سلسلة تراث الآل والأصحاب (9)
آدَابُ تَعَامُل الآلِ وَالأصْحَاب
مَعَ غَيْرِ المُسْلِمِين
فوائد وفرائد من روائع وبدائع معاملة الآل والأصحاب لغير المسلمين
د . أحمد سيد أحمد علي
الباحث بمركز البحوث والدراسات
مراجعة مركز البحوث والدراسات بالمبرة
عنوان الكتاب: آداب تعامل الآل والأصحاب مع غير المسلمين.
اسم المؤلف: د. أحمد سيد أحمد علي.
E — mail: almabarrh@gmail. com
www. almabarrah. net
فهرس
نوع المطبوع: كتاب — الطبعة: الأولى — عدد الصفحات: 200
السلسلة: تراث الآل والأصحاب (9)
الناشر: مبرة الآل والأصحاب
ص. ب. 12421 الشامية — الرمز البريدي 71655 — ت: 2560203
ردمك: 7 — 42 — 64 — 99966 — 978 ISBN
حقوق الطبع محفوظة لمبرة الآل والأصحاب
إلا لمن أراد التوزيع الخيري بشرط عدم التصرف في المادة العلمية
الطبعة الأولى
هاتف: 22560203 — 22552340 فاكس: 22560346
ص. ب: 12421 الشامية الرمز البريدي 71655 الكويت
1439 ه — 2017م
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| مقدمة مبرة الآل والأصحاب | 9 |
| المقدمة | 13 |
| التعريف بمصطلحات البحث | 18 |
| مدخل | 18 |
| تعريف مصطلح الآداب | 18 |
| الآداب في اللغة | 18 |
| الآداب في الاصطلاح | 19 |
| تعريف الآل والأصحاب | 20 |
| الآل في اللغة | 20 |
| الآل في الشرع | 21 |
| الأصحاب في اللغة | 23 |
| الأصحاب في الشرع | 23 |
| مذهب المحدثين | 24 |
| مذهب الأصوليين | 24 |
| مصطلح الآل والأصحاب | 25 |
| غير المسلمين (تعريفهم وأصنافهم) | 26 |
| المراد بغير المسلمين | 26 |
| أصناف غير المسلمين | 27 |
| أولاً: أهل الذِّمَّة وأصنافهم | 27 |
| أهل الكتاب: (اليهود والنصارى) | 30 |
| المجوس | 36 |
| ثانياً: المعاهَد | 37 |
| ثالثاً: المستأمن (أهل الأمان) | 38 |
| رابعاً: أهل الحرب | 39 |
| تنويه وبيان | 41 |
| تعريف المجتمع الإسلامي | 41 |
| المجتمع في اللغة | 41 |
| المجتمع في الاصطلاح | 42 |
| أسس وضوابط في علاقة المسلمين بغيرهم في ضوء مقررات الشريعة | 44 |
| بين العقيدة والمواطنة (توافق أم تنافر؟) المجتمع الإسلامي مجتمع عقيدة وفكرة | 48 |
| صور من آداب تعامل الآل والأصحاب مع غير المسلمين | 51 |
| الآل والأصحاب امتداد لعهد النبي صلى الله عليه وسلم | 51 |
| التسامح معهم: (العنوان الأكبر والميدان الأرحب) | 52 |
| الآل والأصحاب رواة أحاديث الوصاية بأهل الذمة والتسامح معهم | 62 |
| * أسانيد متصلة برحمات منسدلة | 62 |
| حرية الاعتقاد والتدين: (لا إكراه في الدين) | 65 |
| حرية ممارسة شعائرهم: (بِيع حاضرة وكنائس عامرة) | 72 |
| التخلق بأخلاق الإسلام عند حربهم: (أخلاق لا يعدمها صليل السيوف) | 75 |
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| — الدعوة إلى الإسلام قبل الحرب: (الدعوة رسالة كل وقت) | 76 |
| — النهي عن استخدام الوسائل الشنيعة في الحروب مع غير المسلمين: (لا لجرائم الحرب) | 79 |
| — الحق ما شهدت به الأعداء | 84 |
| التعاون معهم على الخير والنفع: (قلوب مُضيئة وأياد وضيئة) | 85 |
| الحوار المتبادل معهم: (حوار مآثر ومفاعلة مشاعر) | 89 |
| حرمة وصيانة أنفسهم وأعراضهم وأموالهم (مخالفة لا مجاحفة) | 92 |
| الرحمة والرفق بهم: (آفاق عريضة من الرحمة والرفق) | 103 |
| الوفاء بعهدهم: (إن الله لا يحب الخائنين) | 109 |
| المساواة بينهم وبين المسلمين في الحقوق والواجبات العامة: (من ساواك بنفسه ما ظلمك) | 116 |
| العدل معهم وتجنب ظلمهم: (عدل قائم وعطاء دائم) | 118 |
| إسقاط الجزية عن فقيرهم وتأمينهم عند الفاقة والعوز: (لا يشقى جليسهم) | 124 |
| وضع الجزية عمن أسلم منهم: (دُعاة لا جُباه) | 132 |
| إقرارهم على ما كان من عادتهم وسنتهم: (عادات مرعية وأعراف مصونة) | 133 |
| الدعاء لهم وفق ضوابط الشريعة: (هداية منشودة واستمالة محمودة) | 134 |
| عدم الدعاء عليهم: (قلوب لا تعرف البغي وألسنة لا تعرف الغيَّ) | 136 |
| لُبس ثيابهم: (وهل تَكفُر الثياب؟) | 138 |
| الوضوء من مائهم والصلاة في بيوتهم: (الماء ماؤه والأرض أرضه) | 140 |
| التهادي إليهم ومنهم: (من يفعل الخير لا يعدم |
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| جوازيه) | 141 |
| إجابة دعوتهم والأكل من طعامهم: (جبر الخواطر وتطييب السرائر) | 146 |
| عيادتهم في مرضهم: (قلوب حانية) (وللمرضى أنين ترِقُّ له الجبال) | 152 |
| الوصية لهم بما لا يزيد عن الثلث: (والوصايا نوع عطايا) | 155 |
| التزوج من نساء أهل الكتاب منهم: (النكاح وشيجة وقربى) | 158 |
| التعامل معهم بيعاً وشراءً ورهناً مزارعة وغيره: (خلطة وجود لا انعزالية جمود) | 162 |
| استعمالهم والاستعانة بهم في كثير من الأعمال: (وبعضهم مؤتمَن) | 167 |
| إقرارهم على مكاسبهم وممتلكاتهم: (كدُّ يمين مقدَّر وعرق جبين) | 171 |
| شهود جنائزهم: (وللموت رهبة وجلال) | 174 |
| الخاتمة | 177 |
| ثبت المراجع | 179 |
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة مبرة الآل والأصحاب
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وصحابته الطيبين الطاهرين الغر الميامين، أما بعد؛
فلا ريب أن للقدوات الصالحة أثرًا بالغ الأهمية في الارتقاء بحياة الأمم والشعوب؛ وذلك أنهم هم الذين يقدمون الدليل الواقعي والتطبيق العملي للتعاليم التي تمثّل منظومة القيم والأخلاق التي تشكّل هوية تلك الأمم، وتعتبر مثالها السامي الذي تستهدف احتذاء حذوه والاهتداء بهديه.
وقد نبّه القرآن الكريم على ذلك المعنى وأشاد به في آيات كثيرة، مبينًا فضلَ الاقتداء بالأنبياء والصالحين، قال تعالى: ﴿لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا﴾ [الأحزاب: 21]، وقال عز وجل: ﴿قَدۡ كَانَتۡ لَكُمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ فِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ﴾ [الممتحنة: 4]، وقال سبحانه: ﴿لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ﴾ [الممتحنة: 6]، وقال عقب ذكر صفوةٍ من رسله وأنبيائه: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقۡتَدِهۡۗ﴾ [الأنعام: 90]، وقال عزّ مِن قائل: ﴿فَٱصۡبِرۡ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلۡعَزۡمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: 35]،
وغير ذلك مما يفهم من النصوص بأدنى تأمّل.
والواجب على أمتنا الإسلامية أن تصوغ رؤيتها الأخلاقية والقيمية والحضارية انطلاقًا من الوحي قرآنًا وسنةً، في تناغم مع معطيات العلم في جميع المجالات، ومواكبةٍ لمستجدات العصر الذي نعيش فيه وما يزخز به من تحدياتِ عظيمة. فلا يحسن أن نقتصر في تدبرنا للوحي على مجرد الأمور الدينية العبادية المحضة، فإن الوحي قد أنزله الله هدى ونورًا للإنسانية تنتفع به في معاشها ومعادها، وإن كان مقصوده الأساس الفلاح الأخروي وما يقرب إليه؛ إلا أنه لا شك في كونه يرشدنا بهداياته في جميع مناحي الحياة العملية، ولو في صورة ضوابط ومعايير وقيم كلية نافعة، نستلهم منه ما يرضي ربنا ويحقق فلاحنا في الدنيا، مع عدم إغفال البحث والعلم في جميع المجالات بأدواتها ووسائلها.
ونحن إذا ذهبنا نستلهم قيم الوحي على مختلف الأصعدة العلمية والسلوكية؛ لم نجد امتثالًا وتطبيقًا وتفعيلًا؛ خيرًا مما نجده عن صحابة النبي صلى الله عليه وسلم الأخيار وأهل بيته الأطهار، فهم الذين انتهجوا الوحي كتابًا وسنة في جميع جوانب حياتهم، فسادوا وقادوا، وصاروا أئمة أعلامًا هداة.
وقد أخذت مبرة الآل والأصحاب كعادتها على عاتقها مهمةَ تفعيلِ ذلك المعنى، وتقديمه في صورة بحثية توعوية منضبطة؛ لكونها مؤسسة متخصصة في تراث الآل والأصحاب حتى صار لها بفضل الله
الريادة في ذلك المجال.
وقد كان أصل هذا المشروع الذي بين أيدينا فكرةً من قِبل رئيس مجلس إدارة المبرة د. عبدالمحسن الجارالله الخرافي تتضمن توسيع نطاق الأبحاث المتعلقة بالآل والأصحاب لتضمّ مجالات جديدة ورحابًا أوسع ولا تقتصر على الموضوعات الدينية المألوفة، ثم أوعز بهذه الفكرة وبعض عناصرها إلى مركز البحوث والدراسات بالمبرة؛ فقام المركز مشكورًا مأجورًا بوضع خطة طموحة تتضمن العديد من الموضوعات الهادفة، العلمية والعملية؛ التي نستهدف أن نستضيء فيها بتراث الآل والأصحاب، ونكشف عن ملامح تطبيقهم الوحي على جميع الأصعدة والأنحاء، بشكل يتجلّى فيه الجانب الإبداعي من تخصص المبرة في خدمة تراث الآل والأصحاب، و«التخصص يقود إلى الإبداع» بحمد الله وتوفيقه، بحيث نقدم للمكتبة العلمية والدعوية تجميعًا غير مسبوق لبعض الجوانب الدقيقة في تراث الآل والأصحاب؛ ومِن ثَمَّ نسَّق المركز مع مجموعة من الباحثين ليقدموا جهودهم في تحويل تلك الأفكار والموضوعات إلى أبحاث علمية وفق منهجية مركز البحوث والدراسات المنضبطة، القائمة على التحقيق العلمي، والاستدلال الصحيح، والاسترشاد بكتب أهل العلم السابقين والمعاصرين، واستمر جهد المركز في متابعة الأبحاث ومراجعتها وتعديل ما يحتاج منها إلى تعديل، عبر خلية عمل تفرغت للمشروع تحت إشراف رئيس مركز البحوث والدراسات الشيخ محمد سالم الخضر
مباشرة، فالشكر موصول لجميع الباحثين الكرام في المركز.
ثم تضافرت جهود أقسام المبرة الأخرى كقسم الإعلام في إتمام العمل بتنسيق الكتب وإخراجها؛ فكانت هذه السلسلة من الموضوعات، التي تندرج في سلسلة (تراث الآل والأصحاب)؛ ثمرةً لهذا التعاون المبارك.
وقد أرفقنا في ذيل هذا الكتاب قائمةً بعناوين هذه المجموعة المتكاملة من الموضوعات الدقيقة والمهمة في تراث الآل والأصحاب.
نرجو من الله عز وجل أن يوفقنا في مسعانا، وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وأن يجمع لنا الأجرين: أجر الاجتهاد وأجر الصواب، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
مبرة الآل والأصحاب
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، العلية كلمته، الوفية عدته، المخشية نقمته، المرجوة رحمته، أحمده على جزيل إرفاده، وأعوذ به من وبيل إيعاده، وأصلي وأسلم على من أرسله للعالمين نذيراً، وكان له على الظالمين نصيراً، فرفع الحق وأشاده، وقمع الباطل وأباده، حتى اتسق الدين وأشرق اليقين، وانحسمت الظِّنة وعظمت المنة صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه، صلاة تكون لهم ولنا في الدنيا ذكراً، وفي الآخرة ذخراً وزلفاً،، أما بعد:
فمن المبادئ الراقية التي أقرها الإسلام بين المسلمين أنفسهم، وبينهم وبين من لا ينتمي لهم عقدياً، مبدأ التعامل الإنساني بكل صوره وصنوفه، والذي يعد بحق من مفاخر هذا الدين العظيم، ومآثر منهجه القويم، ذلكم المنهج الذي تترابط أجزاؤه، وتتشابك فيه العقيدة مع العبادات، وهذه مع الأخلاق والمعاملات، والكل يعطينا تلك الثمرة الطيبة التي هي الإنسان المسلم نواة المجتمع الإسلامي الفاضل.
وذلك أن الشخصية الإنسانية للمسلم ليست بمنأى عن دينه ولا بمعزل عن شريعته، بل إنها في أدق ملامحها وأخص معالمها وليدة المنظومة الإسلامية، تدين لها بالفضل، حيث شكَّل الدين الإسلامي
ولا زال بمنظومته العقدية والعبادية والقيمية الأخلاقية، الشخصية الإنسانية للمسلم بصفة عامة، ورسم له تصوره للحياة والكون من حوله، وحدَّد له نظام حياة في صورة قواعد عامة يستطيع من خلالها أن يتعامل مع خالقه ومع نفسه ومع الآخرين سواء المتفقين معه عقدياً (المسلمون) أو المختلفين (غير المسلمين)، لدرجة أنه يستحيل أن يظهر حراك ما أو فكرة ما ليس لها تأصيل في الشريعة الإسلامية إما بالسلب أو بالإيجاب، وموضوع العلاقة مع غير المسلمين ليس بدعاً عما سبق، فلم تغفله شريعتنا الإسلامية الغراء بل أحاطته بمنظومة كاملة من الواجبات والحقوق التي تنظم العلاقة بين المسلمين وغيرهم في المجتمع الإسلامي.
فقد ألزمت الشريعة غير المسلمين بجملة من الواجبات المتنوعة والتكاليف المتعددة التي لا تشكل في مجملها ثقلاً عليهم، والتي تضمن ولاءهم من جهة، ومن جهة أخرى تشعرهم بالمثلية المجتمعية.
كما كفلت لهم جملة من الحقوق التي تحفظ آدميتهم، وتصون كرامتهم، وتضمن لهم عيشاً هنياً تحت ظلال وارفة من الرحمة الإسلامية التي عمت آثارها البوادي والقصابا.
ولم تكن هذه الحقوق مجرد نظريات رهينة الصفحات والأوراق لا حظ لها في دنيا الناس، بل كانت كذلك واقعاً حياتياً معاشاً، حرص النبي صلى الله عليه وسلم على تطبيقه، وأرسى قواعده لمن جاء بعده، حيث علَّمهم منهج التسامح واحتواء المخالفين.
«فلم يتّجه فكره صلى الله عليه وسلم إلى رسم سياسة للإبعاد أو المصادرة
والخصام مع غير المسلمين، بل قبل عن طيب خاطر وجودهم في مجتمعه وعرض عليهم أن يعاهدهم معاهدة الند للند، على أن لهم دينهم وله دينه»(1)
ولهذا نجد أن آل البيت والصحابة، بوصفهم الطليعة المؤمنة وجيل التحمل، كانوا أحرص الناس على الالتزام بهذا النهج، فشملوا بحسن خلقهم وطيب معشرهم غير المسلمين، وأولوهم من العناية والرعاية ما أشعرهم بالعدل والمساواة والرحمة، تحت شعار عظيم ومبدأ كريم «لهم ما لنا وعليهم ما علينا».
وفي صفحات البحث القادمة سنتلمس بعون من الله بعض جوانب عظمة وسماحة الآل والأصحاب في معاملتهم للمخالفين عقدياً؛ (غير المسلمين) وسنقدِّم صوراً ضافية ونماذج رائقة تصوِّر لنا روائع تعامل آل البيت والصحابة في مجتمع الإسلام مع غير المسلمين على اختلاف أصنافهم وتغاير انتماءاتهم العقدية، بوصفهم طيفاً من أطياف المجتمع، وفصيلاً من فصائله لا يمكن تجاهل متطلباته وحاجياته.
وذلك من خلال عرْض واف وتأصيل شامل لمعاملة غير المسلمين في تراث الآل والأصحاب، أو معاملة الآل والأصحاب لغير المسلمين، بغية إظهار جانب التأسي والاقتداء بهم، وإحياء سنة المعايشة القائمة على التسامح والتراحم، وفي الوقت نفسه إخراس ألسنة الحقد وأفواه البغض التي تحاول جاهدة النيل من تراثنا ووصمه
بالإرهاب والترويع والعنف في محاولة مستميتة لتقديم الإسلام لمن لا يعرفه في صورة سيئة تنافي تماماً حقيقته الناصعة وجوهره الصافي، بوسطيته وسماحته وعدله واتزانه.
فأردت تفنيد هذه الادعاءات وغيرها عن طريق إبراز آداب تعامل الآل والأصحاب مع المخالفين عقدياً، ورصد وتجلية أخلاقياتهم في تعاملاتهم مع غير المسلمين، بوصفهم — الآل والأصحاب — الطليعة المؤمنة وخير القرون، وقد تتبعت قدر جهدي ووسع طاقتي آداب تعامل الآل والأصحاب مع غير المسلمين في مظانها المعتبرة، لإظهارها وإشهارها بما تحتويه من مواقف حياتية ترقى لأن تشكل مرجعية دينية لكل من يتعامل مع غير المسلمين من جهة، ومن جهة أخرى تخرس ألسنة الحقد وأبواق البغض التي وصمت ديننا بالإرهاب واستباحة دماء غير المسلمين.
في محاولة جادة لإعطاء تصور كامل عن ماهية العلاقة بين آل البيت والصحابة من جهة وغير المسلمين من جهة أخرى، سواء في عصر النبوة أو بعده، مستهلاً — ما أمكن — كل محور من محاور البحث أو أدب من آدابه وحق من حقوقه بمدخل موجز كاشف عن أصالة هذا الأدب أو الحق في الإسلام، ومدى حرص النبي صلى الله عليه وسلم على إقراره وتطبيقه بوصفه سيد الآل والأصحاب ومحل اقتدائهم وتأسيهم.
والله أسأل أن يتقبل هذا العمل، وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم،
وأن يجعله في موازين الحسنات يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
سائلاً ربي عز وجل أن يكتب به لوالدَيَّ الكريمين أجراً تاماً غير مرتهن، وثواباً كاملاً غير منقوص، إنه وليُّ ذلك والقادر عليه.
التعريف بمصطلحات البحث
مدخل
مما لا يُمارى فيه، ولعله من مقتضيات البحث العلمي ومن المسلَّم به لدى الباحثين ضرورة أن يستهل الباحث بحثه بتعريف مصطلحات عنوانه واستكناه ألفاظها؛ باستيضاح غوامضها واستجلاب معانيها، وفكّ رموزها حتى ينضبط البحث، وتتضح ماهيته، وتتحدد معالمه وسماته.
انطلاقاً مما سبق فإننا نستهل هذا البحث بتعريف أهم المصطلحات الواردة في عنوانه، وهي كالتالي:
تعريف مصطلح الآداب
في اللغة
لفظة آداب جمع ومفردها أدب، والأدب أصله في اللغة الدعاء، وهو أن تجمع الناس إلى طعامك، وهي المأدَبَة والمأدُبَة، ومنه الآدب وهو الداعي، ومن هذا القياس الأدب أيضاً؛ لأنه مجمع على استحسانه(2) .
فيقال للذي يتأدب به الأديب من الناس: أدباً، وسُمي بهذا؛ لأنه
يأدب الناس الذين يتعلمونه إلى المحامد وينهاهم عن المقابح، يأدبهم أي يدعوهم(3)
وعليه فيراد بالأدب هنا: الخصالُ الحميدة، وهذا المعنى اللغوي للأدب لا يختلف كثيراً عن معناه الاصطلاحي.
في الاصطلاح
عُرِّف الأدب في الاصطلاح بتعريفات متنوعة لا تخرج في مجملها عن التعريف اللغوي السالف.
فقيل: «الأدَب عبارةٌ عن معرفة ما يحترز به عن جميع أنواع الخطأ».
وفي العناية: «الأدب اسم يقع على كل رياضة محمودة يتخرج بها الإنسان في فضيلة من الفضائل».
قال أبو زيد: «ويجوز أن يعرف بأنه مَلَكَةٌ تعصم من قامت به عما يَشينه»(4) .
وبناء على هذا فإنا مراد بحثنا عن آداب تعامل آل البيت والصحابة مع غير المسلمين يتحدد في معرفة أخلاقهم الرفيعة وخصالهم الحميدة في تعاملهم مع غير المسلمين وما انتهجوه من تسامح معهم وطيب عشرة وحسن مخالطة.
تعريف الآل والأصحاب
حديثنا عن آداب تعامل الآل والأصحاب مع غير المسلمين وهذا يقتضي الحديث عن تعريف الآل والأصحاب المراد التنقيب في تراثهم لاستخراج آداب تعاملهم مع غير المسلمين.
الآل في اللغة
«آل أصلها أهل، ثم أُبدلت الهاء همزة، فصار في التقدير (أأل)، فلما توالت الهمزتان أبدلوا الثانية ألفاً»(5) .
«وأهل الرجل زوجه، والتأهُّل التزوُّج، وأهل الرجل أخصُّ الناس به، ومن يجمعه وإياهم مسكن واحد، ثم تجوّز به فقيل: أهل الرجل لمن يجمعه وإياهم نسب، وتعورف في أسرة النبيّ عليه الصلاة والسلام مطلقاً إذا قيل: أهل البيت، وأهل البيت سُكَّانه، وأهل الإسلام من يدين به»(6) .
وعليه فأهل الشيء هم أخصُّ الناس به، كما أن لفظ أهل يدل فى حقيقته على صلةٍ وثيقةٍ بينه وبين ما يضاف إليه.
واشتق من أهل لفظُ الآل وهو لا يضاف إلا فيما فيه شرف غالبًا، فلا يقال: آل الإسكاف كما يقال أهله(7) .
الآل في الشرع
اختلفت مذاهب العلماء في تحديد المراد بمصطلح (آل النبي) صلى الله عليه وسلم الذين وردت النصوص في فضلهم، وإن كان جمهورهم(8) على أن المراد بآل البيت هم الذين حُرِّمت عليهم الصدقة، وهم قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا هو ما رجَّحه ابن تيمية(9) وابن القيم(10) وإن اختلف بعد ذلك فيمن حرمت عليه الصدقة، فيرى البعض أنهم بنو هاشم وذهب إليه الأحناف(11) وهو القول المشهور والأظهر عند المالكية، ومال إليه ابن القاسم(12) وهو رواية عند الحنابلة، ولعلها الأشهر عندهم، وقد نقلها عبد الله بن أحمد وغيره..(13) وذكر ابن تيمية أن
الإمام أحمد نصَّ عليه(14) وفي موضع آخر: ذكر أن الإمام أحمد له روايتان في المسألة(15)
ويرى آخرون أن آل البيت الذين تحرم عليهم الصدقة هم بنو هاشم وبنو المطلب، وهذا هو المشهور والمختار عند الشافعية، وعليه المذهب(16) ، ومال إلى هذا ابن حزم(17) . وهو قول عند المالكية(18) . وقول عند الحنابلة(19) . ولكل فريق أدلته التي بنى عليها رأيه ومذهبه وليس المجال هنا مجال استقصاء لها.
وعدَّ كثير من العلماء أزواج النبي صلى الله عليه وسلم من آله، فإنهن وإن لم يكنَّ من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم بالأصالة إلا أنهن منه قطعاً بالتبعية(20) .
تعريف مصطلح (الأصحاب)
الأصحاب في اللغة: جمع صَحْب، والصحابة بالفتح: الأصحاب، وهي في الأصل مصدرٌ(21) والمراد بهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفي مفردات الراغب: أن الصَّاحِبُ: الملازم إنساناً كان أو حيواناً أو مكاناً أو زماناً، ولا فرق بين أن تكون مصاحبته بالبدن — وهو الأصل والأكثر — أو بالعناية والهمة.... ولا يقال في العرف إلا لمن كثرت ملازمته، ويقال للمالك للشيء: هو صاحبه، وكذلك لمن يملك التصرف فيه(22) . وكل من لازم شيئاً فقد استصحبه(23) .
فالصحابي في اللغة العربية يشمل عدة معان من أهمها:
— الملازمة والمخالطة والمعاشرة، فكل من لازم شيئاً استصحبه، والانقياد والتبعية، والحفظ والمنع.
