلفنا الصالح بكثير من صور الإشفاق على الكبير، منها:
عن عبد الرحمن بن شُمَاسة، أن فقيماً اللخمي، قال لعقبة بن عامر رضي الله عنه: تختلف بين هذين الغرضين وأنت كبير يشق عليك!
قال عقبة: لولا كلام سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم أعانيه.
فقيل لابن شُمَاسة: وما ذاك؟
قال: إنه قال: « من علم الرمي، ثم تركه، فليس منا »، أو « قد عصى(133) » .
فكان عقبة بن عامر رضي الله عنه يعاني ويتكلف التدريب على الرمي، وهو كبير السن، ويشق عليه ممارسته، ومحاولة إصابة الهدف القريب والبعيد، والتحرك بين الهدفين.
والغرض هو: هدف الرامي الذي يحاول إصابته بسهامه.
والاستفهام: إنكاري توبيخي، أي: ما ينبغي أن تفعل ذلك(134) .
الاستفسار عن فعل الكبير
عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كنت مع رسول الله جالساً فتبسم، فقلنا: يا رسول الله مم تبسمت؟
قال: « تعجباً للمؤمن من جزعه من السقم، ولو كان يعلم ما له في السقم أحب أن يكون سقيماً حتى يلقى الله ».
ثم تبسم ثانية ورفع رأسه إلى السماء، قلنا: يا رسول الله مم تبسمت ورفعت رأسك إلى السماء؟
قال: « عجبت من ملكين نزلا من السماء يلتمسان عبداً مؤمناً كان في مصلاه يصلى، فلا يجداه فعرجا إلى الله، فقالا: يا رب عبدك فلان المؤمن كنا نكتب له من العمل في يوم وليلة كذا وكذا، فوجدنا قد حبسته في حبالك فلم نكتب له شيئاً من عمله! فقال: اكتبوا لعبدي عمله الذي كان يعمله في يومه وليلته، ولا تنقصوا منه شيئاً فعلي أجر ما حبسته، وله أجر ما كان يعمل(135) » .
وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، قال: خسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلى، قالوا: يا رسول الله، رأيناك تناولت
شيئاً في مقامك، ثم رأيناك تكعكعت!
قال: « إني أريت الجنة، فتناولت منها عنقوداً، ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا(136) » .
استفسار الولد عن فعل أبيه
إن كان كما رأينا نهم الصغار إلى معرفة حقيقة فعل الكبار، فلا شك أنه إذا كان هؤلاء الكبار محل قدوة للصغار = سيكون هذا النهم أشد وأعظم.
فعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما، قالت: رأيت أبي يصلي في ثوب واحد وثيابه موضوعة، فقال: «يا بنية، إن آخر صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفي في ثوب واحد»(137) .
وعن أوس بن أبي أوس قال: رأيت أبي توضأ فمسح على نعليه فأنكرت ذلك عليه فقلت: أتمسح على النعلين؟
فقال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح عليهما(138) .
فنلاحظ في هذين الأثرين معاني تربوية عظيمة، منها:
عظم الوالد في عين ابنه.
وأن عين الابن معقودة بجوارح أبيه.
وأن الابن ينظر لكل ما يصدر من أبيه نظر القدوة والاعتبار.
وأن استفسار الولد عن فعل أبيه، ليس مما ينافي الأدب.
الاحتجاج بأفعال الكبار
اعتبار صحة أفعال الكبار أمر فطري في النفوس، ونلاحظه في حياتنا اليومية، فكثيراً ما يعتذر الصغار عن خطأ أفعالهم برؤيتهم الكبار يفعلون هذه الأفعال، وهو: أمر دال على الإجلال والتعظيم، والتقدير لكل ما يصدر عن الكبار، وهو: ما نطق به كذلك آثار سلفنا الصالح، منها:
عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: « لقد رأيت كبار أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يبتدرون السواري عند المغرب(139) » .
وعن زيد بن أسلم قال: «كان كبار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلون المسجد، ثم يخرجون ولا يصلون»(140) .
ولما قال ابن بطال: «اتفق جماعة أهل الفتوى على أن تأويل هذا الحديث (الأمر بتحية المسجد) محمول على الندب والإرشاد مع استحبابهم الركوع لكل من دخل المسجد، وهو طاهر، في وقت تجوز فيه النافلة»(141) .
قال الكرماني معللاً هذا الاتفاق: «لما روي أن كبار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يدخلون المسجد، ثم يخرجون ولا يصلون»(142) .
إنكار الصغير على الكبير
عن عبد الله بن عمر، عن سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مسح على الخفين، وأن عبد الله بن عمر سأل عمر عن ذلك فقال: نعم، إذا حدثك شيئاً سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم، فلا تسأل عنه غيره(143) .
وفي رواية: أن ابن عمر قال: أنكرت على سعد بن أبي وقاص وهو أمير بالكوفة المسح على الخفين، فقال: وعلي في ذلك بأس! وهو
مقيم بالكوفة.
فقال عبد الله: لما قال ذلك عرفت أنه يعلم من ذلك ما لا أعلم فلم أرجع إليه شيئاً، ثم التقينا عند عمر فقال سعد: استفت أباك فيما أنكرت علي في شأن الخفين.
فقلت: أرأيت أحدنا إذا توضأ وفي رجليه الخفان، عليه في ذلك بأس أن يمسح عليهما؟
قال عمر: إذا أدخلت رجليك فيهما وأنت طاهر(144) .
فكما رأينا في الأثرين السابقين أن استفسار الولد عن فعل أبيه = ليس عقوقاً، فكذلك إنكار الصغير على الكبير ليس من باب سوء الأدب أو قلته، ما دام خارجاً في نطاق الأدب، وعدم استعمال ما يشين الكبير.
والكبير هنا كبير سناً وقدراً، فسعد هو ابن أبي وقاص، الذي كان أميراً حين إنكار عبد الله بن عمر عليه، وقبل ذلك هو الذي قال عن نفسه: «ما أسلم أحد إلا في اليوم الذي أسلمت فيه، ولقد مكثت سبعة أيام، وإني لثلث الإسلام»(145) .
وقال كذلك: «إني لأول العرب رمى بسهم في سبيل الله»(146) .
ونثل له
النبي صلى الله عليه وسلم كنانته يوم أحد، وجمع له أبويه وهو يقاتل، وقال: ارم فداك أبي وأمي(147)
زجر الكبير الذي يخالف الشرع
عن ابن أبي ليلى، قال: كان حذيفة بالمداين، فاستسقى، فأتاه دهقان بقدح فضة فرماه به، فقال: إني لم أرمه إلا أني نهيته فلم ينته، وإن النبي صلى الله عليه وسلم نهانا عن الحرير والديباج، والشرب في آنية الذهب والفضة، وقال: « هن لهم في الدنيا، وهي لكم في الآخرة(148) » .
والدهقان بالفارسية: زعيم القوم وكبير القرية، ولمَّا حصل منه تكرار المخالفة، لم يمتنع حذيفة من أن يغلظ عليه بالقول، ويعامله بما لا يعامل الذي حصل منه الخطأ في الابتداء، فرماه بالإناء منكراً صنيعه؛ لما سبق له أن منعه من ذلك فلم يمتنع.
صور من بر الوالدين
لقد وجه الإسلام عناية خاصة لكبار السن، واعتبرهم مستحقين القدر الكبير من الرعاية مقابل التضحيات التي قدموها من أجل إسعاد الجيل
الذي ربوه ورعوه، والعناية بكبار السن والمسؤولية عنه قد أنيطت في الإسلام بالأبناء أولاً، فمسؤولية الأبناء عن بر الآباء ورعايتهم مسؤولية إلزامية، بمعنى: أن أوامر الدين توجب على الأولاد رعاية آبائهم في كبرهم، وإذا لم يكن لهم أبناء انتقلت المسؤولية عنهم إلى المجتمع، ممثلاً في الدولة بصورة إلزامية، كذلك يعزز ذلك ما تزخر به النصوص من ترغيب في الخير، وفي الإحسان إلى الآخرين، وخاصة العاجزين بما فيهم كبار السن، والذي ينشئ في النفس المؤمنة دافعاً تلقائياً إلى بذل الخير طواعية في تلك الوجوه.
عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، أنه قال: كان الفضل بن عباس رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءته امرأة من خثعم تستفتيه، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر، قالت: يا رسول الله، إن فريضة الله على عباده في الحج، أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟
قال: « نعم ».
وذلك في حجة الوداع(149) .
وفي رواية عن ابن عباس، عن الفضل: أن امرأة من خثعم، قالت: يا رسول الله، إن أبي شيخ كبير، عليه فريضة الله في الحج، وهو لا يستطيع أن يستوي على ظهر بعيره؟
فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
فحجي عنه(150)
ففي هذا الحديث: بر الوالدين، والاعتناء بأمرهما، والقيام بمصالحهما، من قضاء دين، وخدمة، ونفقة، وغير ذلك من أمور الدين والدنيا(151) ، وأن البر لا ينقطع بعد الموت.
وقال القرطبي: «قال علماؤنا: حديث الخثعمية ليس مقصوده الإيجاب، وإنما مقصوده الحث على بر الوالدين والنظر في مصالحهما دنيا وديناً، وجلب المنفعة إليهما جبلة وشرعاً، فلما رأى من المرأة انفعالاً وطواعية ظاهرة، ورغبة صادقة في برها بأبيها، وحرصاً على إيصال الخير والثواب إليه، وتأسفت أن تفوته بركة الحج، أجابها إلى ذلك. كما قال للأخرى التي قالت: إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت أفأحج عنها؟ قال: حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته قالت: نعم. ففي هذا ما يدل على أنه من باب التطوعات وإيصال البر والخيرات للأموات، ألا ترى أنه قد شبه فعل الحج بالدين. وبالإجماع لو مات ميت وعليه دين لم يجب على وليه قضاؤه من ماله، فإن تطوع بذلك تأدى الدين عنه. ومن الدليل على أن الحج في هذا الحديث ليس بفرض على أبيها ما صرحت به هذه المرأة بقولها: لا يستطيع، ومن لا يستطيع لا يجب عليه. وهذا تصريح بنفي الوجوب
ومنع الفريضة»(152)
وكذلك من صور بر الوالدين التي سجلها لنا الصحب الكرام: ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه أبصر رجلين، فقال لأحدهما: ما هذا منك؟
فقال: أبي.
فقال: لا تسمه باسمه، ولا تمش أمامه، ولا تجلس قبله(153) .
وعن معاذ رضي الله تعالى عنه، قال: «لا يصلح تقبيل اليد إلا للإمام العادل والوالدين»(154) .
تعظيم أهل العلم
مما علينا أن نعلمه في هذا المقام أن ممن يجب علينا أن نعاملهم بكل أدب واحترام وتوقير، أناسًا نَفعهم كبير وخيرهم على المسلمين بعد فضل الله القدير كثير، ألا وهم العلماء الربانيون الذين هم مصابيح الدجى ومنارات الهدى، يقول الإمام طاوس بن كيسان: «مِن السُّنَّة أن يُوقَّر أربعة: العالم، وذو الشَّيبة، والسُّلطان، والوالد»(155) .
فتوقير
العلماء من توقير شريعتنا الإسلامية، يقول الشيخ ابن عثيمين: «وبتوقير العلماء توقر الشريعة؛ لأنهم حاملوها، وبإهانة العلماء تهان الشريعة؛ لأن العلماء إذا ذلوا وسقطوا أمام أعين الناس ذلت الشريعة التي يحملونها، ولم يبق لها قيمة عند الناس، وصار كل إنسان يحتقرهم ويزدريهم، فتضيع الشريعة»(156)
ولقد ضرب لنا أصحاب خير الأنام أروع الأمثلة في معاملة أهل العلم بالتوقير والاحترام، ومن هؤلاء الأعلام:
ابن عم نبينا عليه الصلاة والسلام، الصحابي الجليل، ترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، فعن الإمام الشعبي رحمه الله قال: «ذهب زيد بن ثابت ليركب ووضع رجليه في الركاب، فأمسك ابن عباس بالركاب، فقال: تنح يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم!
قال: لا، هكذا نفعل بالعلماء والكبراء»(157) .
وفي رواية عن عمار بن أبي عمار: أن زيد بن ثابت ركب يوماً، فأخذ ابن عباس بركابه، فقال: تنح يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم!
فقال: «هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا وكبرائنا».
فقال زيد: أرني يدك. فأخرج يده، فقبلها، فقال: «هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا صلى الله عليه وسلم»(158) .
ويقول الإمام ابن القيم: «مَن له عِلْمٌ بالشَّرع والواقع يعلم قطعاً أن الرجل الجليل، الذي له في الإسلام قدمٌ صالحة، وآثار حسنة، وهو منَ الإسلام وأهله بمكان، قد تكون منه الهفْوة والزَّلة، هو فيها معذور، بل مأجور لاجتهادِه، فلا يجوز أن يُتبع فيها، ولا يجوز أن تُهدَر مكانته وإمامته في قلوب المسلمين»(159) .
وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت لرجل من الأنصار: هلم فلنسأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإنهم اليوم كثير.
قال: واعجباً لك يا ابن عباس، أترى الناس يفتقرون إليك، وفي الناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من فيهم!
قال: فترك ذلك وأقبلت أنا أسأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحديث، فإن كان ليبلغني الحديث عن الرجل فآتي بابه وهو قائل فأتوسد ردائي على بابه تسفي الريح علي من التراب، فيخرج فيقول: يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جاء بك؟ ألا أرسلت إلي فآتيك؟
فأقول: أنا أحق أن آتيك، فأسأله عن الحديث.
قال:
فعاش ذلك الرجل الأنصاري حتى رآني وقد اجتمع الناس حولي، فيقول: هذا الفتى كان أعقل مني(160)
قال الحاكم: «هذا حديث أصل في طلب الحديث، وتوقير المحدث»(161) .
وكان علي بن الحسين زين العابدين يدخل المسجد فيشق الناس حتى يجلس في حلقة زيد بن أسلم فعوتب في ذلك فقال: «إن العلم يبتغى ويؤتى ويطلب من حيث كان»(162) .
وقال عبد الملك بن عمير: «لقد رأيت عبد الرحمن بن أبي ليلى في حلقة فيها نفر من الصحابة يستمعون لحديثه وينصتون له، منهم: البراء بن عازب»(163) .
وفي الصحيحين(164) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ على أبي بن كعب: ﴿لَمۡ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾(165) ، وأن الله أمره بذلك.
قال بعضهم: قرأ
عليه لتعليمه.
وقال بعضهم: لِيُسِنَّ التواضع في أخذ الإنسان من العلوم عن أهلها، وإن كانوا دونه في النسب والدين والفضيلة والمرتبة والشهرة وغير ذلك، ولينبه الناس على فضيلة أُبي وتقديمه، فيجتهدون في الأخذ عنه، وإنما خص هذه السورة لاقتضاء الحال الاختصار مع أنها جامعة(166) .
تقبيل يد العلماء
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «قبلة الوالد عبادة، وقبلة الولد رحمة، وقبلة المرأة شهوة، وقبلة الرجل إخاء دين»(167) .
وقال المروذي: سألت أبا عبد الله عن قبلة اليد، فقال: إن كان على طريق التدين فلا بأس؛ قد قبل أبو عبيدة يد عمر بن الخطاب رضي الله عنهما(168) ، وإن كان على طريق الدنيا فلا، إلا رجلاً يُخاف سيفه أو سوطه(169) .
وقال إسماعيل بن إسحاق الثقفي: سألت أبا عبد الله، قلت: ترى أن يقبل الرجل رأس الرجل أو يده؟ قال
نعم(170)
وقال الشيخ تقي الدين: «تقبيل اليد لم يكونوا يعتادونه إلا قليلاً»، وذكر ما رواه أبو داود وغيره عن ابن عمر: أنهم لما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم عام مؤتة قبلوا يده، وأنه رخص فيه أكثر العلماء كأحمد وغيره على وجه الدين، وكرهه آخرون كمالك وغيره(171) .
وقال عبد الله بن أحمد: «رأيت كثيراً من العلماء والفقهاء والمحدثين وبني هاشم وقريش والأنصار يقبلونه يعني: أباه ، بعضهم يديه وبعضهم رأسه، ويعظمونه تعظيماً، لم أرهم يفعلون ذلك بأحد من الفقهاء غيره، لم أره يشتهي أن يفعل ذلك»(172) .
وعن جميلة أم ولد أنس بن مالك قالت: كان ثابت إذا أتى أنساً قال: «يا جارية، هاتي طيباً أمسه بيدي؛ فإن ثابتاً إذا جاء لم يرض حتى يقبل يدي»(173) .
وعن موسى بن داود قال: كنت عند سفيان بن عيينة فجاء حسين الجعفي، فقام ابن عيينة فقبل يده(174) .
الإقرار لذوي الفضل بفضلهم
«إنما يعرف الفضل لأهل الفضل ذوو الفضل»(175) ، أي: أنه لا يعرف حق ذي الفضيلة وما يجب له من الإعظام والإكرام إلا صاحب الفضيلة؛ لأنه عرف مقدارها، فيعرف مقدار حاملها.
فهذا عمر بن الخطاب يقر لأبي بكر رضي الله عنهما بفضله:
فعن أبي رجاء العطاردي قال: أتيت المدينة، فإذا الناس مجتمعون، وإذا في وسطهم رجل يقبل رأس رجل وهو يقول: إنا فداؤك، ولولا أنت هلكنا، فقلت: من المُقَبِّل، ومن المُقَبَّل؟
قيل: ذاك عمر بن الخطاب يقبل رأس أبي بكر رضي الله عنه في قتال أهل الردة الذين منعوا الزكاة(176) .
وهذا علي بن أبي طالب يقر لأبي بكر وعمر بن الخطاب رضي الله عنهم بفضلهما:
فعن محمد ابن الحنفية، قال: قلت لأبي أي الناس خير بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
قال: «أبو
بكر».
قلت: ثم من؟
قال: «ثم عمر».
وخشيت أن يقول عثمان، قلت: ثم أنت؟
قال: «ما أنا إلا رجل من المسلمين»(177) .
وعن وهب السوائي قال: خطبنا علي رضي الله عنه فقال: «مَن خير هذه الأمة بعد نبيها»؟
فقلت: أنت يا أمير المؤمنين.
قال: لا، خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر رضي الله عنه، وما نبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر رضي الله عنه(178) .
وهذان أبو جعفر الباقر وابنه جعفر يقرا لأبي بكر وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما بفضلهما:
قال ابن فضيل عن سالم بن أبي حفصة: سألت أبا جعفر الباقر وابنه جعفراً عن أبي بكر وعمر، فقالا لي: يا سالم، تولهما وابرأ من عدوهما؛ فإنهما كانا إمامي هدى(179) .
وهذا
حذيفة بن اليمان يقر لعمر بن الخطاب رضي الله عنهما بفضله:
فعن ابن سيرين، قال: سئل حذيفة عن شيء فقال: «إنما يفتي أحد ثلاثة: من عرف الناسخ والمنسوخ».
قالوا: ومن يعرف ذلك؟
قال: «عمر، أو رجل ولي سلطاناً فلا يجد بُدَّاً من ذلك، أو متكلف»(180) .
وهذا عبد الله بن مسعود يقر لعمر بن الخطاب رضي الله عنهما بفضله:
فعن أبي عبيدة، عن ابن مسعود: أن سعيد بن زيد قال له: يا أبا عبد الرحمن، قد قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فأين هو؟
قال: «في الجنة هو».
قال: توفي أبو بكر فأين هو؟
قال: «ذاك الأواه عند كل خير يبغى».
قال: توفي عمر فأين هو؟
قال: «إذا ذكر الصالحون فحي هلا
بعمر»(181)
وعن قيس، قال: قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «مازلنا أعزة منذ أسلم عمر»(182) .
وكان ابن مسعود يقول: «إن عمر بن الخطاب كان حصناً حصيناً للإسلام، يدخل في الإسلام فلا يخرج منه، فلما مات عمر فثلم من الحصن ثلمة فهو يخرج منه ولا يدخل فيه، وكان إذا سلك طريقاً وجدناه سهلاً، فإذا ذكر الصالحون فحيهلا بعمر، فصلاً ما بين الزيادة والنقصان، والله لوددت أني أخدم مثله حتى أموت»(183) .
وهذا عبد الله بن عمر يقر لعثمان بن عفان رضي الله عنهم بفضله:
فعن عثمان بن موهب، قال: جاء رجل من أهل مصر حج البيت، فرأى قوماً جلوساً، فقال: من هؤلاء القوم؟
فقالوا: هؤلاء قريش.
قال: فمن الشيخ فيهم؟
قالوا: عبد الله بن عمر.
قال: يا ابن عمر،
إني سائلك عن شيء فحدثني، هل تعلم أن عثمان فر يوم أحد؟
قال: نعم.
قال: تعلم أنه تغيب عن بدر ولم يشهد؟
قال: نعم.
قال: تعلم أنه تغيب عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟
قال: نعم.
قال: الله أكبر.
قال ابن عمر: تعال أبين لك، أما فراره يوم أحد: فأشهد أن الله عفا عنه وغفر له.
وأما تغيبه عن بدر: فإنه كانت تحته بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت مريضة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن لك أجر رجل ممن شهد بدراً وسهمه ».
وأما تغيبه عن بيعة الرضوان: فلو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان، وكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان إلى مكة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده اليمنى: « هذه يد عثمان ». فضرب بها على يده، فقال: « هذه لعثمان »، فقال له ابن عمر: اذهب بها الآن معك(184) .
وكذلك
عبد الله بن عمر يقر لعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم بفضلهما:
فعن العلاء بن عرار، أنه سأل ابن عمر عن علي وعثمان.
قال: «أما علي فهذا منزله، لا أحدثك عنه بغيره، وأما عثمان: فأذنب يوم أحد ذنباً عظيماً، فعفا الله عنه، وأذنب فيكم ذنباً صغيراً، فقتلتموه»(185) .
تسليم الصغير على الكبير(186)
عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « يسلم الصغير على الكبير، والمار على القاعد، والقليل على الكثير(187) » .
ففي هذا الحديث حق أصيل للكبير على الصغير، وهو: أن يبدأه بإلقاء السلام عليه إذا لقيه؛ لما فيه من تعظيم وتوقير، ولكن إن سبق الكبير فألقى السلام، فهو خير وتفضل منه، ومتأسٍ بالنبي صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام
رضوان الله عليهم؛ فعن أنس بن مالك رضي الله عنه: أنه مر على صبيان فسلم عليهم، وقال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله»(188)
وإذا تأملنا كيف بدأهم بالسلام عليه الصلاة والسلام، مع قوله: « ليسلم الصغير على الكبير »، لكان الجواب: أن هذا من كمال خصاله وجميل فعاله، بأبي هو وأمي، وحتى يتربى الصغار على مثل هذا؛ فإن الصبية يحتاجون للتكرار في التعليم والتربية.
الأدب في خطاب الكبار
من المعلوم: أن خطاب العامة غير خطاب الخاصة، وخطاب الكبار غير خطاب الأطفال والشباب... فلكل مقام مقال، ولكل جبهة سلاح وعتاد، وقد أُمْرنا أن ننزل الناس منازلهم، وكل ذلك يدخل في ميدان الحكمة وفقه الدين، قال تعالى: ﴿وَمَن يُؤۡتَ ٱلۡحِكۡمَةَ فَقَدۡ أُوتِيَ خَيۡرٗا كَثِيرٗاۗ﴾(189) .
وعن أبي هريرة أو عن أبي سعيد رضي الله عنهما، قال: لما كان غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة، قالوا: يا رسول الله لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا فأكلنا وادهنا؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
افعلوا(190)
نلاحظ في هذه الدرر أدباً رفيعاً، قلما نسمعه الآن من صغارنا تجاه كبارنا، وهو قول الصحابة رضوان الله عليهم: «لو أذنت»، فمن أحسن آداب خطاب الكبار والسؤال منهم، فيقال: لو فعلت كذا أو أمرت بكذا، لو أذنت في كذا، وأشرت بكذا...
قال النووي: «قولهم: لو أذنت لنا، هذا من أحسن آداب خطاب الكبار والسؤال منهم، فيقال: لو فعلت كذا أو أمرت بكذا، لو أذنت في كذا، وأشرت بكذا، ومعناه: لكان خيراً أو لكان صواباً»(191) .
وليس هذا الأدب الجم تجاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقط، بل تجاه كل كبير، فبحق قد أعدَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم جيلاً قرآنياً يمشي على الأرض؛ فعن عكرمة بن خالد: أن حفصة، وابن مطيع، وعبد الله بن عمر كلموا عمر بن الخطاب، فقالوا: لو أكلت طعاماً طيباً كان أقوى لك على الحق؟
قال: «أكلكم على هذا الرأي؟».
قالوا: نعم.
قال: «قد علمت أنه ليس منكم إلا ناصح، ولكني تركت صاحبيَّ على الجادة، فإن تركت جادتهم لم أدركهما في المنزل».
قال: وأصاب الناس سنة، فما أكل عامئذ سمناً ولا سميناً حتى أحيي الناس(192) .
وكما يراعى مضمون الخارج من الكلام تجاه الكبير، فكذلك يراعى الخارج من الرائحة، فلا يؤذى بكريه الروائح؛ فعن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتي بطعام أكل منه، وبعث بفضله إلي، وإنه بعث إلي يوماً بفضلة لم يأكل منها؛ لأن فيها ثوماً، فسألته: أحرام هو؟
قال: « لا، ولكني أكرهه من أجل ريحه ».
قال: فإني أكره ما كرهت(193) .
وفي رواية: أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل عليه، فنزل النبي صلى الله عليه وسلم في السفل، وأبو أيوب في العلو، فانتبه أبو أيوب ليلة، فقال: نمشي فوق رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتنحوا فباتوا في جانب، ثم قال للنبي صلى الله عليه وسلم.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: « السفل أرفق ».
فقال: لا أعلو سقيفة أنت تحتها، فتحول النبي صلى الله عليه وسلم في العلو، وأبو أيوب في السفل، فكان يصنع للنبي صلى الله عليه وسلم طعاماً، فإذا جيء به إليه سأل
عن موضع أصابعه فيتتبع موضع أصابعه، فصنع له طعاماً فيه ثوم، فلما رد إليه سأل عن موضع أصابع النبي صلى الله عليه وسلم، فقيل له: لم يأكل، ففزع وصعد إليه، فقال: أحرام هو؟
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: « لا ولكني أكرهه ».
قال: فإني أكره ما تكره أو ما كرهت .
قال: وكان النبي صلى الله عليه وسلم يؤتى(194) .
وبوب عليه شارح «صحيح مسلم»، وقال: «باب إباحة أكل الثوم، وأنه ينبغي لمن أراد خطاب الكبار تركه، وكذا ما في معناه».
مناداة الكبير ب«العم»
ما أجمل هذا الأدب الجم، وهو: ألا ينادي الصغيرُ الكبيرَ باسمه مجرداً، فيسدل عليه ثوب التبجيل والتقدير، فيناديه بما يشعره بقربه من قلبه، ومكانته عنده، فيقول: يا عم!
ومن ذلك: قول خديجة لورقة: «أي عم»، فقد نادته ب«العم»؛ لسنه وجلالة قدره، وإن كان ابن عمها في القرابة والنسب(195) .
فعن عائشة رضي الله عنها: أن خديجة رضي الله عنها انطلقت بالنبي صلى الله عليه وسلم حتى أتت به ورقة بن
نوفل بن أسد بن عبد العزى، وهو ابن عم خديجة أخي أبيها، وكان امرءًا تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العربي، ويكتب من الإنجيل بالعربية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخاً كبيراً قد عمي، فقالت له خديجة: أي عم، اسمع من ابن أخيك...(196)
وعن زيد بن أرقم رضي الله عنه، قال: كنت مع عمي، فسمعت عبد الله بن أبي ابن سلول يقول: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا، وقال أيضاً: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فذكرت ذلك لعمي، فذكر عمي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عبد الله بن أبي وأصحابه، فحلفوا ما قالوا، فصدقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذبني، فأصابني هم لم يصبني مثله قط، فجلست في بيتي، فأنزل الله عز وجل: ﴿إِذَا جَآءَكَ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ﴾(197) ، إلى قوله: ﴿هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنۡ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ﴾(198) ، إلى قوله: ﴿لَيُخۡرِجَنَّ ٱلۡأَعَزُّ مِنۡهَا ٱلۡأَذَلَّ﴾(199) ، فأرسل إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأها علي، ثم قال: «إن الله قد صدقك»(200) .
فالمراد بعم زيد بن أرقم: سعد بن عبادة، وليس عمه حقيقة، وإنما هو سيد قومه الخزرج، وعم زيد بن أرقم الحقيقي ثابت بن قيس
له صحبة، وعمه زوج أمه عبد الله بن رواحة خزرجي أيضاً(201)
وهذا التوقير والتقدير فرع للاحترام بين العم وابن أخيه، فقد روى لنا حفص بن عاصم، عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: صلى النبي صلى الله عليه وسلم بمنى صلاة المسافر، وأبو بكر، وعمر، وعثمان ثماني سنين، أو قال: ست سنين، قال حفص: وكان ابن عمر: يصلي بمنى ركعتين، ثم يأتي فراشه، فقلت: أي عم لو صليت بعدها ركعتين.
قال: لو فعلت لأتممت الصلاة(202) .
مخاطبة الكبير بكنيته
عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم، فحانت الصلاة، فجاء المؤذن إلى أبي بكر، فقال: أتصلي للناس فأقيم؟
قال: نعم، فصلى أبو بكر، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس في الصلاة، فتخلص حتى وقف في الصف، فصفق الناس وكان أبو بكر لا يلتفت في صلاته، فلما أكثر الناس التصفيق التفت، فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أن امكث مكانك»، فرفع أبو بكر رضي الله عنه يديه،
فحمد الله على ما أمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك، ثم استأخر أبو بكر حتى استوى في الصف، وتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلى، فلما انصرف قال: يا أبا بكر ما منعك أن تثبت إذ أمرتك
فقال أبو بكر: ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ما لي رأيتكم أكثرتم التصفيق، من رابه شيء في صلاته فليسبح؛ فإنه إذا سبح التفت إليه، وإنما التصفيق للنساء(203) » .
