«إذا استوت أحوالُ المجتمعين أو تقاربت كانت البدايةُ باليمين مما يُستحَبُّ في مكارم الأخلاق، لما في ذلك من ترك إظهار ترفيع بعضهم على بعض بالتبدئة به. وأما إذا كان فيهم العالِم وذو الفضل والسِّنِّ، فالسنة في ذلك أن يُبدأ به حيثما كان من المجلس، ثم يُناول هو من كان على يمينه، كما فَعَل رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إذ أُتي بلبن قد شيب بماء، وعن يمينه أعرابي، وعن يساره أبو بكر، فشربه ثم أعطاه الأعرابي، وقال: الأيمن فالأيمن ولا يعطي الذي على يساره وإن كان أحق بالتبدئة من الذي على يمينه، لعلمِه وخيرِه وسنِّه إلا بعد أن يستأذنه في ذلك، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إذ أُتي بشراب فشرب منه، وعن يمينه غلام، وعن يساره الأشياخ، فقال للغلام: أتأذن لي أن أعطي هؤلاء فقال: لا والله يا رسول الله، لا أوثِرُ بنصيبي منك أحداً، فتلَّه رسول الله صلى الله عليه وسلم في يده»، أي: وضعه في يد الغلام بقوة وعَزْم إشارة وإيذاناً منه إلى أنه حقه.
فالبدء باليمين مطلقاً مشروعٌ إذا لم يكن هناك وصفٌ يقتضي التقديمَ لصاحبه على من سواه كما ذكرتُ قريباً، أما عند وجود وصفٍ اعتبره الشارع الحنيف مزية وشرفاً وفضيلة، فالبدء بأفضل من اتصف به هو المطلوب بلا ريب.
وعلى حد القول المزعوم: سيَبدأُ المُضيفُ بمن كان في أول جهة يمينه،