وهذه كلها أمور تفيد شدة المحبة بين الأصحاب وشدة متابعتهم وملاصقتهم لبعضهم.
التعريف الشرعي: اختلفت أقوال العلماء في تحديد المصطلح الشرعي للفظ (الصحابي)، ومنشأ هذا الاختلاف هو ما يجب مراعاته في المعني الاصطلاحي، هل يراعي فيه المعني اللغوي أو
المعني العرفي؟
وترتب على هذا الاختلاف ظهور مذهبين للعلماء في تعريف الصحابي وهما: مذهب المحدِّثين، ومذهب الأصوليين.
مذهب المحدِّثين
أنه كل مسلم لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو لحظة ومات على الإسلام. — وهو تعريف المحدِّثين —.
وهذا هو الصحيح في حدِّه، وهو مذهب أحمد بن حنبل، وأبي عبد الله البخاري في صحيحه والمحدثين كافة، قاله النووي(24) . ومال إليه الحافظ ابن حجر(25) ، وهذا التعريف اشتهرت نسبته إلى المحدِّثين(26) .
مذهب الأصوليين
أما التعريف الأشهر المنسوب إلى الأصوليين فهو: الصحابي من رأى النبي — صلى الله عليه وسلم — مؤمناً به، واختص به اختصاص المصحوب، متبعاً إياه مدة يثبت معها إطلاق صاحب عليه عرفاً بلا تحديد لمقدار تلك الصحبة، سواء روى عنه أو لم يرو عنه، تعلَّم منه أو لم يتعلم(27) . وهذا هو ما يعرف بطَرِيقُ الْأُصُولِيِّينَ(28) .
ودارت معارك كلامية بينهم وبين المحدِّثين، وحفلت كتب الأصول والمصطلح بذكر فصول من هذا الاختلاف، ولا مجال للإطناب في هذا الباب مراعاة لطبيعة البحث واختصاصه.
مصطلح الآل والأصحاب
مصطلح الآل والأصحاب مصطلح شامل لصنفين من الناس، آل النبي صلى الله عليه وسلم الذين صحت نسبتهم وثبت إسلامهم، كما ورد في تعريف الآل السابق، وأصحابه الذين ثبتت صحبتهم بيقين حسب ما ورد في التعريف السابق للأصحاب، وهناك من جمع بين اللقبين فكان من الآل والأصحاب معاً في آن واحد وهم مَن آمن مِن آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وانطبقت عليه شروط الصحبة الواردة في تعريف الصحابي(29) .
وذلك لأن العلماء حين يتكلمون عمن كان مع النبي صلى الله عليه وسلم ويطلقون عليهم فقط كلمة «الصحابة» فإن هذا لا يعني خروج الآل من كلامهم، أو أن فيه دلالة على خروجهم من الاعتبار في التلقي عنهم للأحكام الفقهية والعقدية وغيرها، لكنهم رحمهم الله إنما قالوا هذا الوصف؛ لأنه الدائرة الأخص في التشريف، وتتضمن دائرة آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم التي هي أخص بالوصف من بعد نيل شرف الصحبة، فمصطلح صحابي يشمل كل مؤمن من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم في زمانه، ولا
عكس، فليس كل من كان مؤمناً من آل البيت كان صحابيا؛ لأن الصحبة كما مَرَّ مقيدة برؤية النبي صلى الله عليه وسلم وزمنه.
وممن جمع بين شرفي القربى والصحبة، من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم:
بنات النبي صلى الله عليه وسلم الأربعة، وعمته صفية، على اختلاف في إسلام باقي عماته، والعباس عم النبي صلى الله عليه وسلم، وجملة من أولاده الذكور والإناث منهم: عبد الله وعبيد الله وعبد الرحمن وقثم ومعبد والفضل وعون والحارث، وأم كلثوم وأم الفضل وأم حبيب وصفية وآمنة، وعلي وجعفر وعقيل أولاد أبي طالب، على اختلاف في صحبة تمام وكثير، وحمزة عم النبي صلى الله عليه وسلم، وابناه يعلى وعمارة، وبنتاه أمامة وفاطمة، والحسن والحسين وزينب وأم كلثوم من أولاد علي بن أبي طالب، إضافة إلى جملة من أولاد أعمام النبي صلى الله عليه وسلم الحارث، والزبير، والمقوم، وأبي لهب، إضافة إلى أزواجه صلى الله عليه وسلم على اعتبار من أدخلهن في جملة آل البيت(30) .
غير المسلمين (تعريفهم وأصنافهم)
المراد بغير المسلمين
غير المسلمين إجمالاً اصطلاح يطلق ويراد به كل من لا يعتنق الإسلام ولا يدين به، وهم ليسوا فئة واحدة، بل هم
أصناف وأنواع، وأقسام وأشياع، وفيما يلي إلقاء الضوء على أصنافهم.
أصناف غير المسلمين
غير المسلمين أصناف متعددة يجمعهم عدم الإقرار بالإسلام باعتباره علماً على الرسالة المحمدية أو الاعتقاد به، فيدخل فيهم الكفار، والمشركون بعموم، وأهل الكتاب منهم بخصوص... وفيما يلي استعراض أصناف غير المسلمين حسب علاقتهم بالدولة الإسلامية، بإيجاز شديد، منطلقين منه إلى ما بعده من قضايا البحث ومواضيعه.
أولاً: أهل الذِّمَّة وأصنافهم
أهل بمعنى أصحاب، والذمة هي: العهد، والأمان، والضمان، والحرمة، والحق(31) .
ومصطلح أهل الذمة هو مصطلح جامع لأهل الكتاب ولغيرهم ممن لا يدينون بالإسلام ويقيمون في دولته.
فأهل الذمة هم: المعاهدون من اليهود والنصارى وغيرُهم ممن يقيم بدار الإسلام(32) . ويقصد بالإقامة هنا، الدائمة.
وفي القاموس الفقهي: أهل الذمة هم: المعاهدون من أهل الكتاب،
ومن جرى مجراهم(33)
فرعايا الدولة الإسلامية من غير المسلمين من أهل الكتاب خاصة، ومن يلحق بهم يطلق عليهم أهل ذمة.
وسموا بهذا الاسم لدخولهم؛ في ضمان المسلمين وعهدهم وأمانهم(34) .
وبهذا يصير الذمي هو المعاهَد الذي أخذ العهد من الإمام بالأمن على نفسه وماله وعرضه ودينه في نظير التزامه الجزية، ونفوذ أحكام الإسلام فيه(35) .
ويقال لأهل الذمة: أهل الأرض لأن المسلمين لما فتحوا البلاد أقروهم على عمل الأرض وحمل الخراج(36) .
ويلحق بأهل الذمة أهل السواد، وهم: أهل القرى والمزارع حول المدينة الكبيرة، وسواد البصرة والكوفة: قراهما(37) . روى الشعبي أن عمر بن الخطاب جعل أهل السَّواد ذمة(38) . أي عاملَهم معاملة أهل الذّمة.
وتحصل الذمة لأهل الكتاب ومن في حكمهم بالعقد أو القرائن أو التبعية، فيقرون على كفرهم في مقابل الجزية(39) .
ويسمون أيضاً: أهل العهد؛ تبعاً للعهد المبذول لهم من قبل الإمام أو من ينوب عنه، وهو إطلاق تابع لمصطلح أهل الذمة كما أسلفنا.
وهذه الذمة تعطي أهلها «من غير المسلمين» ما يشبه في عصرنا «الجنسية» السياسية التي تعطيها الدولة لرعاياها فيكتسبون بذلك حقوق المواطنين ويلتزمون بواجباتهم.
فالذمي على هذا الأساس من «أهل دار الإسلام» أو من حاملي الجنسية الإسلامية حسب الاستعمال المتعارف عليه حالياً(40) .
وأهل الذمة عقدهم مؤبد ويخضعون للأحكام الإسلاميَّة في غير ما أُقِرُّوا عليه من أحكام العقائد والعبادات، والزواج والطلاق، والمطعومات والملبوسات، ولهم على المسلمين الكفُّ عنهم وحمايتهم، بناء على عقد مؤبد يلزم الجماعة المسلمة حمايتهم ورعايتهم، وإقرارهم على دينهم مقابل التزام أهل الذمة بالجزية.
أي أن الجزية تؤخذ منهم بدل حماية ورعاية وعهد أمان وضمان.
جاء في البناية: الذمة العهد والأمان، ولهذا سمى المعاهد ذمياً، لأنه قد أعطي الأمان على ماله ودمه للجزية التي تؤخذ منه(41) .
وهناك تفصيل واختلاف فيمن يؤخذ منهم الجزية، قال ابن القيم: أجمع الفقهاء على أن الجزية تؤخذ من أهل الكتاب ومن المجوس(42) . وفيما يلي بيان القدر المتفق عليه من أهل الذمة:
1 — أهل الكتاب: (اليهود والنصارى)
أهل الكتاب مركب إضافي من كلمتين، أهل، والكتاب، وهذا المركب له مدلول في اللغة والاصطلاح، وسنحاول فيما يلي إبراز مدلوله في اللغة والاصطلاح لنعطي للقارئ تصوراً واضحاً عن معنى هذا المركب.
أهل في اللغة: لفظ الأهل في اللغة له إطلاقات كما سبق بيانه عند تعريف مصطلح آل البيت، وإن كانت في مجملها تدل على صلةٍ وثيقةٍ بينها وبين ما تضاف إليه، فتطلق على رابطة النسب والدين أو ما يجري مجراهما من صناعة وبيت وبلد، كما ذكر الراغب في مفرداته(43) .
وعلى ضوء هذا، فأهل الكتاب في اللغة: أخص الناس به، والمراد بالكتاب: التوراة والإنجيل.
وأهل الكتاب في الاصطلاح: هم اليهود والنصارى(44) .
وأدخل بعض العلماء مع اليهود والنصارى المجوس، باعتبار أن عندهم شبهة كتاب، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: سنّوا بهم سنة أهل الكتاب(45) .
قال ابن حزم في بيان أصناف أهل الكتاب: هم اليهود، والنصارى، والمجوس(46) .
يقول البركتي: أهل الكتاب: هم اليهود المشهور ببني إسرائيل والنصارى وغيرُهما ممن اعتقدوا ديناً سماوياً ولهم كتابٌ منزل كصحف إبراهيم وتوراة موسى وزبور داود وإنجيل عيسى على نبينا وعليهم الصلاة والسلام(47) .
ويقول الشهرستاني: الخارجون عن الملة الحنيفية، والشريعة الإسلامية؛ ممن يقول بشريعة وأحكام، وحدود وأعلام. وهم قد انقسموا إلى من له كتاب محقق؛ مثل التوراة، والإنجيل؛ وعن هذا يخاطبهم التنزيل بأهل الكتاب.
وإلى من له شبهة كتاب؛ مثل: المجوس، والمانوية. فإن الصحف التي أنزلت على إبراهيم عليه السلام قد رفعت إلى السماء؛ لأحداث
أحدثها المجوس، ولهذا يجوز عقد العهد والذمام معهم، وينحى بهم نحو اليهود والنصارى؛ إذ هم من أهل الكتاب؛ ولكن لا يجوز مناكحتهم، ولا أكل ذبائحهم؛ فإن الكتاب قد رفع عنهم(48)
قال الحنفية والحنابلة: أهل الكتاب هم: اليهود والنصارى ومن دان بدينهم، فيدخل في اليهود السامرة؛ لأنهم يدينون بالتوراة ويعملون بشريعة موسى عليه السلام، ويدخل في النصارى كل من دان بالإنجيل وانتسب إلى عيسى عليه السلام بالادعاء والعمل بشريعته.
وقال الشافعية والمالكية: أهل الكتاب هم اليهود والنصارى(49) .
ومصطلح أهل الكتاب استعمله القرآن الكريم في نحو ثلاثين موضعاً(50) . منها قوله تعالى: ﴿ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَمَآ أُنزِلَتِ ٱلتَّوۡرَىٰةُ وَٱلۡإِنجِيلُ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِهِۦٓۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ(51) ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿ قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَسۡتُمۡ عَلَىٰ شَيۡءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُمۡۗ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ طُغۡيَٰنٗا وَكُفۡرٗاۖ فَلَا تَأۡسَ عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ(52) ﴾ .
فالخطاب في الآيتين لأهل الكتاب المنزل عليهم: التوراة والإنجيل، وهم: اليهود والنصارى على أرجح الأقوال.
وقد اختلف العلماء في تحديد المراد بأهل الكتاب:
فذهب الحنفية إلى أن المراد بهم: كل من يؤمن بنبي ويقر بكتاب، ويدخل في ذلك اليهود والنصارى، ومن آمن بزبور داود عليه السلام وصحف إبراهيم عليه السلام، وذلك لأنهم يعتقدون ديناً سماوياً منزلاً بكتاب.
وذهب جمهور الفقهاء إلى أن المراد بهم: اليهود والنصارى بجميع فرقهم المختلفة دون غيرهم ممن لا يؤمن إلا بصحف إبراهيم وزبور داود.
واستدلوا لذلك بقوله تعالى: ﴿أَن تَقُولُوٓاْ إِنَّمَآ أُنزِلَ ٱلۡكِتَٰبُ عَلَىٰ طَآئِفَتَيۡنِ مِن قَبۡلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمۡ لَغَٰفِلِينَ﴾ [الأنعام: 156] فالطائفتان اللتان أنزل عليهما الكتاب من قبلنا هما اليهود والنصارى، كما قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة وغيرهم من المفسرين. وأما صحف إبراهيم وداود فقد كانت مواعظ وأمثالاً لا أحكام فيها، فلم يثبت لها حكم الكتب المشتملة على أحكام(53) .
وقد ذكر الإمام الرازي في كلمة: «كل» في قوله تعالى: لِكُلّٖ جَعَلۡنَا مِنكُمۡ شِرۡعَةٗ وَمِنۡهَاجٗاۚ(54) أنها دالة على عدة معان، والمعنى الثاني منها:
(وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ عُلَمَاءِ التَّابِعِينَ، أَنَّ الْمُرَادَ أَهْلُ الْكِتَابِ وَهُمُ: الْمُسْلِمُونَ وَالْيَهُودُ وَالنَّصَارَى)(55) فهو هنا أدخل المسلمين في جملة أهل الكتاب، على اعتبار أن لهم كتاباً سماوياً هو القرآن الكريم، وأنهم يؤمنون بالكتب السماوية السابقة كلها. وإن كان الخطاب في مصطلح أهل الكتاب في القرآن يشمل اليهود والنصارى لا غير.
فكل من دان باليهودية والنصرانية يدخل في عموم أهل الكتاب، خلافاً للشافعي ومن نحا نحوه والذي يرى أن إطلاق لفظ أهل الكتاب خاص ببني إسرائيل الذين أنزلت عليهم التوراة والإنجيل دون غيرهم، فمن كان من نصارى العرب لا يدخل في نطاق أهل الكتاب ولا تجري عليه أحكامهم؛ لأن أصل دين العرب كان الحنيفية إلى أن اجتالتهم الشياطين، فغيَّروا دينهم وعبدوا الأصنام والأوثان.
واستند الشافعي في تقرير ذلك إلى ما رواه بسنده عن عمر أنه قال: ما نصارى العرب بأهل كتاب وما يحل لنا ذبائحهم وما أنا بتاركهم حتى يسلموا أو أضرب أعناقهم.
وعن ابن سيرين قال: سألت عبيدة عن ذبائح نصارى بني تغلب، فقال: لا تأكل ذبائحهم، فإنهم لم يتمسكوا من نصرانيتهم إلا بشرب الخمر.
(قال الشافعي): وهكذا أحفظه ولا أحسبه وغيره إلا وقد بلغ به
علي بن أبي طالب رضي الله عنه بهذا الإسناد.
وعن ابن جريج قال: قال عطاء: ليس نصارى العرب بأهل كتاب، إنما أهل الكتاب بنو إسرائيل، والذين جاءتهم التوراة والإنجيل، فأما من دخل فيهم من الناس فليسوا منهم(56) .
ويقول الشافعي: فمن دان دينهم —: من غيرهم — قبل نزول القرآن لم يكونوا أهل كتاب إلا لمعنى، لا أهل كتاب مطلق، فتؤخذ منهم الجزية، ولا تنكح نساؤهم، ولا تؤكل ذبائحهم، كالمجوس(57) .
وأهل الكتاب يدخلون في مصطلح الكفار والمشركين، أما كفرهم فلأنهم جحدوا الحق، وكذبوا به، وأما شركهم فلأنهم عبدوا غير الله تعالى .
قال النووي: الشرك والكفر قد يطلقان بمعنى واحد وهو الكفر بالله تعالى وقد يفرق بينهما فيخص الشرك بعبدة الأوثان وغيرها من المخلوقات مع اعترافهم بالله تعالى ككفار قريش فيكون الكفر أعم من الشرك والله أعلم(58) .
وبغض النظر عن هذا الاختلاف الدائر في تحديد كنه أهل الكتاب، إلا أن بحثنا لن تطاله هذه التفرقة، ولن يتقيد بهذا القيد الذي وضعه الإمام الشافعي؛ لأنه حتى في نظره نصارى العرب هم أهل كتاب بأحد معاني هذه اللفظة، إضافة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم تعامل مع
أهل الكتاب في عصره بأديانهم لا بآبائهم.
يقول ابن القيم: لم يفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا خلفاؤه في الجزية بين العرب والعجم، بل أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم من نصارى العرب، وأخذها من مجوس هجر، وكانوا عرباً، فإن العرب أمة ليس لها في الأصل كتاب، وكانت كل طائفة منهم تدين بدين من جاورها من الأمم، فكانت عرب البحرين مجوساً لمجاورتها فارس، وتنوخ، وبهرة، وبنو تغلب نصارى لمجاورتهم للروم، وكانت قبائل من اليمن يهود لمجاورتهم ليهود اليمن، فأجرى رسول الله صلى الله عليه وسلم أحكام الجزية، ولم يعتبر آباءهم، ولا متى دخلوا في دين أهل الكتاب: هل كان دخولهم قبل النسخ والتبديل، أو بعده، ومن أين يعرفون ذلك وكيف ينضبط وما الذي دل عليه؟(59) .
2 — المجوس
المجوس هم: عبدة النار، المعتقدون بوجود أصلين اثنين، مدبرين قديمين؛ يقتسمان الخير والشر، والنفع والضر، والصلاح والفساد، يسمون أحدهما: النور، والآخر الظلمة. وبالفارسية: يزدان وأهرمن. ولهم في ذلك تفصيل.
ومسائل المجوس كلها تدور على قاعدتين اثنتين: إحداهما: بيان سبب امتزاج النور بالظلمة. والثانية: بيان سبب خلاص النور من الظلمة، وجعلوا الامتزاج مبدأ، والخلاص معاداً(60) .
أجمع الفقهاء أن المجوس تؤخذ منهم الجزية(61) ، وبهذا فهم داخلون في مسمى أهل الذمة.
وذكر البخاري أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد توقف في أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله — صلى الله عليه وسلم — أخذها من مجوس هجر(62) .
وقد اتفق العلماء على تحريم صيد المجوسي وذبيحته إلا ما لا ذكاة له كالسمك والجراد، فإنهم أجمعوا على إباحته.
ثانياً: المعاهَد
المعاهَد هو الكافر الذي بينه وبين المسلمين عهد مهادنة، أو من له عهد مع المسلمين، سواء كان بعقد جزية، أو هدنة من سلطان، أو أمان من مسلم(63) .
قال ابن بطال: المعاهَد: الذي بينه وبين الإمام عهد وهدنة(64) .
وقال ابن الأثير: المعاهَد: من كان بينك وبينه عهد، وأكثر ما يطلق
في الحديث على أهل الذمة، وقد يطلق على غيرهم من الكفار إذا صولحوا على ترك الحرب مدة ما(65)
وقد يكون المعاهد شخصاً أو دولة أبرمت معها معاهدة صلح، أو معاهدة عدم اعتداء(66) .
والمعاهد والذمي إذا نقض العهد صار حربيًّا، وجرى عليه سائر أحكام أهل الحرب(67) .
ثالثاً: المستأمن (أهل الأمان)
المراد بالمستأمن عند الفقهاء: هو الحربي المقيم إقامة مؤقَّتة في ديار المسلمين، أو من دخل دار الإسلام على أمان مؤقت من قبل الإمام أو أحد المسلمين، وعلى ذلك فالفرق بينه وبين أهل الذمة: أن الأمان لأهل الذمة مؤبد، وللمستأمنين مؤقت(68) . وأمان أهل الذمة تترتب عليه جزية بخلاف أمان المستأمنين.
والمستأمنون على هذا أقسام، يقول فيهم ابن القيم:
وأما المستأمن فهو الذي يقدم بلاد المسلمين من غير استيطان
لها، وهؤلاء أربعة أقسام: رسل، وتجار، ومستجيرون حتى يعرض عليهم الإسلام والقرآن، فإن شاءوا دخلوا فيه، وإن شاءوا رجعوا إلى بلادهم، وطالبوا حاجة من زيارة، أو غيرها، وحكم هؤلاء ألا يهاجروا، ولا يقتلوا، ولا تؤخذ منهم الجزية، وأن يعرض على المستجير منهم الإسلام والقرآن، فإن دخل فيه فذاك، وإن أحب اللحاق بمأمنه ألحق به، ولم يعرض له قبل وصوله إليه، فإذا وصل مأمنه عاد حربياً كما كان(69)
وعقد الأمان هذا الذي يمنحه الإسلام للمستأمن، كفيل بأن يثبت مدى سماحة الإسلام في تعامله مع غير المسلمين.
وأشار الشيخ أبو زهرة إلى أن الإسلام بموجب عقد الأمان فتح الباب للمستأمنين بدخول داره ولو كانوا منتمين إلى دولة نشبت الحرب بينها وبين المسلمين، وإن أرواحهم وأموالهم مصونة لا يُعتدى عليها، ما داموا مستمسكين بعقد الأمان، ولهم أن يباشروا نشاطهم التجاري أو غيره من غير أي قيد(70) .
رابعاً: أهل الحرب
من المصطلحات المختصة بغير المسلمين مصطلح أهل الحرب، وهو إطلاق عام شامل لكل من امتنع عن قبول الدعوة وأقام في دار
الحرب وعادى المسلمين. فكل من دان بغير الإسلام وبين دولته ودولة الإسلام حالة حرب، ولا ذمة له ولا عهد، فهو الحربي.
قال الشوكاني: الحربي الذي لا ذمة له ولا عهد(71) .
فالمراد بأهل الحرب: الكفار من أهل الكتاب والمشركين الذين امتنعوا عن قبول دعوة الإسلام، ولم يعقد لهم عقد ذمة ولا أمان، ويقطنون في دار الحرب التي لا تطبق فيها أحكام الإسلام. فهم أعداء المسلمين الذين يعلن عليهم الجهاد مرة أو مرتين كل عام(72) .
وأهل هذا المصطلح غير داخلين في الأغلب في نطاق بحثنا من حيث التفصيل والبيان؛ لأن بحثنا وإن كان تعلقه الأصيل بغير المسلمين إلا أنه خاص بهم حال كونهم داخل دار الإسلام وبلاد المسلمين، إضافة إلى أن الحديث عن أهل الحرب سيشعب الموضوع أكثر وسيشمل أبعاداً متعلقة بعلائق الدولة الإسلامية بغيرها، وهذا أمر لا تتحمله طبيعة هذا البحث.
وعليه فلن نتعرض لتعامل الآل والأصحاب مع المخالفين لهم عقدياً خارج دار الإسلام، ما خلا بعض الصور المتعلقة ببيان أخلاق الآل والأصحاب معهم عند حربهم؛ لأهميتها الشديدة في باب تسامح الآل والأصحاب معهم في هذا الوقت العصيب وقت الحروب.
تنويه وبيان
يلاحظ في الإطلاقات السابقة شائعة الاستعمال في الفقه الإسلامي والمنصرفة إلى غير المسلمين، أن أهل الكتاب قدر مشترك في هذه الإطلاقات السابقة؛ فقد تطلق ويراد بها أهل الكتاب وحدهم، فتكون حكراً عليهم لا تتعداهم إلى غيرهم، كأهل الذمة عند قطاع كبير من العلماء، وبعض هذه الإطلاقات تشملهم وتشمل معهم غيرهم كأهل العهد، وأهل الحرب، والمستأمنين.
ولهذا سيكون جانباً كبيراً من بحثنا تعلقه الأصيل بأهل الكتاب في المجتمع الإسلامي؛ لتعلق أكثر الشواهد بهم.
وبما أن حديثنا عن غير المسلمين المقيمين داخل المجتمع الإسلامي وبين ظهراني المسلمين فلا بد من تقدمة موجزة عن تعريف المجتمع الإسلامي.
تعريف المجتمع الإسلامي
المجتمع في اللغة
المجتمع أصله الفعل جمع، قال ابن فارس: الْجِيمُ وَالْمِيمُ وَالْعَيْنُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، يَدُلُّ عَلَى تَضَامِّ الشَّيْءِ. يُقَالُ جَمَعْتُ الشَّيْءَ جَمْعًا. وَالْجُمَّاعُ الْأُشَابَةُ مِنْ قَبَائِلَ شَتَّى(73) .
جَمَع الشيء عن تَفْرِقة جَمعا وجَمَّعه وأَجْمعَه فاجْتَمع، وتَجَّمع القوم: اجتمعوا من ها هنا وها هنا، وقَوْم جَمِيع: مجتمعون، والمَجْمَع: يكون اسماً للناس وللموضع الذى يجتمعون فيه(74) .