فكان حد الكلام أن يقول أبو بكر: ما كان لي، فعدل عنه إلى قوله: ما كان لابن أبي قحافة؛ لأنه أدل على التواضع، وفيه كذلك : إكرام الكبير بمخاطبته بالكنية(204) ، خاصة أن الكبير هنا هو الوالد؛ فعن طاوس، قال: «إن من الجفاء أن يدعو الرجل والده باسمه»(205) .
خدمة الصغار للكبار(206)
من أجمل الآداب التي يتحلى بها الصغار تجاه كبارهم: خدمتهم؛ وذلك لما فيه من إبراز الشعور بحاجاتهم، ولما يضفيه من تحاب وتوادٍّ؛ حيث يشعر كل من الطرفين بتقارب أرواحهم بعضهم بعضاً، وإن لم تتقارب أرحامهم.
فلا شك أن كبير السن قد يعاني صورة واضحة من صور الضعف، وذلك في صحته وجسمه، وقد يكون في شكل آخر من أشكال الضعف الكثيرة، والله عز وجل ذكر ذلك تصريحًا في كتابه فقال: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعۡدِ قُوَّةٖ ضَعۡفٗا وَشَيۡبَةٗ﴾(207) .
ولم يدع الإسلام دين السماحة جانباً من جوانب الرعاية للمسنين دون أن يتعرض له، فدعوة الإسلام تحرص أشد الحرص على توفير العناية والرعاية لكبار السن، وتحضنا على أن نتجنب الألفاظ التي تسبب لهم آلاماً نفسية، وأن نحاول إدخال السرور على نفوسهم، وأن نحسن معاملتهم، ونكثر من الدعاء لهم؛ لأن الإسلام يدرك أنهم في هذه المرحلة يحتاجون إلى القول اللين والوجوه الباسمة؛ لما لذلك من أثر طيب على نفوسهم فيشعرون بالرضا والسعادة، بل لقد جعل
الإسلام هذه الرعاية مقرونة بعبادة الله عز وجل، ولاسيما أن المنهج الإسلامي يحتوي في ثناياه على مبادئ الذوق الرفيع، ويصون الحقوق، ويدعو للرحمة والألفة والمحبة والتضامن والتكافل، فلم يدع كتاب الله أمراً يهم المؤمنين ويحقق لهم النفع إلا وبينه.
فرعاية المسنين تعتبر حقاً مكفولاً لهم، ولم يغفله المشرع، كما أنه في عنق الشباب والمجتمع حق ودين، ينبغي على الشباب والمجتمع الوفاء به، ولقد تضمن قانون الأحوال الشخصية في معظم المجتمعات المتقدمة بعض الحقوق للشيوخ وأوجب على الأبناء والشباب الالتزام بها، ولأن الإسلام يجمع بين الجوانب العبادية والاجتماعية والأخلاقية فإن رعاية المسنين تعد عبادة وعملاً إنسانياً نبيلاً؛ لأنه من غير المعقول أن يهمل المجتمع طائفة من الناس قدمت له الكثير في شبابها، وعندما يعتريها الضعف يتخلى عنها.
فعن مصعب بن سعد بن أبي وقاص، أنه قال: كنت أمسك المصحف على سعد بن أبي وقاص فاحتككت، فقال سعد: «لعلك مسست ذكرك؟».
قال: فقلت نعم.
فقال: «قم، فتوضأ».
فقمت فتوضأت، ثم
رجعت(208)
وعن أنس رضي الله عنه، قال: كنت قائماً على الحي أسقيهم عمومتي وأنا أصغرهم الفضيخ، فقيل: حرمت الخمر، فقال: اكفئها، فكفأنا، قلت لأنس: ما شرابهم؟ قال: رطب وبسر(209) .
ولما ترجم البخاري بهذا الباب، أورد فيه الحديث السابق، وقال ابن حجر: «ذكر فيه حديث أنس: كنت قائماً على الحي أسقيهم وأنا أصغرهم، وهو: ظاهر فيما ترجم به»(210) .
وعن حميدة بنت عبيد بن رفاعة، عن خالتها كبشة بنت كعب بن مالك، وكانت تحت ابن أبي قتادة الأنصاري، أنها أخبرتها: أن أبا قتادة دخل عليها فسكبت له وضوءاً، فجاءت هرة لتشرب منه، فأصغى لها الإناء حتى شربت. قالت كبشة: فرآني أنظر إليه.
فقال: أتعجبين يا ابنة أخي؟
قالت: فقلت: نعم.
فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « إنها ليست بنجس إنما هي من الطوافين عليكم أو الطوافات(211) » .
قوله: «يا ابنة أخي»، المقصود من هذا: الأخوة في الإسلام، وليست الأخوة من النسب؛ لأنها هي: بنت كعب بن مالك، وهو: أبو قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري رضي الله تعالى عنه، ولكن هذا من الألفاظ التي يستعملونها في الخطاب، حيث يقول الصغير للكبير: يا عم! أو يقول الكبير للصغير: يا بني! أو يا ابن أخي! وغير ذلك من الألفاظ التي فيها لطف وفيها أدب، وليس هناك أخوة نسبية ولا عمومة في النسب ولا بنوة في النسب، وإنما هو من الأخلاق والآداب واللطف والكلام الحسن، فهذا هو معنى قوله: «يا ابنة أخي»! وهذه كلمة كان العرب يستعملونها، يعني مثلما جاء عن عمر رضي الله عنه في قصة الغلام أنه قال: «يا ابن أخي! ارفع ثوبك»(212) .
الصغير يوضئ الكبير أين يقوم منه
عن عباية، قال: وضأت ابن عمر فقمت عن يمينه أفرغ عليه الماء، فلما فرغ صعد في بصره، فقال: «من أين أخذت هذا الأدب؟».
فقلت: من جدي رافع.
قال: «هنالك الرجل»(213) .
هذا الأثر
يوقفنا على صورة من صور خدمة الصغار للكبار، التي تقدمت في الباب السابق، ولكنها خدمة وزيادة، والزيادة هي: كيفية القيام بالخدمة نفسها، فليست مجرد أداء الخدمة على وجه التأفف والتبرم، ولكنها خدمة ذات تفنن في الأدب والذوق، مما لفت انتباه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، فسأل هذا التابعي عن مصدر هذا الأدب الرفيع، فكان الجواب المتوقع: «من جدي رافع»؛ فحقاً إنها مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم.
خدمة الأكبر لذوي الفضل
عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك، قال: خرجت مع جرير بن عبد الله البجلي في سفر فكان يخدمني فقلت له: لا تفعل.
فقال: «إني قد رأيت الأنصار تصنع برسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً، آليت أن لا أصحب أحداً منهم إلا خدمته»، وكان جرير أكبر من أنس(214) .
قال النووي: «يستحب خدمة المسافر الذي له نوع فضيلة، وإن كان الخادم أكبر سناً؛ لحديث أنس»(215) .
فكان جرير أكبر من أنس بكثير في السن، ومع ذلك كان جرير هو الذي يخدم أنساً، وجرير كان في قومه كالملك، فقد كان في قومه سيداً،
وكان رجلاً مهاباً شريفاً كريماً رضي الله تبارك وتعالى عنه، وكان بهياً جميل المنظر حتى أن عمر رضي الله عنه كان يقول عنه: «مشرف هذه الأمة جرير بن عبد الله البجلي(216)
ولما خرج جرير مع أنس بن مالك فكان جرير يخدم أنساً الذي هو أصغر منه سناً، فيقول أنس: «فقلت: لا تفعل»، استحيا أنس رضي الله عنه.
فقال له جرير بن عبد الله رضي الله عنه: «إني قد رأيت الأنصار تصنع لرسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً آليت على نفسي ألا أصحب أحداً منهم إلا خدمتُه»، أي: إكراماً للنبي صلوات الله وسلامه عليه، وإكراماً لقومك أن أكرموا النبي صلوات الله وسلامه عليه.
فهنا جرير يكرم أنس بن مالك؛ لأن أنساً كان خادماً للنبي صلى الله عليه وسلم، فقد خدمه عشر سنوات، وأهل وأقارب أنس من الأنصار رضوان الله عليهم فعلوا للنبي صلى الله عليه وسلم كل خير، لذلك كان جرير البجلي يقول: إن للأنصار جميلاً على النبي صلى الله عليه وسلم، وكأنه جميل على جرير نفسه، فيقول: «آليت يعني: أقسمت ألا أصحب أحداً من الأنصار إلا خدمته...
إيثار الكبير بالقُرَب
يجوز
للرجل أن يسأل أخاه أن يؤثره بقربة من القرب، ويجوز للرجل أن يؤثر بها أخاه.
وقد آثرت عائشة عمر بن الخطاب بدفنه في بيتها جوار النبي صلى الله عليه وسلم، وسألها عمر ذلك فلم تكره له السؤال، ولا لها البذل، وعلى هذا فإذا سأل الرجل غيره أن يؤثره بمقامه في الصف الأول، لم يكره له السؤال، ولا لذلك البذل ونظائره.
ومن تأمل سيرة الصحابة، وجدهم غير كارهين لذلك، ولا ممتنعين منه، وهل هذا إلا كرم وسخاء، وإيثار على النفس، بما هو أعظم محبوباتها، تفريحاً لأخيه المسلم، وتعظيماً لقدره، وإجابة له إلى ما سأله، وترغيباً له في الخير، وقد يكون ثواب كل واحد من هذه الخصال راجحاً على ثواب تلك القربة، فيكون المؤثر بها ممن تاجر، فبذل قربة وأخذ أضعافها، وعلى هذا فلا يمتنع أن يؤثر صاحب الماء بمائه أن يتوضأ به ويتيمم هو، إذا كان لا بد من تيمم أحدهما، فآثر أخاه وحاز فضيلة الإيثار وفضيلة الطهر بالتراب، ولا يمنع هذا كتاب ولا سنة، ولا مكارم أخلاق، وعلى هذا: فإذا اشتد العطش بجماعة وعاينوا التلف، ومع بعضهم ماء، فآثر على نفسه واستسلم للموت كان ذلك جائزاً، ولم يقل إنه قاتل لنفسه، ولا أنه فعل محرماً، بل هذا غاية الجود والسخاء، كما قال تعالى: ﴿وَيُؤۡثِرُونَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ وَلَوۡ كَانَ بِهِمۡ خَصَاصَةٞ﴾(217) وقد جرى هذا بعينه لجماعة من الصحابة في فتوح الشام،
وعد ذلك من مناقبهم وفضائلهم(218)
ويزداد هذا المعنى تأكيداً إذا كان السائل أكبر من المسئول، ومن الصور الحية من سير سلفنا الصالح في هذا المعنى: ما روي من إيثار عبد الرحمن بن عثمان التيمي لعثمان بن عفان رضي الله عنه بالصلاة خلف المقام.
فعن عبد الرحمن بن عثمان التيمي، قال: قمت خلف المقام أصلي وأنا أريد أن لا يغلبني عليه أحد تلك الليلة، فإذا رجل يغمزني من خلفي، فلم ألتفت، ثم غمزني فالتفت، فإذا عثمان بن عفان فتنحيت، وتقدم فقرأ القرآن في ركعة، ثم انصرف(219) .
مناولة الأكبر (3)
(220)حث الإسلام الحنيف على بعض الممارسات العملية لاحترام وتقدير المسن،
منها: بدء الكبير بالأمور كلها، كأن يتقدم الكبير على الصغير في صلاة الجماعة، وفي التحدث إلى الناس، وفي الأخذ والعطاء عند التعامل، والترهيب من استخفاف الصغير بالكبير، وفي ذلك يقول عمار بن ياسر رضي الله عنه: «ثلاث لا يستخف بهم إلا منافق: ذو الشيبة في الإسلام، وذو العلم، وإمام مقسط»(221) والحياء من الكبير؛ لأن الحياء خلق يبعث على ترك القبيح، ويمنع من التقصير في حق الكبير وإنزال الكبير منزلته اللائقة به.
فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « أراني في المنام أتسوك بسواك، فجذبني رجلان، أحدهما أكبر من الآخر، فناولت السواك الأصغر منهما، فقيل لي: كبر، فدفعته إلى الأكبر(222) » .
وعن سهل بن سعد رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بشراب فشرب منه، وعن يمينه غلام، وعن يساره الأشياخ، فقال للغلام: « أتأذن لي أن أعطي هؤلاء ؟».
فقال الغلام: والله يا رسول الله،
لا أوثر بنصيبي منك أحداً.
قال: فتله رسول الله صلى الله عليه وسلم في يده(223) .
فالسنة: البدء بالأكبر أو الأفضل أو الأعلم... أي: عند وجود شخص يتميز عن سائر الحاضرين بمزية كبر السن مثلاً، أو زيادة العلم، أو نباهة الذكر، أو شرف النسب النبوي، أو شرف الإمامة والقيادة، أو شرف الجهاد في سبيل الله تعالى، أو شرف الكرم والجود في أبواب الخير، وأشباه ذلك، فالسنة في الضيافة والتكريم: البدءُ به ثم بمن على يمينه أياً كان، جمعاً بين النصوص الداعية إلى البدء باليمين، والنصوص القائلة: « كَبِّر كَبِّر »، و« ليس منا من لم يُوَقِّر كبيرنا ...»، و« ابدؤا بالأكابر »، وغيرها من الأحاديث.
وزعم بعض الناس غلطاً: أن السنة البدْء بمن كان في أول اليمين للمُضِيف أياً كان، استناداً إلى أحاديث البدء باليمين(224) . وهذا يُشرع حينما يكون الحاضرون متساوين متقاربين في الخصال أو الفضائل والسِّن، فيُبدأ بأول من في يمين المضيف، أما إذا تساووا فيها وتميز أحدهم ولو بكبر السن مثلاً، فيُبدأ به؛ لأنه وصفٌ فيه فضيلةٌ فيرجَّحُ بها على سواه، فيُبدأ به قبل غيره.
قال الإمام ابن رشد رحمه الله في كتابه الحافل الجليل «البيان والتحصيل»(225)
«إذا استوت أحوالُ المجتمعين أو تقاربت كانت البدايةُ باليمين مما يُستحَبُّ في مكارم الأخلاق، لما في ذلك من ترك إظهار ترفيع بعضهم على بعض بالتبدئة به. وأما إذا كان فيهم العالِم وذو الفضل والسِّنِّ، فالسنة في ذلك أن يُبدأ به حيثما كان من المجلس، ثم يُناول هو من كان على يمينه، كما فَعَل رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إذ أُتي بلبن قد شيب بماء، وعن يمينه أعرابي، وعن يساره أبو بكر، فشربه ثم أعطاه الأعرابي، وقال: الأيمن فالأيمن ولا يعطي الذي على يساره وإن كان أحق بالتبدئة من الذي على يمينه، لعلمِه وخيرِه وسنِّه إلا بعد أن يستأذنه في ذلك، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إذ أُتي بشراب فشرب منه، وعن يمينه غلام، وعن يساره الأشياخ، فقال للغلام: أتأذن لي أن أعطي هؤلاء فقال: لا والله يا رسول الله، لا أوثِرُ بنصيبي منك أحداً، فتلَّه رسول الله صلى الله عليه وسلم في يده»، أي: وضعه في يد الغلام بقوة وعَزْم إشارة وإيذاناً منه إلى أنه حقه.
فالبدء باليمين مطلقاً مشروعٌ إذا لم يكن هناك وصفٌ يقتضي التقديمَ لصاحبه على من سواه كما ذكرتُ قريباً، أما عند وجود وصفٍ اعتبره الشارع الحنيف مزية وشرفاً وفضيلة، فالبدء بأفضل من اتصف به هو المطلوب بلا ريب.
وعلى حد القول المزعوم: سيَبدأُ المُضيفُ بمن كان في أول جهة يمينه،
ولو كان أصغر الأولاد والأطفال أو خادمَ صَدْرِ المجلس أو سائقاً مرافقاً وقد يكون غيرَ مسلم لوجه القوم أو رأسِ العشيرة أو تاج المجلس: العالِم الجليل أو الأمير النبيل أو الجَدِّ أو الوالد أو العم الفضيل، فهل يسوغ في فقه الإسلام وأدبه: أن يُترك هؤلاء العِلْيَة من القوم من البدء بضيافتهم وتكريمهم، ويُبدأ بالطفل أو الخادم أو السائق، ثمن بمن بعدَه من أمثاله أو أعلى منه قليلاً؟ وقد يكون عددُ الذين على اليمين قبل كبير القوم وأفضلِهم عشرةً أو أكثر، فلا ينتهي المُضيف إلى وَجيه المجلس وصَدْرِه إلا بعدَ عشَرَةِ أشخاص أو عشرين شخصاً! حاشا فقهَ الإسلام وأدبَهُ أن يُسوِّغ هذا الإخلالَ بالأدب والتجمُّل الفطري. أما في حال طلب السُّقْيَا من صغير أو مفضول أو نحوه، فقد صار هو صاحبَ الحق بإجابته والبدء به لطلبه، ثم بمن على يمينه بعدَه، ولو كان أصغر القوم وأقلهم شأناً، وإذا لَحَظَ عند تقديم ما طلبه إليه من الماء أو سواه أنَّ من هو أكبَرُ منه أو أفضَلُ، له توجُّهٌ إلى ما قُدِّم إليه، فآثره بالبدء به، رعاية للأدب الإسلامي في الإيثار فذاك فضلٌ كبيرٌ قد حازه، زاد به عِطْراً، وارتفع به قَدْراً وأحرَزَ به أجراً(226)
تقديم الكبير للكلام على الصغير في المهمات
عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، فبرأها الله منه...
فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته، قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة، وقلت لأبي: أجب عني رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقلت لأمي: أجيبي عني رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال.
قالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
قالت: وأنا جارية حديثة السن، لا أقرأ كثيراً من القرآن، فقلت: إني والله لقد علمت أنكم سمعتم ما يتحدث به الناس، ووقر في أنفسكم وصدقتم به، ولئن قلت لكم إني بريئة، والله يعلم إني لبريئة لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر، والله يعلم أني بريئة لتصدقني، والله ما أجد لي ولكم مثلا، إلا أبا يوسف إذ قال: ﴿فَصَبۡرٞ جَمِيلٞۖ وَٱللَّهُ ٱلۡمُسۡتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾(227)(228) ... .
فقول عائشة رضي الله عنها لأبيها وأمها: «أجب عنى رسول الله صلى الله عليه وسلم»: فيه: تقديم الكبير للكلام على الصغير في المهمات، وفي مخاطبة أهل الأمر والموقرين(229) ولا غرابة في تقديم الكبير في المهمات؛ إذ لا أعظم من الصلاة التي يقدمون فيها، كما بين رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه: إذا استووا في
القراءة فليؤمهم أكبرهم(230) فعن أبي مسعود رضي الله عنه، قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، وأقدمهم قراءة، فإن كانت قراءتهم سواء، فليؤمهم أقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء، فليؤمهم أكبرهم سناً، ولا تؤمن الرجل في أهله، ولا في سلطانه، ولا تجلس على تكرمته في بيته إلا أن يأذن لك، أو بإذنه(231)
وعن مالك بن الحويرث رضي الله عنه، قال: أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن شببة متقاربون، فأقمنا عنده عشرين ليلة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم رحيماً رقيقاً، فظن أنا قد اشتقنا أهلنا، فسألنا عن من تركنا من أهلنا، فأخبرناه، فقال: « ارجعوا إلى أهليكم، فأقيموا فيهم وعلموهم، ومروهم فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، ثم ليؤمكم أكبركم(232) » .
إكرام الكبير، ويبدأ الأكبر بالكلام والسؤال(233)
عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخبروني بشجرة مثلها مثل
المسلم، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، ولا تحت ورقها فوقع في نفسي أنها النخلة، فكرهت أن أتكلم، وثم أبو بكر وعمر، فلما لم يتكلما، قال النبي صلى الله عليه وسلم: هي النخلة
فلما خرجت مع أبي قلت: يا أبتاه، وقع في نفسي أنها النخلة، قال: ما منعك أن تقولها؟! لو كنت قلتها كان أحب إلي من كذا وكذا.
قال: ما منعني إلا أني لم أرك ولا أبا بكر تكلمتما فكرهت(234) .
يعطينا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما درساً بليغاً في آداب معاملة الكبير، وهو: إكرامه وتقديمه في الكلام وجميع الأمور من آداب الإسلام ومعاني الأخلاق؛ حيث قال: «فكرهت أن أتكلم، وثم أبو بكر وعمر»، وكذلك قوله: «ما منعني إلا أني لم أرك ولا أبا بكر تكلمتما فكرهت»، ولا غرابة في ذلك؛ فهو خريج المدرسة المحمدية، التي خرجت وعلَّمت كثيراً من أمثال هذه النماذج، التي فتحت القلوب بأخلاقها، فكان لها عظيم الأثر في إسلامها لله رب العالمين، ومما ورد من ذلك من المرفوعات:
عن رافع بن خديج، وسهل بن أبي حثمة، أنهما حدثاه: أن عبد الله بن سهل ومحيصة بن مسعود أتيا خيبر، فتفرقا في النخل، فَقُتل عبد الله بن سهل، فجاء عبد الرحمن بن سهل وحويصة ومحيصة ابنا مسعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فتكلموا في أمر صاحبهم، فبدأ عبد الرحمن،
وكان أصغر القوم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: كبر الكبر يعني: ليلي الكلام الأكبر(235)
وفي رواية عن سهل بن أبي حثمة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمحيصة: « كبر كبر » يريد السن، فتكلم حويصة، ثم تكلم محيصة...(236) .
وفي رواية عن سهل بن أبي حثمة ورافع بن خديج: أن محيصة بن مسعود، وعبد الله بن سهل، انطلقا قبل خيبر، فتفرقا في النخل، فقتل عبد الله بن سهل، فاتهموا اليهود، فجاء أخوه عبد الرحمن، وابنا عمه حويصة، ومحيصة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فتكلم عبد الرحمن في أمر أخيه، وهو أصغر منهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « كبر الكبر »، أو قال: « ليبدأ الأكبر(237) »... .
الصغير يشتد خلف الكبير وهو راكب
نختم الكلام عن آداب معاملة الكبار بصورة تدل على عظم منزلة الكبير عند الصغير، وعلى أنه بمنزلة السيد من عبده، وهي: اشتداد الصغير ماشياً خلف الكبير راكباً.
فعن يوسف بن المهاجر، قال: «رأيت أبا جعفر راكباً على بغل أو
بغلة، معه غلام يمشي خلفه»(238)
وعن الزهري، عن بعض بني عبد الرحمن بن عوف، عن عبد الرحمن بن عوف، قال: كنت مع عمر في سفر بطريق مكة، فنزلنا في القائلة فنمنا، فرأيت كأن عمر مر بي، فركض أم كلثوم ابنة عقبة برجله، ثم مضى فشددت علي ثيابي، ثم اتبعته فأدركته، فقلت: «يا أمير المؤمنين ما أدركتك حتى حسرت، وما أرى الناس يدركوك حتى يحسروا».
فقال عمر: ما أحسبني أسرعت.
قال عبد الرحمن: «والذي نفسي بيده إني لأراه عمله أو إنه ليعمله»(239) .
وأما ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه: أنه رأى رجلاً يشتد خلفه غلام، فقال: «احمله، فإنه أخوك المسلم، وروحه مثل روحك»(240) ، فلا يصح إسناده؛ فالراوي عن أبي هريرة أبو المُهَزِّم، حكم عليه ابن حجر ب«متروك»(241) .
باب
آدَابُ مُعَامَلَةِ المرضى
وجوب عيادة المريض(242)
معنى العيادة: كل من أتاك مرة بعد أخرى فهو عائد، وإن اشتهر في عيادة المريض حتى صار كأنه مختص به(243) .
وقال بكر بن عبد الله المزني: «المريض يعاد والصحيح يزار»(244) .
وبوب البخاري هذا الباب في «صحيحه»، وقال ابن حجر: «كذا جزم بالوجوب على ظاهر الأمر بالعيادة، وتقدم حديث أبي هريرة في الجنائز: حق المسلم على المسلم خمس فذكر منها: عيادة المريض ووقع في رواية مسلم: خمس تجب للمسلم على المسلم فذكرها منها، قال ابن بطال: «يحتمل أن يكون الأمر على الوجوب، بمعنى: الكفاية، كإطعام الجائع وفك الأسير»، ويحتمل أن يكون للندب للحث على التواصل والألفة، وجزم الداودي بالأول، فقال: هي فرض يحمله بعض الناس عن بعض، وقال الجمهور: هي في الأصل ندب، وقد تصل إلى الوجوب في حق بعض دون بعض، وعن الطبري: تتأكد في حق من ترجى
بركته وتسن فيمن يراعى حاله وتباح فيما عدا ذلك.
وفي الكافر: خلاف كما سيأتي ذكره في باب مفرد، ونقل النووي الإجماع على عدم الوجوب، يعني: على الأعيان»(245) .
ومن الأحاديث الدالة على الوجوب:
عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « حق المسلم على المسلم ست ».
قيل: ما هن يا رسول الله؟
قال: « إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فسمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه(246) » .
وعن معاوية بن سويد بن مقرن، قال: دخلت على البراء بن عازب، فسمعته يقول: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع، ونهانا عن سبع: «أمرنا بعيادة المريض، واتباع الجنازة، وتشميت العاطس، وإبرار القسم، أو المقسم، ونصر المظلوم، وإجابة الداعي، وإفشاء السلام، ونهانا عن خواتيم أو عن تختم بالذهب، وعن شرب بالفضة، وعن
المياثر، وعن القسي، وعن لبس الحرير والإستبرق والديباج»(247)
وعن أبي موسى رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « فكوا العاني ، يعني: الأسير، وأطعموا الجائع، وعودوا المريض(248) » .
العيادة مرة سنة
عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: «عيادة المريض مرة سنة، فما ازددت فنافلة»(249) .
واستدل الغزالي(250) ، وأبو حفص العكبري(251) ، وغيرهما بهذا الأثر على هذا المعنى.
الحث على عيادة المريض
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: كنا جلوساً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ
جاءه رجل من الأنصار، فسلم عليه، ثم أدبر الأنصاري، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أخا الأنصار كيف أخي سعد بن عبادة
فقال: صالح.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من يعوده منكم ؟».
فقام، وقمنا معه، ونحن بضعة عشر، ما علينا نعال، ولا خفاف، ولا قلانس، ولا قمص، نمشي في تلك السباخ حتى جئناه، فاستأخر قومه من حوله، حتى دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين معه(252) .
نجد في هذا الحديث: السؤال عن المريض، وتشريف سعد بأن قال النبي صلى الله عليه وسلم في حقه: « أخي »، وإنما قال النبي صلى الله عليه وسلم: « من يعوده منكم ؟»؛ لئلا يتبعوه بغير نية سوى اتباعه فيفوتهم أجر عيادة المريض؛ وإنما أعلمهم لينووا العيادة(253) ، وأن العيادة مطلوبة على الكفاية(254) .
قال القاضي عياض: «فيه: زيارة الأئمة وأهل الفضل المرضى، وحضه على ذلك أصحابه، بقوله: من يعوده منكم ؟ وفيه: السؤال للحاضرين عن أحوالهم، وكذلك إذا كانوا في شدة، ولا يكلفون هم من ذلك ما عساه يشق من الجواب عليهم، وفيه: حضور الناس عند من احتضر، وهو: مما يتعين على كافتهم، وبخاصة لآله وقرابته»(255) .
تفقد الغائب
عن بشير بن القاسم بن دينار السلمي، قال: فقد عمر رجلاً في صلاة الصبح، فأرسل إليه فجاء، فقال: «أين كنت؟».
فقال: كنت مريضاً، ولولا أن رسولك أتاني لما خرجت.
فقال عمر: «فإن كنت خارجاً إلى أحد فاخرج للصلاة»(256) .
نجد في هذا الحديث: تفقد الغائب، فقد سأل عمر رضي الله عنه عمن غاب عن الصلاة مرة واحدة!
وفيه كذلك: حرص شديد على صلاة الفجر، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من صلى العشاء في جماعة، فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة، فكأنما قام الليل كله(257) » .
وما حرص عمر رضي الله عنه إلا نموذجاً من عدة نماذج مشرقة أخرى، فهذا الصحابي الجليل الحارث بن حسان، تزوج في ليلة من الليالي، فحضر صلاة الفجر مع الجماعة، روى الإمام الطبراني عن عنبسة بن الأزهر قال: تزوج الحارث بن حسان وكان له صحبة، فقيل له: أتخرج وإنما بنيت بأهلك في هذه
الليلة؟!
فقال: والله إن امرأة تمنعني من صلاة الغداة في جمع لامرأة سوء.
وكان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يمر في الطريق منادياً: الصلاة الصلاة يوقظ الناس لصلاة الفجر وكان رضي الله عنه يفعل ذلك كل يوم.
وروى ابن سعد عن الحسن يحدث عن خروج علي في اليوم الذي طعن فيه من بيته، حيث يقول: فلما خرج من الباب نادى: أيها الناس الصلاة الصلاة، كذلك يفعل في كل يوم، ومعه درته يوقظ الناس.
وقال علي بن بكار: منذ أربعين سنة ما أحزنني إلا طلوع الفجر، لو قمت في السحر لرأيت طريق العباد قد غص بالزحام، لو وردت ماء مدين، وجدت عليه أمة من الناس يسقون.
وقال أبو الزناد: كنت أخرج من السحر إلى مسجد النبي فلا أمر ببيت إلا وفيه قارئ.
فأما اليوم: فنشكو إلى الله أحوال المسلمين؛ فلا تكاد تمر ببيت في صلاة الفجر إلا وتسمع غطيط أهله بالنوم بعد سهر الليل على مسلسلات الحب والغرام وكلمات الفحش والإجرام، ليل صاخب ووجه شاحب وابتعاد عن الهدي الأول، نعم، فإلى وقت قريب لم يكن ليل المسلمين هكذا، بل كان ليل الآباء والأمهات والأجداد والجدات، ليل الصالحين والصالحات، ليل الراكعين والراكعات، ليل
الساجدين والساجدات، ليل التائبين، ليل المستغفرين، فما الذي دهانا؟ ما الذي دهانا معشر البنين والبنات؟! سيئات وشهوات، وقنوات ومسلسلات.
وكان الصالحون من هذه الأمة حريصين على بدء القتال دائماً بعد صلاة الصبح، وليس قبلها، حتى لا تضيع عليهم الصلاة؛ لأن وقتها قصير، وحتى يحصلوا على بركة الساعات الأولى من النهار، وحتى يبتهلوا إلى الله في صلاتهم أن ينصرهم على أعدائهم.