ومن اسماء الله تعالى: «الجامع» هو الذي يجمع الخلائق ليوم الحساب(75) .
المجتمع في الاصطلاح
للمجتمع في الاصطلاح عدة تعريفات أهمها:
أنه: «مجموعة من الأفراد والجماعات تربطهم وحدة الدين والثقافة والوطن، وما تتضمنه هذه الوحدة من علاقات متبادلة ومصالح مشتركة، وما ينشأ عن هذه العلاقات من عادات وأساليب ونظم للحياة، وغير ذلك من الجوانب والظواهر التي يشملها المجتمع في مفهومه الواسع الحديث»(76) .
ويعرف المجتمع الإسلامي خاصة بأنه: «تلك المجموعة من الناس الذين يقيمون بينهم حياة مشتركة، ويدينون بالإسلام عقيدةً وشريعةً وخلقاً»(77) .
وقد يعبر عن المظلة التي تجمع المسلمين بالدولة الإسلامية، وهو
اصطلاح جديد نسبياً ولم يجر استعماله في الفقه الإسلامي قديماً، عكس مصطلح «دار الإسلام»(78) الشائع في استعمالات الفقهاء، والدولة الإسلامية يعرفها البعض بأنها: البلد الذي يسود فيه الحكم الإسلامي، وتجري عليه أحكامه..(79)
فأساس المجتمع الإسلامي قائم على العقيدة الإسلامية، فهي التي توجِّه وتحكم العلاقات بين أبناء المجتمع، فيرتبطون بعرى الإسلام، وتزول من بينهم مظاهر العصبية والتفاخر بالأنساب والأحساب، إذ التقوى هي معيار التفاضل بين الناس في الدنيا والآخرة، وتبدو معالم وخصائص المجتمع في مراعاته للأخلاق الفاضلة وتمسُّكه بها، وبُعده عما سواها، وكذلك الترابط الأسري والاجتماعي، ويتضح أثر ذلك كله في علاقات الناس وعاداتهم اليومية، مما يجعل المجتمع الإسلامي نموذجاً مثالياً رفيع المستوى بين غيره من المجتمعات التي تحكمها عقائد فاسدة وأفكار من صنع العقل البشرى الناقص كالمجتمعات الغربية من شيوعية ورأسمالية.
أسس وضوابط في علاقة المسلمين بغيرهم في ضوء مقررات الشريعة(80)
الإسلام دين رحمة وعدل يسعى لهداية الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور. المسلمون مأمورون بدعوة غير المسلمين بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن قال الله تعالى: ﴿ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِۖ وَجَٰدِلۡهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ﴾ [النحل: 125]. الأصل في علاقات المسلمين بغيرهم هو السلم والمسامحة، ولا يغير العلاقة السلمية إلا ما يطرأ عليها من اعتداء غير المسلمين على نحو مباشر أو غير مباشر على حرية الدعوة. لاتخاذ سياسة مناسبة حيال كل موقف يتخذه الناس من دعوة الإسلام وأصحابها تقرر في الفقه الإسلامي تقسيم العالم إلى ثلاث ديار، دار الإسلام التي تشمل في الوقت الحاضر البلاد التي تقع تحت سلطان المسلمين، سواءً طبقت فيها أحكام الإسلام أولم تطبق، كذلك مناطق المسلمين التي تقع تحت سلطان غير المسلمين ما داموا يستطيعون إقامة حكم من أحكام الإسلام بأمان مثل الشعائر والأحوال
الشخصية، ودار العهد وهي البلاد التي يتخذ أهلها موقفاً مسالماً من دعوة الإسلام والمسلمين، وتتمثل في الوقت الحاضر في أغلب دول العالم؛ لما بينها وبين دول العالم الإسلامي من عهد الأمان، ودار الحرب وهي التي يتخذ أهلها موقفاً محارباً من دعوة الإسلام والمسلمين. يفرق المسلمون بين أنواع الكفار في المعاملة، فيسالمون من سالمهم ويحاربون من حاربهم ويجاهدون من وقف عائقاً دون نشر رسالة الإسلام وتحكيمه في الأرض. الثابت من ناحية العقيدة عدم إكراه غير المسلمين على اعتناق الإسلام بأي وجه من الوجوه، مع وجوب عرضه عليهم دعوة وتبليغاً، وتمكينهم من ممارسة تعاليم دينهم، وعدم سب ما يعبدون، على أن لا يمسوا بالشعور العام. موقف المسلمين من غير المسلمين في مسألة الحب والبغض القلبي مبني على مقررات عقدية، ولكن عدم الحب القلبي لا يعني إباحة الظلم بأي حال من الأحوال؛ فلا يجوز لمسلم أن يظلم غير المسلم المسالم، فلا يعتدي عليه ولا يخيفه ولا يرهبه ولا يسرق ماله ولا يختلسه ولا يبخسه حقه ولا يجحد أمانته ولا يمنعه أجرته ويؤدي إليه ثمن البضاعة إذا اشتراها منه وربح المشاركة إذا شاركه. لا يمانع المسلمون من التعاون مع غير المسلمين في إحقاق الحق وإبطال الباطل ونصرة المظلوم ورد الأخطار عن البشرية.
من الضروري التزام المسلمين في علاقاتهم الإنسانية مع غيرهم بالمبادئ الخلقية الثابتة الواضحة، والتي من أهمها: التكريم والرحمة والعدل والمساواة والمعاملة بالمثل والتمسك بالفضيلة والحرية والتسامح والتعاون والوفاء. تتسع مجالات التعامل الاجتماعي بين المسلمين وغيرهم فيما لا يمس باعتزاز المسلمين بأحقية دينهم، وتميز عبوديتهم وأخلاقهم وشخصياتهم الإسلامية، ولا يمثل سبيلاً لغير المسلمين عليهم فإن ذلك من الولاء المحرم، ويرغب المسلمون في تقديم ما يدعم حسن المعاملة والمعايشة مع غيرهم من الصلة والعطاء المالي والمعنوي، كما يرغب في قبول هداياهم من الأشياء المباحة أصلاً، وتجوز الاستعانة بهم فيما يعود بالنفع على الطرفين، وتحل مأكولاتهم غير الذبيحة لشرك، ومشروباتهم إذا خلصت من مادة محرمة من الخمر والميتة والدم ولحم الخنزير وما يلحق به، وما أهل لغير الله تعالى به، واستعمال أدواتهم وأوانيهم بعد غسلها احتياطاً، وهناك أمور خاصة بأهل الكتاب لقربهم من الأسس الإيمانية الصحيحة وبالتالي إلى قلوب المسلمين، فتحل للمسلمين ذبيحتهم والمصاهرة مع نسائهم. المواطنة في الدول الإسلامية تتسع للمسلمين بإسلامهم وولائهم لجماعة المسلمين، وغير المسلمين بولائهم للدولة الإسلامية، والفريقان جميعاً يشكلان مجتمعاً إسلامياً يجريان حياتهم الاجتماعية على النظام العام الإسلام، وتنقطع المواطنة بما يعد خروجاً على جماعة المسلمين، بالارتداد عن الإسلام،
وتفضيل تقديم الولاء لدولة الحرب على دولة الإسلام بالنسبة للمسلمين، وبإعطاء الولاء لدولة الحرب، وهتك حرمات العهد بالنسبة لغير المسلمين. جميع المواطنين في الدولة الإسلامية مكرمون على حد سواء من حيث إنسانيتهم كوضع طبيعي ومنحة ربانية، وخضوع الجميع حكاماً ومحكومين للنظام العام الإسلامي، لا يخل بمبدأ الحرية الدينية التي يجب إعطاؤها لغير المسلمين بتمكينهم من ممارسة عباداتهم، وكل ما يلزمها من العناية بدور العبادة وتعاطي كل ما يعتقدون حله في دينهم، وتنظيم أحوالهم الشخصية، ويقف المسئولون في الدولة أمام الجميع موقف المسئولية عن توفير حقوقهم المشروعة. حقوق المواطنين في الدولة الإسلامية وجدت ضماناتها في صميم الدين الإسلامي، فتحظى باستقرارها في النفوس استقرار الإيمان بتعاليم الإسلام ذاتها، كما تحظى بالثبات بثبوت المقررات الشرعية التي لا تتبدل، وبتواصي المسلمين بعضهم بالتزام الواجب الديني في هذا الخصوص، وإزالة ما يعترض طريقه، ومصداقية ذلك محفوظة في مواقف العلماء والصالحين من أبناء الأمة طوال تاريخ التعايش بين المسلمين وغيرهم. المستأمنون هم غير المسلمين الذين لا يرغبون في الإقامة الدائمة في دار الإسلام، وفي تسميتهم بالمستأمنين إشعار بتأكيد توفر الأمان
لهم مدة إقامتهم فيها، ولا يقتصر ذلك على الحماية من ظلم المواطنين، بل أيضاً نصرتهم على من يحاربونهم من غير المسلمين، ما داموا داخل الوطن الإسلامي.
بين العقيدة والمواطنة (توافق أم تنافر؟)
المجتمع الإسلامي مجتمع يقوم على عقيدة وفكرة «أيديولوجية» خاصة منها تنبثق نظمه وأحكامه وآدابه وأخلاقه، هذه العقيدة أو الفكرة هي الإسلام، وهذا هو معنى تسميته «المجتمع الإسلامي» فهو مجتمع اتخذ الإسلام منهاجًا لحياته، ودستورًا لحكمه، ومصدرًا لتشريعه وتوجيهه في كل شئون الحياة وعلاقاتها فردية واجتماعية مادية ومعنوية محلية ودولية.
وإسلامية المجتمع الإسلامي وتحاكمه إلى الشريعة لا يعني بحال رفض الآخر، إن المجتمع المسلم لا يحكم بالفناء على جميع العناصر التي تعيش في داخله وهي تدين بدين آخر غير الإسلام، إنه يقيم العلاقة بين أبنائه المسلمين وبين مواطنيهم من غير المسلمين على أسس وطيدة من التسامح والعدالة والبر والرحمة وهي أسس لم تعرفها البشرية قبل الإسلام وقد عاشت قرونًا بعد الإسلام وهي تقاسي الويل من فقدانها، ولا تزال إلى اليوم تتطلع إلى تحقيقها في المجتمعات الحديثة، فلا تكاد تصل إليها في مجتمع ما وفي وقت ما إلا غلب عليها الهوى والعصبية وضيق الأفق والأنانية وجرتها إلى صراع دام مع المخالفين في الدين أو المذهب
أو الجنس أو اللون(81)
من هنا أقر الإسلام لغير المسلمين المقيمين في مجتمعه حق المواطنة، والناظر إلى مجتمع المدينة إبان الهجرة النبوية يجد أنه حوى مجموعة من الأصناف والاتجاهات الدينية والعرقية ذات التنوع العقدي والثقافي، فهناك المسلمون المهاجرون منهم والأنصار، واليهود بشتى بطونهم، وبعض مجموعات من النصارى، وبعض بقايا المشركين، علاوة على فتات من المنافقين المتسترين بالإسلام.
وعندما تمت الهجرة وجدنا النبي صلى الله عليه وسلم استطاع أن يضع آلية للتعامل مع الجميع تحت مظلة الإسلام وتم إدراج هذه الآلية نظرياً فيما عرف بصحيفة المدينة والتي نظمت الحقوق والواجبات بين هذه الاتجاهات والأعراق المختلفة، وقد احتوت تلك الصحيفة على سبعة وأربعين بنداً كانت مثلاً أعلى في تقرير وتأصيل حق الوطن والمواطنة.
كما تضمنت تلك الصحيفة قضايا المواطنة وحقوق المواطنين وواجباتهم مع الاتفاق على إنشاء تحالف عسكري بين جميع طوائف المدينة ضد الأعداء، ومنع أي تعاون مع المشركين ضد المسلمين. وفيما يلي عرض لبعض بنود تلك الصحيفة وبخاصة فيما يتعلق بوضع غير المسلمين في دولة الإسلام الناشئة، ونظرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إليهم:
وإنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم..
وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم مواليهم وأنفسهم، إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ(82) إلا نفسه وأهل بيته.
وإن ليهود بني النجار وبنى الحارث وبني ساعدة... مثل ما ليهود بني عوف، وإن بطانة يهود كأنفسهم..
وإن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وإن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم، وإنه لم يأثم امرؤ بحليفه، وإن النصر للمظلوم، وإن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة، وإن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم، وإنه لا تجار حرمة إلا بإذن أهلها(83) .
لقد بينت هذه الصحيفة حقوق الوطن والمواطنة، وأرست مبدأ الوطنية المبنية على العدل والحق والمساواة، وهذا ما يسمى الآن بدستور البلاد، وكشفت عن نظرة النبي صلى الله عليه وسلم لغير المسلمين في مجتمعه
الناشئ، تلك النظرة التي أورثها آله وأصحابه وأصبحت فيما بعد قاعدة في تعاملهم مع غير المسلمين في مجتمع الإسلام.
إن هذه الصحيفة بحق لهي إعلان حق ودستور عدل، ومثل أعلى في شرف المواطنة وحق الوطن، وتقرير حقوق المواطنين جميعاً مسلمين وغير مسلمين على أساس واضح من المساواة والنصرة والتكافل بكل معانيه وأشكاله.
صور من آداب تعامل الآل والأصحاب مع غير المسلمين
قبل عرض صور ونماذج وشواهد من روائع وبدائع آداب تعامل الآل والأصحاب مع غير المسلمين فلا بد من بيان شيء في غاية الأهمية ألا وهو:
الآل والأصحاب امتداد لعهد ونهج النبي صلى الله عليه وسلم
لحق النبي صلى الله عليه وسلم بربه بعد أن أكمل الله به الدين وأتم به النعمة، وترك آله وأصحابه على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، وكانوا رضي الله عنهم خير جيل لخير مربٍ، فقاموا من بعده بالأمر خير قيام في كل شئون الحياة، وساروا على نهجه وسَننه غير مفرطين ولا مبدلين، وبخاصة في مجال علاقتهم بغير المسلمين، فكانت علاقتهم بغير المسلمين في مجتمعهم خير بيان وتأكيد على مدى تمكُّن تعاليم دينهم ونبيهم في قلوبهم، فكانوا في علاقتهم بهم متبعين سيرته مقتدين بهداه، وكان عهدهم امتداداً لعهده صلى الله عليه وسلم، فأولوهم من الرعاية والعناية ما يضمن
لهم حياة كريمة، وحفل تراثهم بصورٍ من سماحة الإسلام في معاملة غير المسلمين، هذه المعاملة الحسنة التي جعلت غالب المؤرخين يجمعون على عظمة الإسلام والمسلمين في التعامل مع غير المسلمين، ومدى ما تمتع به غير المسلمين من مكانة طيبة في الحياة الإسلامية.
وفيما يلي بيان صور ونماذج من آداب تعامل الآل والأصحاب مع غير المسلمين المقيمين في المجتمع الإسلامي وبين ظهراني المسلمين، لنتلمس جوانب العظمة في سيرتهم ومسيرتهم رضوان الله عليهم، ولنرد على كل من تسول له نفسه اتهام هذا الجيل بسوء علاقته بغير المسلمين المقيمين معهم.
ونقصد بالتعامل هنا العلاقات الاجتماعية بشتى صورها بين الآل والأصحاب من جهة وغير المسلمين المقيمين في المجتمع الإسلامي من جهة أخرى.
التسامح معهم: (العنوان الأكبر والميدان الأرحب)
التسامح في اللغة هو اللين والتساهل، وحسن الخلق، ولين الجانب، وأصل مادته في اللغة يدل على الليونة والسلاسة، قال ابن فارس: السين والميم والحاء أصل يدل على سلاسة وسهولة(84) . وقال الجوهري: والمُسامحة: المُساهلة. وتسامحوا: تساهلوا(85) .
والتسامح في الاصطلاح لا يخرج كثيراً عن المعنى اللغوي، جاء في التعريفات الفقهية: المُسَامَحة: هي المساهلُة والموافقة على المطلوب والصفحُ عن الذنب(86) .
والمسامحة ليست نوعاً واحداً كما قد يتبادر إلى بعض الأذهان، وإنما هي أنواع وفيها تفصيل وبيان، وإن كان مدارها على الليونة والسلاسة.
فقسم العلماء المسامحة إلى نوعين: المسامحة في العقود وفي الحقوق. فأما العقود فهو أن يكون فيها سهل المناجزة، قليل المحاجزة مأمون الغيبة بعيدا من المكر والخديعة.
وأما الحقوق فتتنوع المسامحة فيها نوعين: أحدهما في الأحوال، والثاني في الأموال. فأما المسامحة في الأحوال فهو إطراح المنازعة في الرتب وترك المنافسة في التقدم. فإن مشاحة النفوس فيها أعظم والعناد عليها أكثر، فإن سامح فيها ولم ينافس كان مع أخذه بأفضل الأخلاق..
وأما المسامحة في الأموال فتتنوع ثلاثة أنواع: مسامحة إسقاط لعدم، ومسامحة تخفيف لعجز، ومسامحة إنكار لعسرة، وهي مع اختلاف أسبابها تفضل مأثور وتآلف مشكور(87) .
والتسامح هو: القلب النابض لحياة طيبة ونفس زكية خالية من التعقيد والاضطراب، عنوانها نبذ التطرف وحب الخير
للغير.
إنه ثورة على العصبيات الزائفة والعنف المقيت، ودعوة إلى التعايش الإيجابي بين البشر جميعاً في جو من الإخاء والتسامح بين كل الناس بصرف النظر عن أجناسهم وألوانهم ومعتقداتهم عن طريق قبول الآخرين المختلفين — أياً كان اختلافهم — أو عدم منع الآخرين من أن يكونوا آخرين، أو إكراههم على التخلي عن آخريتهم.
وقد حفلت السنة النبوية بكثير من الأحاديث الداعية إلى التسامح، فروى أحمد في المسند بسنده عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اسمح يسمح لك(88) .
والمعنى كما قال المناوي: أي عامل الخلق الذين هم عيال الله وعبيده بالمسامحة والمساهلة يعاملك سيدهم بمثله في الدنيا والآخرة(89) .
وفي الحديث يقول الله تعالى: أَسْمِحُوا لِعَبْدِي كَإِسْمَاحِهِ إِلَى عَبِيدِي(90) . أي تساهلوا معه كتساهله مع غيره.
وفي البخاري من حديث جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «رَحِمَ اللهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ، وَإِذَا اشْتَرَى، وَإِذَا اقْتَضَى»(91) .
وسمحاً هنا أي جواداً ليناً متساهلاً يوافق على ما طلب منه عند
البيع والشراء والاقتضاء أي طلب الذي له على غيره.
إن التسامح وفق المنظور الإسلامي بجانب كونه فضيلة أخلاقية، وضرورة مجتمعية، وسبيل لضبط الاختلافات وإدارتها، فهو نوع من أنواع الإحسان إلى النفوس التي جُبلت على حب من أحسن إليها؛ لأن التسامح يؤدي إلى المحبة والتآلف ونبذ العنف والتنافر؛ ولذا قال بعض الحكماء: من عاشر إخوانه بالمسامحة دامت له موداتهم(92) .
وهو خلق بذله مرغوب للجميع، حتى لغير المسلمين، يقول ابن الوزير: وأما المخالفة والمنافعة وبذل المعروف وكظم الغيظ وحسن الخلق وإكرام الضيف ونحو ذلك، فيستحب بذله لجميع الخلق، إلا ما كان يقتضي مفسدة كالذلة فلا يبذل للعدو في حال الحرب(93) .
وجانب التسامح مع غير المسلمين والإحسان إليهم من الجوانب المضيئة في حضارتنا الإسلامية ومن الصفحات المشرقة في سجل تاريخنا الإسلامي وتراث الآل والأصحاب ومن تلاهم الزاخر بالمآثر والمفاخر والذي نعتز به، هذا الجانب الذي يشهد بأن الإسلام دين الرحمة والإحسان والعدالة والإنصاف.
ولعل من أعظم صور هذا التسامح الإسلامي الدعوة إلى الإيمان بجميع الأنبياء دون تفريق بين نبي ونبي، فكلهم جاءوا بدعوة واحدة ورسالة واحدة وهدف واحد.
قال تعالى: ﴿ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّن رُّسُلِهِۦۚ وَقَالُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۖ غُفۡرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ﴾ [البقرة: 285].
وحول هذا المعنى يقول صلى الله عليه وسلم: «أنا أولى الناس بابن مريم، والأنبياء أولاد عَلَّاتٍ، ليس بيني وبينه نبي»(94) .
— كما أرشد الإسلام إلى أن الاختلاف بين أهل الأديان لا يمنع من حُسن التعامل معهم، وتبادل المنافع المادية بينهم قال تعالى: ﴿ٱلۡيَوۡمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُۖ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ حِلّٞ لَّكُمۡ وَطَعَامُكُمۡ حِلّٞ لَّهُمۡۖ وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ إِذَآ ءَاتَيۡتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحۡصِنِينَ غَيۡرَ مُسَٰفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِيٓ أَخۡدَانٖۗ وَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلۡإِيمَٰنِ فَقَدۡ حَبِطَ عَمَلُهُۥ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ﴾ [المائدة: 5].
ويضاف إلى معالم التسامح الإسلامي إيلاء الإسلام غير المسلمين المقيمين في دولته عناية خاصة تظهر أولى معالمها من وصفه إياهم بأنهم أهل الذمة، أي أهل العهد والضمان، عهد الله وعهد رسوله وعهد جماعة المسلمين.
وقد حرص الإسلام على أن ينعموا في ظله بحياة طيبة كريمة، كان شعارها ودثارها الرحمة، كما حرص النبي صلى الله عليه وسلم على أمنهم ورعايتهم والتسامح معهم، وعدم الإساءة إليهم أو انتقاص حقوقهم، فهو القائل: من ظلم معاهَداً، أو انتقصه حقاً، أو كلَّفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئاً بغير طِيب نفسٍ، فأنا حَجِيجُهُ — أي خصمه — يوم القيامة(95) .
وفي علاقة المسلمين بغيرهم أيضاً سنّ النبي صلى الله عليه وسلم بوحيٍ من ربه قوانين السماح والتجاوز، التي لم تعهد في عالم مليء بالتعصّب والتغالي.. فلم يتّجه فكره إلى رسم سياسة للإبعاد أو المصادرة والخصام، بل قبِل — عن طيب خاطر — وجود غير المسلمين في مجتمعه، وعرض عليهم أن يعاهدهم معاهدة الند للند، على أن لهم دينهم وله دينه(96) .
وكانت الضمانة الحقيقة لهذا
التسامح مع غير المسلمين هي المنظومة الأخلاقية والسلوكية، التي شرعها الدين الإسلامي وحث المسلمين على التزامها والتعامل بها مع الجميع وبخاصة المخالفين عقدياً وجعلها سمة شخصيتهم الخاصة والعامة، وكان الآل والأصحاب في طليعة الملتزمين بها على ما سيوضحه البحث.
ولم يكن التسامح هذا مجرد شعار لا حظَّ له في واقع الناس، فقد أكدته الممارسات العملية للنبي صلى الله عليه وسلم وآله وأصحابه، وصحيفة المدينة شاهدة على ذلك، والتي أرسيت فيها دعائم المواطنة وتقبُّل الآخر واحتواؤه في مجتمع أقر نظامه بالتعددية الدينية.
وها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة يقف أمامه خصومه
أذلاء صاغرين وكان بإمكانه أن ينال منهم معتبة أو لوم، ولكنه أعمل عفوه وتسامحه مع من يخالفونه عقدياً، بل من حاربوه وأذاقوه وأصحابه شتى ألوان الأذى، فقال لهم: أقول كما قال يوسف: ﴿لَا تَثۡرِيبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡيَوۡمَۖ يَغۡفِرُ ٱللَّهُ لَكُمۡۖ وَهُوَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾ [يوسف: 92](97) ومعنى لا تثريب أي: لا توبيخ، ولا لَوْم، ولا ذِكْر لذنوبكم(98)
وقد أجاد الآل والأصحاب الاقتداء بنبيهم صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر — وغيره — واستعمال هذا الخُلق بكل أنواعه ومشتملاته مع الجميع، فشملوا بتسامحهم إخوانهم في الإسلام وإخوانهم في الإنسانية، وحتى الحيوانات العجماوات كان لها نصيب وافر من رحمتهم وتسامحهم، حيث كانت حياتهم عليهم الرضوان مسرحاً لكثير من ألوان التسامح مع أهل ملتهم، أو من ساكنهم وجاورهم من غير ملتهم، فلم ينبذوهم أو يعزلوهم عن الحياة اليومية لمجرد أنهم على غير ملتهم(99) .
وليس المجال هنا مجال استقصاء لكل من انصرف إليهم تسامح الآل والأصحاب، وإنما يعنينا هنا تسامح الآل والأصحاب مع غير المسلمين، باعتباره محور بحثنا، ومرتكز عملنا.
ولا شك أن المعاملة الطيبة والكريمة التي لاقاها غير المسلمين من الآل والأصحاب ومن تلاهم كان لها صدى عريض في آفاق الأرض
وجنبات التاريخ جعلتهم يهرعون إلى هذا الدين الذي ربى أتباعه على هذا التسامح الفريد والعجيب.
ويبدو أن الإسلام هو المنهج الوحيد الذي يسمح بقيام مجتمع عالمي، لا عزلة فيه بين المسلمين وأصحاب الديانات الكتابية ولا حواجز بين أصحاب العقائد المختلفة، التي تظلها راية المجتمع الإسلامي. فيما يختص بالعشرة والسلوك(100) .
وهذا ما أقر به غير المسلمين، يقول المستشرق لويس يونغ: إن أشياء كثيرة لا يزال على الغرب أن يتعلمها من الحضارة الإسلامية منها نظرة العرب المتسامحة(101) .
وصور تسامح الآل والأصحاب مع غير المسلمين كثيرة، نورد بعضها هنا إجمالاً على هيئة عناوين، تاركين التفصيل لمظانه من البحث، ومن هذه الصور:
حرية التدين وعدم إكراه غير المسلمين على الإسلام. صيانة وحماية أنفسهم وأموالهم وأعراضهم. الرحمة والبر بهم. إسقاط الجزية عن فقيرهم وعمن أسلم منهم. تأمينهم عند
العوز والفقر. الوفاء بعهدهم. العدل معهم والمساواة بينهم وبين غيرهم. حرية ممارسة شعائرهم والاحتفال بمناسباتهم الدينية. التعاون معهم على الخير والبر. التعامل معه بيعاً وشراء ورهناً... الخ مشاركتهم أفراحهم وأتراحهم. لُبس ثيابهم وأكل طعامهم والتزوج من نسائهم. الدعاء لهم وفق ضوابطه الشرعية. التهادي إليهم ومنهم...
وسنأتي على تفصيل هذه الأمور وغيرها في صفحات بحثنا، باعتبار أن التسامح مع غير المسلمين هو الواجهة الرئيسة والعنوان الأبرز في تعامل المسلمين بعموم مع مخالفيهم، والآل والأصحاب بصفة خاصة، لدرجة أن كثيراً من العلماء والباحثين عنونوا به مؤلفاتهم في علاقة المسلمين بغيرهم، مثل: الشيخ محمد الغزالي في كتابه الماتع: التعصب والتسامح بين المسيحية والإسلام، و د. محمد الصادق عرجون في موسوعته: سماحة الإسلام، و د. أحمد الحوفي في مؤلفه: سماحة الإسلام، و د. عبد العظيم المطعني في مؤلفه: سماحة الإسلام في الدعوة إلى الله، و د. عبد الله اللحيدان في مؤلفه: التسامح
في الإسلام، والشيخ صالح الحصين في مؤلفه: التسامح والعدوانية بين الإسلام والغرب، و د. عبد العزيز الربيعة في مؤلفه: صور من سماحة الإسلام، و د. شوقي أبو خليل في مؤلفه: التسامح في الإسلام المبدأ والتطبيق... الخ.
الآل والأصحاب رواة أحاديث الوصاية بأهل الذمة والتسامح معهم
أسانيد متصلة برحمات منسدلة
من شواهد حسن معاملة الآل والأصحاب لغير المسلمين أنهم أنفسهم رواة أحاديث الوصاية بأهل الذمة والتسامح معهم، وفيما يلي إيراد نتف من هذه الأحاديث مع إظهار رواتها من آل البيت والصحابة.
* قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من قتل معاهداً لم يَرح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاماً » .
روي من حديث عبد الله بن عمرو(102) .
* « ألا من قتل نفساً معاهداً له ذمة الله وذمة رسوله، فقد أخفر بذمة الله، فلا يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين خريفاً » .
روي من حديث أبي هريرة بألفاظ متقاربة(103) .
* « من قتل نفسًا معاهدةً بغير حقّها؛ لم يَرح رائحة الجنة، وإن ريح الجنّة ليوجد من مسيرة مائة عام » .
روي من حديث أبي هريرة(104) ، وأبي بكرة؛ نُفَيْعِ بْنِ الْحَارِثِ(105) .
* « مَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُعَاهَدَةً بِغَيْرِ حَقِّهَا، فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ أَنْ يَشُمَّ رِيحَهَا » .
روي من حديث أبي بكرة(106) .
* « من قتل نفسا معاهدة بغير حقها لم يجد رائحة الجنة، وإن رائحتها توجد من مسيرة خمسمائة عام » .
روي من حديث أبي بكرة(107) .
* قَالَ صلى الله عليه وسلم : « أَلَا مَنْ ظَلَمَ مُعَاهِدًا، أَوِ انْتَقَصَهُ، أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ، أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ، فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ » .
روي عن صفوان بن سُلَيْمٍ، عَنْ عِدَّةٍ من أبناء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن آبائهم دِنْيَةً(108) : «من ظلم معاهَداً مقراً بذمته، مودياً لجزيته، كنت خَصمه يوم القيامة».
روي من حديث عبد الله بن جراد(109) .
وفي مسند الفردوس من حديث عمر مرفوعاً: «أَنَا خَصْمٌ يِوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ الْيَتِيمِ وَالْمُعَاهِدِ، وَمَنْ أُخَاصمُهُ أَخْصِمُهُ» انتهى(110) .
«أَتَتْنِي أُمِّي رَاغِبَةً، في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فسألتُ النبي صلى الله عليه وسلم: آصِلُهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ» قال ابن عيينة: فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِيهَا: ﴿لَّا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ﴾» [الممتحنة: 8].
روي من حديث أسماء بنت أبي بكر(111) .
«أَوْصَى رسول الله عند وفاته فقال: «اللهَ اللهَ فِي قِبْطِ مِصْرَ، فإنكم
سَتَظْهَرُونَ عليهم، ويكونون لكم عِدَّةً، وأعواناً في سبيل الله».
روي من حديث أم سلمة(112) .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنكم ستفتحون مصر، وهي أرض يُسمى فيها الْقِيرَاطُ، فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها، فإن لهم ذمَّة ورَحِماً» أو قال: «ذمَّة وصِهراً».
روي من حديث أبي ذر(113) .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا مَلَكْتُمُ الْقِبْطَ فأحسِنوا إليهم، فإن لهم ذمَّة، وإن لهم رحِماً». قال معْمر: فقلت للزهري: يعني أمَّ إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: لا، بل أمَّ إسماعيل.
روي من حديث كعب بن مالك(114) .
حرية الاعتقاد والتدين: (لا إكراه في الدين)
الإسلام لا يكره أحداً على اعتناقه، وما يرضى المسلمون أن يكون العالم كله على دينهم بالإكراه والعنف، إن مسلماً واحداً مؤمناً بدينه
عن قناعة وتبصُّر لهو خير من آلافٍ مؤلفة من المسلمين المكرَهين.
والقرآن الكريم دستور المسلمين الخالد يقرر مبدأ حرية الاعتقاد في آيات بينات منها:
يقول الله تعالى: ﴿لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشۡدُ مِنَ ٱلۡغَيِّ﴾(115) .
ويقول تعالى: ﴿وَقُلِ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَن شَآءَ فَلۡيُؤۡمِن وَمَن شَآءَ فَلۡيَكۡفُرۡۚ﴾(116) .
ويقول تعالى: ﴿فَذَكِّرۡ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٞ٢١ لَّسۡتَ عَلَيۡهِم بِمُصَيۡطِرٍ﴾(117) .
ويقول تعالى: ﴿وَلَوۡ شَآءَ رَبُّكَ لَأٓمَنَ مَن فِي ٱلۡأَرۡضِ كُلُّهُمۡ جَمِيعًاۚ أَفَأَنتَ تُكۡرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤۡمِنِينَ﴾(118) .
فهذه النصوص القرآنية تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن مبدأ الإكراه على اعتناق الإسلام مبدأ مرفوض إسلامياً، وأن حرية العقيدة مكفولة للجميع، شريطة أن تصل إليهم الدعوة الإسلامية نقية واضحة، ثم بعد ذلك من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.
فليس لأحدٍ بمقتضى هذه النصوص الربانية المحكمة أن يُكره الناس على دخول الإسلام إكراهاً، ولكن يدعوهم بالحجة النيرة والكلام السديد الحسن، فإن أسلموا عن طواعية واقتناع كان خيراً
وبركةً، وإن أبوا إلا المكث على دينهم المنزَّل من السماء تركوا وشأنهم طالما لم يعتدوا على المسلمين.
يقول ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِۖ..﴾ أي لا تكرهوا أحداً على الدخول في دين الإسلام، فإنه بيّن واضح، جلي دلائله وبراهينه، لا يحتاج إلى أن يكره أحداً على الدخول فيه، بل من هداه الله للإسلام، وشرح صدره، ونوَّر بصيرته، دخل فيه علي بينة، ومن أعمى الله قلبه وختم على سمعه وبصره، فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرَهاً مقسوراً(119) .
وأكد ابن تيمية هذا المعنى متحدياً أن يثبت مدع أن رسول الله أكره أحداً على الإسلام لا ممتنعاً ولا مقدوراً عليه، مقرراً أنه لا فائدة في إسلام مثل هذا، لكن من أسلم قُبل منه ظاهر الإسلام(120) .
وعلى هذا المبدأ العظيم سار سيد الآل والأصحاب نبينا صلى الله عليه وسلم طيلة حياته، فلم تؤثر عنه حالة واحدة أكره فيها أحداً من غير المسلمين على اعتناق الإسلام، كما جاء في كتابه صلى الله عليه وسلم إلى أهل اليمن: «ومن كره الإسلام من يهودي ونصراني، فإنه لا يُحوَّل عن دينه، وعليه الجزية..»(121) .
وعلى هذا أيضاً سار آله وأصحابه من بعده، فلم يكرِهوا غيرهم
على اعتناق دينهم، ولم يفرضوه عليهم فرضاً بالقوة والإكراه؛ لأنهم يعلمون يقيناً أن من هذا حاله لا يفيده الدخول في الدين مكرَهاً مقسوراً.
ولقد روى زيد بن أسلم عن أبيه قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول لعجوز نصرانية: أسلمي أيتها العجوز تسلمي، إن الله بعث محمداً بالحق، قالت: أنا عجوز كبيرة والموت إليَّ قريب، فقال عمر: اللهم اشهد، وتلا: لا إكراه في الدين(122) .
وعن أبي هلال الطائي، عن أُسَّقَ، قال: كنت مملوكاً لعمر بن الخطاب وأنا نصراني، فكان يعرض علي الإسلام ويقول: «إنك لو أسلمت استعنت بك على أمانتي، فإنه لا يحل لي أن أستعين بك على أمانة المسلمين ولست على دينهم، فأبيت عليه، فقال: لا إكراه في الدين، فلما حضرته الوفاة أعتقني وأنا نصراني وقال: اذهب حيث شئت..»(123) .
وفي الأثرين الأخيرين عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب دلالة على إحكام آية: ﴿لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِۖ﴾، وردّ على من زعم أنها نزلت في وقت ضعف المسلمين، وأنها منسوخة، إذ النسخ يتضمن رفع حكم شرعي ثبت بدليل شرعي، فلا يصح هذا الرفع والنسخ إلا بدليل معتبر شرعاً.
وكما يقول الشاطبي: «إن الأحكام إذا ثبتت على المكلف، فادعاء النسخ فيها لا يكون إلا بأمر محقق، لأن ثبوتها على المكلف أولاً محقق، فرفعها بعد العلم بثبوتها لا يكون إلا بمعلوم محقق.. فلا ينبغي قبول تلك الدعوى فيه إلا مع قاطع بالنسخ، بحيث لا يمكن الجمع بين الدليلين، ولا دعوى الإحكام فيهما»(124) .
كما أن تاريخ الفتوحات الإسلامية التي خاضها الآل والأصحاب ومن عاصرهم خير شاهد على حرية التدين التي منحها المسلمون الفاتحون وبخاصة الآل والأصحاب بوازع من دينهم لغير المسلمين، حيث إنه لا توجد فيه أدنى صورة على الإكراه والقسر على الدخول في الإسلام، ولا يوجد فيه ولو حتى مثال واحد لأناس اعتنقوا الإسلام تحت وطأة الإكراه أو التعذيب، إنه صورة حية للتسامح والرحمة.
جاء في كتاب عمر لأهل إيلياء: هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان، أعطاهم أمانا لأنفسهم وأموالهم، ولكنائسهم وصلبانهم، وسقيمها وبريئها وسائر ملتها، أنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم، ولا ينتقص منها ولا من حيزها، ولا من صليبهم، ولا من شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم.
وشهد على ذلك من الصحابة خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص،
وعبد الرحمن بن عوف، ومعاوية بن أبي سفيان(125)
وفي كتاب عتبة بن فرقد عامل عمر بن الخطاب لأهل أذربيجان: هذا ما أعطى عتبة بن فرقد، عامل عمر بن الخطاب أمير المؤمنين أهل أذربيجان — سهلها وجبلها وحواشيها وشفارها وأهل مللها — كلهم الأمان على أنفسهم وأموالهم ومللهم وشرائعهم(126) . . وإعطاؤهم الأمان على مللهم وشرائعهم دليل على حرية البقاء على دينهم ومعتقدهم.
ولما فُتحت نَهَاوَنْد، وأصاب المسلمون سبايا من سبايا اليهود، أقبل رأس الجالوت يفادي سبايا اليهود، ودار بينه وبين عبد الله بن سلام كلام طويل دعاه من خلاله عبد الله بن سلام إلى الإسلام قائلاً له: إنه والله لهو النبي الذي تجدونه في كتابكم، قال: فقال لي: كيف أصنع باليهود؟ قال: قلت له: إن اليهود لن يغنوا عنك من الله شيئا، قال: فغلب عليه الشقاء وأبى أن يسلم(127) .
إن الرجل أقرَّ بصدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، إلا أنه أبى أن يسلم، ولو جاز إكراه أحد على الإسلام لأكره هذا وأضرابه باعتبار علمهم بالحق، إلا أن الرواية ناطقة بغير ذلك، وفيها: «فغلب عليه الشقاء وأبى أن يسلم»، هكذا دون إكراه أو تخويف.
إن المسلمين حينما فتحوا البلاد لم يتدخلوا قط في شئون دينها،
ولم يرغموا أحداً قط على تغيير عقيدته، ولم يثبت التاريخ واقعة واحدة أُكره فيها أحد على الإسلام، فالسيف لا يفتح قلباً.
قال الإمام محمد بن الحسن الشيباني تلميذ الإمام أبي حنيفة: «لم ينقل عن النبي — صلى الله عليه وسلم — ولا عن أحد من خلفائه ؛ أنه أجبر أحداً من أهل الذمة على الإسلام... وإذا أُكره على الإسلام من لا يجوز إكراهه كالذمي والمستأمن فأسلم؛ لم يثبت له حكم الإسلام حتى يوجد منه ما يدل على إسلامه طوعاً؛ مثل أن يثبت على الإسلام بعد زوال الإكراه عنه، وإن مات قبل ذلك فحكمه حكم الكفار، وإن رجع إلى دين الكفر لم يجز قتله ولا إكراهه على الإسلام.. ولنا أنه أُكره على ما لا يجوز إكراهه عليه، فلم يثبت حكمه في حقه، كالمسلم إذا أكره على الكفر، والدليل على تحريم الإكراه قول الله تعالى: ﴿لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِۖ﴾ [البقرة: 256]»(128) .
وهذا ما شهد به حتى أعداء الإسلام، والحق ما شهدت به الأعداء كما يقال.
يقول توماس آرنولد: «لم نسمع عن أية محاولة مدبرة لإرغام غير المسلمين على قبول الإسلام أو عن أي اضطهاد منظم قصد منه استئصال الدين المسيحي»(129) .
وعليه فالإكراه على اعتناق الإسلام مرفوض رفضاً تاماً في شريعة
الإسلام، إذ أن العقيدة محلها القلب ولا تستطيع أية قوة أن تغير ما استقر في القلب إلا بالحجة والإقناع والمنطق، وهذا لا يكون إلا بالرفق وعن طريق الحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن.
بل إن حسن معاملة الآل والأصحاب لأهل البلاد المفتوحة، والسلوك الحميد الذي مارسوه معهم، مع إقرارهم على مبدأ التسامح والحرية الدينية، وممارسة ذلك عملياً، كان من أسباب سرعة انتشار الإسلام في فترة وجيزة من الزمن، وذلك مضافاً إلى العوامل الذاتية التي توافرت في الإسلام من حيث وضوح العقيدة الإسلامية وبساطتها وسهولة شعائرها وتعاليمها وسماحة مبادئها(130) .
إن الإسلام جاء رحمة للعالمين، وجاء ليحرر الرقيق لا ليشرع الرق، وما عرف الإسلام الإكراه على عقيدته، ولا أقر إبادة الشعوب وما عرفها، وما قاتل أتباعه إلا الجنود في ميادين المعارك.
حرية ممارسة شعائرهم: (بِيع حاضرة وكنائس عامرة)
حرية غير المسلمين في ممارسة شعائر دينهم أمر نابع وتابع لحرية التدين التي كفلها الإسلام لغير المسلمين في مجتمعه، وبالأخص أهل الكتاب، ولا يعقل بحال أن يقر الإسلام التعددية الدينية ويغلق الباب على مظاهرها وآثارها.
بل إنه ورد في السنة أن أهل الكتاب أدوا صلاتهم في المسجد
بمحضر النبي صلى الله عليه وسلم، والذي أقرهم على فعلهم، وأمر أصحابه بتركهم.
فروي أنه لما قدم وفد نجران على رسول الله — صلى الله عليه وسلم — دخلوا عليه مسجده بعد صلاة العصر، فحانت صلاتهم، فقاموا يصلون في مسجده، فأراد الناس منعهم، فقال رسول الله — صلى الله عليه وسلم: «دعوهم» فاستقبلوا المشرق، فصلّوا صلاتهم»(131) .
ويعلق ابن القيم على هذه الحادثة بقوله: ففيها: جواز دخول أهل الكتاب مساجد المسلمين، وفيها: تمكين أهل الكتاب من صلاتهم بحضرة المسلمين وفي مساجدهم أيضاً إذا كان ذلك عارضاً، ولا يمكنون من اعتياد ذلك(132) .
وبناء عليه، فلغير المسلمين (أهل الكتاب) حرية ممارسة شعائرهم دون نكير من أحد، وما يُشاهد من وجود بِيَع وكنائس غير المسلمين إلا شواهد على حرية ممارسة الشعائر التي منحها الإسلام لهم، باعتبار أن جل هذه الشعائر تمارس فيها، وهذا ما نجده واضحاً في العهود التي بذلها المسلمون لغيرهم، وبخاصة تلك التي عقدت لهم إبان الخلافة الراشدة.
كتب عمر إلى أبي عبيدة في وصيته له عند فتح الشام: وأما إخراج الصلبان في أيام عيدهم؛ فلا تمنعهم من ذلك خارج المدينة، بلا رايات ولا بنود على ما طلبوا منك يوماً من السنة... (يقول أبو يوسف): فأذن
لهم أبو عبيدة في يوم من السنة وهو يوم عيدهم الذي في صومهم، فأما في غير ذلك اليوم فلم يكونوا يخرجون صلبانهم. فما كان من الصلح الذي صالحوا عليه أهله فإن بيعهم وكنائسهم تركت على حالها ولم تهدم ولم يتعرض لهم فيها فهذا ما كان بالشام بين المسلمين وأهل الذمة(133)
وجاء في كتاب عمر لأهل إيلياء: هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان، أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم، ولكنائسهم وصلبانهم، وسقيمها وبريئها وسائر ملتها، أنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم، ولا ينتقص منها ولا من حيزها، ولا من صليبهم، ولا من شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم..
وشهد على ذلك من الصحابة خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاوية بن أبي سفيان(134) .
وجاء في عهد خالد بن الوليد لأهل عانات: أن لا يهدم لهم بَيْعَة ولا كنيسة، وعلى أن يضربوا نواقيسهم في أي ساعة شاءوا من ليل أو نهار إلا في أوقات الصلوات، وعلى أن يخرجوا الصُّلبان في أيام عيدهم(135) .
في عهد الخليفة المعتصم العباسيّ أمر أحد قواده بجلد إمام ومؤذن؛
لأنهما اشتركا في هدم معبد من معابد المجوس، لتستخدم أحجاره في بناء مسجد مكانه!
ويلحق به إقرارهم على ما يعتقدون حِله وإن خالف شريعتنا (كشرب الخمر وأكل الخنزير..) طالما التزموا دفع الجزية، وجاء في المبسوط من كتب الحنفية ما يفيد إقرار الخلفاء لهذا الأمر.
فقد كتب عمر بن عبد العزيز إلى الحسن البصري — رضي الله عنهما — ما بال الخلفاء الراشدين تركوا أهل الذمة، وما هم عليه من نكاح المحارم، واقتناء الخمور والخنازير، فكتب إليه: إنما بذلوا الجزية؛ ليُتركوا، وما يعتقدون، وإنما أنت متَّبع ولست بمبتدع، والسلام(136) .
التخلق بأخلاق الإسلام عند حربهم: (أخلاق لا يعدمها صليلُ السيوف)
من دلائل تسامح الآل والأصحاب وعدلهم مع المخالفين المحاربين التخلق معهم بالأخلاق النبيلة وعدم معاملتهم بالمثل، التزاماً منهم بدينهم الذي حثهم على التمسك بالأخلاق مع غير المسلمين حتى في أحلك الظروف وأقساها، ألا وهي ظروف الحرب، فإذا كان الإسلام أباح الحرب كضرورة من الضرورات، حماية للمسلمين وتأميناً لطريق الدعوة، فإنه جعلها مقدرة بقدرها؛ فلا يقتل إلا من يقاتل في المعركة، وأما من تجنَّب الحرب من غير المسلمين فلا يحل قتله أو
التعرض له بحال.. وقد فرض الإسلام حظراً كاملاً على اللجوء إلى الأساليب غير الإنسانية التي كانت تتبع في الحروب في جزيرة العرب وسواها قبل الإسلام، وليس أدل على ذلك من التوجيهات والتوصيات التي أصدرها النبي الكريم والخلفاء الراشدون من بعده(137)
ولعل من أول هذه التوجيهات:
الدعوة إلى الإسلام قبل الحرب: (الدعوة رسالة كل وقت)
إن طريق الدعوة إلى الإسلام إذا كان مفتوحاً خالياً من العقبات والسدود فلا مجال للجهاد، فليس من اهتمامات الإسلام إزهاق الأرواح، وبعثرة الدماء ونثر الأشلاء، إنما هو سلم لمن سالم وحرب على من حارب، أما إذا أقيمت الحدود والسدود، والموانع والحوائل فإنه يكون الجهاد، ولكنه جهاد الملتزم بتعاليم دينه والمنضبط بأوامر شرعه، فلا جهاد قبل دعوة وإعلان، وتخييرٍ وبيان.
والمقصود بالدعوة إلى الإسلام قبل الحرب، أي دعوة المحاربين إلى الدخول في الإسلام، وتخييرهم بين ثلاث: إما الإسلام أو الجزية أو القتال.
ومبدأ الدعوة إلى الإسلام قبل القتال مبدأ إسلامي أصيل طبَّقه النبي بنفسه وأوصى به آله وأصحابه، مرسِّخاً إياه في قلوبهم، ومنبهاً لهم أن يكونوا فيه قدوة لمن بعدهم من المسلمين الفاتحين.
روى أحمد في مسنده عن ابن عباس قال: ما قاتل رسول الله قوماًَ قط إلا دعاهم(138) .
ولما أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم الراية لعلي يوم خيبر أوصاه قائلاً: «اُنْفُذْ على رِسْلِكَ حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم، فوالله لأَنْ يَهْدِيَ الله بك رجلاً، خيرٌ لك من أن تكون لك حُمْرُ النَّعم»(139) .
وعن بُرَيْدَةَ قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمَّر أميراً على جيش، أو سرية، أوصاه في خاصته بتقوى الله، ومن معه من المسلمين خيراً، ثم قال: «اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلُّوا، ولا تغدروا، ولا تمثِّلوا، ولا تقتلوا وليداً، وإذا لقيت عدوك من المشركين، فادعهم إلى ثلاث خِصال أو خِلال فَأَيَّتُهُنَّ ما أجابوك فاقبل منهم، وكفَّ عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك، فاقبل منهم، وكفَّ عنهم، ثم ادعهم إلى التحوّل من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين، فإن أَبَوْا أن يتحولوا منها، فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا
مع المسلمين، فإن هم أَبَوْا فَسَلْهُمْ الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم، فإن هم أَبَوْا فاستعن بالله وقاتلهم...»(140)
إنه قد بات واضحاً من خلال ما سبق أن المسلمين قبل أن يخوضوا أي حرب لا بد لهم من دعوة تسبق القتال، حيث يدعون من سيقاتلونهم إلى إحدى ثلاث — كما مرَّ معنا —: الإسلام، أو الجزية، أو القتال.
فإن أسلموا فهم إخوة في الدين لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، وصاروا من نسيج المسلمين ولحمتهم، وإن اختاروا الحرب فليكن لهم ما اختاروه شريطة أن تراعى آداب الحرب.
أما إن اختاروا عدم خوض الحرب مع البقاء على دينهم فلهم ما اختاروه فالإسلام لا يتعطش للدماء، ولكن في هذه الحال عليهم أن يدفعوا الجزية كإقرارٍ ضمني بانضوائهم تحت سلطان المسلمين من جهة، ومن جهةٍ أخرى كمقابل لحماية المسلمين لهم.