فخالد بن الوليد رضي الله عنه لم يكن يبدأ قتاله إلا بعد صلاة الصبح.
ويوسف بن تاشفين رحمه الله زعيم دولة المرابطين، وقائد من أعظم قادة المسلمين، لم يخض موقعة الزلاقة المشهورة إلا بعد أن صلى الفجر بجيش المسلمين، ثم بدأ القتال.
وقطز رحمه الله بدأ القتال في موقعة عين جالوت المشهورة ضد التتار بعد صلاة الصبح مباشرة(258) .
معرفة الجار مرض جاره
عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أنه قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿لَا تَرۡفَعُوٓاْ أَصۡوَٰتَكُمۡ فَوۡقَ صَوۡتِ ٱلنَّبِيِّ﴾(259) إلى آخر الآية، جلس ثابت بن قيس في بيته، وقال:
أنا من أهل النار، واحتبس عن النبي صلى الله عليه وسلم، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ، فقال: يا أبا عمرو، ما شأن ثابت؟ اشتكى
قال سعد: إنه لجاري، وما علمت له بشكوى.
قال: فأتاه سعد، فذكر له قول رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال ثابت: أنزلت هذه الآية، ولقد علمتم أني من أرفعكم صوتاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنا من أهل النار.
فذكر ذلك سعد للنبي صلى الله عليه وسلم.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « بل هو من أهل الجنة(260) » .
فهذا الحديث دل على معرفة الجار لخبر جاره، وهو قول سعد: «إنه لجاري، وما علمت له بشكوى»، وتضمن عدة فوائد عظيمة، أكتفي منها بفائدتين.
الفائدة الأولى في الشمائل النبوية:
1 تفقد النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه وسؤاله عن الغائب منهم؛ فقد سأل النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ فقال: « يا أبا عمرو ما شأن ثابت؟ اشتكى »؟ فقال سعد: إنه لجاري وما علمت له بشكوى.
وهذا يدل على حب النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه واعتنائه بهم.
2
عظيم شفقة النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه ورغبته في إدخال السرور عليهم والمبادرة إلى ذلك ما أمكن، ودليله: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستدع ثابت بن قيس ليبشره بالبشارة العظيمة، ولكنه رد إليه سعد بن معاذ مرة أخرى ليبشره، وأظن أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك حباً منه أن يخرج ثابت بن قيس من بيته الذي حبس نفسه فيه فرحاً مرفوع الرأس مستبشراً بالجنة، بعد أن مكث في بيته منذ أن نزلت الآية منكس الرأس.
الفائدة الثانية في مناقب ثابت بن قيس رضي الله عنه:
1 خوفه الشديد من غضب الله سبحانه وتعالى عليه وعاقبة السوء ودليله:
أ اعتزاله الناس جميعاً، حتى مجلس النبي صلى الله عليه وسلم.
ب جلوسه في بيته منكس الرأس، قال الراوي: «فوجده جالساً في بيته منكساً رأسه».
2 تعظيمه لأوامر الله سبحانه وتعالى ونواهيه، حيث وصف ما وقع فيه من رفع صوته فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم بكلمة واحدة بليغة (شر).
3 تيقنه من خبر القرآن الكريم وتصديقه المطلق به، لقوله: «كان يرفع صوته فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم فقد حبط عمله». فذكر «قد» لإفادة التحقيق، بالإضافة إلى ذكره «حبط» بصيغة الماضي، فلم يقل مثلاً: «فربما يحبط عملي»، وفي رواية: «فأنا من أهل النار».
4 تحقيره لأمر الدنيا ومن يركن إليها، حيث حكم على نفسه
بعد أن تيقن أن عمله قد حبط، قال: «وهو من أهل النار»، ويستنبط منه: تعظيمه لأمر الآخرة وأهلها.
5 أدبه مع التنزيل وعدم اعتراضه على أوامر الله سبحانه وتعالى حيث إن ثابت بن قيس كان جهير الصوت خلقة وجبلة، قال الإمام النووي رحمه الله: «وكان ثابت رضي الله عنه جهير الصوت وكان يرفع صوته وكان خطيب الأنصار». فلم يقل ثابت عندما نزلت الآية: «وما ذنبي أن صوتي جهير، وكيف يعاقبني الله على أمر قد جبلت عليه». ولم يقل: «أنا لا أرفع صوتي من قلة أدب ولكني تعودت على ذلك من كوني خطيباً».
هذه الاعتراضات كلها لم يفكر فيها الصحابة، بل لم تخطر على بالهم وعقولهم، فليس عندهم إلا الأدب والتسليم التام، وهو ما ينقصنا في هذه الأيام.
6 أنه من أهل الجنة، وهي منقبة عظيمة لثابت بن قيس رضي الله عنه، ولم تكن البشرى أنه من أهل الجنة فحسب، بل جاءت بما هو أعظم من ذلك، وهو: قوله صلى الله عليه وسلم: « إنك لست من أهل النار، ولكن من أهل الجنة ».
7 أنه ما كان يتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا لعذر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما افتقده قال لسعد بن معاذ: « يا أبا عمرو ما شأن ثابت اشتكى(261) ؟» .
عيادة الرجال للنساء(262)
عن المطلب بن عبد الله بن حنطب المخزومي، يحدث أنه سمع أبا هريرة، يحدث قال: دخلتُ على أم عبد الله بن أبي ذئاب عائداً لها من شكوى، فقالت: يا أبا هريرة إني دخلت على أم سلمة أعودها من شكوى فنظرتْ إلى قرحة في يدي، فقالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « ما ابتلى الله عبداً ببلاء وهو على طريقة يكرهها إلا جعل الله ذلك البلاء له كفارة وطهوراً ما لم ينزل ما أصابه من البلاء بغير الله أو يدعو غير الله في كشفه(263) » .
وعن أم العلاء، قالت: عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مريضة، فقال: « أبشري يا أم العلاء، فإن مرض المسلم يذهب الله به خطاياه، كما تذهب النار خبث الذهب والفضة(264) » .
قال البدر العيني: «يستفاد من الحديث فوائد، الأولى: إن عيادة الرجال للنساء المريضة جائزة»(265) .
وعن أبي أمامة بن سهل بن حنيف: أن مِسكينةً مرضت، فأُخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بمرضها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعود المساكين، ويسأل عنهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إذا ماتت فآذنوني بها »، فخرج بجنازتها ليلاً، فكرهوا أن يوقظوا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر بالذي كان من شأنها. فقال: « ألم آمركم أن تؤذنوني بها ؟».
فقالوا: يا رسول الله كرهنا أن نخرجك ليلاً، ونوقظك. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى «صف بالناس على قبرها، وكبر أربع تكبيرات»(266) .
فنجد في هذا الحديث من الفقه: عيادة المريض، وعيادة الرجال النساء المتجالات، وعيادة الأشراف والخلفاء المهتدين بهدي الأنبياء للفقراء، وما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من التواضع في عيادة الفقراء والمساكين، وفيه: الأسوة الحسنة صلى الله عليه وسلم(267) .
وفي عيادة النساء للرجال الأجانب والرجال للنساء الأجنبيات خلاف والجمهور على جوازها بشرط التستر وأمن الفتنة(268) ، ومن استدل من العلماء بهذا الأثر وغيره على جواز عيادة الرجل المرأة الأجنبية، أو المرأة الرجل الأجنبي عنها، اشترط الشروط الآتية:
غض البصر وعدم الخضوع بالقول.
والتستر والالتزام بالحجاب الشرعي.
وأمن الفتنة.
وعدم الخلوة(269) .
عيادة النساء للرجال(270)
عن عائشة رضي الله عنها، أنها قالت: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعك أبو بكر وبلال، قالت: فدخلت عليهما، فقلت: يا أبت كيف تجدك؟ ويا بلال كيف تجدك؟ قالت: وكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول:
| كل امرئ مصبح في أهله | والموت أدنى من شراك نعله |
|---|
وكان بلال إذا أقلع عنه يرفع عقيرته فيقول:
| ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة | بواد وحولي إذخر وجليل |
|---|---|
| وهل أردن يوما مياه مجنة | وهل تبدون لي شامة وطفيل |
قالت عائشة: فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، وصححها، وبارك لنا في صاعها
ومدها، وانقل حماها فاجعلها بالجحفة(271)
وعن الحارث بن عبد الله الأنصاري قال: رأيت أم الدرداء(272) على رحالها أعواد ليس عليها غشاء، عائدة لرجل من أهل المسجد من الأنصار(273) .
قال ابن حجر: «أي: ولو كانوا أجانب بالشرط المعتبر»(274) .
عيادة الشقيق لشقيقه
عن علقمة، قال: دخل عبد الله على أخيه عتبة يعوده، فوجده على عود يصلي، فطرحه، وقال: «إن هذا شيء عرض به الشيطان، ضع وجهك على الأرض، فإن لم تستطع فأومئ إيماء»(275) .
عيادة العم لابن أخيه
عن حفص بن عاصم، قال: مرضت مرضاً، فجاء ابن عمر يعودني، قال: وسألته عن السبحة في السفر، فقال: «صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر، فما رأيته يسبح»، ولو كنت مسبحاً لأتممت، وقد قال الله تعالى: ﴿لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ﴾(276)(277) )( .
وحفص هو: ابن عاصم بن عمر بن الخطاب(278) ، فعبد الله بن عمر رضي الله عنهما عمه مباشرة، فنحن أمام صورة عظيمة من صور صلة الرحم؛ فالعائد هنا عم المريض، أي: منزلة الزائر أعلى من منزلة المزور.
وكما هو معلوم، قدر عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في العلم والعمل، فاهتبل ابن أخيه فرصة مجيئه إليه، فسأله مسألة شرعية.
عيادة ابن الأخت لخاله
عن أبي وائل، قال: جاء معاوية إلى أبي هاشم بن عتبة، وهو مريض يعوده، فقال: يا خال ما يبكيك أوجع يشئزك أم حرص على الدنيا؟
قال: كلٌّ لا،
ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلي عهداً لم آخذ به، قال: إنما يكفيك من جمع المال خادم ومركب في سبيل الله وأجدني اليوم قد جمعت(279)
فقوله «يشئزك»، أي: يقلقك، وزناً ومعنى(280) ، يقال: شئز وشئز فهو: مشئوز وأشأزه غيره، وأصله: الشأز، وهو: الموضع الغليظ الكثير الحجارة(281) .
وأبو هاشم بن عتبة الصحابي الجليل يبكي لجمعه شيئاً من حطام الدنيا، فلما جاءه معاوية بن أبي سفيان يعوده، وهو في مرض الموت فبكى، فقال له معاوية: يا خال! ما يبكيك؟ أَوَجَعٌ يُشْئِزُك؟ يعني: ألمٌ تحس به أم جزع على الدنيا؟ فقد ذهب صفوها وبقي كدرها؟
فقال: على كلٍّ لا، لا أبكي من وجع، ولا أبكي على الدنيا، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم عهد إلي عهداً فوددت إني حفظته، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « يكفيكم من الدنيا خادم ومركب »، قال: فأدركنا فجمعن.
عيادة الصديق
عن سعيد بن مَوهِب، قال: انطلقت مع سلمان إلى صديق له يعوده من كندة، فقال: «إن المؤمن يصيبه الله بالبلاء ثم يعافيه، فيكون كفارة لسيئاته، ويستعتب فيما بقي، وإن الفاجر يصيبه الله بالبلاء، ثم يعافيه فيكون كالبعير عقله أهله، لا يدري لم عقلوه، ثم أرسلوه فلا يدري لم أرسلوه»(282) .
العيادة جوف الليل(283)
عن خالد بن الربيع قال: لما ثقل حذيفة سمع بذلك رهطه والأنصار، فأتوه في جوف الليل أو عند الصبح، قال: أي ساعة هذه؟
قلنا: جوف الليل أو عند الصبح.
قال: أعوذ بالله من صباح النار. ثم قال: جئتم بما أكفن به؟
قلنا: نعم.
قال: لا تغالوا بالأكفان؛ فإنه إن يكن لي عند الله خير بدلت به خيراً منه،
وإن كانت الأخرى سلبت سلباً سريعاً(284)
قال ابن مفلح: «تستحب عيادة المريض، قال بعض الأصحاب: وتكره وسط النهار، نص عليه.
وقال الأثرم: قيل لأبي عبد الله: فلان مريض وكان عند ارتفاع النهار في الصيف.
فقال: ليس هذا وقت عيادة.
قال القاضي: وظاهر هذا كراهية العيادة في ذلك الوقت، انتهى كلام الأصحاب.
والأولى أن يقال: تستحب العيادة بكرة وعشية؛ لما فيه من تكثير صلاة الملائكة.
وقال المروذي: عدت مع أبي عبد الله مريضاً بالليل وكان في شهر رمضان ثم قال لي: في شهر رمضان يعاد بالليل»(285) .
الحرص على عيادة المريض رغم الاختلاف
عن عبد الله بن يسار عن عمرو بن حريث أنه عاد حسناً وعنده علي، فقال علي رضي الله عنه: يا عمرو أتعود حسناً وفي النفس ما فيها؟
قال: نعم؛
إنك لست برب قلبي فتصرفه حيث شئت!
فقال: أما إن ذلك لا يمنعني أن أؤدي إليك النصيحة، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « ما من مسلم يعود مسلماً إلا ابتعث الله سبعين ألف ملك يصلون عليه أي ساعة من النهار كانت حتى يمسي، وأي ساعة من الليل كانت حتى يصبح(286) » .
وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: جاء أبو موسى إلى الحسن بن علي يعوده، فقال له علي رضي الله عنه: أعائداً جئت أم شامتاً؟!
قال: لا، بل عائداً.
فقال له علي رضي الله عنه: إن كنت جئت عائداً، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « إذا عاد الرجل أخاه المسلم مشى في خرافة الجنة حتى يجلس، فإذا جلس غمرته الرحمة فإن كان غدوة صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي، وإن كان مساء صلى عليه ألف ملك حتى يصبح(287) » .
عيادة الفاسق(288)
اختلف أهل العلم في جواز عيادة الفاسق، والأصح: أنه لا بأس به؛ لأنه مسلم، والعيادة من حقوق المسلمين(289) .
وما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أنه قال: «لا تعودوا شرّاب الخمر إذا مرضوا»(290) ، فمحمول إن صح سنده على زجره وردعه.
ويرده ما روي عن أنس رضي الله عنه، أنه قال: كان غلام يهودي يخدم النبي صلى الله عليه وسلم، فمرض، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده، فقعد عند رأسه، فقال له: « أسلم »، فنظر إلى أبيه وهو عنده فقال له: أطع أبا القاسم صلى الله عليه وسلم، فأسلم، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: « الحمد لله الذي أنقذه من النار(291) » .
العيادة من الرمد(292)
قال صلى الله عليه وسلم: عودوا المريض(293) وهو: دال على مشروعية
العيادة في كل مريض، لكن استثنى بعضهم الأرمد؛ لكون عائده قد يرى ما لا يراه هو، وهذا الأمر خارجي قد يأتي مثله في بقية الأمراض كالمغمى عليه(294)
وقد جاء في عيادة الأرمد بخصوصها حديث زيد بن أرقم قال: «عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم من وجع كان بعيني»، أخرجه أبو داود في «السنن»(295) ، وقال: «باب في العيادة من الرمد».
وقال العيني في «الشرح»: «هذا باب في بيان جوار العيادة من رمد العين، واستدل من الحديث أن العيادة تجوز من رمد العينين، خلافاً لما تزعمه العامة من الناس أن الرمدان لا يزار، والحديث يرد عليهم. وقوله: من وجع كان بعيني عام يشمل سائر أمراض العين من أنواع الرمد، وغيرها فافهم»(296) .
ومن الأدلة كذلك: ما رواه القاسم بن محمد أن رجلاً من أصحاب محمد ذهب بصره فعادوه فقال: كنت أريدهما لأنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأما إذ قبض النبي صلى الله عليه وسلم فوالله ما يسرني أن ما بهما بظبي من ظباء تَبَالة(297)(298) )( .
عيادة المغمى عليه(299)
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: مرضت فأتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر يعوداني ماشيين، فأغمي علي، فتوضأ، ثم صب علي من وضوئه، فأفقت، قلت: يا رسول الله، كيف أقضي في مالي؟ فلم يرد علي شيئاً، حتى نزلت آية الميراث: ﴿يَسۡتَفۡتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفۡتِيكُمۡ فِي ٱلۡكَلَٰلَةِۚ﴾(300)(301) )( .
المغمى عليه: الذي يصيبه غشي تتعطل معه قوته الحساسة.
ويعزف بعض الناس عن عيادة المرضى الذين لا يشعرون بمن حولهم، كالذي تنتابه حالات الإغماء المتكررة، أو الذين هم في غياب عن الوعي بشكل دائم، بحجة أن هذا المريض لا يشعر بوجوده ولا يحس به فلا حاجة إذاً لزيارته. وهذا فهمٌ خاطئ، وحجة بلا دليل، والدليل بخلافه، كما في الحديث السابق.
قال ابن بطال: «الإغماء كسائر الأمراض تنبغي العيادة فيه؛ تأسياً بالنبي عليه السلام وأبى بكر الصديق»(302) .
وقال ابن المنير: «ترجم على هذا الباب لئلا يعتقد أن عيادة
المغمى عليه ساقط الفائدة؛ إذ لا يفيق لعائده. وما في الحديث أنهما علما أنه مغمى عليه قبل عيادته، فلعله وافق حضورهما»(303)
وقال ابن حجر: «مجرد علم المريض بعائده لا تتوقف مشروعية العيادة عليه؛ لأن وراء ذلك جبر خاطر أهله، وما يرجى من بركة دعاء العائد، ووضع يده على المريض، والمسح على جسده، والنفث عليه عند التعويذ إلى غير ذلك»(304) .
سؤال المغمى عليه إذا أفاق
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني، وأنا مريض لا أعقل، فتوضأ وصب علي من وضوئه، فعقلت، فقلت: يا رسول الله لمن الميراث؟ إنما يرثني كلالة، فنزلت آية الفرائض(305) .
فالمراد من هذه الترجمة التفرقة بين ما يصدر من المغمى عليه حال إفاقته، وما يصدر عنه في حال إغمائه؛ فالإغماء مرض يعطل القوى المدركة، وكل تصرف منه ليس له أثر على الإطلاق.
فالإغماء: من عوارض الأهلية، وحالة من حالات انعدام الإرادة، التي لا
ينعقد العقد فيها، فهو كالمجنون، والصبي غير المميز، والنائم، والسكران في انعدام الإرادة.
تبشير المريض
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « بشروا ولا تنفروا(306) » .
والمؤمن محتاجٌ في حال البلاء إلى من يكشف همه، ويبشره بما يسره، إما بفرج عاجل، أو بأجر آجل، ولقد وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أم العلاء مريضة فقال لها: « أبشري يا أم العلاء، فإن مرض المسلم يُذهب خطاياه، كما تُذهب النار خبث الحديد(307) » .
وقالت أم سليم: مرضت فعادني رسول الله فقال: « يا أم سليم أتعرفين النار والحديد وخبث الحديد ؟».
قلت: نعم يا رسول الله.
قال: أبشرى يا أم سليم، فإنك إن تخلصي من وجعك هذا تخلصي منه كما يخلص الحديد من النار من
خبثه(308)
وعن محمد بن خالد السلمي، عن أبيه، عن جده، وكانت لجده صحبة: أنه خرج زائراً لرجل من إخوانه فبلغه أنه شاكي قبل أن يدخل عليه، فدخل عليه فقال: أتيتك زائراً، وأتيتك عائداً ومبشراً.
قال: كيف جمعت هذا كله؟
قال: خرجت وأنا أريد زيارتك فبلغتني شكاتك فكانت عيادة، وأبشرك بشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « إذا سبقت للعبد من الله منزلة لم يبلغها بعمله ابتلاه الله في جسده، أو في ولده، أو في ماله، ثم صبره حتى يبلغه المنزلة التي سبقت له من الله(309) » .
وعن عمران بن حدير، قال: كان أبو مجلز يقول: «لا تحدث المريض إلا بما يعجبه» قال: وكان يأتيني وأنا مطعون فيقول: «عَدُّوا اليوم في الحي كذا وكذا ممن أَفْرَقُ وعَدُّوك فيهم»، قال: «فأفرح بذلك»(310) .
فتبشير المريض أدب نبوي، اهتدى به الصحب الكرام، وتعمله منهم من تبعهم بإحسان.
تزكية المريض
عن القاسم بن محمد، أن عائشة اشتكت، فجاء ابن عباس فقال: «يا أم المؤمنين تقدمين على فرط صدق على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أبي بكر»(311) .
ف«اشتكت»: ضعفت ومرضت.
و«فرط صدق»: صادق وحسن.
والفرط: المتقدم من كل شيء والسابق إلى المنزل.
والمعنى: قد سبقك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه وقد هيأ لك المنزل في الجنة، فأنت تلحقين بهما، فلا تحزني، بل افرحي بذلك.
وقد أخرجه الإسماعيلي وأبو نعيم في «المستخرج» عن القاسم بن محمد عن عائشة أنها اشتكت فاستأذن ابن عباس عليها وأتاها يعودها، فقالت: الآن يدخل علي فيزكيني، فأذنت له.
فقال: أبشري يا أم المؤمنين؛ تقدمين على فرط صدق، وتقدمين على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أبي بكر.
قالت: أعوذ بالله أن تزكيني(312) .
فنرى في هذا الحديث: حرص عبد الله بن عباس رضي الله عنهما على تزكية عائشة رضي الله عنها في مرضها، وكراهيتها لتلك التزكية، وهذه الكراهية خوفاً من أن تكون في غير محلها.
أما حرص ابن عباس رضي الله عنها؛ لما له من البشرى المعجلة بالخير، وتفاؤلاً للبشرى المؤخرة إلى الآخرة بقوله تعالى: ﴿بُشۡرَىٰكُمُ ٱلۡيَوۡمَ جَنَّٰتٞ﴾(313) .
ما يستحب أن يقال عند المريض من الكلام
يستحب للصالحين ممن يحضرون عند المحتضر أن يذكروا الله تعالى، وأن يكثروا من الدعاء له بتسهيل الأمر الذي هو فيه، وأن يدعوا للحاضرين، إذ هو من مواطن الإجابة؛ لأن الملائكة يؤمنون على قولهم.
فعن أم سلمة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إذا حضرتم المريض أو الميت، فقولوا خيراً؛ فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون ».
قالت: فلما مات أبو سلمة أتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله إن أبا سلمة قد مات.
قال: « قولي: اللهم اغفر لي وله، وأعقبني منه عقبى حسنة ».
قالت: فقلت، فأعقبني الله من هو خير لي منه محمداً صلى الله
عليه وسلم(314)
قال القرطبي: «قال علماؤنا: قوله عليه السلام: « إذا حضرتم المريض أو الميت فقولوا خيراً » أمر ندب وتعليم بما يقال عند المريض أو الميت، وإخبار بتأمين الملائكة على دعاء من هناك، ولهذا استحب العلماء: أن يحضروا الميت الصالحون، وأهل الخير حالة موته ليذكروه، ويدعوا له ولمن يخلفه ويقولوا خيراً، فيجتمع دعاؤهم وتأمين الملائكة فينتفع بذلك الميت ومن يصاب به ومن يخلفه»(315) .
التعوذ للمريض(316)
عن عبد العزيز، قال: دخلت أنا وثابت على أنس بن مالك، فقال ثابت: يا أبا حمزة، اشتكيت!
فقال أنس: ألا أرقيك برقية رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
قال: بلى.
قال: « اللهم رب الناس، مذهب الباس، اشف أنت الشافي، لا شافي إلا أنت، شفاء لا يغادر سقماً(317) » .
ففي هذا الحديث من الفقه: أن هذه رقية(318) .
ما يقول للمريض(319)
عن نافع قال: كان ابن عمر إذا دخل على مريض يسأله: كيف هو: فإذا قام من عنده قال: «خار الله لك»، ولم يزده عليه(320) .
قوله «خار الله لك»، أي: أعطاك ما هو خير لك(321) .
ما يجيب المريض(322)
عن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص، قال: دخل الحجاج على ابن عمر وأنا عنده، فقال: كيف هو؟
فقال: صالح.
فقال: من أصابك؟
قال: «أصابني من أمر بحمل السلاح في يوم لا يحل فيه حمله»، يعني: الحجاج(323) .
وكذلك يندب الجواب ب«صالح»، حتى لو كان المسئول غير المريض.
فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: كنا جلوساً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل من الأنصار، فسلم عليه، ثم أدبر الأنصاري، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « يا أخا الأنصار كيف أخي سعد بن عبادة ؟».
فقال: صالح.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من يعوده منكم ؟».
فقام، وقمنا معه، ونحن بضعة عشر، ما علينا نعال، ولا خفاف، ولا قلانس، ولا قمص، نمشي في تلك السباخ حتى جئناه، فاستأخر قومه من حوله، حتى دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين معه(324) .
وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، خرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجعه الذي توفي فيه، فقال الناس: يا أبا حسن، كيف أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
فقال: أصبح بحمد الله بارئاً(325) .
قال ابن هبيرة: «فيه من الفقه: جواز الإخبار عن حال المريض بأحسن ما
يخبر به، رجاءً للبرء»(326)
وضع اليد على المريض(327)
عن أبي أمامة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « تمام عيادة المريض: أن يضع أحدكم يده على جبهته أو قال على يده فيسأله: كيف هو؟ وتمام تحياتكم بينكم: المصافحة(328) » .
هذا الحديث يؤسس قاعدة كلية وأدباً عاماً من قواعد وآداب عيادة المريض، وهو: وضع اليد على المريض، ومن الأمثلة العملية التي تجسد لنا هذا المعنى وتبرزه:
عن عائشة بنت سعد، أن أباها، قال: تشكيت بمكة شكواً شديداً، فجاءني النبي صلى الله عليه وسلم يعودني، فقلت: يا نبي الله، إني أترك مالاً، وإني لم أترك إلا ابنة واحدة، فأوصي بثلثي مالي وأترك الثلث؟
فقال: « لا ».
قلت: فأوصي بالنصف وأترك النصف؟
قال: « لا ».
قلت: فأوصي بالثلث وأترك لها الثلثين؟
قال: « الثلث، والثلث كثير »، ثم وضع يده على جبهته، ثم مسح يده على وجهي وبطني، ثم قال: « اللهم اشف سعداً، وأتمم له هجرته »، فما زلت أجد برده على كبدي فيما يخال إلي حتى الساعة(329)
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يوعك وعكاً شديداً، فمسسته بيدي فقلت: يا رسول الله، إنك لتوعك وعكاً شديداً؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « أجل، إني أوعك كما يوعك رجلان منكم ».
فقلت: ذلك أن لك أجرين؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « أجل »، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ما من مسلم يصيبه أذى، مرض فما سواه، إلا حط الله له سيئاته، كما تحط الشجرة ورقها(330) » .
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، عن عمر، قال: وضعت يدي على النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: بأبي وأمي ما أجرك! وهو يومئذ محموم.
فقال: « إنا كذلك يضاعف لنا البلاء كما يضاعف لنا الأجر(331) » .
فيستحب للعائد أن يضع يده على جسد المريض ويدعو له، اقتداء بنبينا صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، وقد يكون لوضع اليد أثر في تخفيف الألم أو إزالته بالكلية.
قال ابن بطال: «في وضع اليد على المريض تأنيس له، وتعرف لشدة مرضه ليدعو له العائد على حسب ما يبدو له منه، وربما رقاه بيده ومسح على ألمه، فانتفع العليل به إذا كان العائد صالحاً تبرك بيده ودعائه كما فعل النبي، وذلك من حسن الأدب واللطف بالعليل، وينبغي امتثال أفعال النبي عليه السلام كلها والاقتداء به فيها»(332) .
استحباب سؤال أهل المريض عن حاله(333)
عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، خرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجعه الذي توفي فيه، فقال الناس: يا أبا حسن، كيف أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
فقال: أصبح بحمد الله بارئاً(334) .
علي بن أبي طالب رضي الله عنه صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وابن عمه، وأفضل أهل البيت،
فسؤاله عن النبي صلى الله عليه وسلم سؤال لأهل المريض عن مريضهم.
ففي هذا الحديث: استحباب السؤال عن حال المريض إذا عسر الوصول إليه.
وأنه ينبغي لمن يُسأل عن حال المريض أن يجيب بما يشعر بخفة مرضه، وقرب عافيته(335) .
مواساة أهل المريض
مواساة المؤمنين أنواع، منها: مواساة بالمال، ومنها: مواساة بالجاه، ومنها: مواساة بالبدن والخدمة، ومنها: مواساة بالنصيحة والإرشاد، ومنها: مواساة بالدعاء والاستغفار لهم، ومنها: مواساة بالتوجع لهم.
قال ابن القيم: «على قدر الإيمان تكون هذه المواساة، فكلما ضعف الإيمان ضعفت المواساة، وكلما قوي قويت، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم الناس مواساة لأصحابه بذلك، فلأتباعه من المواساة بحسب اتباعهم له»(336) .
وعن عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما، قال: لما جاء نعي جعفر، قال النبي صلى الله عليه وسلم: « اصنعوا لأهل جعفر طعاماً، فإنه قد جاءهم ما يشغلهم(337) » .
ولما كانت المواساة لا تقتصر على مشاركة المسلم لأخيه في المال والجاه أو الخدمة والنصيحة أو غير ذلك فإن من المواساة مشاركة المسلم في مشاعره خاصة في أوقات حزنه، وعند تعرضه لما يعكر صفوه، وهنا فإن إدخال السرور عليه وتطييب خاطره بالكلمة الطيبة، أو المساعدة الممكنة بالمال أو الجاه، أو المشاركة الوجدانية هو من أعظم المواساة وأجل أنواعها، ولقد حفل تاريخ سلفنا الصالح بنماذج مشرفة من المواساة، ومن هذه النماذج ما كان مواساة لأهل المريض.
فعن إبراهيم بن أبي عبلة قال: مرضت امرأتي فكنت أجيء إلى أم الدرداء فتقول لي: «كيف أهلك»؟
فأقول لها: مرضى، فتدعو لي بطعام فآكل. ثم عدت ففعلت ذلك فجئتها مرة فقالت: «كيف»؟
قلت: قد تماثلوا.