بقول المولى تعالى: ﴿قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ ٱلۡحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ حَتَّىٰ يُعۡطُواْ ٱلۡجِزۡيَةَ عَن يَدٖ وَهُمۡ صَٰغِرُونَ﴾(141) .
وقد التزم الآل والأصحاب بهذا النهج النبوي، وطبقوه مع مخالفيهم ممن ناصبوهم العداء، جاء في كتاب خالد بن الوليد لأهل الحيرة:
«هذا كتاب من خالد بن الوليد لأهل الحيرة، أن خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق رضي الله عنه أمرني أن أسير بعد منصرفي من أهل اليمامة إلى أهل العراق من العرب والعجم بأن أدعوهم إلى الله جل ثناؤه، وإلى رسوله عليه الصلاة والسلام وأبشرهم بالجنة وأنذرهم من النار؛ فإن أجابوا فلهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين، وإني انتهيت إلى الحيرة فخرج إلي إياس بن قبيصة الطائي في أناس من أهل الحيرة من رؤسائهم، وإني دعوتهم إلى الله وإلى رسوله فأبوا أن يجيبوا فعرضت عليهم الجزية أو الحرب، فقالوا: لا حاجة لنا بحربك؛ ولكن صالحنا على ما صالحت عليه غيرنا من أهل الكتاب في إعطاء الجزية»(142) .
والإسلام بهذا يوضح لأتباعه حقيقة رسالتهم وأنهم أصحاب رسالة وحملة أمانة وعليهم ألا ينسوا هذا حتى وهم في أحلك ظروفهم.
النهي عن استخدام الوسائل الشنيعة في الحروب مع غير المسلمين: (لا لجرائم الحرب)
إذا لم تُجد الدعوة ولم يتقبلها خصوم الإسلام، ولم يختاروا من إحدى البدائل الأخرى، وتحديداً الجزية، يكون عندها القتال، وهنا يدخل المسلمون مرحلة أخرى لها قيمها وآدابها وأخلاقها، فليست كل وسيلة مباحة، وليس كل مخالف حلال الدم، فالغاية في الإسلام لا تبرر الوسيلة. إن الإسلام لا يأمر أتباعه بالتشفي والانتقام، بل يأمرهم بأن يدافعوا عن أنفسهم وينتصروا لمبادئهم دون أن يخرجوا عن حدود إنسانيتهم.
إن تعاليم الإسلام تأبى الوحشية المروعة، فلا دفن على قيد الحياة، ولا إحراق بالنار، ولا سحق للعظام، ولا تمثيل بالجثث.
إن الإسلام بهذا يرسم لأتباعه الهدف من القتال وهو أن يكون في سبيل الله، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَقَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ وَلَا تَعۡتَدُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ﴾(143) .
والطريقة المثلى لتحقيق هذا الهدف هو أن يقاتلوا الذين يرفعون السلاح ويشتركون في الحرب ولا يجب أن يتجاوزهم القتال إلى غيرهم من النساء والصغار والشيوخ ويلحق بهم الرهبان الذين حبسوا أنفسهم في الصوامع.
يقول ابن كثير مفسراً هذه الآية السابقة: أي قاتلوا في سبيل الله ولا تعتدوا في ذلك ويدخل في ذلك ارتكاب المناهي، كما قاله الحسن البصري: من المثلة والغلول وقتل النساء والصبيان والشيوخ، الذين لا رأي لهم ولا قتال فيهم، والرهبان وأصحاب الصوامع، وتحريق الأشجار، وقتل الحيوان لغير مصلحة، كما قال ذلك ابن عباس وعمر بن عبد العزيز ومقاتل بن حيان وغيرهم(144) .
وبمعنى أشمل أمر الإسلام أتباعه حال الحرب بعدة أمور منها:
— تجنب الغدر والغلول.
— تجنُّب المُثلة والإحراق بالنار.
تجنُّب قتل الضعفاء
«الأطفال والنساء والشيوخ».
— عدم التعرض للرهبان وأصحاب الصوامع.
— عدم قطع الشجر والنخل.
— تجنب قتل الحيوان إلا لمصلحة.
وتعاليم الشريعة ووصايا النبي وآله وأصحابه في الحرب خير دليلٍ على ذلك.
فكان من وصاياه صلى الله عليه وسلم لأمراء جيشه ومن معهم: «اغْزُوا وَلَا تَغْدِرُوا وَلَا تَغُلُّوا وَلَا تَمْثُلُوا وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا...»(145) .
— وثبت عنه صلى الله عليه وسلم نهيه عن المُثلة(146) .
ولما مرَّ صلى الله عليه وسلم في إحدى غزواته على امرأة مقتولة قد اجتمع عليها الناس، قال مغضباً مستنكراً ما رآه: ما كانت هذه تقاتل فيمن يقاتل، ثم قال لرجل: انطلق إلى خالد بن الوليد فقل له: إن رسول الله يأمرك يقول: لا تقتلن ذرية
ولا عسيفاً(147)
وعلى هذا النهج سار آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وبين أيدينا نماذج من وصايا الخلفاء الراشدين لأمراء جيوشهم والتي تأمرهم بهذه الأخلاق النبيلة:
فها هو أبو بكر يوصي أسامة بن زيد وجيشه لما أرسله إلى الشام قائلاً: لا تخونوا ولا تغلوا، ولا تغدروا ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلاً صغيراً، ولا شيخاً كبيراً ولا امرأة، ولا تعقروا نخلاً ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرا إلا لمأكلة، وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع، فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له، وسوف تقدمون على قوم يأتونكم بآنية فيها ألوان الطعام، فإذا أكلتم منها شيئاً بعد شيء فاذكروا اسم الله عليها، وتلقون أقواماً قد فحصوا أوساط رءوسهم وتركوا حولها مثل العصائب، فاخفقوهم بالسيف خفقاً اندفعوا باسم الله، أفناكم الله بالطعن والطاعون(148) .
ولما خرج يزيد بن أبي سفيان إلى الشام على رُبع من الأرباع أوصاه أبو بكر بقوله: يا يزيد إنكم سَتَقدمون بلاداً تؤتون فيها بأصنافٍ من الطعام فسمُّوا الله على أولها واحمدوه على آخرها، وإنكم ستجدون أقواماً قد حبسوا أنفسهم في هذه الصوامع فاتركوهم وما حبسوا له أنفسهم، وستجدون أقواماً قد اتخذ الشيطان على رؤوسهم مقاعد، يعني الشمامسة، فاضربوا تلك الأعناق، ولا تقتلوا كبيراً هرماً ولا امرأةً ولا وليداً، ولا تخربوا عُمراناً، ولا تقطعوا شجرة إلا لنفع، ولا تعقرنَّ بهيمة إلا لنفعٍ، ولا تحرقن نخلاً ولا تُغرقنَّه، ولا
تَغدر، ولا تُمثِّل، ولا تَجبُن، ولا تغلُلُ، ولينصرن الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز(149)
إن وصية أبي بكر الصِّدِّيق لجيشه هذه لم تكن ناتجة عن اجتهاده الشخصي، وإنما هي وصية نابعة من تعاليم الإسلام التي هذَّبت النفوس ووضعت القواعد والأسس التي تنظم كل شئون الحياة وعلى رأسها شئون الحرب.
فإذا كان الإسلام أباح الحرب كضرورة من الضرورات فإنه يجعلها مقدرة بقدرها؛ فلا يقتل إلا من يقاتل في المعركة، وأما من تجنَّب الحرب فلا يحل قتله أو التعرض له بحال.. وقد فرض الإسلام حظراً كاملاً على اللجوء إلى الأساليب غير الإنسانية التي كانت تتبع في الحروب في جزيرة العرب وسواها قبل الإسلام، وليس أدل على ذلك من التوجيهات والتوصيات التي أصدرها النبي الكريم والخلفاء الراشدون من بعده(150) .
إن المسلمين الفاتحين آلاً وأصحاباً عندما خرجوا من بلادهم خرجوا يريدون نشر الإسلام وإيصال نوره للعالمين، وتحركو ا بتعاليم جهادهم، ففتحوا بلاداً شاسعة ودانت لهم شعوب وأمم؛ لأنهم كانوا يسيرون في تعاملهم معهم وفق تعاليم الشريعة القائمة على العدل والرحمة والحق والنصفة، وهذا ما شهد لهم به أعداؤهم.
الحق ما شهدت به الأعداء
لقد شهد بسمو أخلاق المسلمين الفاتحين في الحروب كثير ممن لا ينتمي للإسلام في القديم والحديث، والحق ما شهدت به الأعداء.
فها هم نصارى حمص يخاطبون جيش المسلمين بقيادة أبي عبيدة لما بلغهم قدوم جيش هرقل قائلين لهم: لَولايتكم وعدلكم أحب إلينا مما كنَّا فيه منَ الظلم والغشم، ولندفعن جند هرقل عن المدينة مع عاملكم(151) .
وفي العصر الحديث يقول غوستاف لوبون في كتابه حضارة العرب متحدثاً عن سرّ انتشار الإسلام في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وفي عصور الفتوحات من بعده:
فالحق أن الأمم لم تعرف فاتحين راحمين متسامحين مثل العرب، ولا ديناً سمحاً مثل دينهم(152) .
ويقول فون كريمر: كان العرب المسلمون في حروبهم مثال الخلق الكريم، فحرَّم عليهم الرسول قتل الرهبان والنساء والأطفال والمكفوفين، كما حرَّم عليهم تدمير المزارع وقطع الأشجار، وقد اتبع المسلمون في حروبهم هذه الأوامر بدقةٍ متناهيةٍ، فلم ينتهكوا الحرمات، ولا أفسدوا المزارع، وبينما كان الروم يرمون بالسهام المسمومة فإنهم لم يبادلوا أعداءهم جرماً بجرم، وكان نهب القرى وإشعال النار قد درجت عليه
الجيوش الرومانية في تقدمها وتراجعها، أما المسلمون فقد احتفظوا بأخلاقهم المثلى فلم يحاولوا من هذا شيئاً(153)
فانظر معي أخي القارئ إلى هذه الأقوال التي صدرت من أناس لم يعتنقوا الإسلام ولكنهم درسوا التاريخ الإسلامي، ولم يستطيعوا أن يخفوا إعجابهم الشديد به، فانبرت كتاباتهم تثني على الإسلام وتاريخه الناصع، وتدفع عنه أي ريبة قد يلحقها به الآخرون، مع أن هؤلاء القوم لم يدخلوا الإسلام ولم ينصفوه في كل جوانبه، إلا أنهم ما جرأوا أن يخفوا حقيقة الفتوحات الإسلامية التي حمل لواءها ثلة كريمة وكوكبة عظيمة من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عليهم سحائب الرحمة وشآبيب المغفرة.
التعاون معهم على الخير والنفع: (قلوب مُضيئة وأياد وضيئة)
الاختلاف بين أهل الأديان لا يمنع من التعاون معهم على الخير والنفع، وحسن التعامل معهم، وتبادل المنافع المادية فيما بينهم، انطلاقاً من مبدأ وحدة الأصل، أو الأخوة الإنسانية الذي أقرته النصوص الدينية قرآناً وسنة لغير المسلمين، قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٞ﴾ [الحجرات: 13].
وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:.. أَنْتُمْ بَنُو آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ(154) .
وفي خطب حجة الوداع قال نبينا صلى الله عليه وسلم: كُلُّكُمْ لِآدَمَ، وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ، وَأَكْرَمُكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ(155) .
إن وحدة الأصل في منظور الإسلام تقتضي التعاون بين الناس جميعاً على الخير والبر؛ لأن التعاون ركيزة من ركائز بناء المجتمع الصالح ولحمة الصلة التي تربط بين أفراد المجتمع فلا تدع واحداً منهم — أيا كان معتقده — يشذّ أو يترك كلبنة لم تشد إلى أختها فتصبح معرضة في أي لحظة إلى السقوط والانهيار.
فوجَّه الدعوة إلى المسلمين خاصة وإلى سائر الناس عامة قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ﴾ [المائدة: 2].
ففي الآية السابقة يأمر تعالى عباده المؤمنين بالمعاونة على فعل الخيرات وهو البر، وترك المنكرات وهو التقوى وينهاهم عن التناصر على الباطل والتعاون على المآثم والمحارم(156) .
إن هذا النص القرآني يعد هو الأساس في هذا الباب، وما سواه
تابع له، والتعاون في صورته الأسمى إنما هو نابع من مادة الأخوة الإنسانية وفرع عنها.
إن الإسلام لا يكف لحظة واحدة عن مدِّ يده لمصافحة أتباع كل ملة وكل نحلة في سبيل التعاون على إحقاق الحق، وإقامة العدل، وبث الفضيلة، وكفِّ الرذيلة، ونشر الأمن، وصيانة الدماء أن تسفك، وحماية الحرمات أن تُنتهك.
إن المخالفة في العقيدة لا تستوجب مجانبة التعاون على البر، والتكاتف على النفع والخير، يشهد له مشاركة النبي صلى الله عليه وسلم في حلف الفضول قبل المبعث بعشرين سنة، وثناؤه عليه قائلاً: «لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفاً لو دعيت به في الإسلام لأجبت، تحالفوا أن يردوا الفضول على أهلها، وألا يعز ظالم مظلوماً»(157) .
وهذا الحلف من مكارم قريش الكبرى، إذ كان حلفاً على نصرة المظلوم.
وفي صحيفة المدينة أقر صلى الله عليه وسلم مبدأ التعاون مع غير المسلمين المقيمين في المدينة، ومن جملة ما ورد فيها:
وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وإن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم، وإنه لم يأثم امرؤ بحليفه، وإن النصر
للمظلوم، وإن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة، وإن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم، وإنه لا تجار حرمة إلا بإذن أهلها(158)
وفي صلح الحديبية قال صلى الله عليه وسلم: والله لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألوني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها(159) .
وعلى هذا الدرب سار الآل والأصحاب الكرام، فلم يجدوا حرجاً أبداً في أن يتعاونوا مع غير المسلمين على تحقيق خير أو إبرام نفع.
يشهد لذلك عهود الصلح التي أبرمها الآل والأصحاب مع أهل البلدان التي افتتحوها، والتي تنص على مكارم الأخلاق وفضائل السجايا.
ومما حوته تلك العهود من معالم التعاون على الخير والبر:
التعاون في قِرى الضيف، وإطعام الجائع، وتأمين الخائف، وإرشاد ابن السبيل، وكفالة المعوز وإعانة المحتاج، ونشر العدل وقمع الظلم(160) .
الحوار المتبادل معهم: (حوار مآثر ومفاعلة مشاعر)
لعل الحوار المتبادل مع غير المسلمين من لوازم التعاون المقصود،
فلا تعاون مشترك بغير حوار راق، سواء أكان هذا الحوار لمصلحة دينية أم مجتمعية.
ولقد أقرت الشريعة الإسلامية مبدأ الحوار القائم على احترام الآخرين — سواء أكان لدعوتهم إلى الإسلام أم لغير ذلك من المقاصد النبيلة — بل ودعت إليه حتى مع أهل الكتاب القاطنين دولة الإسلام باعتبار أنهم لحمة من المجتمع أو النسيج الوطني لا يصح التنكر لها.
قال تعالى: ﴿قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ كَلِمَةٖ سَوَآءِۢ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمۡ أَلَّا نَعۡبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشۡرِكَ بِهِۦ شَيۡٔٗا وَلَا يَتَّخِذَ بَعۡضُنَا بَعۡضًا أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِۚ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقُولُواْ ٱشۡهَدُواْ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ٦٤ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَمَآ أُنزِلَتِ ٱلتَّوۡرَىٰةُ وَٱلۡإِنجِيلُ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِهِۦٓۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ﴾ [آل عمران: 64 — 65].
والآيات وإن كانت عامة تشمل أهل الكتاب في دولة الإسلام وغيرهم، إلا أن تعلقها بأهل الكتاب في دولة الإسلام أولى وآكد، لقربهم من المسلمين ومشاركتهم في نسيج الدولة، وعليه فحاجة المسلمين إلى فتح آفاق للحوار معهم أشد وأوثق.
وقد حفلت السنة النبوية بنماذج رائعة من الحوار الفاعل والسديد والقائم على إرادة الخير في الدين والدنيا، وبذل النصح، مع تقدير الآخرين واحترامهم وإعطاء كل ذي حق حقه، والاعتراف بمنزلته ومقامه.
وروي أنه لما فتحت نَهاوند(161) وأصاب المسلمون
سبايا من سبايا اليهود، أقبل رأسُ الجالوت(162) يفادي سبايا اليهود، ودار بينه وبين عبد الله بن سلام كلام طويل دعاه عبد الله بن سلام من خلاله إلى الإسلام قائلاً له: إنه والله لهو النبي الذي تجدونه في كتابكم، قال: فقال لي: كيف أصنع باليهود؟ قال: قلت له: إن اليهود لن يغنوا عنك من الله شيئاً، قال: فغلب عليه الشقاء، وأبى أن يسلم(163)
ويشهد لهذا أيضا ذلكم الحوار الذي أجراه علي بن أبي طالب مع رأس الجالوت وأسقف النصارى.
عن أبي الصهباء البكري، قال: سمعت علي بن أبي طالب، وقد دعا رأس الجالوت وأسقف النصارى، فقال: إني سائلكم عن أمر وأنا أعلم به منكما، فلا تكتماني يا رأس الجالوت، أنشدتك الله الذي أنزل التوراة على موسى وأطعمكم المن والسلوى، وضرب لكم في البحر طريقاً، وأخرج لكم من الحجر اثنتي عشرة عيناً، لكل سبط من بني إسرائيل عين إلا ما أخبرتني على كم افترقت بنو إسرائيل بعد موسى؟ فقال له: ولا فرقة واحدة، فقال له علي ثلاث مرار: كذبت والله الذي
لا إله إلا هو لقد افترقت على إحدى وسبعين فرقة، كلها في النار إلا فرقة، ثم دعا الأسقف فقال: أنشدك الله الذي أنزل الإنجيل على عيسى وجعل على رحله البركة وأراكم العبرة فأبرأ الأكمه وأحيا الموتى، وصنع لكم من الطين طيوراً، وأنبأكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم، فقال: دون هذا أصدقك يا أمير المؤمنين، فقال: على كم افترقت النصارى بعد عيسى من فرقة؟ فقال: لا والله ولا فرقة، فقال ثلاث مرات: كذبت، والله الذي لا إله إلا هو لقد افترقت على اثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة، فأما أنت يا يهودي فإن الله يقول: ﴿وَمِن قَوۡمِ مُوسَىٰٓ أُمَّةٞ يَهۡدُونَ بِٱلۡحَقِّ وَبِهِۦ يَعۡدِلُونَ﴾ [الأعراف: 159] فهي التي تنجو، وأما أنت يا نصراني فإن الله يقول: ﴿مِّنۡهُمۡ أُمَّةٞ مُّقۡتَصِدَةٞۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ سَآءَ مَا يَعۡمَلُونَ﴾ [المائدة: 66] فهي التي تنجو، وأما نحن فيقول: ﴿وَمِمَّنۡ خَلَقۡنَآ أُمَّةٞ يَهۡدُونَ بِٱلۡحَقِّ وَبِهِۦ يَعۡدِلُونَ﴾ [الأعراف: 181] وهي التي تنجو من هذه الأمة(164)
ونُسب إلى علي الرضا بن موسى (الكاظم) حواراً أجراه مع رأس الجالوت ممثل الطائفة اليهودية في خلافة المأمون، ظهر فيه مدى رقي العبارات، وعفة الألفاظ، وأدب الحديث، مع كونها مناظرة مع رأس اليهود(165) .
لذا فحري بكل حوار داع للوصول للحق ومبتغ لنهضة حقيقية أن يرتشف من رحيق هذه الأمثلة وأن يقتدي بهؤلاء الكرام.
حرمة وصيانة أنفسهم وأعراضهم وأموالهم (مخالفة لا مجاحفة)
وردت كثير من النصوص في حرمة أنفس وأعراض ودماء غير المسلمين، ووجوب صيانتهم وحمايتهم ضد من يريد إيذاءهم من داخل مجتمع الإسلام أو من خارجه، ورتبت على من أذاهم من المسلمين عقوبات شديدة رادعة لكل من تسول له نفسه النيل منهم، والإخفار بذمة الله ورسوله والمسلمين فيهم، وروى الآل والأصحاب عن رسولهم كثيراً من الروايات في هذا الصدد كما سبق بيانه.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من قتل معاهداً لم يَرح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاماً»(166) . وفي رواية: «من مسيرة سبعين خريفاً»(167) . وفي رواية: «من مسيرة مائة عام»(168) .
فهذه النصوص وغيرها إحدى وسائل الصيانة والحماية التي أقرها الإسلام لغير المسلمين في مجتمعه، والحماية المقصودة هنا تشمل الحماية الخارجية من الأعداء، والحماية الداخلية من الظلم والأذى بأنواعه وصولاً إلى إزهاق النفس.
وهذا الحق
ثابت لرعايا الدولة الإسلامية من غير المسلمين (أهل الذمة) بموجب عقد الذمة الذي ألزمهم بالجزية وألزم جماعة المسلمين بحمايتهم في النفس والعرض والمال وغيرها.
قال القرافي: إن عقد الذمة يوجب حقوقاً علينا لهم؛ لأنهم في جوارنا وفي خفارتنا وذمة الله تعالى وذمة رسوله — صلى الله عليه وسلم — ودين الإسلام فمن اعتدى عليهم ولو بكلمة سوء أو غيبة في عرض أحدهم أو نوع من أنواع الأذية أو أعان على ذلك فقد ضيع ذمة الله تعالى وذمة رسوله — صلى الله عليه وسلم — وذمة دين الإسلام.
وكذلك حكى ابن حزم في مراتب الإجماع له: أن من كان في الذمة وجاء أهل الحرب إلى بلادنا يقصدونه وجب علينا أن نخرج لقتالهم بالكراع والسلاح ونموت دون ذلك صونا لمن هو في ذمة الله تعالى وذمة رسوله — صلى الله عليه وسلم — فإن تسليمه دون ذلك إهمال لعقد الذمة وحكى في ذلك إجماع الأمة فقد يؤدي إلى إتلاف النفوس والأموال صوناً لمقتضاه عن الضياع إنه لعظيم(169) .
وجاء في مطالب أولي النهى: يجب (على الإمام حفظهم)، أي: أهل الذمة، (ومنع من يؤذيهم)، لأنهم بذلوا الجزية على ذلك، (وفك أسراهم)، لأنهم جرت عليهم أحكام الإسلام، وتأيد عقدهم فلزمه ذلك كما يلزمه للمسلمين(170) .
وقال ابن قدامة: وإذا عقد الذمة، فعليه حمايتهم من المسلمين وأهل الحرب وأهل الذمة؛ لأنه التزم بالعهد حفظهم(171) .
ولقد أعطى النبي صلى الله عليه وسلم نماذج رائعة في تقرير حق حماية وصيانة أنفس وأعراض وأموال غير المسلمين المقيمين في مجتمع الإسلام وبين ظهراني المسلمين، وبخاصة الحماية الداخلية من الظلم والانتقاص، فهو القائل: من ظلم معاهداً أو انتقصه حقاً أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفس فأنا حجيجه — أي خصمه — يوم القيامة(172) .
وإيذاء الذمي أو المعاهد وأخذ ماله بغير حق وانتهاك عرضه قولاً أو فعلاً هو من ظلمه بلا ريب.
وروى البخاري بسنده عن عبد الله بن عمرو: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من قتل معاهداً لم يَرح رائحة الجنة وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاماً(173) .
وجاء في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لأهل نجران ما يفيد حماية وصيانة أنفسهم وأموالهم، ففيه:
ولنجران وحاشيتها جِوَارُ اللهِ وَذِمَّةُ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأَرْضِهِمْ وَمِلَّتِهِمْ وَغَائِبِهِمْ وَشَاهِدِهِمْ وَعَشِيرَتِهِمْ وَبِيَعِهِمْ وَكُلِّ مَا تَحْتَ أَيْدِيهِمْ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ.(174) .
وفي فتح خيبر يروي خالد بن الوليد قائلاً: غزوتُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبرَ، فأتت اليهود فَشَكَوْا أن الناس قد أسرعوا إلى حظائرهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا لا تحل أموال المعاهَدين إلا بحقِّها..»(175) .
وعلى نهجه الكريم صلى الله عليه وسلم سار آله وأصحابه مقتدين بهديه ومتمسكين بسنته، مقرين بواجب حماية غير المسلمين في النفس والعرض والمال، متعاملين معهم على هذا الأصل.
فروي عن صَعصَعة بن معاوية: أنه سأل ابن عباس، فقال: إنا نصيب في الغزو من أموال أهل الذمة الدجاجة والشاة، قال: فتقولون ماذا؟ قال: قالوا: نقول: ليس علينا بأس في ذلك، قال: هذا كما قال أهل الكتاب: ﴿لَيۡسَ عَلَيۡنَا فِي ٱلۡأُمِّيِّۧنَ سَبِيلٞ﴾ [آل عمران: 75]، إنهم إذا أدُّوا الجزية لم تحل لكم أموالهم إلا بِطِيبِ أنفسهم(176) .
وعن عبد الرحمن، مولى سعد بن أبي وقاص قال: أَوَيْنَا ليلة أنا وسعد إلى حائط فيه نخل، عليها أحمالها، وفي غير هذا الحديث إلى حائط رجل من أهل الذمَّة، فقال لي سعد: «أيسرك أن تكون مسلماً فلا تأكل منها شيئاً؟» قال: فبتنا جَائِعَيْنِ، فلما أصبحنا أعطاني درهماً، فاشتريت به تمراً وعلفاً لدوابنا، قال: وجئت في العلف بِسُنْبُلٍ، فقال لي سعد: «من أين لك ذا؟» قلت: من خلال الزرع، قال: «لا تعلفه دوابنا، واعلِفه دابة الدِّهقان»(177) .
وعن طلحة بن مُصَرِّفٍ أنَّ خالد بن الوليد قال: «لا تمش ثلاث خطى لِتُؤَمَّرَ على ثلاثة نفر، ولا لِتَرْزَأَ معاهَداً إبرة فما فوقها، ولا تَبْغِ أمام المسلمين غائلة»(178) .
وعن عثمان بن أبي العاتكة، أن عُبادة بن الصامت، مرَّ بقرية من قُرى الغُوطة، فأمر غلاماً أن يقطع له سِواكاً من صَفْصَافٍ على نَهْرِ بَرَدَى، فمضى، ثم قال: «ارجع، فإنه إلا يكُن بثمن فإنه سَيَيْبَسُ فيعود حطبا بثمن»(179) .
وعن خالد بن يزيد بن أبي مالك، عن أبيه، قال: كان المسلمون بِالْجَابِيَةِ وفيهم عمر بن الخطاب، فأتاه رجل من أهل الذمة يخبره أن الناس قد أسرعوا في عنبه، فخرج عمر حتى لقي رجلاً من أصحابه، يحمل تُرْسًا عليه عنب، فقال له عمر: وأنت أيضاً؟ فقال: يا أمير المؤمنين أصابتنا مجاعة، فانصرف عمر فأمر لصاحب الكَرْم بقيمة عِنَبه(180) .
وكما صان الإسلام أنفس وأموال غير المسلمين في مجتمعه فقد صان كذلك أعراضهم، فلا يحل قذفهم بحال من الأحوال، روي في الكافي عن عمر بن عجلان، قال: كان لأبي عبد الله جعفر بن محمد (الصادق) صديق لا يكاد يفارقه، فقال يوماً لغلامه: يا ابن الفاعلة، أين كنت؟! فرفع أبو عبد الله يده فصكّ بها جبهة نفسه، ثمّ قال: سبحان الله
تقذف أُمّه، قد كنت أرى أنّ لك ورعاً، فإذا ليس لك ورع، قال: جُعلتُ فداك إنّ أمّه سِنْدِيَّة مشركة، فقال: أما علمتَ أنّ لكلّ أُمّة نكاحاً، تنحّ عني؟!، فما رأيته يمشي معه حتّى فرّق بينهما الموت(181)
إن الرواية تنسب للإمام جعفر الصادق دفاعه عن أعراض غير المسلمين، وكان دفاعاً عن أُمّ مشركة، فكيف لو حدث هذا الأمر مع أهل الذمّة داخل المجتمع الإسلامي؟.
إن ما سبق إيراده من تراث الآل والأصحاب شواهد ناطقة على حرمة أنفس وأموال وأعراض أهل الذمة، احتراماً لآدميتهم ووفاء بعهدهم، وإذا ثبتت حرمة ما سبق فلا بد من واجب الحماية شأنهم شأن المسلمين.
وروي عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الأودي عَنْ عُمَرَ — رضي الله عنه — في وصيته حين حضرته الوفاة لمن يُستخلف بعده:... قال: وأوصيه بِذِمَّةِ اللهِ وَذِمَّةِ رسوله — صلى الله عليه وسلم — أَنْ يُوفَى لَهُمْ بعهدهم، وأن يُقَاتَلَ مِنْ ورائهم، ولا يُكَلَّفُوا فوق طاقتهم(182) .
وواضح هنا مدى عناية عمر ورعايته لأهل الذمة لدرجة أنه لم ينسهم حين حضرته الوفاة، بعد أن فعل فيروز فعلته الخسيسة الغادرة، إن الرجل ينازع الموت ويعاني آلامه وشدائده ومع ذلك يسمو على آلامه ويوصي من يأتي بعده جملة من الوصايا لا تخلو في جملتها من
الوصية بأهل الذمة خيراً، مذكراً من يُستخلف بعده بأنهم أهل ذمة الله وذمة رسوله أي عهد الله وعهد رسوله(183)
قال ابن حجر: ويستفاد من هذه الزيادة — يقصد: وَلَا يُكَلَّفُوا إِلَّا طَاقَتَهُمْ — أن لا يؤخذ من أهل الجزية إلا قدر ما يطيق المأخوذ منه(184) . وحمل العيني والقسطلاني وغيرهم هذه الجملة على أن لا يزيدوا على مقدار الجزية(185) .
وبلغ من شدة عناية عمر بأهل الذمة وحرصه على حمايتهم وأمنهم الاجتماعي أنه كان يتعهدهم بالسؤال عنهم، والفصل في أي شكاية ترد إليه منهم، ومنه سؤاله لوفد أتاه: لعل المسلمين يفضون إلى أهل الذمة بأذى وبأمور لها ما ينتقضون بكم! فقالوا: ما نعلم إلا وفاء وحسن ملكة(186) .
ولهذا روي عن علي — رضي الله عنه : إنما بذلوا الجزية لتكون أموالهم كأموالنا، ودماؤهم كدمائنا(187) .
وجاء في كتاب عمر إلى أبي عبيدة يوصيه بأهل الشام: فاضرب عليهم الجزية، وكفّ عنهم السبي، وامنع المسلمين من ظلمهم والإضرار بهم، وأكْل أموالهم إلا بحلِّها(188) .
وفي رواية أبي الجنوب الأسدي، قال: أتي علي بن أبي طالب رضي الله عنه برجل من المسلمين قتل رجلاً من أهل الذمة، قال: فقامت عليه البينة فأمر بقتله، فجاء أخوه فقال: إني قد عفوت، قال: فلعلهم هدَّدوك أو فرَّقوك أو فزَّعوك، قال: لا، ولكن قتله لا يرد علي أخي، وعوَّضوني فرضيت. قال: «أنت أعلم، منْ كَانَ لَهُ ذِمَّتُنا فَدَمُهُ كدمِنَا وديتُهُ كدِيَتِنَا»(189) .
ومن طرق الإمامية روي عن أبي جعفر محمد الباقر من رسالة له إلى أحد حكام بني أمية: مَن أقرَّ بالجزية لم يُتعدّ عليه، ولم تخفر ذمّته، وكُلّف دون طاقته(190) .
وفي العهود والمواثيق التي أجراها الآل والأصحاب مع غير المسلمين في البلاد التي افتتحوها نجد أن شرط حماية الأنفس — ويدخل فيها الأعراض — والأموال، والملل، قاسماً مشتركاً في هذه العهود طالما التزموا بدفع الجزية، ومن شواهد ذلك:
جاء في كتاب سراقة بن عمرو عامل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لأهل أرمينية: أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم وملتهم ألا يضاروا ولا ينتقضوا(191) .
وفي كتاب سويد بن مقرن إلى أهل دهستان وسائر أهل جرجان
في خلافة عمر، إن لكم الذمة، وعلينا المنعة، على أن عليكم من الجزاء في كل سنة على قدر طاقتكم.. ولهم الأمان على أنفسهم وأموالهم ومللهم وشرائعهم ولا يغير شيء من ذلك هو إليهم.. وشهد على ذلك سواد بن قطبة، وهند بن عمرو، وسماك بن مخرمة، وعتيبة بن النهاس(192)
وجاء في كتاب عمر لأهل إيلياء: هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان، أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم ، ولكنائسهم وصلبانهم، وسقيمها وبريئها وسائر ملتها، أنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم، ولا ينتقص منها ولا من حيزها، ولا من صليبهم، ولا من شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم..
وشهد على ذلك خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاوية بن أبي سفيان(193) .
وجاء في عهد خالد بن الوليد لأهل دمشق في خلافة عمر: هَذَا ما أعطى خَالِد بْن الوليد أهل دمشق إذا دخلها أعطاهم أمانا عَلَى أنفسهم وأموالهم وكنائسهم وسور مدينتهم لا يهدم ولا يسكن شيء من دورهم، لهم بذلك عهد الله وذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء والْمُؤْمِنِين، لا يعرض لهم إلا بخير إذا أعطوا الجزية(194) .
وفي كتاب عتبة بن فرقد عامل عمر بن الخطاب لأهل أذربيجان:
هذا ما أعطى عتبة بن فرقد، عامل عمر بن الخطاب أمير المؤمنين أهل أذربيجان سهلها وجبلها وحواشيها وشفارها وأهل مللها كلهم الأمان على أنفسهم وأموالهم ومللهم وشرائعهم.(195)
وحماية الأنفس الواردة في كتابات الصلح والعهد مع غير المسلمين يدخل فيها حماية أرواحهم وأعراضهم أيضاً، ولا يتصور أن يحمي الإسلام مال غير المسلم ويترك عرضه نهبة لكل ناهب، فالإسلام حمى عِرض الذمي وكرامته، كما حمى عِرض المسلم وكرامته، فلا يجوز لأحد أن يسبه أو يتهمه بالباطل، أو يشنع عليه بالكذب أو يغتابه، ويذكره بما يكره في نفسه، أو نسبه، أو خَلْقِه، أو خُلُقه أو غير ذلك مما يتعلق به.
ويضاف إليه أن حماية أموال غير المسلمين مسألة تابعة لحرية العمل والكسب والتملك التي أقرها لهم الإسلام، وحرص عليها النبي صلى الله عليه وآله وأصحابه.
فكون الشخص غير مسلم لا يعني استباحة أمواله بغير وجه حق، فغير المسلمين في مجتمع الإسلام أموالهم مصونة كأرواحهم؛ ولذا منح الإسلام غير المسلمين في مجتمعه حرية العمل والكسب، بما تقتضيه من حرية التملك، شأنهم في ذلك شأن المسلمين، وأموالهم مصونة بموجب عقد الذمة.
الرحمة والرفق بهم: (آفاق عريضة من الرحمة والرفق)
الرحمة والرفق كما لا يخفى من القيم الأخلاقية الوجدانية التي تثير الشعور بالحب والعطف داخل النفس، وقد وصف الله نفسه بالرحمة في فاتحة الكتاب فقال تعالى: ﴿ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 3]، وامتدح بها نبيه صلى الله عليه وسلم فقال تعالى: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]
وأعلن رسول الله عن محبة الله للرفق فقال فيما روته عنه عائشة: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ»(196) .
وقال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الرِّفْق لا يكون في شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ من شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ»(197) .
والرحمة والرفق أحد أهم أسس التعامل في الإسلام، سواء بين المسلمين وأنفسهم أو بينهم وبين من يخالفونهم في العقيدة، وهما من البر معهم الوارد في قوله تعالى: ﴿لَّا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَلَمۡ يُخۡرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ أَن تَبَرُّوهُمۡ وَتُقۡسِطُوٓاْ إِلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ﴾ [الممتحنة: 8].
وسبب نزول الآية ما رواه البخاري بسنده عن أسماء بنت أبي بكر، رضي الله عنهما، قالت: أَتَتْنِي أُمِّي رَاغِبَةً، في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فسألتُ النبي صلى الله عليه وسلم: آصِلُهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قال ابن عيينة: فأنزل الله تعالى فيها: ﴿لَّا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ﴾ [الممتحنة: 8](198) وهذا من
أدلة الرفق بغير المسلمين، وبخاصة الأقارب وذوي الأرحام منهم.
لقد أعطى النبي صلى الله عليه وسلم نماذج رائعة في الرحمة بغير المسلمين المقيمين في مجتمع المسلمين، وحثَّ آله وأصحابه والمسلمين بعموم على الرحمة قائلاً: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا أَهْلَ الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ»(199) .
وامتثل الآل والأصحاب عليهم الرضوان لهذه الأوامر والوصايا النبوية، فكانوا مُثلاً عُليا للرحمة والرفق والبر في كل تعاملاتهم وبخاصة مع غير المسلمين، وإليك البيان:
ورد في فتوح البلدان: أن عُمَر بْن الخطاب عند مقدمه الجابية من أرض دمشق مر بقوم مجذمين منَ النصارى، فأمر أن يعطوا منَ الصدقات وأن يجرى عليهم القوت(200) .
عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب أتي بمال كثير — قال أبو عُبيد: أحسبه، قال: من الجزية — فقال: «إني لأظنُّكم قد أهلكتم الناس»، قالوا: لا والله ما أخذنا إلا عفواً صفواً، قال: «بلا سَوْط ولا نَوْط؟»(201) قالوا: نعم، قال: «الحمد لله الذي لم يجعل ذلك على يدي ولا في سلطاني»(202) .
وروى سعيد بن عبد العزيز، قال: قدم سعيد بن عامر بن حِذْيَمٍ على عمر بن الخطاب، فلما أتاه عَلَاهُ بِالدِّرَّةِ(203) ، فقال سعيد: سَبَقَ سَيْلُكَ مَطَرَكَ، إن تُعاقب نصبر، وإن تعف نشكر، وإن تَستعتب نُعتب، فقال: «ما على المسلم إلا هذا، ما لك تبطئ بالخَراج؟» قال: أمرتنا أن لا نزيد الفلاحين على أربعة دنانير، فلسنا نزيدهم على ذلك، ولكنا نؤخرهم إلى غلَّاتهم، فقال عمر: «لا عزلتُك ما حييت»(204) .
إن الرفق بغير المسلمين هنا أخذ صورة إمهالهم في الخراج، وهذا ما أكده أبو عبيد بقوله: وإنما وجه التأخير إلى الغلة للرفق بهم(205) .
وعن مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، أن عمر كان يؤتى بنعم كثيرة من نعم الجزية، قال أبو عُبيد: وفي سنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين كتب إلى أهل اليمن: إن على كل حالم ديناراً أو عِدْلَهُ من المعافر(206) تقوية لِفعل عمر، وعلي ومعاذ. قال أبو عبيد: ألا تراه قد أخذ منهم الثياب وهي المعافر مكان الدنانير، وإنما يراد بهذا كله الرفق بأهل الذمة، وأن لا يباع عليهم من متاعهم شيء، ولكن يؤخذ مما سهل عليهم بالقيمة، ألا تسمع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: أو عِدْلَهُ من المعافر؟ فقد بين ذلك العدل أنه القيمة(207) .
وروى خلف مولى آل جَعْدَةَ، عن رجل من آل أبي المهاجر، قال: استعمل علي بن أبي طالب رجلاً على عُكْبُرَى، فقال له على رءوس الناس: «لا تدعن لهم درهماً من الخراج»، قال: وشدد عليه القول، ثم قال له: «القني عند انتصاف النهار»، فأتاه فقال: «إني كنت قد أمرتك بأمرٍ، وإني أتقدم إليك الآن، فإن عصيتني نزعتك: لا تبيعن لهم في خراجٍ حِماراً ولا بقرة، ولا كسوة شتاء ولا صيف، وارفُق بهم، وافعل بهم، وافعل بهم»(208) .
وورد من طرق الإمامية عن مهاجر، عن رجل من ثقيف قال له علي وقد استعمله على الخراج: إياك أن تضرب مسلماً أو يهودياً أو نصرانياً في درهم خراج، أو تبيع دابة عمل في درهم، فإنما أمرنا أن نأخذ منهم العفو(209) .
إن علي بن أبي طالب هنا اتبع سياسة الرفق واللين مع غير المسلمين، رافضاً أن يُثقل كاهلهم بما لا يطيقونه، أو يطيقونه بنوع عناء ومشقة.
وروى سعيد بن سِنَانٍ، عنْ عَنْتَرَةَ، قَالَ: كَانَ عَلِيٌّ يأخذ الجزية من كل ذِي صُنْعٍ: مِنْ صَاحِبِ الْإِبَرِ إِبَرًا، وَمِنْ صَاحِبِ الْمَسَانِّ مَسَانَّ، وَمِنْ صَاحِبِ الْحِبَالِ حِبَالًا، ثُمَّ يَدْعُو الْعُرَفَاءَ فيعطيهم الذهب والفضة فيقتسمونه، ثم يقول: «خُذُوا هَذَا فَاقْتَسِمُوهُ»، فيقولون: لَا حَاجَةَ لَنَا فِيهِ، فيقول: «أَخَذْتُمْ خِيَارَهُ، وَتَرَكْتُمْ عَلَيَّ شَرَارَهُ، لَتَحْمِلُنَّهُ» قال
أبو عبيد: وإنما يوجد هذا من علي أنه إنما كان يأخذ منهم هذه الأمتعة بقيمتها من الدراهم التي عليهم من جزية رءوسهم ولا يحملهم على بيعها، ثم يأخذ ذلك من الثمن، إرادة الرفق بهم والتخفيف عليهم، وهذا مثل حديث معاذ، حين قال باليمن: ائْتُونِي بِخَمِيسٍ أَوْ لَبِيسٍ آخُذُهُ منكم مكان الصدقة، فإنه أهون عليكم وأنفع للمهاجرين بالمدينة، وَكَذَلِكَ فَعَلَ عُمَرُ رحمه الله حِينَ كَانَ يَأْخُذُ الْإِبِلَ فِي الْجِزْيَةِ(210)
وعن هشام بن حكيم بن حِزام، أنه مرَّ بالشام على أناس، وقد أُقيموا في الشمس، وصُبَّ على رءوسهم الزيت، فقال: ما هذا؟ قيل: يعذَّبون في الخراج، فقال: أما إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: «إن الله يعذِّب الذين يعذِّبون في الدنيا»(211) .
وفي بعض الروايات أن حكيم بن حزام والد هشام رأى عمير بن سعد على هذا
الفعل، وعاتبه في ذلك(212)
وعن عروة بن الزبير، أن عياض بن غنم رأى نَبَطًا(213) يُعذَّبون في الجزية، فقال لصاحبهم: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله تبارك وتعالى يعذِّب يوم القيامة الذين يعذِّبون الناس في الدنيا»(214) .
وروى عبد الملك بن عمير، أخبرني رجل من ثقيف قال: استعملني علي بن أبي طالب رضي الله عنه على بُزُرْجِ سَابُورَ(215) فقال: لا تضربن رجلاً سوطاً في جباية درهم، ولا تبيعن لهم رزقاً ولا كسوة شتاء ولا صيف، ولا دابة يعتملون عليها، ولا تقم رجلاً قائماً في طلب درهم. قال: قلت: يا أمير المؤمنين إذاً أرجع إليك كما ذهبت من عندك. قال: وإن رجعت كما ذهبت، ويحك إنما أمرنا أن نأخذ منهم العفو، يعني الفضل(216) .
وفي عهد الرشيد العباسي وهو من آل البيت كانت وصية القاضي
أبي يوسف له بأن يرفق بأهل الذمة حيث يخاطبه بقوله: «ينبغي يا أمير المؤمنين أيدك الله أن تتقدم في الرفق بأهل ذمة نبيك وابن عمك محمد صلى الله عليه وسلم والتفقد لهم حتى لا يظلموا ولا يؤذوا ولا يكلفوا فوق طاقتهم ولا يؤخذ من أموالهم إلا بحق يجب عليهم»(217) ولم يرو أن الرشيد عنَّفه على هذه الوصية بما يدل على قبوله وامتثاله لها.
كل هذه الروايات من الشواهد الناطقة على رحمة الآل والأصحاب ورفقهم بغير المسلمين المقيمين في دار الإسلام، إنها رحمة بأولئك الذين رفضوا عقيدتهم واعتنقوا غيرها، إن علاقتهم بهم تعدت علاقة السلام والوئام، إلى علاقة «البِرِّ والرحمة والرفق» بكل ما تحمله من معاني ودلالات.
الوفاء بعهدهم: (إن الله لا يحب الخائنين)
الوفاء بالعهد فضيلة إنسانية، لا يختص بجنس أو جماعة أو عقيدة، وهو من الإيمان، ولا إيمان لمن لا وفاء له؛ إضافة إلى أنه جماع كثير من الفضائل والخلال، ففيه أرفع صور العدل الاجتماعي بين الأفراد والمجتمعات، وأعلى مراتب الصدق، صدق اللسان والفعل معاً؛ ولذا كان الصدق في الوعد وفي العهد من الفضائل الخلقية التي يجب يتحلى به المؤمنون، وقد أمر الله عباده به فقال جل من قائل: ﴿وَأَوۡفُواْ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ إِذَا عَٰهَدتُّمۡ وَلَا تَنقُضُواْ ٱلۡأَيۡمَٰنَ بَعۡدَ تَوۡكِيدِهَا وَقَدۡ جَعَلۡتُمُ ٱللَّهَ عَلَيۡكُمۡ كَفِيلًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا تَفۡعَلُونَ﴾ [النحل:
91].
حيث شبَّه المولى جل وعلا من ينقض العهد بالتي تغزل ثم تنقض غزلها بعد أن قوي بالفتل.
وقال تعالى: ﴿وَبِعَهۡدِ ٱللَّهِ أَوۡفُواْۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: 152]. ونهى سبحانه عن الخيانة نهياً عاماً شاملاً مبرماً لا منفذ فيه لحيلة محتال، قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوٓاْ أَمَٰنَٰتِكُمۡ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ﴾ [الأنفال: 27]. كما جعل الله تعالى من ناقض العهد بمنزلة الحيوانات قال تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَآبِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ٥٥ ٱلَّذِينَ عَٰهَدتَّ مِنۡهُمۡ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهۡدَهُمۡ فِي كُلِّ مَرَّةٖ وَهُمۡ لَا يَتَّقُونَ﴾ [الأنفال: 55 — 56].
وقد امتدح الله في كتابه الذين يوفون بالعهد فقال تعالى: ﴿وَٱلۡمُوفُونَ بِعَهۡدِهِمۡ إِذَا عَٰهَدُواْۖ وَٱلصَّٰبِرِينَ فِي ٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلۡبَأۡسِۗ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: 177].
إن الإسلام عظم شأن الوفاء بالعهد، وبخاصة مع غير المسلمين، ورفع مكانته فوق كل فضيلة، وجعله واجب الاحترام، لا تحل عقدته إلا بسبب موجب من نحو خيانة أو غدر، أو ممالأة عدو للإسلام والمسلمين(218) . قال تعالى: ﴿فَمَا ٱسۡتَقَٰمُواْ لَكُمۡ فَٱسۡتَقِيمُواْ لَهُمۡ﴾ [التوبة: 7].
وكان صلى الله عليه وسلم خير مثال لهذه الصفة النبيلة؛ فكان أوفى الأوفياء
بالعهود، ولم يعرف عنه في حياته أنه نقض عهداً أبرمه، أو قطعه على نفسه، لمسلم كان أو لغيره، بل كان يحث أصحابه على الوفاء وعدم الغدر، فهو القائل: «لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يُنْصَبُ بِغَدْرَتِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ»(219)
وحثهم كذلك على الوفاء حتى في حروبهم مع غير المسلمين، فكان من وصاته صلى الله عليه وسلم لقادة جيشه:.. اغْزُوا، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تَغُلُّوا، وَلَا تَمْثُلُوا، ولا تقتلوا وَلِيدًا..(220) .
وحذر النبي صلى الله عليه وسلم من أي صورة تحمل بين طياتها نقضاً لعهد، فقال فيما رواه عنه جُنْدُب بن عبد الله: «مَنْ يُخْفِرْ ذِمَّتِي كُنْتُ خَصْمَهُ، وَمَنْ خَاصَمْتُهُ خَصَمْتُهُ»(221) . وخفر الذمة من أنواع نقض العهد؛ فالذمة هي العهد والأمان والضمان، وإخفارها انتهاكها(222) .
ولما جاءت موقعة بدر وبلغه صلى الله عليه وسلم ما قطعه حذيفة بن اليمان ووالده مكرَهين عند هجرتهما على أنفسهما مع المشركين من عدم قتالهم مع النبي صلى الله عليه وسلم، فأرشدهما صلى الله عليه وسلم إلى ضرورة حفظ العهد قائلاً لهما: «انصرفا، نَفِي لهم بعهدهم، وَنَسْتَعِينُ الله عليهم»(223) .
وأخذ بعض العلماء من هذا الموقف وجوب الوفاء بالعهد وإن كان مكرَهاً(224) .
وعلى هذا الخلق العظيم سار آله وأصحابه، وبخاصة مع تعاملهم مع غير المسلمين، وما أكثر الشواهد الدالة على ذلك، ولعل منها:
لما بعث أبو بكر جيش أسامة إلى الشام كان من جملة ما أوصى به أسامة: لا تخونوا ولا تغلوا، ولا تغدروا(225) .
ولما بعث أبو بكر يزيد بن أبي سفيان إلى الشام على رُبع من الأرباع خرج أبو بكر معه يوصيه، وكان من جملة ما ذكره: «ولا تَغدر»(226) . والغدر ما ناقض الوفاء.
وكان مما ورد في كتاب عمر إلى أبي عبيدة بخصوص أهل الشام: وامنع المسلمين من ظلمهم والإضرار بهم وأكل أموالهم إلا بحلها، ووفِّى لهم بشرطهم الذي شرطت لهم في جميع ما أعطيتهم(227) .