فقالت: «إنما كنت أدعو لك بطعام إذ كنت تخبرنا عن أهلك أنهم مرضى، فأما إذ تماثلوا فلا ندعو لك بشيء»(338) .
من جاء لعيادة، ثم جاء غيره فضاق المجلس، أن ينصرف الأول
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: كنا جلوساً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل من الأنصار، فسلم عليه، ثم أدبر الأنصاري، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « يا أخا الأنصار كيف أخي سعد بن عبادة ؟».
فقال: صالح.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من يعوده منكم ؟».
فقام، وقمنا معه، ونحن بضعة عشر، ما علينا نعال، ولا خفاف، ولا قلانس، ولا قمص، نمشي في تلك السباخ حتى جئناه، فاستأخر قومه من حوله، حتى دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين معه(339) .
قال القاضي عياض: «فيه: أنه من جاء لعيادة أو قضاء حاجة عند كبير، ثم جاء غيره وقد ضاق المجلس عند الداخل، أن ينصرف الأول أو يفسح له عن قرب المزور حتى يقضى إربه منه»(340) .
ترك صلاة الجمعة لأجل المريض
عن نافع، أن ابن عمر رضي الله عنهما، ذكر له: أن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وكان بدرياً، مرض في يوم جمعة، فركب إليه بعد أن تعالى النهار، واقتربت الجمعة، وترك الجمعة(341) .
فسعيد بن زيد رضي الله عنه: أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وزوج فاطمة بنت الخطاب عمة عبد الله بن عمر، وابن عم عمر رضي الله عنهم(342) .
وعبد الله بن عمر رضي الله عنهما على رغم ما عرف عنه من كثرة عبادته، واجتهاده في اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه كان فقيهاً عالماً، يعلم أوليات الأمور وترتيبها، فنراه قدم القيام على المريض على حضور الجمعة!
قال ابن هبيرة: «في هذا الحديث: ما يدل على أن من له نسيب مريض فإنه يجوز له ترك الجمعة؛ اشتغالاً بالقيام على مريضه»(343) .
وقال القاضي عياض: «قد ترك ابن عمر صلاة الجمعة حين دعي لاحتضار سعيد بن زيد، لشدة حاجة الميت حينئذ إلى من ينظر منه، ويرفق به، ويقوم عليه»(344) .
إذا عاد مريضاً، فحضرت الصلاة فصلى بهم جماعة(345)
عن عائشة رضي الله عنها، قالت: اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل عليه ناس من أصحابه يعودونه، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً، فصلوا بصلاته قياماً فأشار إليهم: أن اجلسوا فجلسوا، فلما انصرف قال: « إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا ركع فاركعوا وإذا رفع فارفعوا وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً(346) » .
وعن عطاء قال: عاد ابنُ عمر ابنَ صفوان فحضرت الصلاة فصلى بهم ابن عمر ركعتين وقال: «إنا سفر»(347) .
في الأثر الأول: المريض هو الذي صلى بهم إماماً؛ لأن المريض هو إمام الأئمة النبي صلى الله عليه وسلم(348) .
وفي الأثر الثاني: العائد هو الإمام؛ لأن العائد عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وهو: أولى بالإمامة من ابن صفوان.
وفي الأثرين معاً: تعظيم قدر الصلاة، والحرص على أدائها في
أكمل وجه، ولو في المرض، ما دام ليس مرضاً شديداً.
سؤال المعتكف عن المريض
اتفق الفقهاء على عدم جواز خروج المعتكف لعيادة المريض وصلاة الجنازة؛ لعدم الضرورة إلى الخروج، إلا إذا اشترط الخروج لهما عند الحنفية والشافعية والحنابلة(349) .
ومحل ذلك: ما إذا خرج لقصد العيادة وصلاة الجنازة، أما إذا خرج لقضاء الحاجة ثم عرج على مريض لعيادته، أو لصلاة الجنازة، فإنه يجوز بشرط ألا يطول مكثه عند المريض، أو بعد صلاة الجنازة عند الجمهور، بأن لا يقف عند المريض إلا بقدر السلام؛ لقول عائشة رضي الله عنها: «إن كنت لأدخل البيت للحاجة، والمريض فيه، فما أسأل عنه إلا وأنا مارة»(350) .
البكاء عند المريض(351)
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: اشتكى سعد بن عبادة شكوى له، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوده مع عبد الرحمن
بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، فلما دخل عليه وجده في غشية، فقال: أقد قضى
قالوا: لا يا رسول الله، فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأى القوم بكاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بكوا، فقال: « ألا تسمعون ؟ إن الله لا يعذب بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا وأشار إلى لسانه أو يرحم(352) » .
فضلاً عما في الحديث الشريف من جواز البكاء عند المريض، وأنه ليس ذلك من الجفاء عليه والتقريع له، وإنما هو إشفاق عليه، ورقة وحرقة لحاله(353) ، ففيه الإحساس والتأثر بالغير، فأكثر الناس صلاحاً هم الذين يتمتعون بفطرتهم الكاملة، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول عن نفسه: « إنما أنا بشر، أرضى كما يرضى البشر، وأغضب كما يغضب البشر(354) » .
فالواقع: أن الرجل الصالح في الإسلام لا ينبغي أن يتصور على مثال الحكيم البوذي المجرد من الشهوة، ولا على مثال الحكيم الرواقي الذي لا يبالي بالألم، بل الأمر بعكس ذلك، فبعض الأشياء يروق الرجل الصالح، وبعضها يكرهه، وما دام هواه الفطري أو الذي اعتاده لا يتعارض مع واجب، فهو في كلتا الحالين لا يحاول أن يقاومه.
ومن هذا القبيل: ما روته السنة عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الحلواء والعسل»(355) ، وكان صلى الله عليه وسلم يمزح ولا يقول إلا حقَّاً(356) .
وعن أسامة بن زيد قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فأرسلت إليه إحدى بناته، تدعوه وتخبره: أن صبيَّاً لها، أو ابنًا لها في الموت، فقال للرسول: « ارجع إليها فأخبرها أن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فمرها فلتصبر ولتحتسب ».
فعاد الرسول، فقال: إنها قد أقسمت لتأتينها، قال: فقام النبي صلى الله عليه وسلم وقام معه سعد بن عبادة، ومعاذ بن جبل، وانطلقت معهم، فرفع الصبي، ونفسه تقعقع، كأنها في شنة، ففاضت عيناه، فقال سعد: ما هذا يا رسول الله؟
قال: « هذه رحمةٌ، جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء(357) » .
وهذه الظاهرة نفسها حدثت في حديثنا هذا، فلما رأى القوم
بكاء النبي صلى الله عليه وسلم بكوا، أي: حينما رأوه بكى صلى الله عليه وسلم بكوا، وهذا يسمى عند العلماء بكاء المجاورة، أي: أني رأيتك تبكي فبكيت، وكل دمعة للعين تختلف؛ فدمعة الحزن تختلف عن دمعة الفرح، وتختلف عن دمعة الخوف، وتختلف عن دمعة النفاق، وتختلف عن دمعة المجاملة أو المجاورة.
وقد اختلف العلماء في حكم البكاء، فقال الإسماعيلي: «كثُر كلام العلماء في هذه المسألة، وقال كلٌّ مجتهداً على حسب ما قُدِّر له، ومن أحسن ما حضرني وجهٌ لم أرهم ذكروه، وهو أنهم كانوا في الجاهلية يُغِيرون، وَيسْبون، ويَقتُلُون، وكان أحدهم إذا مات بكته باكيته بتلك الأفعال المحرّمة، فمعنى الخبر: أن الميت يُعذّب بذلك الذي يبكي عليه أهله به؛ لأن الميت يُندب بأحسن أفعاله، وكانت محاسن أفعالهم ما ذُكر، وهي زيادة ذنب من ذنوبه يستحقّ العذاب عليها»(358) .
وقال ابن حزم: «ولاح بهذا أن هذا البكاء الذي يعذب به الميت ليس هو الذي لا يعذب به من دمع العين، وحزن القلب. فصح أنه البكاء باللسان، إذ يعذبونه برياسته التي جار فيها فعذب عليها، وشجاعته التي يعذب عليها، إذ صرفها في غير طاعة الله تعالى، وبجوده الذي أخذ ما جاد به من غير حله، ووضعه في غير حقه فأهله يبكونه بهذه المفاخر، وهو يعذب بها بعينها، وهو ظاهر الحديث لمن يتكلف في ظاهر الخبر ما ليس فيه، وبالله تعالى التوفيق، وقد روينا عن ابن عباس: أنه أنكر على من أنكر البكاء على الميت، وقال: الله أضحك وأبكى؟»(359) .
وهذه القصة كانت بعد قصة إبراهيم بن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن عبد الرحمن بن عوف كان معهم في هذه ولم يعترضه بمثل ما اعترض به هناك، فدل على أنه تقرر عنده العلم بأن مجرد البكاء بدمع العين من غير زيادة على ذلك لا يضر(360) .
التحديث في المرض
ندبنا النبي صلى الله عليه وسلم إلى تبليغ حديثه، وقال: « بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمدًا، فليتبوأ مقعده من النار(361) » .
فقوله: « ولو آية »، أي: واحدة؛ ليسارع كل سامع إلى تبليغ ما وقع له من الحديث، ولو قلَّ؛ ليتصل بذلك نقل جميع ما جاء به صلى الله عليه وسلم، وقد بلغ من حرص سلفنا الصالح على تبليغ سنته الشريفة إلى أن كانوا يحدثون بها في مرضهم، ومن هذه الصور:
عن الحسن، قال: عاد عبيد الله بن زياد معقل بن يسار المزني في مرضه الذي مات فيه، قال معقل: إني محدثك حديثاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لو علمت أن لي حياة ما حدثتك، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من عبد يسترعيه الله رعية، يموت يوم يموت
وهو غاش لرعيته، إلا حرم الله عليه الجنة(362)
فقوله «عاد عبيد الله»، أي: زاره في مرض موته، وكان عبيد الله إذ ذاك أمير البصرة لمعاوية.
وقوله «يسترعيه الله رعية»، يعني: يفوض إليه رعاية رعية، وهي: بمعنى المرعية.
وقوله « يموت »: خبر « ما ».
و«غش الراعي الرعية»: تضييعه ما يجب عليه في حقهم.
وعن عمرو بن أوس، قال: حدثني عنبسة بن أبي سفيان، في مرضه الذي مات فيه بحديث يتسار إليه، قال: سمعت أم حبيبة، تقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: « من صلى اثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة، بني له بهن بيت في الجنة(363) » .
وعن مطرف، قال: بعث إلي عمران بن حصين في مرضه الذي توفي فيه، فقال: إني كنت محدثك بأحاديث، لعل الله أن ينفعك بها بعدي، فإن عشت فاكتم عني، وإن مت فحدث بها إن شئت: إنه قد سُلِّمَ علي، واعلم «أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قد جمع بين حج وعمرة، ثم لم ينزل فيها كتاب الله، ولم ينه عنها نبي الله صلى الله عليه وسلم»، قال رجل فيها برأيه ما شاء(364) .
وعن جنادة بن أبي أمية، قال: دخلنا على عبادة بن الصامت، وهو مريض، قلنا: أصلحك الله، حدث بحديث ينفعك الله به، سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم.
قال: دعانا النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه(365) .
وعن الحارث بن سويد، قال: دخلت على عبد الله أعوده وهو مريض، فحدثنا بحديثين: حديثاً عن نفسه، وحديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: « لله أشد فرحاً بتوبة عبده المؤمن، من رجل في أرض دوية مهلكة، معه راحلته، عليها طعامه وشرابه، فنام فاستيقظ وقد ذهبت، فطلبها حتى أدركه العطش، ثم قال: أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه، فأنام حتى أموت، فوضع رأسه على ساعده ليموت، فاستيقظ وعنده راحلته وعليها زاده وطعامه وشرابه، فالله أشد فرحاً بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته وزاده(366) » .
التذاكر في المرض
عن عائشة رضي الله عنها، أنهم تذاكروا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه فذكرت أم سلمة وأم حبيبة كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح
فمات، بنوا على قبره مسجداً، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة(367)
وعن بسر بن سعيد(368) ، أن زيد بن خالد الجهني حدثه ومع بسر عبيد الله الخولاني أن أبا طلحة حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « لا تدخل الملائكة بيتاً فيه صورة ».
قال بسر: فمرض زيد بن خالد فعدناه، فإذا نحن في بيته بستر فيه تصاوير، فقلت لعبيد الله الخولاني: ألم يحدثنا في التصاوير؟
قال إنه قال: « إلا رقماً في ثوب، ألم تسمعه ؟».
قلت: لا.
قال: «بلى، قد ذكر ذلك»(369) .
نلاحظ في هذين الأثرين صورة أخرى لسلفنا الصالح من حرصهم على تبليغ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ففي الأثر الأول: صحابيتان جليلتان، بل اثنتان من أمهات المؤمنين، تذاكرتا أمام رسول الله في مرضه، ولم ينكر
ذلك، فأصبحت في معنى السنة التقريرية.
وفي الأثر الثاني: تابعيان جليلان، تذاكرا في وجود صحابي جليل، بل اختلفا فيما سمعاه معاً.
وفي الأثرين معاً: دليل على مشروعية التذاكر في المرض، وأنه ليس من إساءة الأدب.
من كره للعائد أن ينظر إلى الفضول من البيت(370)
للبيوت أسرار وعورات، ويقبح فطرة، ويحرم ديناً الاطلاع على تلك الخصوصيات.
فعن عبد الله بن أبي الهذيل قال: دخل عبد الله بن مسعود على مريض يعوده ومعه قوم، وفي البيت امرأة، فجعل رجل من القوم ينظر إلى المرأة، فقال له عبد الله: «لو انفقأت عينك كان خيراً لك»(371) .
ويشهد لهذا المعنى ما روي عن سهل بن سعد رضي الله عنه: أن رجلاً اطلع من جحر في دار النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يحك رأسه بالمدرى، فقال: « لو علمت أنك تنظر، لطعنت بها في عينك، إنما جعل الإذن من قبل الأبصار(372) » .
الوصية في المرض
عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، أن سعد بن أبي وقاص، قال في مرضه الذي هلك فيه: «الحدوا لي لحداً، وانصبوا علي اللبن نصباً، كما صنع برسول الله صلى الله عليه وسلم»(373) .
فمن هدي سلفنا الصالح: الوصية في مرضهم، وعند موتهم، فالذين يوصون عند الموت هم الذين يخافون الله تبارك وتعالى، قال عز وجل في حق إبراهيم عليه السلام: ﴿إِذۡ قَالَ لَهُۥ رَبُّهُۥٓ أَسۡلِمۡۖ قَالَ أَسۡلَمۡتُ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٣١ وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبۡرَٰهِۧمُ بَنِيهِ وَيَعۡقُوبُ﴾(374) ، وصى بها بماذا؟ ب﴿أَسۡلَمۡتُ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾؛ لأن هذا أقرب مذكور للضمير، وأقرب مذكور للضمير هو المقصود من الكلام، فقوله: ﴿بها﴾، والهاء هنا هو الضمير، وأقرب مذكور: ﴿أَسۡلَمۡتُ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾، أي: أنه أوصى أولاده بالإسلام.
ويعقوب أيضاً وصى أولاده: ﴿أَمۡ كُنتُمۡ شُهَدَآءَ إِذۡ حَضَرَ يَعۡقُوبَ ٱلۡمَوۡتُ إِذۡ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعۡبُدُونَ مِنۢ بَعۡدِي﴾(375) ، فهو يطمئن على هذه الذرية، وعلى دورها في الحياة.
وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم أوصى، فقال: استوصوا بالنساء خيراً(376)
مِن آخر ما تكلم به صلى الله عليه وسلم، وهذا ومن آخر ما تكلم به عليه الصلاة والسلام أيضاً قوله: لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، ألا إني أنهاكم عن ذلك(377) ثلاث مرات.
ومن هذا المعنى: وصية سعد؛ إذ أمرهم بأن يعتدلوا في دفنه، وأن يتبعوا السنة، فلا يبالغوا أو يفعلوا شيئاً من البدع، أو يفعلوا بدفنه، أو وضع قبره خلاف ما فعل برسول الله صلى الله عليه وسلم.
النذر في المرض
عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، قال: إن امرأة اشتكت شكوى، فقالت: إن شفاني الله لأخرجن فلأصلين في بيت المقدس، فبرأت، ثم تجهزت تريد الخروج، فجاءت ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم تسلم عليها، فأخبرتها ذلك.
فقالت: اجلسي فَكُلِي ما صنعت، وصلي في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: « صلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد، إلا مسجد الكعبة(378) » .
النذر في اللغة: التزام خير أو شر.
وفي الشرع: التزام المكلف شيئاً لم يكن عليه منجزاً أو معلقاً.
وهو قسمان: نذر تبرر ونذر لجاج.
ونذر التبرر قسمان.
القسم الأول : ما يتقرب به ابتداء، ك«لله علي أن أصوم كذا»، ويلتحق به ما إذا قال: «لله علي أن أصوم كذا شكراً على ما أنعم به علي من شفاء مريضي مثلاً». وقد نقل بعضهم الاتفاق على صحته واستحبابه، وفي وجه شاذ لبعض الشافعية: أنه لا ينعقد.
القسم الثاني : ما يتقرب به معلقاً بشيء ينتفع به إذا حصل له، ك«إن قدم غائبي» أو «كفاني شر عدوي فعلي صوم كذا مثلاً».
والمعلق لازم اتفاقاً، وكذا المنجز في الراجح.
ونذر اللجاج قسمان.
القسم الأول : ما يعلقه على فعل حرام، أو ترك واجب. فلا ينعقد في الراجح، إلا إن كان فرض كفاية، أو كان في فعله مشقة فيلزمه، ويلتحق به ما يعلقه على فعل مكروه.
القسم الثاني : ما يعلقه على فعل خلاف الأولى أو مباح أو ترك مستحب.
وفيه ثلاثة أقوال للعلماء: الوفاء أو كفارة يمين أو التخيير بينهما.
واختلف الترجيح عند الشافعية، وكذا عند الحنابلة،
وجزم الحنفية: بكفارة اليمين في الجميع، والمالكية: بأنه لا ينعقد أصلاً(379)
والصورة التي في هذا الأثر من النذر المعلق.
قال القاضي عياض: «ذهب بعض شيوخنا إلى ما قالت ميمونة، وأن المكي والمدني إذا نذرا الصلاة في بيت المقدس لا يخرجان إليه؛ لأن مكانهما أفضل. ولو نذر المقدسي الصلاة في أحد الحرمين لأتاه؛ لأنه أفضل من مكانه. وقياس قول مالك على هذه الطريقة: أن المكي إذا نذر إتيان مسجد المدينة أتاه، وإن نذر مدني إتيان مسجد مكة لم يأته؛ لأن مسجد المدينة عنده أفضل من مسجد مكة. وقال بعض شيوخنا: الأولى أن يأتي المكي مسجد المدينة، والمدني مسجد مكة، إذا نذراه؛ ليخرجا من الخلاف الذي وقع في فضل أحدهما على الآخر»(380) .
من آداب الصحب والآل عند المرض
1 الشكوى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم:
عن عثمان بن أبي العاص الثقفي، أنه شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعاً يجده في جسده منذ أسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ضع يدك على الذي تألم من جسدك، وقل: باسم الله ثلاثاً، وقل سبع مرات: أعوذ بالله
وقدرته من شر ما أجد وأحاذر(381)
2 سؤالهم النبي صلى الله عليه وسلم التداوي:
عن أسامة بن شريك رضي الله عنه، قال: قالت الأعراب: يا رسول الله ألا نتداوى؟
قال: « نعم عباد الله تداووا؛ فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاءً، إلا داءً واحداً ».
قالوا: يا رسول الله وما هو؟
قال: « الهرم(382) » .
3 رجوعهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضهم:
عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما، قالت: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله إن لي ابنة عريساً أصابتها حصبة فتمرق شعرها
أفأصله؟
فقال: « لعن الله الواصلة والمستوصلة(383) » .
وفي رواية عن عائشة رضي الله عنها: أن امرأة من الأنصار زوجت ابنتها، فتمعط شعر رأسها، فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، فقالت: إن زوجها أمرني أن أصل في شعرها.
فقال: « لا، إنه قد لعن الموصلات(384) » .
وعن أم سلمة رضي الله عنها، قالت: جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، إن ابنتي توفي عنها زوجها، وقد اشتكت عينها، أفتكحلها؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لا » مرتين أو ثلاثاً، كل ذلك يقول: « لا »، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إنما هي أربعة أشهر وعشر، وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول(385) » .
نلاحظ في هذه الآثار أدباً رفيعاً للصحابة رضوان الله عليهم؛ إذ لم يَقدموا على فعل أو قول إلا بعد رجوعهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرغم إصابتهم بالمرض لم يتناولوا دواءً إلا بعد استئذانهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه؛ ليبين لهم مدى مشروعية ما أرادوه.
وهذا ليس بدعوى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طبيبٌ، ولكن لما قام عندهم
من النهي عما ظنوا إباحته في ظروف مرضهم، وهو: وصل شعرهم عند تمرقه أو تمعطه، كما في الحديثين السابقين، والاكتحال في عدة المتوفى عنها زوجها؛ لما في ذلك من التزين والتجمل.
4 عرضهم الرقى على النبي صلى الله عليه وسلم :
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرقى، فجاء آل عمرو بن حزم فقالوا: يا رسول الله إنه كانت عندنا رقية نرقي بها عن العقرب، فإنك نهيت عن الرقى فعرضوها عليه.
فقال: « ما أرى بها بأساً، من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل(386) » .
وعن عوف بن مالك رضي الله عنه، قال: قال صلى الله عليه وسلم: « لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك(387) » .
5 الاستشفاء بآثار النبي صلى الله عليه وسلم :
عن عبد الله، مولى أسماء بنت أبي بكر عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما، قالت: هذه جبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخرجتْ إلي جبة طيالسة كسروانية لها لبنة ديباج، وفرجيها مكفوفين بالديباج، فقالت: هذه كانت عند عائشة حتى قُبضت، فلما قُبضت قبضتها، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يلبسها، فنحن نغسلها للمرضى يُستشفى بها(388) .
قال القاضي عياض: «لما في ذلك من بركة ما لبسه النبي صلى الله عليه وسلم أو لمسه، وقد جرت عادة السلف والخلف بالتبرك بذلك منه عليه السلام، ووجود ذلك وبلوغ الأمل من شفاء وغيره»(389) .
6 الشفاء ببصاق رسول الله صلى الله عليه وسلم :
عن سهل بن سعد رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر: « لأعطين هذه الراية رجلاً يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ».
قال: فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها، قال: فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، كلهم يرجون أن يعطاها، فقال: « أين علي بن أبي طالب ؟».
فقالوا: هو يا رسول الله يشتكي عينيه.
قال: « فأرسلوا إليه ».
فأتي به، فبصق رسول الله صلى الله عليه وسلم في عينيه، ودعا له فبرأ، حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، فقال علي: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟
فقال: انفذ على رسلك، حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لأن يهدي الله
بك رجلاً واحداً خير لك من أن يكون لك حمر النعم(390)
7 الشفاء بمسح يد رسول الله صلى الله عليه وسلم :
عن البراء بن عازب رضي الله عنه، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي رافع اليهودي رجالاً من الأنصار، فأمر عليهم عبد الله بن عتيك، وكان أبو رافع يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعين عليه، وكان في حصن له بأرض الحجاز، فلما دنوا منه، وقد غربت الشمس، وراح الناس بسرحهم، فقال عبد الله لأصحابه: اجلسوا مكانكم، فإني منطلق، ومتلطف للبواب، لعلي أن أدخل... فلما صاح الديك قام الناعي على السور، فقال: أنعى أبا رافع تاجر أهل الحجاز، فانطلقتُ إلى أصحابي، فقلت: النجاء، فقد قتل الله أبا رافع، فانتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فحدثته، فقال: « ابسط رجلك » فبسطت رجلي فمسحها، فكأنها لم أشتكها قط(391) .
8 الشفاء بنفث رسول الله صلى الله عليه وسلم :
عن يزيد بن أبي عبيد، قال: رأيت أثر ضربة في ساق سلمة، فقلت: يا أبا مسلم، ما هذه الضربة؟
فقال: هذه ضربة أصابتني يوم خيبر، فقال الناس: أصيب سلمة، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم «فنفث فيه ثلاث نفثات، فما اشتكيتها حتى الساعة»(392) .
ونقل النووي الإجماع على جواز النفث، وقال: «واستحبه الجمهور من الصحابة والتابعين ومن بعدهم»(393) .
المرأة إذا عسر عليها ولدها
عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: «إذا عسر على المرأة ولدها، فيكتب هاتين الآيتين والكلمات في صحفة، ثم تغسل فتسقى منها: بسم الله الذي لا إله إلا هو الحليم الكريم، سبحان الله رب السموات السبع ورب العرش العظيم، ﴿كَأَنَّهُمۡ يَوۡمَ يَرَوۡنَهَا لَمۡ يَلۡبَثُوٓاْ إِلَّا عَشِيَّةً أَوۡ ضُحَىٰهَا﴾(394) ، ﴿كَأَنَّهُمۡ يَوۡمَ يَرَوۡنَ مَا يُوعَدُونَ لَمۡ يَلۡبَثُوٓاْ إِلَّا سَاعَةٗ مِّن نَّهَارِۢۚ بَلَٰغٞۚ فَهَلۡ يُهۡلَكُ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ﴾(395)(396) )( .
وقال الإمام أحمد: «يكتب للمرأة إذا عسر عليها ولدها في جام أبيض أو شيء نظيف: بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين... (وذكر آيتي الأحقاف والنازعات)، ثم تسقى منه، وينضح ما بقي على صدرها»(397) .
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن عيسى مر ببقرة قد اعترض ولدها في بطنها فقالت: يا روح الله ادع الله أن يخلصني.
فقال: اللهم يا مخرج النفس، ويا خالق النفس من النفس خلصها، فخلصت.
قال ابن عباس: فمن قاله على امرأة خلصها الله تعالى(398) .
وكان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يكتب على جبهة الراعف: ﴿وَقِيلَ يَٰٓأَرۡضُ ٱبۡلَعِي مَآءَكِ وَيَٰسَمَآءُ أَقۡلِعِي وَغِيضَ ٱلۡمَآءُ وَقُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ﴾(399) ، قال: «ولا يجوز كتابتها بدم كما يفعله الجهال؛ فإن الدم نجس، فلا يجوز أن يكتب به كلام الله»(400) .
من ذهب بالصبي المريض لِيُدعى له(401)
عن محمد بن حاطب قال: وقعتْ القدر على يدي فاحترقت يدي، فانطلق بي أبي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يتفل فيها، ويقول: أذهب البأس رب الناس وأحسبه قال: واشفه إنك أنت
الشافي(402)
وعن الجعد بن عبد الرحمن، رأيت السائب بن يزيد، ابن أربع وتسعين، جلداً معتدلاً، فقال: قد علمت: ما مُتِّعْتُ به سمعي وبصري إلا بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن خالتي(403) ذهبت بي إليه، فقالت: يا رسول الله، إن ابن أختي شاك، فادع الله له، قال: «فدعا لي»(404) .
وفي رواية: «فمسح رأسي ودعا لي بالبركة، ثم توضأ فشربت من وضوئه، ثم قمت خلف ظهره فنظرت إلى خاتمه بين كتفيه مثل زر الحجلة»(405) .
قال ابن بطال: «لا بأس بالذهاب بالصبيان إلى الصالحين وأهل الفضل رغبة في بركة دعائهم والانتفاع بهم، ألا ترى أن هذا الصبي مسح النبي عليه السلام رأسه ودعا له وسقاه من وضوئه، فبرئ حتى قام خلف ظهره عليه السلام ورأى بين كتفيه خاتم النبوة.
وفيه: أن شرب صاحب الوجع من وضوء الرجل الفاضل مما يذهب وجعه»(406) .
وعن عبيد الله بن عبد الله، عن أم قيس، قالت: دخلت بابن لي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أَعْلَقْتُ عليه من العُذرة، فقال: على ما
تَدْغَرْنَ أولادكن بهذا العِلاق! عليكن بهذا العود الهندي؛ فإن فيه سبعة أشفية، منها: ذات الجنب، يُسعط من العُذرة، ويُلَدُّ من ذات الجنب(407)
أعلقت عنه وعليه: عالجت وجع لهاته بأصبعي.
والعُذرة: وجع في الحلق يهيج من الدم، يقال في علاجها: عذرته فهو معذور، وقيل: هي قرحة تخرج في الحز الذي يبن الحلق والأنف تعرض للصبيان غالباً عند طلوع العُذرة، وهي: خمسة كواكب تحت الشعرى العبور، وتسمى: العذارى، وتطلع في وسط الحز.
وعادة النساء في معالجة العذرة: أن تأخذ المرأة خرقة فتفتلها فتلاً شديداً، وتدخلها في أنف الصبي وتطعن ذلك الموضع، فينفجر منه دم أسود وربما أقرحته، وذلك الطعن يسمى دغراً وغدراً، فمعنى تدغرن أولادكن: أنها تغمز حلق الولد بأصبعها فترفع ذلك الموضع وتكبسه(408) .
لا رُقْيَةَ أَشْفَى وأَوْلَى مِنْ رُقْيَةِ العَيْنِ وذِي الحُمَةِ
عن الشعبي، عن عمران بن حصين رضي الله عنه، قال: لا رقية إلا من عين أو حُمَةٍ، فذكرته لسعيد بن جبير، فقال: حدثنا ابن عباس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عرضت علي الأمم، فجعل النبي والنبيان يمرون معهم
الرهط، والنبي ليس معه أحد، حتى رفع لي سواد عظيم، قلت: ما هذا؟ أمتي هذه؟ قيل: بل هذا موسى وقومه، قيل: انظر إلى الأفق، فإذا سواد يملأ الأفق، ثم قيل لي: انظر ها هنا وها هنا في آفاق السماء، فإذا سواد قد ملأ الأفق، قيل: هذه أمتك، ويدخل الجنة من هؤلاء سبعون ألفاً بغير حساب
ثم دخل ولم يبين لهم، فأفاض القوم، وقالوا: نحن الذين آمنا بالله واتبعنا رسوله، فنحن هم، أو أولادنا الذين ولدوا في الإسلام، فإنا ولدنا في الجاهلية.
فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فخرج، فقال: « هم الذين لا يسترقون، ولا يتطيرون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون ».
فقال عكاشة بن محصن: أمنهم أنا يا رسول الله؟
قال: « نعم ».
فقام آخر فقال: أمنهم أنا؟
قال: « سبقك بها عكاشة(409) » .
قال النووي: «قال العلماء: لم يرد به حصر الرقية الجائزة فيهما ومنعها فيما عداهما، وإنما المراد: لا رقية أحق وأولى من رقية العين والحُمَة؛ لشدة الضرر فيهما»(410) .
رقية أهل الكتاب
عن عمرة بنت عبد الرحمن، أن أبا بكر الصديق دخل على عائشة، وهي تشتكي، ويهودية ترقيها، فقال أبو بكر: «ارقيها بكتاب الله»(411) .
وقال الربيع: سألت الشافعي عن الرقية.
فقال: لا بأس أن يرقي الرجل بكتاب الله وما يعرف من ذكر الله.
فقلت: أيرقي أهلُ الكتاب المسلمين؟
فقال: نعم، إذا رقوا بما يعرف من كتاب الله وذكر الله.
فقلت: وما الحجة في ذلك؟
فقال: غير حجة، وأما رواية صاحبنا وصاحبك فإن مالكاً... (وذكر الحديث)(412) .
كتابة الرقية
قال المروذي: شكت امرأة إلى أبي عبد الله أنها مستوحشة في بيت وحدها، فكتب لها رقعة بخطه: بسم الله، وفاتحة الكتاب والمعوذتين وآية الكرسي.
وقال:
كتب أبو عبد الله من الحمى: بسم الله الرحمن الرحيم، بسم الله وبالله ومحمد رسول الله، ﴿قُلۡنَا يَٰنَارُ كُونِي بَرۡدٗا وَسَلَٰمًا عَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ٦٩وَأَرَادُواْ بِهِۦ كَيۡدٗا فَجَعَلۡنَٰهُمُ ٱلۡأَخۡسَرِين﴾(413) اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، اشف صاحب هذا الكتاب بحولك وقوتك وجبروتك إله الحق آمين(414)
وذكر الإمام أحمد عن عائشة رضي الله عنها، وغيرها أنهم سهلوا في ذلك(415) .
حرق الحصير لِيُسَدَّ به الدَّمُ(416)
عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه، قال: «لما كسرت على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم البيضة، وأدمي وجهه، وكسرت رباعيته، وكان علي يختلف بالماء في المجن، وجاءت فاطمة تغسل عن وجهه الدم، فلما رأت فاطمة عليها السلام الدم يزيد على الماء كثرة، عمدت إلى حصير فأحرقتها، وألصقتها على جرح رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرقأ الدم»(417) .
تبريد الحمى بالماء(418)
عن فاطمة بنت المنذر، أن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما: كانت إذا أتيت بالمرأة قد حُمَّتْ تدعو لها، أخذت الماء، فصبته بينها وبين جيبها، قالت: «وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نبردها بالماء»(419) .
قال ابن الملقن: «اعترض بعض سخفاء الأطباء على الحديث بقوله: استعمال المحموم الاغتسال بالماء خطر يقرب من الهلاك؛ لأنه يجمع المثام ويحقن البخار ويعكس الحرارة لداخل الجسم، فيكون ذلك سبباً للتلف.
وجوابه: أن هذا صدر عن مرتاب في صدق نبينا.
فيقال له: تفهم مراده من هذا الكلام، فإنه لم ينص على كيفية تبريد الحمى بالماء، وإنما أرشد إلى تبريدها به مطلقاً، فإن أظهر الوجود أو صناعة الطب أن غمس المحموم في الماء أو صبه إياه على جميع بدنه يضره فليس هو الذي قصده عليه السلام، وإنما قصد استعمال الماء على وجه ينفع، فيبحث عن ذلك الوجه، وتجرب الوجوه التي لا ضرر فيها، فإنه سيظهر نفعه قطعًا، وقد ظهر هذا المعنى في أمره العائن بالغسل،
فإنه وإن كان قد أمره أن يغتسل مطلقاً، فلم يكن مقصوده أن يغسل جميع جسده بل بعضه.
وإذا تقرر هذا: فلا يبعد أن مقصوده أن يرش على بعض جسد المحموم، أو يفعل كما ذكرنا عن أسماء، فيكون من باب النشرة الجائزة، ولئن سلمنا أنه أراد جميع جسد المحموم، فيجاب: بأنه يحتمل أنه يريد بذلك بعد قلاعها عنه، وفي وقت مخصوص وبعدد مخصوص، فيكون ذلك من باب: الخواص التي أطلع عليها، كما روي أن رجلاً شكى إليه الحمى، فقال: « اغتسل ثلاثاً قبيل طلوع الشمس، وقل: بسم الله اذهبي يا أم ملدم، فإن لم تذهب فتغتسل سبعاً(420) » .
وفي «الترمذي»(421) من حديث ثوبان مرفوعاً: إذا أصابَ أحدكم الحمى وهي قطعة من النار فليطفئها عنه بالماء يستنقع في نهر جار، وليستقبل جريته ويقول: بسم الله، اللهم اشف عبدك، وصَدِّقْ رسولك، بعد صلاة الصبح قبل طلوع الشمس، وليغمس فيه ثلاث غمسات ثلاثة أيام، فإن لم يبرأ في ثلاث فخمس وإلا فسبع، فإنها لا تكاد تجاوز تسعًا بإذن الله وقد يكون ذلك من باب الطب، ومن الأطباء سلموا أن الحمى الصفراوية يدبر صاحبها بسقي الماء الشديد البرودة حتى يعالجوه وبسقي الثلج، وتغسل أطرافه بالماء البارد، فعلى هذا لا يبعد
أن يكون هذا المقصود بالحديث؛ لأجل الحميات المتولدة من البلغم. نبه على ذلك القرطبي(422)
وقال ابن العربي: «إن قلت: فنحن نجد علماء الطب يمنعون من اغتسال المحموم ويقولون: لا يجوز مقابلة الأشياء إلا بضدها بغتة، والشارع لا يقول إلا حقَّاً، وقد ذكر عن بعض من ينسب إلى العلم أنه حمَّ فاغتسل فاحتقنت الحرارة في بدنه فزاد مرضه، وأخرجه ذلك إلى التلف.
فيجاب: أنه عليه السلام لما خاطب بهذا قوماً كانوا يعتادون مثل هذا في تلك الأرض.
قلت: وفيه تأويل آخر، ذكر أبو سليمان أن ابن الأنباري كان يقول: معناه: تصدقوا بالماء عن المريض، يشفيه الله؛ لما روي أن أفضل الصدقة سقي الماء. وذهب ابن حبان إلى أن ذلك خاص بماء زمزم»(423) .
وقال ابن حجر: «وأولى ما يحمل عليه كيفية تبريد الحمى: ما صنعته أسماء بنت الصديق فإنها كانت ترش على بدن المحموم شيئاً من الماء بين يديه وثوبه، فيكون ذلك من باب النشرة المأذون فيها، والصحابي ولا سيما مثل أسماء التي هي ممن كان يلازم بيت النبي صلى الله عليه وسلم
أعلم بالمراد من غيرها، ولعل هذا هو السر في إيراد البخاري لحديثها عقب حديث ابن عمر المذكور، وهذا من بديع ترتيبه»(424)
الحجامة من الخراج
عن عاصم بن عمر بن قتادة(425) ، قال: جاءنا جابر بن عبد الله في أهلنا، ورجل يشتكي خراجاً به أو جراحاً، فقال: ما تشتكي؟
قال: خراج بي قد شق علي.
فقال: يا غلام ائتني بحجام.
فقال له: ما تصنع بالحجام يا أبا عبد الله؟!
قال: أريد أن أعلق فيه محجماً.
قال: والله إن الذباب ليصيبني، أو يصيبني الثوب، فيؤذيني ويشق علي.
فلما رأى تبرمه من ذلك قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « إن كان في شيء من أدويتكم خير، ففي شرطة محجم، أو شربة من عسل، أو لذعة بنار »، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « وما أحب أن أكتوي ».
قال: فجاء بحجام فشرطه، فذهب عنه ما يجد(426) .
وفي رواية كذلك عن عاصم بن عمر بن قتادة: أن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عاد المقنع ثم قال: لا أبرح حتى تحتجم؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « إن فيه شفاء(427) » .
خدمة المريض
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: اشتكى سعد بن عبادة شكوى له، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده مع عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم، فلما دخل عليه فوجده في غاشية أهله، فقال: « قد قضى ؟».
قالوا: لا يا رسول الله، فبكى النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رأى القوم بكاء النبي صلى الله عليه وسلم بكوا، فقال: « ألا تسمعون إن الله لا يعذب بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا وأشار إلى لسانه أو يرحم، وإن الميت يعذب ببكاء أهله عليه ».
وكان عمر رضي الله عنه: يضرب فيه بالعصا، ويرمي بالحجارة، ويحثي بالتراب(428) .
ف«غاشية أهله»: أهله الذين يغشونه، أي: يحضرون عنده لخدمته(429) .
عدم منع المريض من شيء
عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم عاد رجلاً، فقال: « ما تشتهي ؟».
قال: أشتهي خبز بر.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: « من كان عنده خبز بر، فليبعث إلى أخيه »، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: « إذا اشتهى مريض أحدكم شيئاً، فليطعمه(430) » .
وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: «مرضت مرضاً شديداً، فحماني أهلي كل شيء حتى الماء، فعطشت ليلة عطشاً شديداً، فجئت إلى الإداوة وهي معلقة فشربت منها شربة، فلم أزل أجد الصحة منها، فلا تحموا مرضاكم شيئاً»(431) .
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: سمعت عمر، يقول: «إن اشتهى مريضكم الشيء فلا تحموه، فلعل الله إنما شهاه ذلك ليجعل شفاءه فيه»(432) .
وأما ما روي في الحمية، كنحو:
ما روي: أن عمر رضي الله عنه حمى مريضاً له حتى إنه من شدة ما حماه كان يمص النوى(433) .
وما روي عن علي رضي الله عنه، قال: «المعدة بيت الداء والحمية رأس الطب، والعادة طبع ثان فعودوا بدنا ما اعتاد»(434) .
فقد قال ابن مفلح: «لا يضر تناول يسير لا تعجز الطبيعة عن هضمه، وقد ينتفع به لشدة الشهوة فتتلقاه الطبيعة والمعدة بالقبول فيصلحان ما يخاف منه، ولعله أنفع مما تكرهه الطبيعة»(435) .
وقال ابن الجوزي: نُقل أن الرشيد كان له طبيب نصراني حاذق، فقال لعلي بن الحسين: ليس في كتابكم من علم الطب شيء، فقال علي بن الحسين وهو ابن واقد: قد جمع الله الطب في نصف آية من كتابنا. فقال: ما هي؟ قال: قوله تعالى: ﴿وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ وَلَا تُسۡرِفُوٓاْۚ﴾(436)(437) )( .
إعطاء الدواء للمريض رغماً عنه
لما أخذ المرض يدب إلى جسم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم حتى ضعف، ومن قرابته من يحسب أن ما فيه من ذات الجنب، وكان هذا رأي أقرب أهله إليه، وكان من طبهم لذلك أن يُلَدَّ المريض في فمه، وقد لدوا رسول الحق صلى الله عليه وسلم وهو في غفوة منه، فلما أفاق أحس بأثره في فمه، فأمر بأن يلد من كان في حضرته واستثنى العباس؛ لعدم شهوده.
فعن عائشة رضي الله عنها، قال: لددنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه فجعل يشير إلينا: « أن لا تلدوني »، فقلنا: كراهية المريض للدواء، فلما أفاق قال: « ألم أنهكم أن تلدوني »، قلنا: كراهية المريض للدواء، فقال: « لا يبقى أحد في البيت إلا لد وأنا أنظر إلا العباس؛ فإنه لم يشهدكم(438) » .
قال أهل اللغة: «اللدود بفتح اللام هو: الدواء الذي يصب في أحد جانبي فم المريض ويسفا أو يدخل هناك بأصبع وغيرها ويحنك به، ويقال منه: لددته ألده»(439) .
والعبرة هنا بعموم اللفظ، فيؤخذ منه: عدم الاعتداد بكراهية المريض للدواء، والعمل بما فيه مصلحته من إعطائه الدواء.
وأما الجمع بين فعله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث، وقول عائشة رضي الله عنها:
«والله ما انتقم لنفسه في شيء يؤتى إليه قط، حتى تنتهك حرمات الله، فينتقم لله»(440)
فقد حمل الداودي عدم الانتقام على ما يختص بالمال، وقال: «وأما العرض: فقد اقتص ممن نال منه، واقتص ممن لده في مرضه بعد نهيه عن ذلك، بأن أمر بَلدِّهم مع أنهم كانوا في ذلك تأولوا أنه إنما نهاهم عن عادة البشرية من كراهة النفس للدواء»(441) .
وقال ابن حجر: «الذي يظهر أنه أراد بذلك تأديبهم؛ لئلا يعودوا، فكان ذلك تأديباً، لا قصاصاً، ولا انتقاماً»(442) .
التلبينة مجمة لفؤاد المريض(443)
التلبينة بفتح المثناة وسكون اللام وكسر الموحدة بعدها تحتانية ساكنة ثم نون: طعام يتخذ من دقيق أو نخالة، وربما جعل فيها عسل، سميت بذلك لشبهها باللبن في البياض والرقة، والنافع منه ما كان رقيقاً نضيجاً، لا غليظاً نيئاً(444) .
عن عائشة،
زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها كانت إذا مات الميت من أهلها فاجتمع لذلك النساء، ثم تفرقن إلا أهلها وخاصتها، أمرت ببرمة من تلبينة فطبخت، ثم صنع ثريد، فصبت التلبينة عليها، ثم قالت: كلن منها؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: التلبينة مجمة لفؤاد المريض، تذهب بعض الحزن(445)
وفي رواية: أنها كانت تأمر بالتلبينة وتقول: «هو البغيض النافع»(446) .
و« مجمة » بفتح الجيم والميم الثقيلة، أي: مكان الاستراحة، ورويت: بضم الميم، أي: مريحة، والجمام بكسر الجيم: الراحة، وجم الفرس: إذا ذهب إعياؤه(447) .
اهتمام الشقيق بمرض شقيقه
من تأمل الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة الواردة في الإحسان يتضح بجلاء أن دائرة الإحسان تتسع لتشمل النفس والأسرة والأقارب ثم المجتمع والإنسانية عامة، ومن تلك الدوائر: ما يتعلق بالأقارب، وقد ورد الحث عليها في قوله تعالى: ﴿وَٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗا وَبِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡجَارِ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡجَارِ ٱلۡجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلۡجَنۢبِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخۡتَالٗا فَخُورًا﴾(448) .
ومن صور إحسان الشقيق إلى شقيقه: اهتمامه بأمر صحته ومرضه.
فعن أبي سعيد رضي الله عنه: أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أخي يشتكي بطنه، فقال: « اسقه عسلا ً»، ثم أتى الثانية، فقال: « اسقه عسلاً »، ثم أتاه الثالثة فقال: « اسقه عسلاً » ثم أتاه فقال: قد فعلت؟ فقال: « صدق الله، وكذب بطن أخيك، اسقه عسلاً »، فسقاه فبرأ(449) .
رقية البنت لأبيها
عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: كانت فاطمة عليها السلام ترقي أباها صلى الله عليه وسلم إذا وجدت كثيراً في عِطْفه أو قبره: «بسم الله وبالله، أذهب البأس رب الناس، واشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاءً لا يغادر سقماً، يا أرحم الراحمين»، وكانت تنفخ ولا تتفل(450) .
إحساس الزوجة بزوجها
قال تعالى: ﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنۡ خَلَقَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا لِّتَسۡكُنُوٓاْ إِلَيۡهَا وَجَعَلَ بَيۡنَكُم مَّوَدَّةٗ وَرَحۡمَةًۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُون﴾(451) .
فشعور الزوجة بزوجها، وشعور الزوج بزوجته يجعل حياتهما مطمئنة، ويزيد درجة تعلقهما ببعض.
ومن صور شعور الزوجة بزوجها:
قول أسماء رضي الله عنها: «فذكرت الزبير وغيرته» برغم أن راحتها أنها تركب خلف الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن تذكرت الزبير وغيرته.
وهذا من الحرص على شعور الزوج، فإذا كان الزوج يغضب من أمر معين، فلا ينبغي للمرأة الوفية المؤمنة أن تفعل ذلك الأمر، وأن تكدر خاطر زوجها وتعكر صفوه.
قالت: فاستحييت؛ فعلم النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فتركني، فلما رجعت تحكي للزبير بن العوام ما حدث، فقال لها: «لمشيك أشد علي من ركوبك خلفه».
وفي «الهجر في المضجع» نفسه: معنى لا يتحقق بهجر المضجع أو البيت الذي هو فيه؛ لأن الاجتماع في المضجع هو الذي يهيج شعور الزوجية، فتسكن نفس كل من الزوجين إلى الآخر، ويزول اضطرابهما الذي أثارته الحوادث قبل ذلك، فإذا هجر الرجل المرأة وأعرض عنها في هذه الحالة، رجي أن يدعوها ذلك الشعور والسكون النفسي إلى
سؤاله عن السبب، ويهبط بها من نشز المخالفة إلى صفصف الموافقة(452)
ومن صور شعور الزوجة بزوجها في مرضه:
قول عائشة رضي الله عنها: «ما رأيت أحداً أشد عليه الوجع من رسول الله صلى الله عليه وسلم»(453) .
قال النووي: «قال العلماء: الوجع هنا المرض، والعرب تسمي كل مرض وجعاً»(454) .
رأس المريض في حجر امرأته
عن أبي بردة بن أبي موسى رضي الله عنه، قال: وجع أبو موسى وجعاً شديداً، فغشي عليه ورأسه في حجر امرأة من أهله، فلم يستطع أن يرد عليها شيئاً، فلما أفاق، قال: أنا بريء ممن برئ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «برئ من الصالقة والحالقة والشاقة»(455) .
دل هذا الحديث على تحريم هذه الأشياء والتنفير منها للوعيد المذكور، ولما تضمنه من عدم الرضا بقضاء الله تعالى وقدره.
وتضمن تنبيه أبي موسى أهله على هذا الشيء المحرم.
وكذلك تضمن صورةً من صور المودة والرحمة بين الرجل وزوجته، وهي: وضع رأسه في حجرها، خاصة في المرض، الذي يكون فيه لحاجة أشد إلى المودة والرحمة، وإن كانت هذه الصورة معهودة لدى كل بيت أسري سوي، ورسولنا صلى الله عليه وسلم هو خير قدوة في ذلك؛ فعن عائشة رضي الله عنها، قالت: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن ورأسه في حجري وأنا حائض»(456) ، والمرأة في هذه الصورة النبوية هي التي بحاجة أشد إلى المواساة لما ألمَّ بها من شهور الحيض، على عكس الأثر الوارد في هذه الترجمة؛ فالرجل فيه هو الذي بحاجة أشد إلى المواساة في مرضه، فحقاً كما قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٞ لَّكُمۡ وَأَنتُمۡ لِبَاسٞ لَّهُنَّۗ﴾(457) .
رقية الزوجة زوجها
عن عائشة رضي الله عنها، قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أوى إلى فراشه، نفث في كفيه ب﴿قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ﴾، وب«المعوذتين» جميعاً، ثم يمسح بهما وجهه، وما بلغت يداه من جسده» قالت عائشة: «فلما اشتكى كان يأمرني أن أفعل ذلك به».
قال يونس: كنت أرى ابن شهاب يصنع ذلك إذا أتى إلى فراشه(458) .
رعاية الزوج لزوجته في مرضها
إن الله تعالى أمر الأزواج أن يعاشروا زوجاتهم بالمعروف، فقال: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ﴾(459) ، فهل يكون من المعروف أن يترك أحدٌ زوجته مريضة فلا يهتم بصحتها؟
وهل من حسن العشرة أن ينفق عليها في حال صحتها، فإذا مرضت أرسلها إلى أهلها حتى تُشفى؟
ولقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الأزواج إلى ملاطفة نسائهن والصبر على ما لا يستقيم من أخلاقهن، كما دعا النساء إلى حسن تبعل أزواجهن، فبيَّن عليه الصلاة والسلام أن أعلى رتبة في الخير وأحق الناس بالاتصاف بها من كان خيراً لأهله، فقال صلى الله عليه وسلم: « أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخياركم خياركم لنسائهم خلقاً(460) » .
وهذا يحصل إذا كان اعتناء الأزواج بِبِنية زوجاتهم كاعتنائهم بصحتهن، وهو ما كان يقوم به رسول الله صلى الله عليه وسلم مع نسائه إذا مرضت إحداهن، فقد روت عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعود بعض أهله، يمسح
بيده اليمنى، ويقول: اللهم رب الناس أذهب الباس، اشفه وأنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقماً(461)
وعن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: إنما تغيب عثمان عن بدر، فإنه كانت تحته بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت مريضة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: « إن لك أجر رجل ممن شهد بدراً وسهمه(462) » .
فثبت بهذا أن تمريض الزوج زوجته هو عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودأب الصحابة مع زوجاتهم، وأنه يتقدم سائر ما تحتاجه الزوجة في غير حال مرضها.
ملاطفة الرجل زوجته في مرضها
عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، فبرأها الله منه... (قالت:) فقدمنا المدينة، فاشتكيت بها شهراً والناس يفيضون من قول أصحاب الإفك، ويريبني في وجعي أني لا أرى من النبي صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كنت أرى منه حين أمرض، إنما يدخل فيسلم، ثم يقول: « كيف تيكم ؟»، لا أشعر بشيء من ذلك حتى نقهت...(463) .
فقولها رضي الله عنها: «ويرييني في وجعي أني لا أرى من النبي صلى الله عليه وسلم
اللطف الذي كنت أرى منه حين أمرض»، أي: ومما بعث في نفسي الريبة والشك والإحساس الداخلي بأن هناك أمراً قد حدث، هو هذا التغير في معاملة النبي صلى الله عليه وسلم لي حيث لم أعد أجد منه تلك المعاملة الرقيقة التي كنت أجدها منه إذا مرضت(464)
مداواة النساء الجرحى(465) وقيامهن على المرضى
رغم أن الإسلام فتح المجال أمام المرأة للتعليم، وسهل لها طرق الوصول إليه، بدءاً من ارتياد المساجد للصلاة وسماع القرآن، ومجالس العلم، ضمن الحدود الشرعية التي تشترط سلامة الوسيلة والغاية، إلا أن المتقنات لعلم الطب وأصوله كن قلة، ولعل سبب ذلك يعود إلى اندراج مهنة الطب في فروض الكفاية؛ لذا اكتفوا بذلك العدد القليل الذي قام بها من النساء، كما أن لمكانة المرأة في الإسلام دوراً كبيراً في انصرافها عن هذه المهنة. وذلك لشرف القرار في المنزل وعدم العمل، ودلالة على دلال الزوج، وإعزاز المزوج لها.
فهذا الوضع الاجتماعي لم يكن يسمح لها أن تُعرِّض نفسها إلى
الصعوبات الموجودة في طلب العلم، كما أن تَعلم المرأة لمثل هذه العلوم المختصة كان يتم عن طريق أحد ذويها أو على يد معلم خاص، وكلا هذين الأمرين لا يتيسران للجمهرة العظمى من النساء(466)
ومع ذلك فقد برع في صناعة الطب عدد من النساء، حفظ لنا التاريخ بعضهن، ووجد في عصر النبوة طبيبات مسلمات، فقد كانت عائشة على علم بالطب، كما روى لنا عروة أنه كان يقول لعائشة رضي الله عنها: يا أمتاه لا أعجب من فقهك، أقول: زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم وابنة أبي بكر، ولا أعجب من علمك بالشعر وأيام الناس، أقول: ابنة أبي بكر وكان من أعلم الناس، ولكن أعجب من علمك بالطب!
قالت: أي عرية إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسقم عند آخر عمره، فكانت تقدم عليه وفود العرب من كل وجه فتنعت له الأنعات، فكنت أعالجه، فمن ثم(467) .
كما عرفت بالطب رفيدة الأسلمية التي كانت تداوي الجرحى، وهي التي داوت جرح سعد بن معاذ حين أصيب في أكحله(468) .
ومن الطبيبات أيضاً: الربيع بنت معوذ الأنصارية الصحابية، كانت تداوي الجرحى.
فعن الرُّبَيِّع بنت معوذ، قالت: «كنا نغزو مع النبي صلى الله عليه وسلم، نسقي ونداوي الجرحى، ونرد القتلى إلى المدينة»(469) .
وكذلك: أم عطية رضي الله عنها.
فعن أم عطية الأنصارية رضي الله عنها، قالت: «غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات، أخلفهم في رحالهم، فأصنع لهم الطعام، وأداوي الجرحى، وأقوم على المرضى»(470) .
وفي رواية عن حفصة رضي الله عنها، قالت: كنا نمنع عواتقنا أن يخرجن في العيدين، فقدمت امرأة، فنزلت قصر بني خلف، فحدثت عن أختها، وكان زوج أختها غزا مع النبي صلى الله عليه وسلم ثنتي عشرة غزوة، وكانت أختي معه في ست، قالت: كنا نداوي الكلمى، ونقوم على المرضى، فسألت أختي النبي صلى الله عليه وسلم: أعلى إحدانا بأس إذا لم يكن لها جلباب أن لا تخرج؟...(471) .
وكذلك: أم العلاء رضي الله عنها.
فعن خارجة بن زيد الأنصاري، أن أم العلاء امرأة من نسائهم
قد بايعت النبي صلى الله عليه وسلم، أخبرته أن عثمان بن مظعون طار له سهمه في السكنى، حين أقرعت الأنصار سكنى المهاجرين، قالت أم العلاء: فسكن عندنا عثمان بن مظعون، فاشتكى، فمرضناه حتى إذا توفي وجعلناه في ثيابه...(472)
وكذلك: أم سنان وغيرهن كثيرات، واستمر إسهام الطبيبات المسلمات عبر عصور الحضارة الإسلامية إلى اليوم(473) .
وأما فيما يتعلق بالأحكام الفقهية من حيث مداواة المرأة للرجل : فقد ذهبوا في الجملة إلى الجواز في ظل قاعدة «الضرورات تبيح المحظورات» مع اشتراط بعض القيود، كالأصل عدم جواز التداوي إلا بين المحارم، لما يترتب عليه من النظر المحرم أو الخلوة المحرمة بالأجنبية والأجنبي، لذا نص بعضهم على ذلك بقوله: «وإن لم يوجد من يطبه سوى امرأة فلها نظر ما تدعو الحاجة إلى نظره حتى فرجيه...»(474) .
ويمكن أن يستدل لهؤلاء القائلين بجواز تطبيب المرأة للرجل بحديث الربيع بنت معوذ السابق؛ حيث قالت: «كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم نسقي ونداوي الجرحى، ونرد القتلى»، وقد بوب عليه البخاري بقوله:
«باب مداواة النساء الجرحى في الغزو، ثم قال ابن حجر: «وفيه: جواز معالجة المرأة الأجنبية الرجل الأجنبي للضرورة»(475)
قال ابن بطال: «قال المهلب: فيه مباشرة المرأة غير ذي محرم منها في المداواة وما شاكلها من إلطاف المرضى ونقل الموتى، فإن قيل: كيف جاز أن يباشر النساء الجرحى وهم غير ذوي محارم منهن؟ فالجواب: أنه يجوز ذلك للمتجالات منهن؛ لأن موضع الجرح لا يلتذ بلمسه، بل تقشعر منه الجلود، وتهابه النفوس، ولمسه عذاب للامس والملموس، وأما غير المتجالات منهن: فيعالجن الجرحى بغير مباشرة منهن لهم، بأن يصنعن الدواء ويضعه غيرهن على الجرح، ولا يمسسن شيئاً من جسده.
قال غيره: والدليل على صحة هذا التأويل أني لم أجد أحداً من سلف العلماء يقول في المرأة تموت مع الرجال أو الرجل يموت مع النساء غير ذوي المحارم لا يحضر ذلك غيرهم أن أحداً منهما يغسل صاحبه دون حائل وثوب يستره»(476) .
ويستدل لجواز مداواة المرأة للمحرم بما صح من مداواة فاطمة عليها السلام للنبي صلى الله عليه وسلم حين أخذت قطعة من حصير فأحرقتها وألصقتها فاستمسك الدم(477) .
المرأة تَرْقِي الرجل(478)
عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا اشتكى منا إنسان، مسحه بيمينه، ثم قال: « أذهب الباس، رب الناس، واشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقماً »، فلما مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم وثقل، أخذت بيده لأصنع به نحو ما كان يصنع، فانتزع يده من يدي، ثم قال: « اللهم اغفر لي واجعلني مع الرفيق الأعلى » قالت: فذهبت أنظر، فإذا هو قد قضى(479) .
نجد في هذا الحديث: بيان رقية عائشة رضي الله عنها للنبي صلى الله عليه وسلم، واستدل به البخاري على جواز رقية المرأة للرجل، ولم يبسط ابن حجر القول في هذه المسألة(480) ؛ فكأنه اكتفى ببسطه في مسألة مشروعية مداواة المرأة للرجل؛ لأنه إذا جاز المداواة فالرقية من باب أولى. والله أعلم.
وقوله: « رب الناس »، فإن المعنى: يا رب الناس، فحذف منه حرف النداء لاستشعار قرب المنادى.
وكذلك قوله: مذهب الباس فحذف منه حرف النداء لذلك، وقوله: مذهب نكرة عرفها الإضافة، والمعنى: أن الله تعالى معروف
بإذهاب الباس، فدعاه باسم يناسب المسألة التي يريد السائل أن يسألها، وهي قوله: اشف أنت الشافي يعني: إن أشفيت بسبب فأنت الشافي بغير سبب.
وقوله: « لا شفاء إلا شفاؤك »، يعني: أن الشفاء من كل طريق وعلى كل وجه فإنه منك.
وقوله: « شفاء لا يغادر سقماً »، شفا مصدر لقوله « اشف »، يعني: اشف شفاء لا يغادر سقماً، أي: لا يخلف سقماً.
و« سقماً » ها هنا: مصدر نكرة فهو في هذا الموضع أبلغ من المعرف، أي: لا يغادر سقماً من الأسقام(481) .
طلب المريض الدعاء من الصالحين
اختلف السلف في المبتلى بمرض أو مصيبة: هل الأفضل له الدعاء أو السكوت والرضا؟ قال الأكثرون: الدعاء أفضل، وقال آخرون: الأفضل أن يكون داعياً بلسانه، راضياً بقلبه.
قلت: أما الرضا فإنه لا ينافي الدعاء، بل الدعاء من الرضا؛ لأنه ليس من الرضا أن لا تحب العافية، وزوال ما نزل به، بل القلب متسع للأمرين: للرضا بالقضاء، والدعاء والالتجاء إلى كاشف كل بلوى،
والدعاء هو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه وللناس، بل هذا جبريل يرقيه(482)
بل يستحب للعائد أن يدعو للمريض، إن رجا شفاءه دعا له بالشفاء، فعن سعد بن أبي وقاص قال: عاودني النبي صلى الله عليه وسلم فقال: « اللهم اشف سعداً، اللهم اشف سعداً، اللهم اشف سعداً(483) » .
وعن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان إذا أتى مريضاً أو أتي به، قال: « أذهب الباس رب الناس، اشف وأنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقماً(484) » .
وقد يأتي المريض إلى أهل الصلاح راجياً بركة دعائهم.
فعن فاطمة بنت المنذر، أن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما: كانت إذا أتيت بالمرأة قد حُمَّتْ تدعو لها، أخذت الماء، فصبته بينها وبين جيبها، قالت: «وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نبردها بالماء»(485) .
وأقر عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عبد الله بن عامر في طلبه الدعاء منه.
فعن مصعب بن سعد، قال: دخل عبد الله بن عمر على عبد الله بن عامر يعوده وهو مريض فقال: ألا تدعو الله لي يا ابن عمر؟
قال: إني
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تقبل صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول(486) وكنتَ على البصرة.
ف«الغلول»: الخيانة، وأصله: السرقة من مال الغنيمة قبل القسمة.
و«كنت على البصرة» فمعناه: إنك لست بسالم من الغلول؛ فقد كنت والياً على البصرة، وتعلقت بك تبعات من حقوق الله تعالى وحقوق العباد، ولا يقبل الدعاء لمن هذه الصفة، كما لا تقبل الصلاة والصدقة إلا من متصون، والظاهر والله أعلم: أن ابن عمر قصد زجر عبد الله بن عامر وحثه على التوبة وتحريضه على الإقلاع عن المخالفات، ولم يرد القطع حقيقة بأن الدعاء للفساق لا ينفع، فلم يزل النبي صلى الله عليه وسلم والسلف والخلف يدعون للكفار وأصحاب المعاصي بالهداية والتوبة.
وفي هذا الحديث من الفقه: أن عبد الله بن عمر لما عاد عبد الله بن عامر كان راضياً عنه إن شاء الله؛ فلذلك عاده في مرضه.
وفيه أيضاً من الفقه: أنه لما سأله أن يدعو له حذره من أشياء يدخل مثلها كثيراً على الأمراء، فمنها: أنه ذم عنده الغلول، فلم يقل له إنك قد غللت؛ فالذي قاله على سبيل الموعظة؛ لا على سبيل الشهادة عليه، وعلى هذا فإن الاستحباب لكل عامل يكون على عمل من الأعمال للمسلمين أن يكون ذا عيش مقتصد؛ لئلا يتسع من ماله فتسبق الظنون إلى أنه قد اتسع من مال المسلمين(487) .
تمني المريض الموت(488)
عن قيس بن أبي حازم، قال: دخلنا على خباب نعوده، وقد اكتوى سبع كيات، فقال: «إن أصحابنا الذين سلفوا مضوا ولم تنقصهم الدنيا، وإنا أصبنا ما لا نجد له موضعاً إلا التراب، ولولا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهانا أن ندعو بالموت لدعوت به»، ثم أتيناه مرة أخرى، وهو يبني حائطاً له، فقال: «إن المسلم ليؤجر في كل شيء ينفقه، إلا في شيء يجعله في هذا التراب»(489) .
وقال عمر رضي الله عنه: «اللهم كبرت سني، وضعفت قوتي، وانتشرت رعيتي، فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط»(490) .
قال سعيد: فما انسلخ ذو الحجة حتى قتل عمر رضي الله عنه(491) .
وقال حذيفة لما حضرته الوفاة: «حبيبٌ جاء على فاقة، لا أفلح مَن ندم، اللهم إن كنت تعلم أن الفقر أحب إليَّ من الغنى، والسقم أحب إليَّ من الصحة، والموت أحب إليَّ من العيش، فسهِّل عليَّ الموت حتى ألقاك»(492) .
قال ابن حجر: «الدعاء بالموت أخص من تمني الموت وكل دعاء تمني من غير عكس»(493) .
تأوه المريض
عن أبي بردة بن أبي موسى، قال: دخلت على معاوية بن أبي سفيان، وبظهره قرحة وهو يتأوه منها تأوهًا شديداً، فقلت: أكل هذا من هذه؟
فقال: ما يسرني أن هذا التأوه لم يكن، ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « ما من مسلم يصيبه أذى في جسده إلا كان كفارة لخطاياه، وهذا أشد الأذى(494) » .
وفي رواية: قال أبو بردة: كنت عند معاوية وطبيب يعالج قرحة في ظهره، فهو يتضور، فقلت له: لو بعض شبابنا فعل هذا لعتبنا عليه!
فقال: ما يسرني أني لا أجده؛ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « ما من مسلم يصيبه أذى في جسده إلا كان كفارة لخطاياه(495) » .
قال النووي: «يستحب للمريض الصبر، قال أصحابنا: ويكره
له كثرة الشكوى، فلو سأله طبيب أو قريب له أو صديق أو نحوهم عن حاله، فأخبره بالشدة التي هو فيها، لا على صورة الجزع فلا بأس، قال المتولي: ويكره له التأوه والأنين، وكذا قال القاضي أبو الطيب وصاحب الشامل، وغيرهما من أصحابنا: أنه يكره له الأنين؛ لأن طاوساً رحمه الله كرهه.
وهذا الذي قالوه من الكراهة ضعيف أو باطل؛ فإن المكروه هو الذي ثبت فيه نهي مقصود، ولم يثبت في هذا نهي، بل في «صحيح البخاري»(496) عن القاسم قال: قالت عائشة: وارأساه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: « بل أنا وارأساه »، فالصواب: أنه لا كراهة فيه، ولكن الاشتغال بالتسبيح ونحوه أولى، فلعلهم أرادوا بالمكروه هذا»(497) .
هل يكون قول المريض إني وجع شكاية(498) ؟
قال الله تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ
أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾(499)
وعن هشام بن عروة عن أبيه قال: دخلت أنا وعبد الله بن الزبير على أسماء قبل قتل عبد الله بعشر ليال وأسماء وجعة. فقال لها عبد الله: كيف تجدينك؟
قالت: وجعة.
قال: إني في الموت.
فقالت: لعلك تشتهي موتي، فلذلك تتمناه؟ فلا تفعل. فوالله ما أشتهي أن أموت حتى يأتي علي أحد طرفيك أو تقتل فأحتسبك، وإما أن تظفر فتقر عيني، فإياك أن تعرض عليك خطة فلا توافقك فتقبلها كراهية الموت.
وإنما عنى ابن الزبير ليقتل فيحزنها ذلك(500) .
وعن كعب بن عجرة رضي الله عنه، قال: مر بي النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أوقد تحت القدر، فقال: « أيؤذيك هوام رأسك ؟».
قلت: نعم، فدعا الحلاق فحلقه، ثم أمرني بالفداء(501) .
وعن القاسم بن محمد، قال: قالت عائشة: وارأساه.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ذاك لو كان وأنا حي فأستغفر لك وأدعو لك ».
فقالت عائشة: واثكلياه، والله إني لأظنك تحب موتي، ولو كان ذاك، لظللت آخر يومك معرساً ببعض أزواجك.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: « بل أنا وارأساه، لقد هممت أو أردت أن أرسل إلى أبي بكر وابنه وأعهد: أن يقول القائلون أو يتمنى المتمنون ثم قلت: يأبى الله ويدفع المؤمنون، أو يدفع الله ويأبى المؤمنون(502) » .
قال ابن مفلح: «قال الشيخ مجد الدين في شرح الهداية: ولا بأس أن يخبر بما يجده من ألم ووجع لغرض صحيح، لا لقصد الشكوى. واحتج أحمد بقول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة لما قالت: وارأساه. قال: بل أنا وارأساه(503) » .
وعن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يوعك، فمسسته بيدي فقلت: إنك لتوعك وعكاً شديداً!
قال: « أجل، كما يوعك رجلان منكم ».
قال: لك أجران؟
قال: « نعم، ما من مسلم يصيبه أذى، مرض فما سواه، إلا حط الله سيئاته، كما تحط الشجرة ورقها(504) » .
قال ابن مفلح: «احتج ابن المبارك بقول ابن مسعود للنبي صلى الله عليه وسلم: إنك لتوعك وعكاً شديداً! فقال: أجل إني أوعك كما يوعك رجلان منكم(505) » .
وعن عامر بن سعد، عن أبيه، قال: جاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني من وجع اشتد بي، زمن حجة الوداع، فقلت: بلغ بي ما ترى، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة لي، أفأتصدق بثلثي مالي؟
قال: « لا ».
قلت: بالشطر؟
قال: « لا ».
قلت: الثلث؟
قال: « الثلث كثير، أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس، ولن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها، حتى ما تجعل في في امرأتك(506) » .
وعن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، قال: دخلت على أبي بكر رضي الله عنه، أعوده في مرضه الذي توفي فيه، فسلمت عليه وسألته: كيف أصبحت؟ فاستوى جالساً، فقلت: أصبحت بحمد الله بارئاً؟
فقال: أما إني على ما ترى وجع... فذكر قصة(507) .
وعن الأصبغ بن نباتة، قال: دخلت مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى الحسن بن علي نعوده، فقال له علي رضي الله عنه: كيف أصبحت يا ابن رسول الله؟
قال: أصبحت بحمد الله بارئاً.
قال: كذلك إن شاء الله.
ثم قال الحسن رضي الله عنه: أسندوني. فأسنده علي رضي الله عنه إلى صدره، فقال: سمعت جدي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « إن في الجنة شجرة يقال لها شجرة البلوى، يؤتى بأهل البلاء يوم القيامة، فلا يرفع لهم ديوان، ولا ينصب لهم ميزان، يصب عليهم الأجر صباً »، وقرأ: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّٰبِرُونَ أَجۡرَهُم بِغَيۡرِ حِسَابٖ﴾(508)(509) )( .
قال ابن حجر: «أما قوله إني وجع: فترجم به في
كتاب الأدب المفرد وأورده فيه من طريق...، وأصرح منه ما روى صالح بن كيسان عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه قال دخلت على أبي بكر رضي الله عنه في مرضه الذي توفي فيه فسلمت عليه وسألته كيف أصبحت؟ فاستوى جالساً، فقلت: أصبحت بحمد الله بارئاً؟ قال: أما إني على ما ترى وجع، فذكر القصة أخرجه الطبراني، وأما قوله وارأساه: فصريح في حديث عائشة المذكور في الباب، وأما قوله اشتد بي الوجع فهو في حديث سعد الذي في آخر الباب...
قال القرطبي: اختلف الناس في هذا الباب، والتحقيق: أن الألم لا يقدر أحد على رفعه والنفوس مجبولة على وجدان ذلك، فلا يستطاع تغييرها عما جبلت عليه، وإنما كلف العبد أن لا يقع منه في حال المصيبة ما له سبيل إلى تركه كالمبالغة في التأوه والجزع الزائد كأن من فعل ذلك خرج عن معاني أهل الصبر، وأما مجرد التشكي: فليس مذموماً حتى يحصل التسخط للمقدور، وقد اتفقوا على كراهة شكوى العبد ربه وشكواه إنما هو ذكره للناس على سبيل التضجر والله أعلم»(510) .
وقال ابن مفلح: «قال ابن عقيل في الفنون قوله تعالى: ﴿لَقَدۡ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَٰذَا نَصَبٗا﴾(511) يدل على جواز الاستراحة إلى نوع من الشكوى عند إمساس البلوى، ونظيره ﴿يَٰٓأَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ﴾(512) ﴿مَسَّنِيَ
ٱلضُّرُّ﴾(513) ما زالت أكلة خيبر تعاودني(514)(515)
دعاء المريض بالمغفرة أو العافية
عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: « سلوا الله العافية(516) » .
ولكن لما كان المريض يوشك أن ينتهي أجله، فتراه راجياً إحدى الحسنيين، إما حب العافية إن كان أمدَّ الله في عمره، وإما نيل المغفرة إن كان اقترب أجله.
فعن يزيد بن خمير، سمعت أبا زبيد، قال: دخلت على أبي أيوب أنا ونوف البكالي، ورجل من بني عامر، ورجل آخر لنعوده فقلنا: اللهم عافه واشفه.
فقال: «قولوا: اللهم إن كان أجله عاجلاً فاغفر له وارحمه، وإن كان آجلاً فعافه واشفه»(517) .
وهذا ما كان يعلمه النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة رضوان الله عليهم.
فعن أنس رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد رجلاً من المسلمين قد خَفَتَ، فصار مثل الفرخ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: « هل كنت تدعو بشيء أو تسأله إياه ؟».
قال: نعم، كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة، فعجله لي في الدنيا.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « سبحان الله لا تطيقه أو لا تستطيعه أفلا قلت : اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار ».
قال: فدعا الله له، فشفاه(518) .
محاسبة المريض نفسه
عن الحسن: أن عمران بن حصين ابتلي في جسده، فقال: «ما أراه إلا بذنب، وما يعفو الله أكثر»، وتلا: ﴿وَمَآ أَصَٰبَكُم مِّن مُّصِيبَةٖ فَبِمَا كَسَبَتۡ أَيۡدِيكُمۡ﴾(519)(520) )( .
وفي راوية: قال الحسن: دخلنا على عمران بن حصين، فقال رجل:
لا بد أن أسألك عما أرى بك من الوجع.
فقال عمران: يا أخي لا تفعل! فوالله إني لأحب الوجع، ومن أحبه كان أحب الناس إلى الله، قال الله تعالى: ﴿وَمَآ أَصَٰبَكُم مِّن مُّصِيبَةٖ فَبِمَا كَسَبَتۡ أَيۡدِيكُمۡ وَيَعۡفُواْ عَن كَثِيرٖ﴾، فهذا مما كسبت يدي، وعفو ربي عما بقي أكثر.
والمصيبة هنا: الحدود على المعاصي، قاله الحسن.
وقال الضحاك: «ما تعلم رجل القرآن ثم نسيه إلا بذنب، قال الله تعالى: ﴿وَمَآ أَصَٰبَكُم مِّن مُّصِيبَةٖ فَبِمَا كَسَبَتۡ أَيۡدِيكُمۡ﴾، ثم قال: «وأي مصيبة أعظم من نسيان القرآن»...
وقيل: ﴿ما﴾ بمعنى «الذي»، والمعنى: الذي أصابكم فيما مضى بما كسبت أيديكم.
وقال علي رضي الله عنه: «هذه الآية أرجى آية في كتاب الله عز وجل. وإذا كان يكفر عني بالمصائب ويعفو عن كثير فما يبقى بعد كفارته وعفوه»!
وقد روي هذا المعنى مرفوعاً عنه رضي الله عنه، قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ألا أخبركم بأفضل آية في كتاب الله حدثنا بها النبي صلى الله عليه وسلم: «﴿وَمَآ أَصَٰبَكُم مِّن مُّصِيبَةٖ فَبِمَا كَسَبَتۡ أَيۡدِيكُمۡ﴾ الآية: يا علي ما أصابكم من مرض أو عقوبة أو بلاء في الدنيا فبما كسبت أيديكم. والله أكرم من أن يثني عليكم العقوبة في الآخرة وما عفا عنه في الدنيا، فالله أحلم من أن يعاقب
به بعد عفوه
وقال الحسن: لما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم: « ما من اختلاج عرق ولا خدش عود ولا نكبة حجر إلا بذنب، ولما يعفو الله عنه أكثر ».
وقال مرة الهمداني: رأيت على ظهر كف شريح قرحة فقلت: يا أبا أمية، ما هذا؟
قال: هذا بما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير.
وقال ابن عون: إن محمد بن سيرين لما ركبه الدين اغتم لذلك فقال: إني لأعرف هذا الغم، هذا بذنب أصبته منذ أربعين سنة.
وقال عكرمة: ما من نكبة أصابت عبداً فما فوقها إلا بذنب، لم يكن الله ليغفره له إلا بها أو لينال درجة لم يكن يوصله إليها إلا بها.
وروي أن رجلاً قال لموسى: يا موسى، سل الله لي في حاجة يقضيها لي هو أعلم بها، ففعل موسى، فلما نزل إذ هو بالرجل قد مزق السبع لحمه وقتله، فقال موسى: ما بال هذا يا رب؟
فقال الله تبارك وتعالى له: «يا موسى إنه سألني درجة علمت أنه لم يبلغها بعمله فأصبته بما ترى لا جعلها وسيلة له في نيل تلك الدرجة».
فكان أبو سليمان الداراني إذا ذكر هذا الحديث يقول: سبحان من
كان قادراً على أن ينيله تلك الدرجة بلا بلوى! ولكنه يفعل ما يشاء(521)
وقال القرطبي: «ونظير هذه الآية في المعنى قوله تعالى: ﴿مَن يَعۡمَلۡ سُوٓءٗا يُجۡزَ بِهِۦ﴾، قال علماؤنا: وهذا في حق المؤمنين، فأما الكافر فعقوبته مؤخرة إلى الآخرة. وقيل: هذا خطاب للكفار، وكان إذا أصابهم شر قالوا: هذا بشؤم محمد، فرد عليهم وقال: بل ذلك بشؤم كفركم. والأول أكثر وأظهر وأشهر.
﴿وَيَعۡفُواْ عَن كَثِيرٖ﴾، أي: عن كثير من المعاصي ألا يكون عليها حدود، وهو مقتضى قول الحسن. وقيل: أي يعفو عن كثير من العصاة ألا يعجل عليهم بالعقوبة.
﴿وَمَآ أَنتُم بِمُعۡجِزِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِۖ﴾، أي: بفائتين الله، أي: لن تعجزوه ولن تفوتوه»(522) .
عظم الآخرة وصغر الدنيا في عين المريض
ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي، ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، له صحبة، مات في أول خلافة عمر، وقيل: في آخرها سنة ثلاث وعشرين، أخرج له الترمذي والنسائي، وثبت ذكره في «صحيح مسلم»(523) .
فيخبرنا ربيعة
رضي الله عنه بحال المريض، وأنه يكون في حالة عظيمة من الإقبال على الآخرة، والإدبار من الدنيا.
فعن ثابت، قال: دخلنا على ربيعة بن الحارث نعوده وهو ثقيل فقال: «إنه من كان في مثل حالي هذه ملأت الآخرة قلبه، وكانت الدنيا أصغر في عينه من ذباب»(524) .
التصدق في المرض
عن عامر بن سعد بن مالك، عن أبيه، قال: عادني النبي صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع من مرض أشفيت منه على الموت، فقلت: يا رسول الله، بَلَغ بي من الوجع ما ترى، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة لي واحدة، أفأتصدق بثلثي مالي؟
قال: « لا ».
قال: فأتصدق بشطره؟
قال: «ا لثلث يا سعد، والثلث كثير، إنك أن تذر ذريتك أغنياء، خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس ولست بنافق نفقة تبتغي بها وجه الله، إلا آجرك الله بها حتى اللقمة تجعلها في
في امرأتك(525)
ولقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أن تبرعات المريض ليست وصية؛ لأنها منجزة في الحال، ولكن لها حكم الوصية، بحيث تنفذ من الثلث، وما زاد على الثلث يحجر عليه فيه، فإن أجاز الورثة أو برئ صح تبرعه(526) .
ومن أدلتهم: حديثنا هذا، ووجه الاستدلال: قوله: «أفأتصدق بثلثي مالي»، فدل الحديث على أن تبرعات المريض ناجزة، وأنها من الثلث، وليست من رأس ماله.
قال الطحاوي: «فقيل: هذا الحديث جعل صدقته في مرضه من الثلث، كوصاياه من الثلث من بعد موته»(527) .
محبة العافية
عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « الحمى من فيح جهنم، فأطفئوها بالماء »، قال نافع: وكان عبد الله يقول: «اكشف عنا الرجز»(528) .
قال ابن حجر: «كأن ابن عمر فهم من كون أصل الحمى من جهنم أن من أصابته عذب بها، وهذا التعذيب يختلف باختلاف
محله، فيكون للمؤمن تكفيراً لذنوبه وزيادة في أجوره كما سبق، وللكافر عقوبة وانتقاماً، وإنما طلب ابن عمر كشفه مع ما فيه من الثواب؛ لمشروعية طلب العافية من الله سبحانه؛ إذ هو قادر على أن يكفر سيئات عبده ويعظم ثوابه من غير أن يصيبه شيء يشق عليه»(529)
وعن سهل بن معاذ بن أنس الجهني، عن أبيه، عن جده، قال: دخلت على أبي الدرداء في مرضه فقلت: يا أبا الدرداء إنا نحب أن نصح، فلا نمرض!
فقال أبو الدرداء: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « إن الصداع والمَلِيلة لا تزالان بالمؤمن وإن كان ذنبه مثل أحد، حتى لا تدعا من ذنبه مثقال حبة من خردل(530) » .
وعن ابن سيرين، قال: قال أبو الدرداء: «ما يسرني بليلة أمرضها حمر النعم»(531) .
وأما ما روي عن عائشة رضي الله عنها، أنها قالت: «ما يشك امرؤ بشوكة فما فوقها، إلا حط الله بها عنه خطاياه»(532) .
وعن
علي بن الحسين، أنه قال: «إذا لم يمرض الجسد أشر، ولا خير في جسد ما يشر»(533) فمحمول على أثر المرض وكفارته، ولا تعارض بينه وبين محبة العافية.
الحث على الاجتهاد حال الصحة
عن مجاهد، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي، فقال: « كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل »، وكان ابن عمر يقول: «إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك»(534) .
فالعمر لا يخلو من الصحة والمرض، والإنسان إذا كان صحيحاً تجده قادراً على الأعمال منشرح الصدر، يسهل عليه العمل؛ لأنه صحيح، وإذا مرض عجز وتعب، أو تعذر عليه الفعل، أو إذا أمكنه الفعل تجد نفسه ضيقة ليست منبسطة.
فقول عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: «وخذ من صحتك»، أي: اغتنم زمن القوة، فاستسلف منك لك، واعلم أنه سيأتي عليك زمان طويل، وأنت تحت الأرض لا يمكنك أن تذكر الله عز وجل، فبادر في زمن
سلامتك.
وقال ابن حجر: «أي: أن العمر لا يخلو عن صحة ومرض، فإذا كنت صحيحاً فسر سير القصد، وزد عليه بقدر قوتك، ما دامت فيك قوة، بحيث يكون ما بك من تلك الزيادة قائماً مقام ما لعله يفوت حالة المرض والضعف»(535) .
التهنئة بالعافية من المرض
عن خوات بن جبير رضي الله عنه، قال: مرضت فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: « صح جسمك يا خوات ».
قلت: وجسمك يا رسول الله فصح.
قال: « أوف الله بما وعدته ».
قلت: يا رسول الله ما وعدت الله شيئاً!
قال: « بلى ما من مريض يمرض إلا وهو يحدث نفسه بخير، فف لله بما وعدته(536) » .
وعن مسلم بن يسار، قال: «كانوا يقولون للرجل إذا برأ من
مرضه: ليهنك الطهر»(537)
ومسلم بن يسار (ت100ه)، من الطبقة الرابعة(538) ، فإذا قال: «كانوا يقولون»، فالمراد به: الصحابة رضوان الله عليهم.
واستدل السيوطي بهذين الأثرين على مشروعية التهنئة بالعافية من المرض(539) .
ذِكر الأسقام
كان حديث الصحابة يتنوع في مجالسهم بين مناشدة الأشعار، وبين ذكر أيام الجاهلية، ونحو ذلك، فأخرج مسلم(540) عن سماك بن حرب، قال: قلت لجابر بن سمرة: أكنت تجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
قال: نعم كثيراً، «كان لا يقوم من مصلاه الذي يصلي فيه الصبح، أو الغداة، حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس قام، وكانوا يتحدثون فيأخذون في أمر الجاهلية، فيضحكون ويتبسم».
وفي رواية الترمذي(541) قال: «جالست النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من
مائة مرة، فكان أصحابه يتناشدون الشعر، ويتذاكرون أشياء من أمر الجاهلية وهو ساكت، فربما يتبسم معهم».
وكان من حديثهم أحياناً: ذِكر الأسقام.
فعن عامر أخي الخضر، قال: إني لبأرض محارب إذا رايات وألوية رفعت، فقلت: ما هذا؟
فقيل: رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فجئت فجلست إليه، وهو في ظل شجرة وقد بسط له كساء، وهو جالس إليه وحوله أصحابه، قال: فذكروا الأسقام.
فقال: « إن العبد المؤمن إذا أصابه سقم ثم عافاه الله منه كان كفارة لما مضى من ذنوبه، وموعظة له فيما يستقبل من عمره، وإن المنافق إذا مرض وعوفي كان كالبعير عقله أهله ثم أطلقوه لا تدبير فيما عقلوه ولا فيما أطلقوه ».
فقال رجل: يا رسول الله ما الأسقام؟
قال: « أو ما سقمت قط ؟».
قال: لا.
قال: « فقم عنا، فلست منا(542) » .
التوجس ممن لم يمرض
عن سالم، قال: رأى أبو الدرداء يوماً رجلاً، فتعجب من جلده، فقال أبو الدرداء: «هل حُمِمْتَ قط؟، هل صُدِعْتَ قط؟».
فقال الرجل: لا.
فقال أبو الدرداء: «بؤس لهذا يموت بخطيئاته»(543) .
وعن قيس بن أبي حازم، قال: طلق خالد بن الوليد امرأته ثم أحسن عليها الثناء، فقيل له: يا أبا سليمان لأي شيء طلقتها؟
قال: «ما طلقتها لأمر رابني منها ولا ساءني، ولكن لم يصبها عندي بلاء»(544) .
وعن أبي عثمان النهدي مرسلاً: « إن أبغض عباد الله إلى الله العفريتُ النِّفْريتُ الذي لَمْ يُرْزَأْ في مالٍ ولا وَلدٍ(545) » .
أبو عثمان: عبد الرحمن بن مل بتثليث الميم وشدة اللام ابن عمرو بن عدي.
والنهدي: بفتح النون وسكون الهاء وبالمهملة، الكوفي نزيل البصرة، أسلم على عهد المصطفى صلى الله عليه وسلم ولم يجاهد ولم يره(546) .
العفريت: بكسر أوله، أي: الشرير الخبيث من بني آدم.
النفريت، أي: القوي في شيطنته.
قال الزمخشري: «العفر والعفرية والعفريت: القوي المتشيطن الذي يعفر قرنه، والياء في العفريت والعفارية للإلحاق، وحرف التأنيث فيهما للمبالغة، والتاء في عفريت للإلحاق كقنديل».
الذي لم يرزأ ، أي: لم يصب بالرزايا.
في مال ولا ولد ، بل لا يزال ماله موفوراً وولده باقون، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى إذا أحب عبداً ابتلاه، قال كعب: «في بعض الكتب السماوية: لولا أن يحزن عبدي المؤمن لعصبت الكافر بعصابة من حديد لا يصدع أبداً»(547) .
وخرج ابن أبي الدنيا(548) وغيره أن رجلاً قال: يا رسول الله ما الأسقام؟
قال: « أو ما سقمت قط ؟».
قال: لا.
قال: « قم عنا فلست منا ».
قال ابن عربي: «هذا إشارة إلى أنه ناقص المرتبة عند ربه، وعلامة ذلك: صحة بدنه على الدوام، وهذا خرج مخرج الغالب أو علم من حال ذلك في نقصانه ما أخبر عنه»(549) .
جزاء الصبر على المرض
قال تعالى: ﴿۞لَّيۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلۡكِتَٰبِ وَٱلنَّبِيِّۧنَ وَءَاتَى ٱلۡمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلۡمُوفُونَ بِعَهۡدِهِمۡ إِذَا عَٰهَدُواْۖ وَٱلصَّٰبِرِينَ فِي ٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلۡبَأۡسِۗ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ﴾(550) .
فقوله تعالى: ﴿وَٱلصَّٰبِرِينَ فِي ٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ﴾ منصوب على المدح، بتقدير أخص أو أمدح، ولم يعطف لبيان فضل الصبر على سائر الأعمال.
و﴿ٱلۡبَأۡسَآءِ﴾:
شدة الفقر؛ لأن البأساء في الأموال، والضراء في الأبدان.
وقوله: ﴿وَحِينَ ٱلۡبَأۡسِ﴾، أي: وقت شدة القتال في سبيل الله، وهذا من باب الترقي في الصبر من الشديد إلى الأشد، لأن الصبر على المرض فوق الصبر على الفقر، والصبر على القتال فوق الصبر على المرض.
وعدى الصبر إلى الأولين ب﴿في﴾؛ لأنه لا يعد الإنسان من الممدوحين إذا صبر على شيء من ذلك إلا إذا صار الفقر والمرض كالظرف له، وأما إذا أصاباه وقتاً ما، وصبر، فليس فيه مدح كثير؛ إذ أكثر الناس كذلك، وأتى ب﴿حين﴾ في الأخير؛ لأن القتال حالة لا تكاد تدوم في أغلب الأوقات.
وقوله: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ﴾، أي: أولئك الموصوفون بما ذكرهم الذين صدقوا في إيمانهم وادعاء البر واتباع الحق.
وقوله: ﴿وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ﴾ عذاب الله بتجنب معاصيه، وامتثال أوامره، وأتى بخبر ﴿أولئك﴾ الأول موصولاً بفعل ماض إيذاناً بتحقق اتصافهم به، وأن ذلك قد وقع منهم، وغاير في خبر الثانية ليدل على أن ذلك ليس بمتجدد، بل صار كالسجية لهم، وهذه الآية جامعة للكمالات الإنسانية بأسرها؛ إذ هي تنحصر في ثلاثة أشياء: صحة الاعتقاد، وحسن المعاشرة للخلق، وتهذيب النفس في المعاملة مع الله، وقد أشير إلى الأول بقوله:
﴿من آمن﴾ إلى ﴿والنبيين﴾، وإلى الثاني بقوله: ﴿وَءَاتَى ٱلۡمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ﴾ إلى ﴿وَفِي ٱلرِّقَابِ﴾، وإلى الثالث بقوله: ﴿وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ﴾ إلى آخرها، ولذلك وصف المستجمع لها بالصدق؛ نظراً إلى إيمانه واعتقاده، وبالتقوى؛ اعتباراً لمعاشرته للخلق ومعاملته مع الحق(551)
لذلك نرى من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم من اختار المرض على العافية؛ ليفوز بهذا الجزاء العظيم!