وبلغ من وفاء عمر وأبي عبيدة رضي الله عنهما بغير المسلمين أن أجاز عمر ما يعد منعه في عرفهم نقضاً للعهد، روى عبد الله بن قيس أو ابن أبي قيس، يقول: كنت فيمن تلقى عمر مع أبي عبيدة مقدمه الشام، فبينا
عمر يسير، إذ لقيه الْمُقَلِّسُونَ(228) من أهل أَذْرِعَاتٍ بالسيوف والرَّيحان فقال عمر: «مه، ردوهم وامنعوهم» فقال أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين، هذه سُنة العجم، أو كلمة نحوها، وإنك إن تمنعهم منها يروا أن في نفسك نقضاً لعهدهم، فقال عمر: «دعوهم، عمر وآلُ عمر في طاعة أبي عبيدة»(229)
وفي حصار جندي سابور يكتب عمر إلى أحد قواده وقد استشاره في أمر خاص بعقد الأمان: إن الله عظم الوفاء، فلا تكونون أوفياء حتى تفوا(230) .
وروي أن عمر حين حضرته الوفاة أوصى من يُستخلف بعده بأهل الذمة خيراً، وكان من وصله لهم: أَنْ يُوفَى لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ(231) .
وروي عن سُليم بن عامر رجل من حِمير قال: كان بين معاوية وبين الروم عهد وكان يسير نحو بلادهم حتى إذا انقضى العهد غزاهم، فجاء رجل على فرس أو بِرْذَوْنٍ وهو يقول: الله أكبر، الله أكبر وفاء لا غدر، فنظروا فإذا عمرو بن عبسة فأرسل إليه معاوية فسأله، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من كان بينه وبين قوم عهد فلا يشد عقدة ولا يحلُّها حتى ينقضي أمدُها أو ينبِذ إليهم على
سواء» فرجع معاوية(232)
وفي خبر آخر أورده البلاذري وغيره أن الروم صالحت معاوية على أن يؤدي إليهم مالاً وارتهن معاوية منهم رهناء فوضعهم ببعلبك، ثم أن الروم غدرت فلم يستحل معاوية والمسلمون قتل من في أيديهم من رهنهم وخلوا سبيلهم، وقالوا: وفاء بغدر خير من غدر بغدر(233) .
إن هذا بحق لهو ذروة التسامح الذي نهجه النبي صلى الله عليه وسلم وأمر به بقوله: «أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك»(234) .
وكان من شروط الصلح التي أجراها خالد بن الوليد في فتوح العراق مع بطْرِيق عانات وأهلها، والنقيب والكواثل، وقرقيسياء وغيرها:
وجاء في عهد خالد بن الوليد لأهل عانات: أن لا يهدم لهم بَيْعَة ولا كنيسة، وعلى أن يضربوا نواقيسهم في أي ساعة شاءوا من ليل أو نهار إلا في أوقات الصلوات، وعلى أن يخرجوا الصُّلبان في أيام عيدهم(235) .
فأدّوا إليه الجزية وتركت البيع والكنائس لم تهدم وفاء بعهد المسلمين معهم، لما جرى من الصلح بين المسلمين وأهل الذمة.
ولم يردّ ذلك الصلح على خالد أبو بكر، ولا ردَّه بعد أبي بكر عمر ولا عثمان ولا علي رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
قال أبو يوسف: ولست أرى أن يهدم شيء مما جرى عليه الصلح ولا يحول وأن يمضي الأمر فيها على ما أمضاه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله تعالى عنهم أجمعين؛ فإنهم لم يهدموا شيئاً منها مما كان الصلح جرى عليه(236) .
وعن عكرمة عن ابن عباس: أنه سئل عن العجم، ألهم أن يحدثوا بَيْعة أو كنيسة في أمصار المسلمين؟ فقال: أما مِصر مصَّرته العرب فليس لهم أن يحدثوا فيه بناء بَيْعة ولا كنيسة، ولا يضربوا فيه بناقوس ولا يظهروا فيه خمراً ولا يتخذوا فيه خنزيراً، وكل مِصر كانت العجم مصَّرته، ففتحه الله على العرب فنزلوا على حكمهم فللعجم ما في عهدهم، وعلى العرب أن يوفوا لهم بذلك(237) .
إن هذه الشواهد من تاريخ وتراث الآل والأصحاب لهي من شواهد نبل تعاليم الإسلام، إن الإسلام يريد للبشرية أن ترتفع ويريد للبشرية أن تعف فلا يبيح الغدر في سبيل الغلب وهو يكافح لأسمى الغايات وأشرف
المقاصد ولا يسمح للغاية الشريفة أن تستخدم الوسيلة الخسيسة.
إن الإسلام يكره الخيانة، ويحتقر الخائنين الذين ينقضون العهود ومن ثم لا يحب للمسلمين أن يخونوا أمانة العهد في سبيل غاية مهما تكن شريفة(238) .
المساواة بينهم وبين المسلمين في الحقوق والواجبات العامة: (من ساواك بنفسه ما ظلمك)
المساواة من المبادئ العظيمة التي أقرها الإسلام انطلاقاً من وشيجة الإخاء الإنساني النابعة من وحدة الأصل والبنوة المشتركة لآدم وحواء، قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَخَلَقَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَبَثَّ مِنۡهُمَا رِجَالٗا كَثِيرٗا وَنِسَآءٗ﴾ [النساء: 1].
والمساواة في أصلها الإنساني تقتضي جعل الجميع سواسية في الحقوق والواجبات الآدمية، ومعاملتهم بقسط وعدل بلا قيود أو استثناءات، ودون التفريق بينهم على أساس عنصريةٍ ما، من دين أو جنس أو لسان أو لون.
وقد خطب النبي أصحابه مذكراً إياهم بوحدة الأصل قائلاً: «يا أيها الناس، ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا أحمر على أسود،
ولا أسود على أحمر، إلا بالتقوى..»(239)
إن معيار التفاضل راجع إلى التقوى لا غير، والتفاضل وإن تحقق في المسلمين فهذا لا يعني قطعاً ظلم غيرهم أو انتقاص حقوقهم.
يقول الرازي: اعلم أنه تعالى لما بين التوحيد ودلائله، وما للموحدين من الثواب وأتبعه بذكر الشرك ومن يتخذ من دون الله أندادا، ويتبع رؤساء الكفرة أتبع ذلك بذكر إنعامه على الفريقين وإحسانه إليهم وأن معصية من عصاه وكفر من كفر به لم تؤثر في قطع إحسانه ونعمه عنهم، فقال: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ حَلَٰلٗا طَيِّبٗا﴾ [البقرة: 168](240) .
وتقتضي قيمة المساواة العدل والتوازن في التعامل مع الآخرين، وبها تسود داخل المجتمع الألفة والمحبة والترابط، وهي دلالة على رجاحة العقل والتقوى.
وقد ضرب لنا النبي صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة في تطبيق مبدأ المساواة بين المسلمين وغيرهم فيما يقبل المساواة ويستلزمها، وبه اقتدى آله وأصحابه، حيث جعلوا المساواة الإنسانية في الحقوق والواجبات عملاً من أعمال الحياة يشعر الناس بآثارها في تطبيق نصوص القرآن بمشاركة اهل الكتاب للمسلمين في هذه الحقوق الإنسانية(241) .
فعن
عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: كان سهل بن حنيف، وقيس بن سعد قَاعِدَيْنِ بالقادسية، فمروا عليهما بجنازة، فقاما، فقيل لهما إنها من أهل الأرض أي من أهل الذمة، فقالا: إن النبي صلى الله عليه وسلم مرت به جنازة فقام، فقيل له: إنها جنازة يهودي، فقال: «أَلَيْسَتْ نَفْسًا»(242)
إن هذه الرواية شاهد على تطبيق النبي صلى الله عليه وسلم لمبدأ المساواة في أصل الخلقة، ومن ثم اقتداء الصحابة به صلى الله عليه وسلم.
العدل معهم وتجنب ظلمهم: (عدل قائم وعطاء دائم)
العدل هو: إعطاء كل ذي حق حقه دون نقصان، وهو من القيم الأخلاقية الإسلامية التي يستقيم بها أمر الدين والدنيا، وقد أمر الله به المؤمنين، قال تعالى: ﴿۞إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ وَإِيتَآيِٕ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَيَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡبَغۡيِۚ يَعِظُكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90].
والعدل واجب مع الجميع، القريب والبعيد، الصديق والعدو، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿۞يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلۡقِسۡطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۡ أَوِ ٱلۡوَٰلِدَيۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِينَۚ إِن يَكُنۡ غَنِيًّا أَوۡ فَقِيرٗا فَٱللَّهُ أَوۡلَىٰ بِهِمَاۖ فَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلۡهَوَىٰٓ أَن تَعۡدِلُواْۚ وَإِن تَلۡوُۥٓاْ أَوۡ تُعۡرِضُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا﴾ [النساء: 135].
وقوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَلَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنََٔانُ قَوۡمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعۡدِلُواْۚ ٱعۡدِلُواْ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُون﴾ [المائدة:
8].
يقول ابن كثير في قوله تعالى: ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، أي لا يحملنَّكم بغض قوم على ترك العدل فيهم، بل استعملوا العدل في كل أحد صديقاً كان أو عدواً(243) .
وعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قاتل أهل خيبر حتى ألجأهم إلى قصرهم، فغلب على الأرض والزرع والنخل، فقالوا: يا محمد، دعنا نكون في هذه الأرض نصلحها، ونقوم عليها، ولم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ولا لأصحابه غلمان يقومون عليها، فأعطاهم خيبر على أن لهم الشطر من كل زرع ونخل ما بدا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان عبد الله بن رواحة يأتيهم فَيَخْرُصُهَا عليهم، ثم يضمنهم الشطر، فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شدة خَرْصِهِ، وأرادوا أن يرشوه فقال: «يا أعداء الله، تطعموني السُّحت، والله لقد جئتكم من عند أحب الناس إلي، ولأنتم أبغض إلي من عُدَّتِكُمْ، من القردة والخنازير، ولا يحملني بغضي إياكم وحبي إياه على أن لا أعدل بينكم، فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض»(244) .
وفي رواية أحمد عَنْ جابر بن عبد الله،... قال ابن رواحة: يا معشر اليهود، أنتم أبغض الخلق إلي، قتلتم أنبياء الله عز وجل، وكذبتم
على الله، وليس يحملني بغضي إياكم على أن أحِيف عليكم، قد خَرَصْتُ عشرين ألف وَسْقٍ من تمر، فإن شئتم فلكم، وإن أبيتم فلي، فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض، قد أخذنا، فاخرجوا عنا»(245)
إن ابن رواحة هنا التزم العدل مع اليهود، ولم يحل بغضه لهم دون عدله معهم، وهذا مصداق قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنََٔانُ قَوۡمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعۡدِلُواْۚ ٱعۡدِلُواْ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ﴾ [المائدة: 8].
وعن أنس أن رجلاً من أهل مصر أتى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين! عائذ بك من الظلم، قال: عذت معاذاً، قال: سابقت ابن عمرو بن العاص فسبقته، فجعل يضربني بالسوط ويقول: أنا ابن الأكرمين، فكتب عمر إلى عمرو يأمره بالقدوم ويقدم بابنه معه، فقدم، فقال عمر: أين المصري؟ خذ السوط فاضرب، فجعل يضربه بالسوط ويقول عمر: اضرب ابن الأكرمين. قال أنس، فضرب، فوالله لقد ضربه ونحن نحب ضربه، فما أقلع عنه حتى تمنينا أنه يرفع عنه، ثم قال عمر للمصري: ضع السوط على صلعة عمرو، فقال: يا أمير المؤمنين! إنما ابنه الذي ضربني وقد استقدت منه، فقال عمر لعمرو: مذ كم تعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟ قال: يا أمير المؤمنين! لم أعلم ولم يأتني(246) .
ومما يستحق التسجيل في هذه القصة: أن الناس قد شعروا بكرامتهم وإنسانيتهم في ظل الإسلام، حتى إن لطمة يُلطَمها أحدهم بغير حق يستنكرها ويستقبحها وقد كانت تقع آلاف مثل هذه الحادثة وما هو أكبر منها في عهد الرومان وغيرهم فلا يحرك بها أحد رأسًا ولكن شعور الفرد بحقه وكرامته في كنف الدولة الإسلامية جعل المظلوم يركب المشاق ويتجشم وعثاء السفر الطويل من مصر إلى المدينة المنوَّرة واثقاً بأن حقه لن يضيع، وأن شكاته ستجد أذنًا صاغية.
وإذا لم يصل أمر الذمي إلى الخليفة، أو كان الخليفة نفسه على طريقة واليه، فإن الرأي العام الإسلامي الذي يتمثل في فقهاء المسلمين وفي المتدينين كافة يقف بجوار المظلوم من أهل الذمة ويسانده(247) .
وروي عن سويد بن غفلة: أن رجلاً من أهل الذمة فَحش بامرأة من المسلمين من الشام، وهي على حمار فألقى نفسه عليها، فرآه عوف بن مالك فضربه فشجَّه، فانطلق إلى عمر يشكو عوفاً، فأتى عوف عمر فحدَّثه، فأرسل إلى المرأة فسألها فصدقت عوفاً، فقال إخوتها: قد شهدت أختنا، فأمر به عمر رضي الله عنه فصلب. قال [سويد بن غفلة] وكان أول مصلوب [رأيته صلب] في الإسلام!
ثم قال عمر رضي الله عنه: «أيها الناس اتقوا الله في ذمة محمد ولا تظلموهم فمن فعل فلا ذمة له»(248) .
وروي
عن ابن عمر: أنه مرَّ به راهب فقيل له: هذا يسب النبي صلى الله عليه وسلم، فقال ابن عمر: لو سمعته لقتلته أنا، لم نعطهم الذمة على أن يسبوا نبينا صلى الله عليه وسلم(249)
والشاهد أن ابن عمر لم يؤاخذ الراهب بما نقل إليه من غيره، وقرن العقاب بالسماع المباشر، وهذا من العدل والإنصاف بلا ريب.
وعن شريح، قال: لما توجَّه علي إلى حرب معاوية، افتقد درعا، فلما انقضت الحرب، ورجع إلى الكوفة، أصابها في يد يهودي يبيعها في السوق، فقال له علي: يا يهودي، هذا الدرع درعي لم أعر، ولم أهب، فقال اليهودي: درعي وفي يدي، قال علي: نسير إلى القاضي، فتقدما إلى شريح، فجلس علي إلى جنب شريح، وجلس اليهودي بين يديه، فقال علي: لولا أن خصمي ذمي لاستويت معه في المجلس، لكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يقول: «أصغروا بهم كما أصغر الله بهم».
فقال شريح: أيش تقول يا يهودي؟، فقال: درعي وفي يدي، فقال شريح: يا أمير المؤمنين بينة، قال: نعم، قنبر، والحسن يشهدان أن الدرع درعي، فقال: شهادة الابن لا تجوز للأب، فقال علي: رجل من أهل الجنة لا تجوز شهادته؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة»، قال اليهودي: أمير المؤمنين قدمني إلى قاضيه، وقاضيه قضى عليه، أشهد أن هذا الحق، أشهد أن لا إله إلا
الله، وأن محمداً رسول الله، وأن الدرع درعك يا أمير المؤمنين، كنت راكباً على جملك الأورق، وأنت متوجه إلى صفين فوقعت منك ليلاً، فأخذتها، وخرج يقاتل مع علي الشراة بالنهروان فقُتل، رحمه الله(250)
والقصة أوردها ابن كثير عن الشعبي باختلاف يسير، وفيها أن الرجل نصراني وليس يهودياً(251) .
وروي من طرق الإمامية أن عليّ بن أبي طالب أوصى محمد بن أبي بكر حين ولَّاه مصر قائلاً: هذا ما عهد عبد الله عليّ أمير المؤمنين إلى محمّد بن أبي بكر حين ولّاه مصر: أمره بتقوى الله، والطاعة له في السرّ والعلانية، وخوف الله في الغيب والمشهد، وباللين للمسلم، وبالغِلظة على الفاجر... وبالعدل على أهل الذمة، وبإنصاف المظلوم، وبالشدّة على الظالم، وبالعفْوِ عن الناس، وبالإحسان ما استطاع.. وأمره أن يحكم بين الناس بالعدل، وأن يقيم بالقسط(252) .
وأكّد الإمام زين العابدين عليّ بن الحسين في رسالة الحقوق على مبدأ العدالة مع غير المسلمين، حيث قال: وأمّا حقّ أهل الذمّة، فالحُكم فيهم: أن تقبل منهم ما قَبِل اللّه، وتفي بما جعل الله لهم من ذمّته وعهده، وتكِلَهم إلى الله فيما طلبوا من أنفسهم وأُجبروا عليه،
وتحكم فيهم بما حَكم الله به على نفسك فيما جرى بينك وبينهم من معاملة.. وليكن بينك وبين ظلمهم في رعاية ذمّة الله والوفاء بعهده وعهد رسوله حائل، فإنّه بلغَنا أنّه قال: مَن ظلم معاهداً كنتُ خصمه(253)
هذا هو مبدأ العدل الذي سلكه الآل والأصحاب في تعاملهم مع مخالفيهم في العقيدة، والذي قامت المعاهدات على أساسه؛ لأن رعاية الحق وإقامة العدل هما أساس الصلة التي ينشئها المسلمون مع مخالفيهم في العقيدة(254) .
إن الإسلام حين فرض على أتباعه العدالة فرضها مع الموافقين والمخالفين؛ لأنها حق طبيعي للإنسان يستمده من كونه إنساناً من غير نظر إلى لونه أو جنسه أو دينه أو لسانه.
إسقاط الجزية عن فقيرهم وتأمينهم عند الفاقة والعوز: (لا يشقى جليسهم)
الجزية في الإسلام بدل حماية وإعلان صغار وخضوع، وليس الغرض منها تكثير أموال الدولة بجباية الأموال من غير المسلمين كما قد يظن الظانون، أو يرجف المرجفون؛ ولهذا سقطت الجزية عن كثير من غير المسلمين ممن كانت لهم ظروف وحوائل تمنعهم من الوفاء بها.
فالجزية في تفاصيلها لا تجب على جميع أهل الكتاب الخاضعين لدولة الإسلام وحكمه، بل إن هناك أصنافاً قد أعفاهم الإسلام من الجزية وأسقطها عنهم، فتسقط الجزية عن الفقراء والنساء والصغار والعبيد والمجانين والشيخ الفاني.
ودليل ذلك قوله سبحانه وتعالى: ﴿قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ ٱلۡحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ حَتَّىٰ يُعۡطُواْ ٱلۡجِزۡيَةَ عَن يَدٖ وَهُمۡ صَٰغِرُونَ﴾(255) .
قال الإمام القرطبي: قال علماؤنا رحمة الله عليهم: والذي دل عليه القرآن أن الجزية تؤخذ من الرجال المقاتلين، لأنه تعالى قال: ﴿ قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ ﴾ إلى قوله: ﴿ حَتَّىٰ يُعۡطُواْ ٱلۡجِزۡيَةَ ﴾ فيقتضي ذلك وجوبها على من يقاتل. ويدل على أنه ليس على العبد وإن كان مقاتلاً؛ لأنه لا مال له، ولأنه تعالى قال: ﴿حَتَّىٰ يُعۡطُواْ﴾ ولا يقال لمن لا يملك حتى يعطي. وهذا إجماع من العلماء على أن الجزية إنما توضع على جماجم الرجال الأحرار البالغين، وهم الذين يقاتلون دون النساء والذرية والعبيد والمجانين المغلوبين على عقولهم والشيخ الفاني(256) .
وقال الإمام مالك في الموطأ: مضت السُّنة أن لا جزية على نساء أهل الكتاب ولا على صبيانهم، وأن الجزية لا تؤخذ إلا من الرجال
الذين قد بلغوا الحلم، وليس على أهل الذمة ولا على المجوس في نخيلهم ولا كرومهم ولا زروعهم ولا مواشيهم صدقة(257)
وفي المغني بعد قول المصنف: ولا جزية على صبي ولا زائل العقل ولا امرأة، قال: لا نعلم بين أهل العلم خلافاً في هذا، وبه قال مالك وأبو حنيفة وأصحابه الشافعي وأبو ثور. وقال ابن المنذر: ولا أعلم عن غيرهم خلافهم(258) .
وفي مختصر الخرقي: ولا جزية على صبي ولا زائل العقل ولا امرأة ولا فقير ولا شيخ فان ولا زمن ولا أعمى ولا على سيد عبد عن عبده إذا كان السيد مسلماً(259) .
وفي النهاية للطوسي من علماء الإمامية: وهي واجبة على جميع الأصناف المذكورة إذا كانوا بشرائط المكلفين، وتسقط عن الصبيان والمجانين والبله والنساء منهم(260) .
وفي المبسوط من كتب الإمامية: وأما النساء والصبيان والبله
والمجانين فلا جزية عليهم بحال... فأما المملوك فلا جزية عليه؛ لقوله: «لا جزية على العبيد»... والشيخ الفاني والزمِن وأهل الصوامع والرهبان الذين لا قتال فيهم ولا رأي لهم تؤخذ منهم الجزية لعموم الآية وكذلك إذا وقعوا في الأسر جاز للإمام قتلهم، وقد روي أنه لا جزية عليهم(261)
وليس هذا فحسب بل إنه وصل الأمر إلى أن من وجبت عليه الجزية تسقط عنه عند العجز عن سدادها، يقول ابن القيم في كتابه أحكام أهل الذمة: تسقط الجزية بزوال الرقبة أو عجزها عن الأداء(262) .
ولنا أن نستنتج مما سبق أن الجزية في الإسلام إعلان خضوعٍ لدولة الإسلام، وأنها بدل عن الحماية، ومقدارها قليل جداً، ومع قلته فقد أعفى الإسلام أصنافاً كثيرة منها مراعاة لظروفهم وفقرهم وعوزهم، بل وصل الإسلام إلى درجة أكثر من ذلك حين ضمن لغير المسلمين في ظل دولته كفالة المعيشة الملائمة لهم ولمن يعولونه، باعتبارهم من رعايا الدولة ومسؤولين من خليفتها، تبعاً لقوله صلى الله عليه وسلم: «كلكم راع وكل راع مسئول عن رعيته»(263) .
وشواهد
ذلك من حياة الآل والأصحاب متتابعة، ومنها:
في خلافة أبي بكر رضي الله عنه كتب خالد بن الوليد رضي الله عنه في عقد الذمة لأهل الحيرة بالعراق — وكانوا من النصارى —: «وجعلت لهم أيما شيخ ضعف عن العمل، أو أصابته آفة من الآفات أو كان غنياً فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون عليه طرحت جزيته وعيل من بيت مال المسلمين هو وعياله... وشرطت عليهم جباية ما صالحتهم عليه حتى يؤدوه إلى بيت مال المسلمين عمالهم منهم؛ فإن طلبوا عوناً من المسلمين أعينوا به ومئونة العون من بيت مال المسلمين»(264) .
وهذا الشاهد من دلائل رحمة الآل والأصحاب بأهل الذمة، وقد حدث هذا العقد في عهد أبي بكر الصِّدِّيق وبحضرة عدد كبير من الصحابة، وقد كتب خالد به إلى الصِّدِّيق ولم ينكر عليه أحد، ومثل هذا يُعَد إجماعًا.
وقد ثبت عن عمر أنه كان شديد التسامح مع أهل الذمة، حيث كان يعفيهم من الجزية عند عجزهم عن الوفاء بها، بل إنه أوجب إعالتهم من بيت المال، وهذا من معالم الرحمة والرفق بهم.
روي عن أبي بكرة قال: مرَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه بباب قوم وعليه سائل يسأل: شيخ كبير ضرير البصر، فضرب عضده من خلفه، وقال: من أي أهل الكتاب أنت؟ فقال: يهودي. قال: فما ألجأك إلى ما أرى؟
قال: أسأل الجزية والحاجة والسن. قال: فأخذ عمر بيده، وذهب به إلى منزله فرضخ(265) له بشيء من المنزل، ثم أرسل إلى خازن بيت المال فقال: انظر هذا وضرباءه؛ فوالله ما أنصفناه أن أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم «إنما الصدقات للفقراء والمساكين»، والفقراء هم المسلمون وهذا من المساكين من أهل الكتاب، ووضع عنه الجزية وعن ضربائه. قال: قال أبو بكرة: أنا شهدت ذلك من عمر، ورأيت ذلك الشيخ(266)
وروت مصادر الإمامية نفس الخبر منسوباً إلى علي بن أبي طالب(267) .
ألا فلتشهد الدنيا وليسجل التاريخ أروع ما وصلت إليه الإنسانية من تسامح فريد لا نظير له، سجله آل البيت والصحابة بوازع من دينهم، إن طرح الجزية وإسقاطها عن المعوزين من غير المسلمين ليس منتهى السماحة في المعاملة، ولكن السماحة تتصاعد ويتسامى بها الرفق إلى ذروة النبل العاطف والرحمة الدافقة، فتجعل المعوزين من غير المسلمين عيالاً على بيت مال المسلمين، يعولهم وينفق عليهم بما يلزمهم من القوت والمسكن والملبس بما يعرف لأمثالهم بين أهل ملتهم، ويعال معهم عيالهم مهما بلغوا من الكثرة والعدد(268) .