فعن عطاء بن أبي رباح، قال: قال لي ابن عباس: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟
قلت: بلى.
قال: هذه المرأة السوداء، أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إني أصرع، وإني أتكشف، فادع الله لي.
قال: « إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك ».
فقالت: أصبر، فقالت: إني أتكشف، فادع الله لي أن لا أتكشف.
فذكر عطاء: أنه رأى أم زفر تلك امرأة طويلة سوداء، على ستر الكعبة(552) .
أربع للمريض
عن يحيى بن أبي هشام، عن رجل من أهل الشام، أن قوماً عادوا مريضاً وفيهم رجل من المهاجرين، فقال المهاجر: «إن للمريض أربعاً: يرفع عنه القلم، ويكتب له من الأجر مثل ما كان يعمل في صحته، ويتبع المرض كل خطيئة من مفصل من مفاصله فيستخرجها، فإن عاش عاش مغفوراً له، وإن مات مات مغفوراً له».
قال: فقال المريض: اللهم لا أزال مضطجعاً(553) .
كفارة المريض(554)
عن مسلم بن يسار، أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال: «يكفر الله عن المسلم حتى النكبة وانقطاع شسعه، والبضاعة يضعها في كم قميصه فيفقدها فيجدها في
وعن عياض بن غطيف، قال: دخلنا على أبي عبيدة بن الجراح نعوده من شكوى أصابه، وامرأته تحيفه، قاعدة عند رأسه، قلت: كيف بات أبو عبيدة؟
قالت: والله لقد بات بأجر.
فقال أبو عبيدة: ما بت بأجر، وكان مقبلاً بوجهه على الحائط، فأقبل على القوم بوجهه، فقال: ألا تسألونني عما قلت؟
قالوا: ما أعجبنا ما قلت، فنسألك عنه.
قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « من أنفق نفقة فاضلة في سبيل الله فبسبعمائة، ومن أنفق على نفسه وأهله أو عاد مريضاً أو ماز أذى، فالحسنة بعشر أمثالها، والصوم جنة ما لم يخرقها، ومن ابتلاه الله ببلاء في جسده فهو له حطة(557) » .
وعن غطيف بن الحارث أن رجلاً أتى أبا عبيدة بن الجراح وهو وجع، فقال: كيف أمسى أجر الأمير؟
فقال: هل تدرون فيما تؤجرون به؟
فقال: بما يصيبنا فيما نكره.
فقال:
إنما تؤجرون بما أنفقتم في سبيل الله واستنفق لكم، ثم عد أداة الرحل كلها حتى بلغ عذار البرذون ولكن هذا الوصب الذي يصيبكم في أجسادكم يكفر الله به من خطاياكم(558)
وعن زياد بن الربيع، قال: قلت لأبي بن كعب: آية في كتاب الله قد أحزنتني!
قال: ما هي؟
قلت: ﴿مَن يَعۡمَلۡ سُوٓءٗا يُجۡزَ بِهِۦ﴾(559) .
قال: ما كنت أراك إلا أفقه مما أرى؛ إن المؤمن لا تصيبه عثرة قدم ولا اختلاج عرق إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر(560) .
وعن ربيع بن عُميلة، قال: حدثني هلال بن يساف أو بعض أصحابنا عنه، قال: كنا قعوداً عند عمار بن ياسر فذكروا الأوجاع، فقال أعرابي: ما اشتكيت قط!
فقال عمار: «ما أنت منا أو لست منا؛ إن المسلم ليبتلى ببلاء فتحط عنه ذنوبه كما يحط الورق من الشجر، وإن الكافر أو قال الفاجر يبتلى ببلاء، فمثله مثل بعير أطلق، فلم يدر لم أطلق، وعُقِل فلم يدر
لم عقل»(561)
وعن أبي معمر الأزدي، قال: كنا إذا سمعنا من ابن مسعود شيئاً نكرهه سكتنا حتى يفسره لنا، فقال لنا ذات يوم: «ألا إن السقم لا يكتب له أجر فساءنا ذلك وكبر علينا، قال: «ولكن يكفر به الخطايا»، قال: فسرنا ذلك وأعجبنا(562) .
وعن عبد الرحمن بن سعيد عن أبيه قال: كنت مع سلمان وعاد مريضاً في كندة، فلما دخل عليه قال: أبشر؛ فإن مرض المؤمن يجعله الله له كفارة، ومستعتباً، وإن مرض الفاجر كالبعير عقله أهله ثم أرسلوه، فلا يدري لم عقل ولم أرسل(563) .
قال ابن حجر: «ابتلاء الله عبده في الدنيا ليس من سخطه عليه، بل إما لدفع مكروه أو لكفارة ذنوب أو لرفع منزلة، فإذا تلقى ذلك بالرضا تم له المراد، وإلا يصبر كما جاء في حديث سلمان: أن مرض المؤمن يجعله الله له كفارة ومُستعْتَباً، وأن مرض الفاجر كالبعير عقله أهله ثم أرسلوه، فلا يدري لم عقل ولم أرسل»(564) .
وقال الطحاوي في «شرح مشكل الآثار»(565) : «باب: بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ينزل بمن سوى الأنبياء صلوات الله عليهم في أبدانهم: هل يؤجرون على ذلك أم لا»؟
ثم أخرج عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم طرقه وجع، فجعل يتقلب على فراشه، فقالت له عائشة: يا نبي الله، لو أن بعضنا فعل هذا لوجدت عليه؟
فقال: « إن المؤمنين يشدد عليهم، وإنه لا يصيب مؤمناً نكبة ولا وجع إلا رفع الله له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة ».
وقال: «ففيما روينا من هذا الحديث إخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الأجر يكتب لمن أصابته نكبة أو وجع، يرفع الله عز وجل إياه بها درجة مع حطه عنه بها خطيئة».
ثم أخرج عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ما من مسلم يبتلى ببلاء في جسده إلا كتب الله له في مرضه كل عمل صالح كان يعمله في صحته ».
وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم لا مرة ولا مرتين يقول: « من كان يعمل عملاً، فيشغله عنه مرض أو سفر، كتب له صالح ما كان يعمل وهو صحيح مقيم ».
وقال: «فأنكر
منكر هذه الآثار، وقال: كيف يجوز أن يكتب الأجر لرجل بغير عمله ما يستحق به ذلك الأجر؟
فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل: أنه يكتب له الأجر بحسن نيته مع ما قد نزل به، وصبره عليه، وتسليمه فيه الأمر إلى من ابتلاه به، فيشكر الله ذلك له ويأجره عليه، ومما قد دل على ذلك ما في حديثي ابن مسعود، وأبي سعيد من جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهما، أو من قبوله من قال له منهما: أنه يضاعف لك الأجر، مما قد دل على أن التضعيف له هو إعطاؤه على ما به مثل ما يعطى غيره على ما يصيبه منه من الأجر وزيادة مثله عليه، وهذا من ما قد رواه المدنيون والكوفيون جميعاً.
فقال: فإن ابن مسعود قد روي عنه ما دفع ذلك... (فأخرج قول ابن مسعود السابق).
فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه: أن الأمراض والأوجاع لا تكتب أجراً كما قال ابن مسعود رحمه الله، ولكنها تحط بها الخطايا ويرفع بها في الدرجات، فيجمع الأمرين جميعاً، لا ينفرد بأحدهما دون الآخر، وقد يحتمل أن يكون ابن مسعود رضي الله عنه أراد بذلك اختلاف أحكام الناس فيها، فمنه من له خطايا تستغرق أجره عليها، فيكون ثوابه عليها وأجره فيها حط خطاياه لا ما سواها، ويكون من سواه ممن لا خطايا له كالأنبياء صلوات الله عليهم، أو كمن سواهم ممن
يتجاوز أجره حطيطة خطاياه، فيكتب له من الأجر ما لا يوجد له من الخطايا ما يكون ما يكتب له كفارة لها، وقد كان ينبغي أن يكون لهذا الذي أنكر من هذا ما أنكره مما في هذه الآثار أن لا ينكره؛ إذ كان قد وجد المسلمين جميعاً يعزي بعضهم بعضاً على مصائبهم بأوليائهم بأن يعظم الله أجورهم على ذلك، وذلك مما لا فعل لهم فيه، ولكن لهم فيه الصبر والاحتساب. فمثل ذلك لهم في الأمراض والأوجاع... (ثم أخرج قول ابن مسعود، وفيه: «الأجر بالعمل») والكلام الذي في حديث عبد الله قبل هذا قد كفانا عن الكلام في هذا، غير ما في هذا الحديث من قوله: الأجر في العمل.
فوجه ذلك عندنا، والله أعلم: على أن العمل لا تحط به الخطايا، ولكن يكتب به الأجر، كان لعامله خطايا أو لا خطايا له، وأنه بخلاف الأمراض والأوجاع التي تحط بها الخطايا، إن كانت هناك خطايا، ويكتب بها الأجر إن لم يكن هناك خطايا، والله أعلم، وبالله التوفيق».
ودخل أبو العالية على النضر بن أنس يعوده، قال: «كنا نتحدث منذ خمسين سنة: أنه ما من عبد يمرض، إلا قام من مرضه كيوم ولدته أمه، وكنا نتحدث منذ خمسين سنة: أنه ما من عبد يمرض، إلا قال الله لكاتبيه: اكتبا لعبدي ما كان يعمل في صحته»(566) .
يكتب للمريض ما كان يعمل وهو صحيح(567)
عن سلمان رضي الله عنه، قال: «إذا مرض العبد، قال الملك: يا رب ابتليت عبدك بكذا، فيقول: ما دام في وثاقي اكتبوا له مثل عمله الذي كان يعمل»(568) .
وعن معاذ رضي الله عنه، قال: «إذا ابتلى الله العبد بالسقم، قال لصاحب الشمال: ارفع، وقال لصاحب اليمين: اكتب لعبدي ما كان يعمل»(569) .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: «إذا مرض العبد المسلم يقال لصاحب اليمين: «اكتب على عبدي صالح ما كان يعمل، ويقال لصاحب الشمال: اقض عن عبدي ما كان في وثاقي».
فقال رجل عند أبي هريرة: يا ليتني لا أزال ضاجعاً.
فقال أبو هريرة: «كره العبد الخطايا»(570) .
وكذلك عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: «ما من مرض
يصيبني أحب إلي من الحمى؛ لأنها تدخل في كل عضو مني، وإن الله عز وجل يعطي كل عضو قسطه من الأجر»(571)
قال ابن حجر: «ذكر ابن بطال أن بعضهم استدل على حصول الأجر بالمرض بحديث أبي موسى الماضي في الجهاد بلفظ: إذا مرض العبد أو سافر كتب الله له ما كان يعمل صحيحاً مقيماً ، قال: فقد زاد على التكفير، وأجاب بما حاصله: أن الزيادة لهذا إنما هي باعتبار نيته، أنه لو كان صحيحاً لدام على ذلك العمل الصالح فتفضل الله عليه بهذه النية بأن يكتب له ثواب ذلك العمل، ولا يلزم من ذلك أن يساويه من لم يكن يعمل في صحته شيئاً، وممن جاء عنه أن المريض يكتب له الأجر بمرضه أبو هريرة»(572) .
وعن أبي نحيلة رضي الله عنه قيل له: ادع الله.
قال: «اللهم انقص من المرض، ولا تنقص من الأجر».
فقيل له: ادع ادع.
فقال: «اللهم اجعلني من المقربين، واجعل أمي من الحور العين»(573) .
ومما يشهد لصحة كتابة أجر المريض لما كان يعمله صحيحاً مقيماً: ما روي عن التابعين، فليس الأمر مقصوراً على المرفوع أو الموقوف فقط.
فعن أبي قلابة، قال: «إذا مرض الرجل على عمل صالح، جرى له ما كان يعمل في صحته»(574) .
وعن عكرمة، قال: «إذا مرض الرجل رفع له كل يوم ما كان يعمل»(575) .
وعن مسلم بن يسار، قال: «إذا مرض الرجل، كتب له أحسن ما كان يعمل في صحته»(576) .
عدم الجزع من المرض
عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « ما يصيب المسلم، من نصب ولا وصب، ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه(577) » .
لذلك كانوا رضوان الله عليهم لم يجزعوا من المرض، بل تراهم مطمئني النفس، محتسبي أجورهم فيما أصابهم!
ومن هذه النماذج التي ترى فيها هذا المعنى: أم سليم، تلك المرأة التي يهفو الفؤاد إليها!
فعن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: كان ابن لأبي طلحة يشتكي، فخرج أبو طلحة، فقبض الصبي، فلما رجع أبو طلحة قال: ما فعل ابني؟
قالت أم سليم: هو أسكن مما كان، فقربت إليه العشاء فتعشى، ثم أصاب منها، فلما فرغ قالت: واروا الصبي، فلما أصبح أبو طلحة أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال: « أعرستم الليلة ؟».
قال: نعم.
قال: « اللهم بارك لهما ».
فولدت غلاماً، فقال لي أبو طلحة: احمله حتى تأتي به النبي صلى الله عليه وسلم، فأتى به النبي صلى الله عليه وسلم، وبعثت معه بتمرات، فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: « أمعه شيء ؟».
قالوا: نعم، تمرات، فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم فمضغها، ثم أخذها من فيه، فجعلها فِي فِي الصبي ثم حنكه، وسماه: عبد الله(578) .
ففي
هذا الحديث: مناقب لأم سليم رضي الله عنها من عظيم صبرها، وحسن رضاها بقضاء الله تعالى، وجزالة عقلها في إخفائها موت ابنها على أبيه في أول الليل؛ ليبيت مستريحاً بلا حزن، ثم عشته وتعشت، ثم تصنعت له وعرضت له بإصابته فأصابها.
وفيه: استعمال المعاريض عند الحاجة؛ لقولها: «هو أسكن مما كان» فإنه كلام صحيح مع أن المفهوم منه أنه قد هان مرضه وسهل وهو في الحياة.
وشرط المعاريض المباحة: أن لا يضيع بها حق أحد، والله أعلم(579) .
وعن شقيق، قال: مرض عبد الله بن مسعود، فعدناه، فجعل يبكي، فعوتب.
فقال: إني لا أبكي لأجل المرض؛ لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « المرض كفارة »، وإنما أبكي أنه أصابني على حال فترة، ولم يصبني في حال اجتهاد؛ لأنه يكتب للعبد من الأجر إذا مرض ما كان يكتب له قبل أن يمرض فمنعه منه المرض(580) .
شقيق: تابعي جليل.
وقوله «فجعل»، أي: شرع.
وقوله «فعوتب»، أي: في البكاء; فإنه مشعر بالجزع من المرض، وهو: ليس من أخلاق الأكابر(581) .
عدم السخرية من المريض
عن الأسود، قال: دخل شباب من قريش على عائشة رضي الله عنها وهي بمنى، وهم يضحكون.
فقالت: ما يضحككم؟
قالوا: فلان خر على طنب فسطاط، فكادت عنقه، أو عينه أن تذهب.
فقالت: لا تضحكوا؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « ما من مسلم يشاك شوكة، فما فوقها إلا كتبت له بها درجة، ومحيت عنه بها خطيئة(582) » .
طنب الفسطاط: حباله التي يشتد بها.
والفسطاط: الخباء ونحوه، ويقال: بضم الفاء وكسرها، ويقال أيضاً: فسياط بضم الفاء وكسرها فيهما أيضاً.
وقول عائشة للذين ضحكوا من الذي سقط: «لا تضحكوا»؛ لأن
الضحك في مثل هذا غير مستحسن ولا مباح، إلا أن يكون من غلبة مما طبع عليه البشر. وأما قصداً ففيه شماتة بالمسلم وسخرية بمصابه، والمؤمنون إنما وصفهم الله بالرحمة والتراحم بينهم ومن خلقهم الشفقة بعضهم لبعض(583)
وعن حميد بن هلال قال: «كانوا في سفر، فصلى بهم أبو موسى، فسقط رجل أعور في بئر، أو شيء، فضحك القوم كلهم غير أبي موسى والأحنف فأمرهم أن يعيدوا الصلاة»(584) .
وعن عبد الله بن زمعة قال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يضحك الرجل مما يخرج من الأنفس(585) .
فشبه خروج الريح من الدبر بخروج النفس من الفم.
قال ابن مفلح: «الضحك من مثل هذا كما يفعله كثير من الناس منهي عنه إن أمكن تركه، وظاهر النهي: التحريم، وهذا الخبر صريح في رفع الدرجات ومحو السيئات بالمصائب، قال في شرح مسلم: هو قول جماهير العلماء»(586) .
صلاة الأرمد على وسادة
قال تعالى: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفۡسٌ إِلَّا وُسۡعَهَاۚ﴾(587) ، أي: لا تكلف إلا ما أطاقت من العمل، فمن لم يستطع القيام فليصل قاعداً، وقد وضع الله الحرج عن هذه الأمة وجعل دينها يسراً، وأرشد عباده المؤمنين أن يقولوا: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلۡنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦۖ﴾(588) ، وقال: «قد فعلت»(589) ، وقال: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُمۡ﴾(590) .
فللمريض رخص في بعض الأحكام، منها: أحكام الصلاة، وقد اتفق على بعضها، واختلف في بعض آخر، ومما اختلف فيه: السجود على الوسادة.
فعن نافع، أن عبد الله بن عمر كان يقول: «إذا لم يستطع المريض السجود، أومأ برأسه إيماء، ولم يرفع إلى جبهته شيئاً»(591) .
وعن عطاء قال: دخل ابن عمر على صفوان بن الطويل يعوده فوجده يسجد على وسادة فنهاه، وقال: «أومئ واجعل السجود أخفض من الركوع»(592) .
وعلى قول ابن عمر هذا أكثر أهل العلم من السلف والخلف.
وقال ابن عبد البر: «ليس العمل إلا ما روي فيه عن ابن عمر»(593) .
ولكن قد روي عن أم سلمة أنها كانت تسجد على مرفقة من رمد كان بها، فعن أم الحسن البصري: أنها رأت أم سلمة، رمدت عينها، فبثت لها وسادة من أدم فجعلت تسجد عليها(594) .
«الوسادة»: المخدة.
و«الرمد»: وجع في العين، رَمِدَ يَرْمَدُ رَمَدًا فهو رَمِدٌ، وَأَرْمَدُ العين(595) .
وأم الحسن البصري مولاة لأم سلمة، يقال لها: خيرة، وكانت ربما غابت فتضع أم سلمة ثديها في فم الحسن تعلله إلى مجيء أمه، ودر عليه ثديها، وعنيت حكمة الحسن وفصاحته من بركة ذلك(596) .
وعن ابن عباس أنه: أجاز ذلك، وعن عروة بن الزبير أنه: فعله(597) .
من كان يَقعد خلفه رَجلٌ يحفظ صلاته(598)
عن جهم بن أبي سبرة: أن الزبير بن العوام، كان يَقعد خلفه رجلٌ يحفظ صلاته(599)
وعن محمد بن سيرين قال: كان عمر بن الخطاب، يخاف النسيان، قال: «فكان إذا صلى وَكَّلَ رجلاً فيلحظ إليه، فإن رآه قام قام، وإن رآه قعد قعد»(600) .
وعن الركين، قال: «دخلت على أسماء، وهي تصلي وهي عجوز، وامرأة تقول لها: اركعي واسجدي»(601) .
من تجهز للغزو فمرض
عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن فتى من أسلم قال: يا رسول الله، إني أريد الغزو وليس معي ما أتجهز.
قال: « ائت فلاناً، فإنه قد كان تجهز، فمرض ».
فأتاه، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرئك السلام،
ويقول: أعطني الذي تجهزت به
قال: يا فلانة، أعطيه الذي تجهزت به، ولا تحبسي عنه شيئاً، فوالله، لا تحبسي منه شيئاً، فيبارك لك فيه(602) .
في هذا الحديث: فضيلة الدلالة على الخير، وأن ما نوى الإنسان صرفه في جهة بر فتعذرت عليه تلك الجهة يستحب له بذله في جهة أخرى من البر، ولا يلزمه ذلك ما لم يلتزمه بالنذر(603) .
وفيه كذلك: ما يدل على أن المجهز للغازي كالغازي، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر من تجهز ليغزو فانقطع بمرض أن يعطيه من يغزو ليكون كأنه غزا، ولذلك فهم الرجل هذا المقصود، فقال لزوجته: «لا تحبسي من جهازي شيئاً»(604) .
المرض من الرؤيا
عن أبي سلمة، قال: إن كنت لأرى الرؤيا تمرضني، قال: فلقيت أبا قتادة، فقال: وأنا كنت لأرى الرؤيا فتمرضني، حتى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الرؤيا الصالحة من الله، فإذا رأى أحدكم ما
يحب، فلا يحدث بها إلا من يحب، وإن رأى ما يكره فليتفل عن يساره ثلاثاً وليتعوذ بالله من شر الشيطان وشرها، ولا يحدث بها أحداً فإنها لن تضره(605)
وفي رواية عن أبي سلمة كذلك، قال: كنت أرى الرؤيا أعرى منها، غير أني لا أزمل، حتى لقيت أبا قتادة فذكرت ذلك له، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان، فإذا حلم أحدكم حلماً يكرهه فلينفث عن يساره ثلاثاً، وليتعوذ بالله من شرها، فإنها لن تضره(606) » .
لقد دلت أحاديث كثيرة على بعض الآداب التي يتأدب بها المسلم إذا رأى ما يكره(607) .
وجاءت أحاديث أخرى، ومنها هذا الحديث ببيان أن هناك نوعاً من الرؤى يكرهها الرائي، وقد تبين لنا علامات هذا النوع، وأنه من تهويل الشيطان وتحزينه لابن آدم؛ لأن الشيطان يحب إحزان المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا ٱلنَّجۡوَىٰ مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ لِيَحۡزُنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَيۡسَ بِضَآرِّهِمۡ شَيًۡٔا إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ﴾(608) .
فكل شيء ينكد على الإنسان في حياته، ويعكر صفوها عليه؛ فإن الشيطان حريص عليه سواء ذلك في اليقظة أو في المنام؛ لأن الشيطان عدو كما قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ لَكُمۡ عَدُوّٞ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوًّاۚ﴾(609) .
ومن عداوته: أن يصور للإنسان في منامه ما يفزعه في نفسه أو ماله أو في أهله أو في مجتمعه، وهذا يحصل لكثير من الناس ويكثر السؤال عنه، وهذا النوع من الرؤيا أرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم إلى التحرز منه، ومع ذلك تجد كثيراً من الناس يجهل هذه الآداب التي أرشدنا إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ما يكره من الاحتيال في الفرار من الطاعون(610)
عن عبد الله بن عباس، أن عمر بن الخطاب، خرج إلى الشام، حتى إذا كان بسرغ لقيه أهل الأجناد أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه، فأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام.
قال ابن عباس: فقال عمر: ادع لي المهاجرين الأولين.
فدعوتهم، فاستشارهم، وأخبرهم أن الوباء قد وقع بالشام، فاختلفوا.
فقال بعضهم: قد خرجت لأمر ولا نرى أن ترجع عنه.
وقال
بعضهم: معك بقية الناس وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء.
فقال: ارتفعوا عني، ثم قال: ادع لي الأنصار.
فدعوتهم له، فاستشارهم، فسلكوا سبيل المهاجرين، واختلفوا كاختلافهم، فقال: ارتفعوا عني، ثم قال: ادع لي من كان هاهنا من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح.
فدعوتهم فلم يختلف عليه رجلان، فقالوا: نرى أن ترجع بالناس ولا تقدمهم على هذا الوباء.
فنادى عمر في الناس: إني مصبح على ظهر، فأصبحوا عليه.
فقال أبو عبيدة بن الجراح: أفراراً من قدر الله؟!
فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة وكان عمر يكره خلافه نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت لو كانت لك إبل فهبطت وادياً له عدوتان: إحداهما خصبة والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله.
قال: فجاء عبد الرحمن بن عوف، وكان متغيباً في بعض حاجته، فقال: إن عندي من هذا علماً، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « إذا سمعتم به بأرض، فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها، فلا تخرجوا فراراً منه ».
قال: فحمد الله عمر بن الخطاب ثم انصرف(611) .
قال المهلب وغيره: «لا يجوز الفرار من الطاعون، ولا يجوز أن يتحيل بالخروج في تجارة أو شبهها، وهو ينوى بذلك الفرار من الطاعون»(612) .
رجاء الموت يوم الاثنين
عن عائشة رضي الله عنها، قالت: دخلت على أبي بكر رضي الله عنه، فقال: في كم كفنتم النبي صلى الله عليه وسلم؟
قالت: «في ثلاثة أثواب بيض سحولية، ليس فيها قميص ولا عمامة».
وقال لها: في أي يوم توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
قالت: «يوم الاثنين».
قال: فأي يوم هذا؟
قالت: «يوم الاثنين».
قال: أرجو فيما بيني وبين الليل، فنظر إلى ثوب عليه، كان يمرض فيه به ردع من زعفران، فقال: اغسلوا ثوبي هذا وزيدوا عليه
ثوبين، فكفنوني فيها.
قلت: إن هذا خلق.
قال: إن الحي أحق بالجديد من الميت؛ إنما هو للمهلة، فلم يتوف حتى أمسى من ليلة الثلاثاء، ودفن قبل أن يصبح(613) .
بوب البخاري في «جامعه»(614) ، والنسائي في «سننه»(615) باب: «الموت يوم الاثنين»، وأخرج البخاري الحديث الوارد هنا، والنسائي حديث أنس قال: «آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كشف الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر رضي الله عنه، فأراد أبو بكر أن يرتد، فأشار إليهم أن امكثوا وألقى السجف، وتوفي من آخر ذلك اليوم، وذلك يوم الاثنين».
وقال ابن حجر: «قال الزين ابن المنير: تعين وقت الموت ليس لأحد فيه اختيار، لكن في التسبب في حصوله مدخل، كالرغبة إلى الله لقصد التبرك، فمن لم تحصل له الإجابة أثيب على اعتقاده، وكأن الخبر الذي ورد في فضل الموت يوم الجمعة لم يصح عند البخاري، فاقتصر على ما وافق شرطه، وأشار إلى ترجيحه على غيره، والحديث الذي أشار إليه أخرجه الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعاً: ما من مسلم
يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة إلا وقاه الله فتنة القبر وفي إسناده ضعف، وأخرجه أبو يعلى من حديث أنس نحوه وإسناده أضعف»(616)
رثاء الأخت لأخيها
عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما، قال: أغمي على عبد الله بن رواحة، فجعلت أخته عمرة تبكي واجبلاه، واكذا واكذا، تعدد عليه.
فقال حين أفاق: ما قلت شيئاً إلا قيل لي: آنت كذلك(617) .
النعمان بن بشير الخزرجي: من صغار الصحابة؛ فقد ولد قبل وفاته صلى الله عليه وسلم بثمان سنين وسبعة أشهر. وقتل بحمص سنة خمس وستين، رضي الله عنهما.
قال: «أغمي على عبد الله بن رواحة»، وهو: الأنصاري الخزرجي الشاعر، أحد السابقين رضي الله عنه بسبب مرض حصل له، «فجعلت أخته عمرة» والدة النعمان بن بشير راوي هذا الحديث «تبكي» عليه وتقول: «واجبلاه» بالجيم والموحدة واللام، والواو فيه للندبة، والهاء للسكت(618) ، أي: تبكي قائلة: واجبلاه، أي: جبل كهف يلجئون إليك.
لا بأس بالندب اليسير
عن أنس رضي الله عنه، قال: لما ثقل النبي صلى الله عليه وسلم جعل يتغشاه، فقالت فاطمة عليها السلام: وا كرب أباه!
فقال لها: « ليس على أبيك كرب بعد اليوم ».
فلما مات قالت: يا أبتاه، أجاب رباً دعاه، يا أبتاه، من جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه، فلما دفن، قالت فاطمة عليها السلام: يا أنس أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم التراب(619) .
في هذا الحديث: دليل على أنه لا بأس بالندب اليسير إذا لم يكن مؤذياً بالتسخط على الله عز وجل ؛ لأن فاطمة ندبت النبي عليه الصلاة والسلام، لكنه ندب يسير، وليس ينم عن اعتراض على قدر الله عز وجل(620) .
وجزم المجد ابن تيمية أنه لا بأس بيسير الندب إذا كان صدقاً، ولم يخرج مخرج النوح(621) .
وكذلك في الحديث دليل: على أن فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم بقيت بعد حياته صلى الله عليه وسلم، ولكن ليس لها ميراث، لا هي، ولا زوجاته، ولا عمه
العباس، ولا أحد من عصبته؛ لأن الأنبياء لا يورثون، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: إنا معشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا صدقة(622) وهذا من حكمة الله عز وجل لأنهم لو ورثوا لقال من يقول: إن هؤلاء جاءوا بالرسالة يطلبون ملكاً يورث من بعدهم؛ ولكن الله عز وجل منع ذلك، فالأنبياء لا يورثون، بل ما يتركونه يكون صدقة يصرف للمستحقين له، والله أعلم(623)
الخاتمة: أهم النتائج
هذه نماذج من أساليب آداب معاملة الكبار والمرضى في تراث الآل والأصحاب، أوردتها على سبيل الذكر والبيان، لا على سبيل الاستقصاء والحصر.
وبعد هذا الاستعراض الموجَز والمتنوِّع في تعامل الصحب والآل مع الكبار والمرضى، تبيَّن لنا أنَّ هؤلاء السَّلف وإن لم يكن لديهم من الكتب والأبحاث والدراسات ما هو مسطورٌ عن الأدب والأخلاق؛ إلا أنهم كانوا يمارسون هذا بالسليقة العربية، مهذَّبين بنصوص الوحي من الكتاب والسنة، وقد حاولتُ في أول كل عنوان أو ترجمة أن أشير إلى شيء من مصدر التلقِّي عندهم في هذا الأمر.
ولا شك أن المتتبِّعَ الباحث في تراث أمتنا وسيرتها العطرة، سيقفُ على غيرها مما يزيد عليها ويُضاف إليها، ولم أقصد إلى ذلك الآن، بل اكتفيت بما تيسر لي الوقوف عليه من خلال الاطلاع على بعض المظان في ذلك، راجياً من الله التوفيق والإخلاص، وشفاعة سيد الناس سيدنا محمد صلى الله عليه
وسلم.
وأسأل الله سبحانه الرضا والقبول، والتشرُّفَ باتباع سنة الرسول، كما أسأله الرضوانَ عن صحابته الأكرمين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين.
قائمة المصادر والمراجع على حروف المعجم
القرآن الكريم. إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة للبوصيري، تقديم: د. أحمد معبد عبد الكريم، تحقيق: دار المشكاة للبحث العلمي، بإشراف: أبي تميم ياسر بن إبراهيم، الطبعة الأولى، 1420ه 1999م، دار الوطن للنشر، الرياض. الأحاديث المختارة المستخرج من الأحاديث المختارة مما لم يخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما ضياء الدين المقدسي الحنبلي، تحقيق: عبد الملك بن عبد الله بن دهيش، الطبعة الأولى (1410 ه). إحياء علوم الدين لأبي حامد الغزالي، دار المعرفة، بيروت. الاختلاط بين الرجال والنساء لشحاتة محمد صقر، الطبعة الأولى، 1432ه 2011م، دار اليسر. الإخوان ابن أبي الدنيا، تحقيق: مصطفى عبد القادر، الطبعة الأولى، 1409ه 1988م، دار الكتب العلمية. الآداب الشرعية والمنح المرعية ابن مفلح، عالم
الكتب. الأدب المفرد للبخاري، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، الطبعة الثالثة (1409 ه 1989م)، دار البشائر الإسلامية، بيروت. الأذكار النووي، تحقيق: عبد القادر الأرنؤوط، طبعة جديدة، 1414ه 1994م، دار الفكر. إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري القسطلاني، الطبعة السابعة، 1323ه، المطبعة الأميرية. إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل الألباني، الطبعة الثالثة، 1405ه 1985م، المكتب الإسلامي. الاستذكار ابن عبد البر، تحقيق: سالم محمد عطا، ومحمد علي معوض، الطبعة الأولى، 1421ه 2000م، دار الكتب العلمية. الإسعاف في أحكام الأوقاف إبراهيم الطرابلسي الحنفي، الطبعة الثانية، 1320ه 1902م، مطبعة هندية بالأزبكية. الإصابة في تمييز الصحابة ابن حجر، تحقيق: عبدالله بن عبد المحسن التركي، طبعة دار هجر. إعلام الموقعين عن رب العالمين ابن القيم، تحقيق: مشهور حسن، الطبعة الأولى، 1423ه، دار ابن الجوزي. الإعلام بحرمة أهل العلم والإسلام د. محمد إسماعيل، الطبعة الأولى، 1419ه 1998م، دار طيبة. الإفصاح عن معاني الصحاح ابن هبيرة، تحقيق: فؤاد عبد المنعم، 1417ه، دار الوطن.
إكمال المعلم بفوائد مسلم القاضي عياض، تحقيق: د. يحيى إسماعيل، الطبعة الأولى، 1419ه 1998م، دار الوفاء. الألفاظ ابن السكيت، تحقيق: د. فخر الدين قباوة، الطبعة الأولى، 1998م، مكتبة لبنان. الأم الشافعي، عام النشر، 1410ه 1990م، دار المعرفة. الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف المرداوي، الطبعة الثانية، دار إحياء التراث. البارع في اللغة أبو علي القالي، تحقيق: هشام الطعان، الطبعة الأولى، 1975م، مكتبة النهضة ببغداد. البحر الزخار مسند البزار تحقيق: محفوظ الرحمن زين الله، وتتمة المحققين بعده، مؤسسة علوم القرآن ببيروت ومكتبة العلوم والحكم بالمدينة المنورة. البداية والنهاية ابن كثير الدمشقي، تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي، الطبعة الأولى 1418ه، دار هجر. بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع الكاساني، الطبعة الثانية، 1406ه 1986م، دار الكتب العلمية. بيان الوهم والإيهام في كتاب الأحكام ابن القطان الفاسي، تحقيق: د. الحسين آيت سعيد، الطبعة الأولى، 1418ه 1997م، دار طيبة. تاج العروس من جواهر القاموس محمد بن محمد بن عبد الرزاق مرتضى الزبيدي، تحقيق: مجموعة من المحققين، دار الهداية.
التاريخ الكبير: البخاري، تحقيق: السيد هاشم الندوي، دار الفكر، بيروت. تاريخ دمشق ابن عساكر، تحقيق: عمرو العمروي، 1415ه 1995م، دار الفكر. التحبير لإيضاح معاني التيسير الصنعاني، تحقيق: محمد صبحي حلاق، الطبعة الأولى، 1433ه 2012م، مكتبة الرشد. تحفة الأريب بما في القرآن من الغريب أبو حيان الأندلسي، تحقيق: سمير الجذوب، الطبعة الأولى، 1403ه 1983م، المكتب الإسلامي. تحفة الفقهاء علاء الدين السمرقندي، الطبعة الثانية، 1414ه 1994م، دار الكتب العلمية. تخريج الدلالات السماعية على ما كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحرف والصنائع والعمالات الشرعية التلمساني، تحقيق: د. إحسان عباس، الطبعة الثانية، 1419ه، دار الغرب الإسلامي. التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة القرطبي، تحقيق: د. الصادق إبراهيم، الطبعة الأولى، 1425ه، دار المنهاج. التراتيب الإدارية نظام الحكومة النبوية عبد الحي الكتاني، تحقيق: عبد الله الخالدي، الطبعة الثانية، دار الأرقم. الترغيب والترهيب المنذري، تحقيق: مصطفى محمد عمارة، الطبعة الثالثة، 1388ه 1968م، مكتبة مصطفى الحلبي.
تطريز رياض الصالحين فيصل النجدي، تحقيق: د. عبد العزيز آل الحمد، الطبعة الأولى، 1423ه 2002م، دار العاصمة. تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة ابن حجر، تحقيق: إكرام الله إمداد الحق، الطبعة الأولى، 1996م، دار البشائر. التعريفات الفقهية محمد عميم الإحسان، الطبعة الأولى، 1424ه 2003م، دار الكتب العلمية. التعريفات علي الجرجاني، الطبعة الأولى، 1403ه 1983م، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان. تفسير الطبري جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري، تحقيق: د. عبد الله بن عبد المحسن التركي، بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر، الطبعة الأولى (1422ه 2002م)، دار هجر، مصر. تفسير القاسمي محاسن التأويل جمال الدين القاسمي، تحقيق: محمد باسل عيون السود، الطبعة الأولى، 1418ه، دار الكتب العلمية، بيروت. تفسير القرآن الحكيم تفسير المنار محمد رشيد رضا، عام النشر، 1990م، الهيئة المصرية للكتاب. تفسير القرطبي الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، تحقيق: أحمد البردوني، وإبراهيم أطفيش، الطبعة الثانية (1384ه 1964م)، دار الكتب المصرية، القاهرة.
تقريب التهذيب ابن حجر، تحقيق: محمد عوامة، الطبعة الأولى 1406ه 1986م، دار الرشيد، سوريا. تكملة المعاجم العربية رينهارت دوزي تعريب: محمد نعيمي وجمال الخياط، الطبعة الأولى 2000م، وزارة الثقافة العراقية. التلخيص الحبير ابن حجر، الطبعة الأولى، 1419ه 1989م، دار الكتب العلمية. تلخيص المستدرك الذهبي، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، الطبعة الأولى (1411ه 1990م)، دار الكتب العلمية، بيروت. التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد: ابن عبدالبر، تحقيق: مصطفى بن أحمد العلوي، محمد عبد الكبير البكري، 1387ه، وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية، المغرب. التنوير شرح الجامع الصغير الصنعاني، تحقيق: د. محمد إسحاق، الطبعة الأولى، 1432ه 2011م، دار السلام. تهذيب التهذيب ابن حجر، الطبعة الأولى 1404ه 1984م، دار الفكر، بيروت. تهذيب اللغة أبو منصور الأزهري، تحقيق: محمد عوض مرعب، الطبعة الأولى 2001 م، دار إحياء التراث. التوضيح لشرح الجامع الصحيح ابن الملقن، تحقيق: دار الفلاح، الطبعة الأولى، 1429ه 2008م، دار النوادر. الثقات ابن حبان، مطبعة دائرة المعارف العثمانية بالهند، تصوير: مؤسسة الكتب الثقافية.
جامع الأصول في أحاديث الرسول ابن الأثير، تحقيق: عبد القادر الأرنؤوط وبشير عيون، الطبعة الأولى، مكتبة الملاح. جامع بيان العلم وفضله ابن عبدالبر، تحقيق: أبي الأشبال الزهيري، الطبعة الأولى، 1414ه 1994م، دار ابن الجوزي، المملكة العربية السعودية. جامع معمر بن راشد (مع «مصنف عبد الرزاق»)، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، الطبعة الثانية، 1413ه، المجلس العلمي بباكستان. جمهرة اللغة لابن دريد الأزدي، تحقيق: رمزي منير بعلبكي، الطبعة الأولى، 1987م، دار العلم للملايين، بيروت. جمهرة أنساب العرب ابن حزم، تحقيق: لجنة من العلماء، الطبعة الأولى 1403ه، دار الكتب العلمية. حاشية ابن عابدين الطبعة الثانية، 1412ه 1992م، دار الفكر. حاشية ابن قطلوبغا على شرح نخبة الفكر تحقيق: إبراهيم الناصر، الطبعة الأولى، 1420ه 1999م، دار الوطن. حاشية الدسوقي على الشرح الكبير دار الفكر. حاشية القليوبي 1415ه 1995م، دار الفكر. الحاوي للفتاوى السيوطي، عام النشر، 1424ه 2004م، دار الفكر. حجة الله البالغة الشاه ولي الله الدهلوي، تحقيق: السيد سابق، الطبعة الأولى، 1426ه 2005م، دار الجيل. حلية الأولياء وطبقات الأصفياء لأبي
نعيم الأصبهاني، الطبعة الثانية (1387ه)، دار الكتاب العربي. الدر المنثور في التفسير بالمأثور السيوطي، دار الفكر. دستور الأخلاق في القرآن محمد دراز، الطبعة العاشرة، 1418ه 1998م، مؤسسة الرسالة. دستور العلماء جامع العلوم في اصطلاحات الفنون النكري، تعريب: حسن هاني، الطبعة الأولى، 1421 ه 2000م، دار الكتب العلمية. دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين ابن علان، اعتناء: خليل مأمون، الطبعة الرابعة، 1425ه 2004م، دار المعرفة. الرخصة في تقبيل اليد ابن المقرئ، تحقيق: محمود الحداد، الطبعة الأولى، 1408ه، دار العاصمة. الرؤى عند أهل السنة والجماعة والمخالفين سهل العتيبي، دار كنوز إشبيليا. رياض الصالحين النووي، تحقيق: الألباني، المكتب الإسلامي. زاد المعاد في هدي خير العباد ابن القيم، الطبعة الخامسة والعشرون 1415ه، مؤسسة الرسالة. الزهد الإمام أحمد بن حنبل، الطبعة الأولى 1408ه، دار الريان. الزُّهد هَنَّاد بن السَّرِي، تحقيق: عبد الرحمن عبد الجبار الفريوائي، الطبعة الأولى 1406ه، دار الخلفاء للكتاب الإسلامي، الكويت.
سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها الألباني، الطبعة الأولى، الأجزاء الأربعة الأولى 1415ه 1995م، الجزء السادس 1416ه 1996م، الجزء السابع 1422ه 2002م، مكتبة المعارف، الرياض. سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة الألباني، الطبعة الأولى 1412ه 1992م، دار المعارف، الرياض. سنن ابن ماجه تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء الكتب العربية، فيصل عيسى البابي الحلبي. سنن أبي داود تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية، صيدا، بيروت. سنن الترمذي تحقيق: أحمد محمد شاكر، ومحمد فؤاد عبد الباقي، وإبراهيم عطوة عوض، الطبعة الثانية (1395 ه 1975م)، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر. سنن الدارقطني حققه وضبط نصه وعلق عليه: شعيب الأرنؤوط، حسن عبد المنعم شلبي، عبد اللطيف حرز الله، أحمد برهوم، الطبعة الأولى، 1424ه 2004م، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان. السنن الكبرى البيهقي، الطبعة الأولى 1344ه، مجلس دائرة المعارف النظامية، حيدر آباد، الهند. السنن الكبرى النسائي، تحقيق: حسن عبد المنعم، الطبعة الأولى، 1421ه 2001م، مؤسسة الرسالة.
سير أعلام النبلاء الذهبي، تحقيق: مجموعة من المحققين، بإشراف الشيخ شعيب الأرناؤوط، الطبعة الثالثة، 1405 ه 1985م، مؤسسة الرسالة، بيروت. الشافي في شرح مسند الشافعي ابن الأثير، تحقيق: أحمد سليمان، وياسر إبراهيم، الطبعة الأولى، 1426ه 2005م، مكتبة الرشد. الشرح الكبير على متن المقنع أبو الفرج المقدسي، دار الكتاب العربي. الشرح الكبير على مختصر خليل الدردير، دار الفكر. شرح المشكاة الكاشف عن حقائق السنن الطيبي، تحقيق: د. عبد الحميد الهنداوي، الطبعة الأولى، 1417ه 1997م، مكتبة نزار. شرح رياض الصالحين ابن عثيمين، الطبعة الأولى، 1426ه، دار الوطن. شرح سنن أبي داود للعيني، تحقيق: أبي المنذر خالد المصري، الطبعة الأولى، 1420ه 1990م، مكتبة الرشد. شرح صحيح البخارى: ابن بطال، تحقيق: أبي تميم ياسر بن إبراهيم، الطبعة الثانية، 1423ه 2003م، مكتبة الرشد، الرياض، السعودية. شرح صحيح مسلم للنووي المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج النووي، الطبعة الثانية 1392ه، دار إحياء التراث العربي، بيروت. شرح مسند الشافعي الرافعي، تحقيق: وائل زهران، الطبعة الأولى، 1428ه 2007م، وزارة الأوقاف القطرية.
شرح مشكل الآثار بيان ما أشكل من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: للطحاوي، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، الطبعة الأولى (1415ه 1994م)، مؤسسة الرسالة، بيروت. شرح معاني الآثار الطحاوي، تحقيق: محمد النجار، ومحمد سيد جاد الحق، الطبعة الأولى، 1414ه 1994م، عالم الكتب. شعب الإيمان للبيهقي، تحقيق: د. عبد العلي عبدالحميد حامد، أشرف على تحقيقه: مختار أحمد الندوي، الطبعة الأولى (1423ه 2003م)، مكتبة الرشد، الرياض. بالتعاون مع الدار السلفية ببومباي، الهند. شمائل الرسول صلى الله عليه وسلم: أحمد زواوي، دار القمة. الشيعة وأهل البيت إحسان إلهي ظهير، إدارة ترجمان السنة. الصارم المسلول على شاتم الرسول ابن تيمية، تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد، الحرس الوطني السعودي. صحاح تاج اللغة وصحاح العربية: الجوهري، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، الطبعة الرابعة، 1407ه 1987م، دار العلم للملايين، بيروت. صحيح ابن حبان الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ترتيب: الأمير علاء الدين علي بن بلبان الفارسي، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، الطبعة الأولي (1408ه 1988م)، مؤسسة الرسالة، بيروت. صحيح ابن خزيمة تحقيق: ماهر ياسين الفحل، وترقيمه مطابق لترقيم الأعظمي، دار الميمان
للنشر والتوزيع. صحيح البخاري الجامع المُسنَد الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه: للإمام البخاري، تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر، الطبعة الأولى 1422ه، دار طوق النجاة. صحيح مسلم المُسنَد الصحيح المختصر، بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم للإمام مسلم، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت. الصمت لابن أبي الدنيا، تحقيق: أبي إسحاق الحويني، الطبعة الأولى، 1410ه= 1990م، دار الكتاب العربي، بيروت. الضعفاء الكبير العقيلي، تحقيق: عبد المعطي قلعجي، الطبعة الأولى، 1404ه 1984م، دار المكتبة العلمية. طرح التثريب في شرح التقريب العراقي وابنه، الطبعة المصرية القديمة. عجالة الراغب المتمني في تخريج كتاب عمل اليوم والليلة لابن السني سليم الهلالي، الطبعة الأولى، 1422ه 2001، دار ابن حزم. عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين ابن القيم، الطبعة الثالثة، 1409ه 1989م، دار ابن كثير. علل الدارقطني علل الواردة في الأحاديث النبوية: للدارقطني، المجلدات من الأول، إلى الحادي عشر: تحقيق وتخريج: محفوظ الرحمن زين الله السلفي، الطبعة الأولى 1405ه 1985م، دار طيبة، الرياض، والمجلدات من الثاني عشر، إلى الخامس عشر: تحقيق: محمد بن صالح بن محمد الدباسي، الطبعة الأولى 1427ه، دار ابن الجوزي، الدمام.
عمل اليوم والليلة ابن السني، تحقيق: كوثر البرني، دار القبلة. العناية شرح الهداية شمس الدين البابرتي، دار الفكر. عون المعبود شرح سنن أبي داود العظيم آبادي، الطبعة الثانية، 1415ه، دار الكتب العلمية. العين الخليل بن أحمد، تحقيق: د. مهدي مخزومي ود. إبراهيم السامرائي، مكتبة الهلال. غريب الحديث ابن الجوزي، تحقيق: عبد المعطي قلعجي، الطبعة الأولى، 1405ه 1985م، دار الكتب العلمية. غريب الحديث ابن قتيبة، تحقيق: عبد الله الجبوري، الطبعة الأولى 1397 ه، مطبعة العاني. فتح الباري شرح صحيح البخاري ابن حجر، رقَّم كتبه وأبوابه وأحاديثه: محمد فؤاد عبد الباقي، وقام بإخراجه وصحَّحه: محب الدين الخطيب، عام النشر 1379ه، دار المعرفة، بيروت. فتح القدير ابن الهمام، دار الفكر. فتح المغيث بشرح ألفية الحديث السخاوي، تحقيق: علي حسين علي، الطبعة الأولى، 1424ه 2003م، مكتبة السنة. فتح المنعم شرح صحيح مسلم د. موسى شاهين، الطبعة الأولى، 1423ه 2002م، دار الروق. الفروع ابن مفلح، تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي، الطبعة الأولى، 1424ه 2003م، مؤسسة الرسالة.
فضل أهل البيت وعلو مكانتهم عند أهل السنة والجماعة عبد المحسن العباد، الطبعة الأولى، 1422ه 2001م، دار ابن الأثير. الفقيه والمتفقه الخطيب البغدادي، تحقيق: عادل بن يوسف الغرازي، الطبعة الثانية، 1421ه، دار ابن الجوزي، السعودية. الفوائد ابن القيم، الطبعة الثانية، 1393ه 1973م، دار الكتب العلمية. فيض القدير شرح الجامع الصغير المناوي، الطبعة الأولى 1356ه، المكتبة التجارية الكبرى، مصر. القاموس الفقهي د. سعدي أبو حبيب، الطبعة الثالثة، 1403 ه 1988م، دار الفكر. القاموس المحيط: للفيروز آبادي، تحقيق: مكتب تحقيق التراث في مؤسسة الرسالة، بإشراف: محمد نعيم العرقسُوسي، الطبعة الثامنة، 1426ه 2005م، مؤسسة الرسالة، بيروت القبل والمعانقة والمصافحة ابن الأعرابي، تحقيق: عمرو عبد المنعم سليم، الطبعة الأولى، 1416ه 1996م، مكتبة ابن تيمية. الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي، تحقيق: يحيى مختار غزاوي، الطبعة الثالثة (1409ه 1988م)، دار الفكر، بيروت. كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم محمد بن علي التهانوي، تقديم وإشراف ومراجعة: د. رفيق العجم، تحقيق: د. علي دحروج، نقل النص الفارسي إلى العربية: د. عبد الله الخالدي، الطبعة الأولى، 1996م، مكتبة لبنان ناشرون، بيروت.
كشاف القناع عن متن الإقناع البهوتي، دار الكتب العلمية. كشف اللثام شرح عمدة الأحكام السفاريني، تحقيق: نور الدين طالب، الطبعة الأولى، 1428ه 2007م، وزارة الأوقاف الكويتية. الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية أبو البقاء الكفوي، تحقيق: عدنان درويش، محمد المصري، مؤسسة الرسالة، بيروت. الكنز اللغوي في اللَسَن العربي ابن السكيت، تحقيق: أوغست هفنر، مكتبة المتنبي بالقاهرة. الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري شمس الدين الكرماني، الطبعة الثانية، 1401ه 1981م، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان. كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري محمد الخضر الشنقيطي، الطبعة الأولى، 1415ه 1995م، مؤسسة الرسالة. لسان العرب لابن منظور، الطبعة الثالثة 1414 ه، دار صادر، بيروت. المتواري على أبواب البخاري ابن المنير، تحقيق: صلاح الدين مقبول، مكتبة المعلا. المجتبى من السنن السنن الصغرى النسائي، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة، الطبعة الثانية، 1406ه 1986م، مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب. مجمع الزوائد ومنبع الفوائد: للهيثمي، عام النشر (1407ه)، دار الريان للتراث، القاهرة. ودار الكتاب العربي، بيروت.
مجمع بحار الأنوار في غرائب التنزيل ولطائف الأخبار الفتَّني، الطبعة الثالثة، 1387ه 1967م، مجلس دائرة المعارف العثمانية. المجموع شرح المهذب النووي، مع تكملة السبكي والمطيعي، دار الفكر. المحكم والمحيط الأعظم ابن سيده، تحقيق: عبد الحميد هنداوي، الطبعة الأولى 1421 ه، دار الكتب العلمية. المحلى بالآثار ابن حزم، دار الفكر. مختار الصحاح زين الدين الرازي، تحقيق: يوسف الشيخ محمد، الطبعة الخامسة، 1420 ه 1999م، المكتبة العصرية. مختصر الفتاوى المصرية لابن تيمية البعلي، تحقيق: عبد المجيد سليم، ومحمد حامد الفقي، مطبعة السنة المحمدية. مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين ابن القيم، تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي، الطبعة الثالثة، 1416 ه 1996م، دار الكتاب العربي، بيروت. المدخل إلى السنن الكبرى البيهقي، تحقيق: د. محمد ضياء الرحمن الأعظمي، دار الخلفاء للكتاب الإسلامي، الكويت. المرض والكفارات ابن أبي الدنيا، تحقيق: عبد الوكيل الندوي، الطبعة الأولى، 1411ه 1991م، الدار السلفية. مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح الملا القاري، الطبعة الأولى، 1422ه 2002م، دار الفكر.
مسائل الإمام أحمد: رواية ابن هانئ، تحقيق: زهير الشاويش، عام النشر، 1400ه، المكتب الإسلامي. المستدرك على الصحيحين للحاكم، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، الطبعة الأولى (1411ه 1990م)، دار الكتب العلمية، بيروت. مسند أبي يعلى الموصلي تحقيق: حسين سليم أسد، الطبعة الأولى 1416 ه، دار المأمون للتراث. مُسنَد الإمام أحمد بن حنبل تحقيق: شعيب الأرنؤوط، وعادل مرشد، وآخرون، تحت إشراف: د. عبد الله بن عبد المحسن التركي، الطبعة الأولى، 1421 ه 2001 م، مؤسسة الرسالة، بيروت. المسند الجامع مجموعة معاصرين، الطبعة الأولى، 1413ه 1993م، دار الجيل. مُسنَد الدارمي سنن الدارمي تحقيق: حسين سليم أسد الداراني، الطبعة الأولى 1412ه 2000م، دار المغني للنشر والتوزيع، السعودية. مُسنَد الطيالسي تحقيق: د. محمد بن عبد المحسن التركي، الطبعة الأولى 1419ه 1999م، دار هجر، مصر. المصباح المنير في غريب الشرح الكبير أحمد بن محمد بن علي الفيومي، المكتبة العلمية، بيروت. مصنف عبد الرزاق تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، الطبعة الثانية، 1413ه، المجلس العلمي بباكستان. المُصنَّف في الأحاديث والآثار ابن أبي شيبة، تحقيق: حمد بن عبد الله
الجمعة، ومحمد بن إبراهيم اللحيدان، الطبعة الأولى 1425ه 2004م، مكتبة الرشد، الرياض. المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية النسخة المسندة، ابن حجر، تحقيق: غنيم بن عباس، وياسر بن إبراهيم، الطبعة الأولى 1418 ه، دار الوطن. مطالع الأنوار على صحاح الآثار ابن قرقول، تحقيق: دار الفلاح، الطبعة الأولى، 1433ه 2012م، وزارة الأوقاف القطرية. المعجم الأوسط الطبراني، تحقيق: طارق بن عوض الله، وعبد المحسن بن إبراهيم الحسيني، دار الحرمين، القاهرة. معجم البلدان لياقوت بن عبد الله الحموي، الطبعة الثانية (1995 م)، دار صادر. المعجم الكبير الطبراني، تحقيق: حمدي بن عبد المجيد السلفي، الطبعة الثانية، مكتبة ابن تيمية، القاهرة. معجم اللغة العربية المعاصرة د. أحمد مختار عمر، الطبعة الأولى، 1429ه 2008م، عالم الكتب. المعجم الوسيط مجمع اللغة العربية بالقاهرة، دار الدعوة. معجم لغة الفقهاء محمد رواس قلعجي، وحامد صادق، الطبعة الثانية، 1408 ه 1988م، دار النفائس. معجم مقاييس اللغة أحمد بن فارس، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، 1399ه 1979م، دار الفكر.
المغرب في ترتيب المعرب أبو الفتح الخوارزمي، دار الكتاب العربي. المغني ابن قدامة، بدون طبعة، 1388ه 1968م، مكتبة القاهرة. المفردات في غريب القرآن الراغب الأصفهانى، تحقيق: صفوان عدنان الداودي، الطبعة الأولى، 1412 ه، دار القلم، الدار الشامية، دمشق، بيروت. مقدمة في أصول البحث العلمي وتحقيق التراث السيد رزق الطويل، الطبعة الثانية، المكتبة الأزهرية. من أدب الإسلام عبد الفتاح أبي غدة، الطبعة الثانية، 1415ه 1995م، دار السلام. منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري حمزة محمد قاسم، اعتناء: بشير عيون، عام النشر، 1410ه 1990م، مكتبة دار البيان. منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية ابن تيمية، تحقيق: محمد رشاد سالم، الطبعة الأولى 1406ه، جامعة الإمام محمد بن سعود. موسوعة الأخلاق والزهد والرقائق ياسر عبد الرحمن، الطبعة الأولى، 1428ه 2007م، مؤسسة اقرأ. الموسوعة الفقهية الكويتية وزارة الأوقاف الكويتية، 1427ه. موطأ الإمام مالك صحَّحه ورقَّمه وخرَّج أحاديثه وعلَّق عليه: محمد فؤاد عبدالباقي، عام النشر 1406ه 1985م، دار إحياء التراث
العربي، بيروت، لبنان. ميزان الاعتدال في نقد الرجال للذهبي، تحقيق: علي محمد البجاوي، الطبعة الأولى (1382ه 1963م)، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت، لبنان. نخبة الفكر ابن حجر، تحقيق: نور الدين عتر (مع نزهة النظر)، الطبعة الثالثة، 1421ه 2000م، مطبعة الصباح. نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم جماعة، بإشراف: د. صالح حميد، الطبعة الرابعة، دار الوسيلة. نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج الرملي، الطبعة الأخيرة، 1404ه 1984م، دار الفكر. النهاية في غريب الحديث والأثر مجد الدين ابن الأثير، تحقيق: طاهر الزاوي، ومحمود الطناحي، 1399ه، المكتبة العلمية. النهج المبتكر في شرح نخبة الفكر حازم الشربيني، الطبعة الأولى، 1427ه 2007م، دار الكيان. هدي الساري ابن حجر، عام النشر 1379ه، دار المعرفة، بيروت. اليواقيت والدرر في شرح نخبة الفكر المُناوي، الطبعة الأولى، 1999م، مكتبة الرشد.
قائمة بعناوين الأبحاث الجديدة لمشروع (تراث الآل والأصحاب)
* القرآن في حياة الآل والأصحاب.
* أدب التربية في تراث الآل والأصحاب: نماذج من تعامل الآل والأصحاب مع صغارهم.
* السفر وآدابه في تراث الآل والأصحاب.
* التجارة والمكاسب في تراث الآل والأصحاب: آداب وقدوات ونماذج متنوعة.
* آداب معاملة الكبار والمرضى في تراث الآل والأصحاب.
* الإعاقة في تراث الآل والأصحاب: نماذج وآداب وعبر.
* آداب التعامل مع غير المسلمين في تراث الآل والأصحاب.
* العبادة والزهد في تراث الآل والأصحاب.
* الذكر والدعاء في تراث آل البيت.
* فضل العلم وآداب طلبه في تراث الآل والأصحاب.
* آداب التعامل مع المرأة في تراث الآل والأصحاب.
* آداب العشرة في تراث الآل والأصحاب: استلهام للقيم الزوجية الناجحة في سير سلفنا الصالح.
* آداب الحوار والاختلاف في تراث الآل والأصحاب: شواهد وآداب.
* قضايا نسائية: قراءات في تراث الآل والأصحاب.
* الأطفال في رحاب الآل والأصحاب: بحث في أسس المعالجة الفنية والأدبية لنشر تراث الآل والأصحاب للمراحل العمرية الصغيرة.
* الوقف في تراث الآل والأصحاب.
* الفَقْد في تراث الآل والأصحاب: دراسة في الجوانب الإيمانية والإنسانية.
* المهارات الإدارية في تراث الآل والأصحاب.
* إدارة الوقت في تراث الآل والأصحاب.
* الطعام وآدابه في تراث الآل والأصحاب.
* المزاح وآدابه في تراث الآل والأصحاب.
* آداب التعامل مع الحيوان في تراث الآل والأصحاب.