وروى هشام بن عروة عن أبيه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مر بطريق
الشام وهو راجع في مسيره من الشام على قوم قد أقيموا في الشمس يصب على رءوسهم الزيت فقال: ما بال هؤلاء؟ فقالوا عليهم الجزية لم يؤدوها؛ فهم يعذبون حتى يؤدوها؛ فقال عمر: فما يقولون هم وما يعتذرون به في الجزية؟ قالوا: يقولون: لا نجد، قال: فدعوهم، لا تكلفوهم ما لا يطيقون؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تعذبوا الناس فإن الذين يعذبون الناس في الدنيا يعذبهم الله يوم القيامة»، وأمر بهم فخلّى سبيلهم(269)
وفي فتوح البلدان: أن عُمَر بْن الخطاب عند مقدمه الجابية من أرض دمشق مرَّ بقوم مجذمين منَ النصارى، فأمر أن يعطوا منَ الصدقات وأن يجرى عليهم القوت(270) .
وفي كتاب عتبة بن فرقد عامل عمر بن الخطاب إلى أهل أذربيجان: هذا ما أعطى عتبة بن فرقد، عامل عمر بن الخطاب أمير المؤمنين أهل أذربيجان — سهلها وجبلها وحواشيها وشفارها وأهل مللها — كلهم الأمان على أنفسهم وأموالهم ومللهم وشرائعهم، على أن يؤدوا الجزية على قدر طاقتهم، ليس على صبي ولا امرأة ولا زمن ليس في يديه شيء من الدنيا، ولا متعبد متخل ليس في يديه من الدنيا شيء.. وكتب ذلك جندب، وشهد عليه بكير بن عبد الله الليثي وسماك بن خرشة الأنصاري(271) .
وروي من طرق الإمامية عن عمرو بن أبي نصر قال: قلت لأبي عبد الله جعفر بن محمد (الصادق): إنّ أهل السواد يقتحمون علينا، وفيهم اليهود والنصارى والمجوس، فنتصدّق عليهم؟ فقال عليه السلام: نعم(272) .
وجاء في كتاب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطاة.. وانظر من قبلك من أهل الذمة قد كبرت سنُّه، وضعفت قوته، وولَّت عنه المكاسب، فأجر عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحه، فلو أن رجلا من المسلمين كان له مملوك كبرت سنه وضعفت قوته وولت عنه المكاسب كان من الحق عليه أن يقوته حتى يفرق بينهما موت أو عتق، وذلك أنه بلغني أن أمير المؤمنين عمر مر بشيخ من أهل الذمة يسأل على أبواب الناس، فقال: «ما أنصفناك، أن كنا أخذنا منك الجزية في شبيبتك ثم ضيعناك في كبرك» قال: ثم أجرى عليه من بيت المال ما يصلحه(273) .
إن الذين يسعون إلى تقرير التكافل الاجتماعي وبيان صوره لن يجدوا أعظم من هذه الصورة في الإسلام مع مخالفيه، فهو يتسامى بمن يعيشون في كنفه ويحوطهم برحمته وإحسانه عندما يحتاجون إلى مواساة لأي سبب من الأسباب بل يجعلهم عيالاً على بيت مال المسلمين ويرضخ له منه أيا كانت ديانتهم.
إن التكافل الاجتماعي في الإسلام لا يرضى أن يذل رجل من أهل الذمة وهو يحيا في كنف الإسلام فيعيش على الصدقة يتكفف الناس ولكن الإسلام يحميه ويكرمه ويوجب على الدولة أن تعوله وتعول عياله(274) .
وضع الجزية عمن أسلم منهم: (دُعاة لا جُباة)
الجزية إعلان ولاء وحماية لا بطش ولا جباية، بدلالة سقوطها عمن أسلم من أهل الكتاب، حتى وإن ترتب عليها خلاء بيت المال، وهذا ما التزمه الآل والأصحاب عليهم سحائب الرضوان.
روي عن عبيد الله بن رواحة، قال: كنت مع مسروق بالسلسلة، فحدثني أن رجلا من الشُّعوب أسلم، فكانت تؤخذ منه الجزية فأتى عمر بن الخطاب، فقال: يا أمير المؤمنين، إني أسلمت، فقال: «لَعَلَّكَ أَسْلَمْتَ مُتَعَوِّذًا»، فقال: أما في الإسلام ما يعيذني؟ قال: «بلى»، قال: فكتب عمر «أن لا تؤخذ منه الجزية»(275) .
وعن الزبير بن عَدِيٍّ قال: أسلم دِهْقَانٌ(276) على عهد علي، فقال له علي: «إن أقمت في
أرضك رفعنا عنك جزية رأسك، وأخذناها من أرضك، وإن تحولت عنها فنحن أحق بها»(277)
عن محمد بن عبيد الله الثقفي، أن دِهْقَانًا أسلم، فقام إلى علي، فقال له علي: «أما أنت فلا جزية عليك، وأما أرضك فلنا»(278) .
إقرارهم على ما كان من عادتهم وسنتهم: (عادات مرعية وأعراف مصونة)
العادة والعرف لهما قدر محترم في الشرع، وقد قرر فقهاؤنا قاعدة مرعية مفادها أن المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً، وعند بعضهم: كالمشروط شرعاً(279) ، ومعناها أن ما تعارَف عليه الناس في معاملاتهم هو قائم مقام الشرط في الالتزام والتقيد، وإن لم يُذكَرْ صريحًا.
وهذا ما التزمه الآل والأصحاب في علاقتهم بغير المسلمين وتعاملهم معهم حيث أقروهم على ما كان من عادتهم وعرفهم طالما لم يناقض نصَّاً، ولم يخالف شرطاً.
فعن عبد الله بن قيس قال: كنت فيمن تلقى عمر بن
الخطاب مع أبي عبيدة مقدمه من الشام فبينما عمر يسير إذ لقيه (المقلسون) وهم قوم يلعبون بلعبة لهم بين أيدي الأمراء إذا قدموا عليهم بالسيوف والريحان، فقال عمر رضي الله عنه: مه ردوهم وامنعوهم، فقال أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين هذه سنة العجم أو كلمة نحوها وإنك إن تمنعهم منها سروا أن في نفسك نقضاً لعهدهم، فقال: دعوهم، عمر وآل عمر في طاعة أبي عبيدة(280)
الدعاء لهم وفق ضوابط الشريعة: (هداية منشودة واستمالة محمودة)
حفلت المصادر بما يفيد جواز الدعاء لغير المسلمين وبخاصة بالهداية، فعَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كانت اليهود تعاطس عند النبي صلى الله عليه وسلم رجاء أن يقول: لها يرحمكم الله، فكان يقول: «يَهديكم الله، ويُصلح بالَكُم»(281) .
فالدعاء لهم بالهداية من تألُّفهم، وقد عقد البخاري باباً بهذا المعنى جعله بعنوان: الدعاء للمشركين بالهدى ليتألفهم(282) .
وعن عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه أنه مر برجل هيأته هيأة مسلم، فسلَّم، فرد عليه وعليك ورحمة الله وبركاته، فقال له الغلام: إنه نصراني،
فقام عقبة فتبعه حتى أدركه فقال: إن رحمة الله وبركاته على المؤمنين، لكن أطال الله حياتك وأكثر مالك وولدك(283)
وعن ابن عباس قال: لو قال لي فرعون: بارك الله فيك. قلت: وفيك، وفرعون قد مات(284) .
وروي من طرق الإمامية: أن جعفر الصادق سئل: كيف أدعو لليهودي والنصراني؟ قال: تقول له: بارك الله لك في الدنيا(285) .
وروي أيضاً عن عبد الرحمن بن الحجّاج قال: قلت لأبي الحسن موسى (الكاظم) بن جعفر: أرأيت إن احتجتُ إلى الطبيب وهو نصراني أن أُسلِّم عليه وأدعو له؟ قال: نعم(286) .
إن الدعاء لغير المسلمين وفق ضوابط الشرع من أعظم صور التسامح في الإسلام ومن محاسنه الكبرى التي تنظر إلى الإنسان نظرة تكريم وعناية، وفي الدعاء استمالة ظاهرة لقلب المدعو فكل أحد يتمنى من الناس الدعاء له بالخير.
عدم الدعاء عليهم: (كرهت لكم أن تكونوا لعَّانين) (قلوب لا تعرف البغي وألسنة لا تعرف الغيَّ)
غير المسلمين إذا لم يظاهروا المسلمين العداء، ويألبوا عليهم فلا يجوز الدعاء عليهم عند كثير من العلماء، بل ينبغي تأليفهم وجرّ مودتهم.
روى البخاري بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: جاء الطُفَيل بن عمرو إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن دوساً قد هلكت عصت وأبت فادع الله عليهم، فقال: «اللهم اهد دوساً وأت بهم»(287) .
وجاء في الفتح: وحكى ابن بطال أن الدعاء للمشركين ناسخ للدعاء على المشركين، ودليله قوله تعالى ليس لك من الأمر شيء، قال: والأكثر على أن لا نسخ وأن الدعاء على المشركين جائز، وإنما النهي عن ذلك في حق من يرجى تألفهم ودخولهم في الإسلام، ويحتمل في التوفيق بينهما أن الجواز حيث يكون في الدعاء ما يقتضي زجرهم عن تماديهم على الكفر، والمنع حيث يقع الدعاء عليهم بالهلاك على كفرهم(288) .
وروي أن عمر بعث عميراً عاملاً على حمص، فمكث حولاً لا يأتيه خبره ولم يبعث له شيئاً لبيت مال المسلمين، فقال عمر لكاتبه: اكتب إلى عمير فوالله ما أراه إلا قد خاننا إذا جاءك كتابي هذا فأقبل وأقبل بما جبيت من فيء المسلمين حين تنظر في كتابي هذا. فأخذ عمير — لما وصله كتاب عمر — جرابه فوضع فيه زاده وقصعته وعلق إداوته وأخذ عنزته ثم أقبل يمشي من حمص حتى قدم المدينة فقدم وقد شحب لونه واغبر وجهه فدخل على عمر فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله قال عمر: ما شأنك؟ قال: ما تراني صحيح البدن ظاهر الدم، معي الدنيا أجرها بقرونها؟ قال عمر: وما معك؟ وظن عمر أنه جاءه بمال. قال: معي جرابي أجعل فيه زادي، وقصعتي آكل فيها وأغسل فيها رأسي وثيابي وإداوتي أحمل فيها وضوئي وشرابي، ومعي عنزتي أتوكأ عليها وأجاهد بها عدوا إن عرض لي، فوالله ما الدنيا إلا تبع لمتاعي. وسأله عمر عن سيرته في قومه وعن الفيء فأخبره، فحمد فعله فيهم ثم قال: جددوا لعمير عهدا.
قال عمير: إن ذلك شيء لا أعمله لك ولا لأحد بعدك، والله ما سلمت بل لم أسلم، لقد قلت لنصراني: أخزاك الله، فهذا ما عرضتني
له يا عمر، وإن أشقى أيامي يوم خلفت معك(289)
لقد عظم على عمير قوله لرجل من غير المسلمين: أخزاك الله، وهو دعاء، وما ذكر خطأ اقترفه في ولايته على حمص أعظم من هذا، وفي ذلك دليل على أن هذا الدين ما جاء إلا بالرحمة والهداية وإنقاذ البشر من الضلال إلى الهدى ومن ظلمات الكفر إلى نور الطاعة، ولا عجب فمن مدرسة النبوة تخرج هذا الصحابي وغيره، ممن لا يؤذون الناس بل يغمرونهم بعطفهم ورحمتهم وسماحتهم وإحسانهم، ولذا قال عنه عمر: إنه نسيج وحده، وقال: وددت أن لي رجلاً مثل عمير بن سعد استعين به على أعمال المسلمين(290) .
لُبس ثيابهم: (وهل تَكفُر الثياب؟)
الثياب واللباس من النعم التي امتن الله تعالى بها على عباده، فهي تستر العورة وتقي الحر والبرد، وقد امتن الله به عليهم فقال: ﴿يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ قَدۡ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكُمۡ لِبَاسٗا يُوَٰرِي سَوۡءَٰتِكُمۡ وَرِيشٗاۖ وَلِبَاسُ ٱلتَّقۡوَىٰ ذَٰلِكَ خَيۡرٞۚ ذَٰلِكَ مِنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ لَعَلَّهُمۡ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: 26]، وقال: ﴿وَجَعَلَ لَكُمۡ سَرَٰبِيلَ تَقِيكُمُ ٱلۡحَرَّ وَسَرَٰبِيلَ تَقِيكُم بَأۡسَكُمۡۚ كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تُسۡلِمُونَ﴾ [النحل: 81].
والأصل في اللباس الإباحة، فللمسلم أن يلبس ما يشاء مما يصنعه
هو أو يصنعه له غيره من المسلمين وغيرهم، فالعبرة بموافقة اللباس للشروط الشرعية المعروفة.
وهذا هو حال الصحابة رضي الله عنهم في مكة وفي غيرها، فلم يكن لمن يُسلم منهم لباس خاص به، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يلبس الجُبَّة الشامية والحلَّة اليمنية، ولم يكن أهل صناعتهما من المسلمين.
والمنهي عنه في هذا الباب لبس ثياب الكفار التي تختص بهم ولا يلبسها غيرهم، كالمعصفر والقَسِّي وغيرهما(291) ، أما ما كان لبسه مشتركاً بين الكفار والمسلمين، فلا حرج في لبسه ولا كراهية فيه، لأنه ليس خاصاً بالكفار، ولا يدخل في النهي الوارد في قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ»(292) .
وقد سئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء عن المشابهة بالكفار المنهي
عنها فأجابوا:
«المراد بمشابهة الكفار المنهي عنها: مشابهتهم فيما اختصوا به من العادات، وما ابتدعوه في الدين من عقائد وعبادات..»(293) .
وعليه: فثياب غير المسلمين التي ليست من مختصات عادتهم سواء تلك التي اشتهرت عنهم صناعة أو عادة ولُبساً، أو التي غُسلت بعد أن لبسوها، إن كانت طاهرة ساترة للعورة — ألا تصف، ألا تكشف، ألا تشف — فلا غضاضة في ارتدائها، وكذا ما نسجوه أو صبغوه؛ وهذا ما تعورف عليه، وهذا ما فهمه الآل والأصحاب رضوان الله عليهم فكانوا يلبسون ما نسجه الكفار وصبغوه، بل واستعار بعضهم بعض ثياب غير المسلمين.
روي أنه لما قدم عمر بن الخطاب رضي الله عنه الجابية استعار ثوباً من نصرانى فلبسه، حتى خاطوا له قميصه وغسلوه، وتوضأ من نجرة نصرانية(294) .
الوضوء من مائهم والصلاة في بيوتهم: (الماء ماؤه والأرض أرضه)
الأصل أن طعام وثياب وماء أهل الذمة طاهر، ورُوِي أَن النّبيّ صلى الله عليه وسلم «تَوَضَّأ مِنْ مزادةِ مُشْرِكةٍ»(295) .
أوردنا سابقاً أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما قدم الجابية توضأ من نجرة نصرانية(296) .
وصلَّى سلمان وأبو الدرداء رضي الله عنهما في بيت نصرانية، فقال لها أبو الدرداء: «هل في بيتك مكان طاهر فنصلى فيه؟» فقالت: طهرا قلوبكما، ثم صليا أين أحببتما. فقال له سلمان: «خذها من غير فقيه»(297) .
التهادي إليهم ومنهم: (من يفعل الخير لا يعدم جوازيه)
التهادي من أمارات البر، وفي الحديث: «تَهَادَوْا فَإِنَّ الهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وغَرَ الصَّدْرِ»(298) . وفي رواية: «تُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ..»(299) وفي رواية: «تهادوا فإن الهدية تسل السخيمة»(300) .
وروي من حديث عائشة: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها»(301) .
وقد بوَّب البخاري في صحيحه، كتاب الهبة فقال: باب قبول هدية المشركين(302) .
وقد ثبت قبول النبي صلى الله عليه وسلم لهدايا المقوقس له، وفيها مارية بنت شمعون، وأختها سيرين، وخصياً يقال له: مابور(303) .
وفي البخاري: عن أبي حميد الساعدي قال: أهدى ملك أيلة للنبي صلى الله عليه وسلم بغلة بيضاء وكساه برداً وكتب إليه ببحرهم _ يعني بلدهم(304) .
عن قتادة عن أنس رضي الله عنه: أن أكيدر دومة أهدى إلى النبي صلى الله عليه وسلم(305) .
وعن أنس رضي الله عنه: «أنّ يهودية أهدت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شاة مسمومة(306) .
وقد أخذ العلماء من هذا وغيره جواز قبول الهدية من الكافر الذي يراد تأليفه على الإسلام(307) ، والأخذ منهم كالإعطاء لهم تأليفاً.
وقد بوَّب البخاري كذلك في صحيحه باباً بعنوان: باب الهدية للمشركين(308) ابتدأه بقوله تعالى: ﴿لَّا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَلَمۡ يُخۡرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ أَن تَبَرُّوهُمۡ وَتُقۡسِطُوٓاْ إِلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ﴾
[الممتحنة: 8]
وقد صحَّ في البخاري وغيره: «أن النبي — صلى الله عليه وسلم ، كسا عمر حُلَّة فأرسل بها إلى أخ(309) له من أهل مكة قبل أن يسلم» وأصله ما رواه البخاري بسنده عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: رأى عمر حلة على رجل تباع، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: ابتع هذه الحلة تلبسها يوم الجمعة، وإذا جاءك الوفد؟ فقال: «إنما يلبس هذا من لا خلاق له في الآخرة»، فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم منها، بحلل، فأرسل إلى عمر منها بحلة، فقال عمر: كيف ألبسها وقد قلت فيها ما قلت؟ قال: «إني لم أكسكها لتلبسها تبيعها، أو تكسوها»، فأرسل بها عمر إلى أخ له من أهل مكة قبل أن يسلم(310) .
وروى أحمد بسنده عن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال: قدمت قبيلة ابنة عبد العزى بن عبد أسعد من بنى مالك بن حسل على ابنتها أسماء ابنة أبي بكر بهدايا ضباب وأقط وسمن وهى مشركة فأبت أسماء أن تقبل هديتها وتدخلها بيتها فسألت عائشة النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل: لَّا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ [الممتحنة: 8] إلى آخر
الآية فأمرها أن تقبل هديتها وأن تدخلها بيتها(311)
وأخذ العلماء من قصة أسماء مع أمها جواز وصل القريب الكافر.
قال القاضي عياض: فيه جواز صلة المشرك ذي القرابة والحرمة والذِّمام(312) .
وقال الشوكاني: فيه دليل على جواز الهدية للقريب الكافر، والآية المذكورة تدل على جواز الهدية للكافر مطلقاً من القريب وغيره ولا منافاة ما بين ذلك وما بين قوله تعالى: ﴿لَّا تَجِدُ قَوۡمٗا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ يُوَآدُّونَ مَنۡ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ﴾ [المجادلة: 22] الْآيَةُ، فإنها عامة في حق من قاتَل ومن لم يقاتِل، والآية المذكورة خاصة بمن لم يقاتِل، وأيضا البر والصلة والإحسان لا تستلزم التَّحَابَّ وَالتَّوَادَّ المنهي عنه، ومن الأدلة القاضية بالجواز قوله تعالى: ﴿وَإِن جَٰهَدَاكَ عَلَىٰٓ أَن تُشۡرِكَ بِي مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٞ فَلَا تُطِعۡهُمَاۖ وَصَاحِبۡهُمَا فِي ٱلدُّنۡيَا مَعۡرُوفٗا﴾ [لقمان: 15](313) .
وعن مجاهد قال: كنت عند عبد الله بن عمرو وغلامه يسلخ شاة فقال: يا غلام إذا فرغت فابدأ بجارنا اليهودي فقال رجل من القوم: اليهودي أصلحك الله؟ قال: إني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يوصى بالجار
حتى خشينا أو رؤينا أنه سيورثه(314)
ولا يقدح في هذا ما روي من ردِّ أبي مسعود هدية أهداها إليه رأس الجالوت اليهودي، وإقرار علي بن أبي طالب صنيعه؛ لدخولها في حكم الهدية إلى الولاة؛ لأن أبا مسعود كان على الشرطة.
روى خالد بن سعد مولى أبي مسعود، قال: أهدى رأس الجالوت إلى أبي مسعود مائة ألف درهم، فلما جاء أبو مسعود، قالت امرأته: يا بردها على الكبد، قال: وما ذاك؟ قالت: رأس الجالوت أهدى لبناتي، فقال أبو مسعود: يا حرها على الكبد، فذكر ذلك لعلي رضي الله عنه، وأخبره بما قالت امرأته، فقال علي: «فما قلت؟» قال: قلت: واحرها على الكبد، فقال علي: «أجل والله، يا حرها على الكبد، متى كان رأس جالوت يهدي لبناتك؟، احملها فاجعلها في بيت مال المسلمين»(315) .
قال الطحاوي معقباً على الرواية السابقة ومؤكداً ما سبق تقريره: فهذا علي، وأبو مسعود قد روي عنهما في هذا الحديث ردهما الهدية ممن أهداها إلى أبي مسعود إلى بيت مال المسلمين لما كان عليه من ولاية أمور المسلمين، ولما كان أبو مسعود عليه له من ولاية شرطته، ففي ذلك ما قد دل على أنه كذلك حكم الهدايا إلى ولاة الأمور ممن يحاول بهداياه إليهم ما يحاوله...، فإنها ترجع إلى مثل ما ردها
علي إليه مما قد ذكرناه عنه في هذا الحديث ولم يخالفه فيه أبو مسعود(316)
إجابة دعوتهم والأكل من طعامهم: (جبر الخواطر وتطييب السرائر)
جاء الإسلام لتنظيم الحياة وإدارتها والسمو بها، ومن معالم هذا السمو ما يعرف حديثاً بالذوق، وهو جمال في التعامل ذو أشكال متعددة، منها على حد تعبير د. محمد راتب النابلسي: النفس المرهفة الجميلة الموقف الجميل التصرف الجميل، الحركة الجميلة، اللمسة الجميلة، الكلمة الجميلة، جمال النظام، جمال النظافة جمال الأناقة، جمال التناسق والانسجام، جمال في البيت، جمال في مكان العمل، جمال في الطريق، جمال في الأماكن العامة(317) .
ويلحق به إجابة دعوة الداعي، والأصل في ذلك قول المولى تعالى: ﴿ٱلۡيَوۡمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُۖ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ حِلّٞ لَّكُمۡ وَطَعَامُكُمۡ حِلّٞ لَّهُمۡۖ﴾ [المائدة: 5] وقد ثبت في السنة ما يبيح ذلك، وقال ابن المنذر: وأجمعوا
على أن ذبائح أهل الكتاب لنا حلال إذا ذَكروا اسم الله عليها(318)
وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يجيب من دعاه، فيأكل من طعامه، وقد أجاب النبي صلى الله عليه وسلم دعوة يهودي على طعام، ففي حديث أنس رضي الله عنه، قال: ولقد رهن النبي صلى الله عليه وسلم درعه بشعير، ومشيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم بخبز شعير وإهالة سنخة(319) .
يقول ابن حجر: فكأن اليهودي دعا النبي صلى الله عليه وسلم على لسان أنس فلهذا قال مشيت إليه بخلاف ما يقتضيه ظاهره أنه حضر ذلك إليه(320) .
ويشهد لهذا المعنى ما رواه أحمد من طريق شيبان عن قتادة عن أنس قال: لقد دعي نبي الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم على خبز شعير، وإهالة سنخة(321) .
وكان الآل والأصحاب يأكلون من أطعمة أهل الكتاب بلا حرج.
ولما قدم
عمر رضي الله عنه الشام صنع له أهل الكتاب طعاماً فدعوه، فقال: «أين هو؟» قالوا: في الكنيسة، فكره دخولها، وقال لعلي رضي الله عنه: «اذهب بالناس، فذهب علي بالمسلمين». فدخلوا وأكلوا، وجعل على رضي الله عنه: ينظر إلى الصور، وقال: «ما على أمير المؤمنين لو دخل وأكل؟»(322)
وَقَالَ عمر بن الخطاب: كلوا الْجُبْن مِمَّا يصنعُ أهل الْكتاب(323) . وروي مثله عن عبد الله بن مسعود(324) .
وقد استدل العلماء على جواز طعام أهل الكتاب أيضاً بحديث عبد الله بن مُغفَّل وفيه يقول حميد بن هلال، قال: سمعت عبد الله بن مغفل، يقول: «رمي إلينا جراب فيه طعام، وشحم يوم خيبر، فوثبت لآخذه، قال: فالتفت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستحييت منه»(325) .
وعند أبي داود عن عبد الله بن مغفل بلفظ: دُلِّيَ جراب من شحم يوم خيبر قال: فأتيته فالتزمته قال: ثم قلت: لا أعطي من هذا أحداً اليوم شيئاً. قال: فالتفت، «فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبسم إلي»(326) .
وذكر ابن القيم: قال أحمد بن الحسن الترمذي: سألت أبا عبد الله
عن ذبائح أهل الكتاب فقال: لا بأس بها، فقلت: إلى أي شيء تذهب فيه؟ قال: حديث عبد الله بن مغفل يوم فتح خيبر: «ولي جراب من شحم» الحديث(327)
جاء في فتح المنعم: الصحابي الجليل عبد الله بن مغفل مقاتل من جنود الله في غزوة خيبر وقد حاصروا حصنا من حصونها وطال بهم انتظار الفتح ونفدت أزوادهم فأكلوا لحوم الحمر الأهلية وأكلوا النباتات الأرضية حتى البصل والثوم وحتى مص النوى وفي هذه المجاعة يتبرع ساكن أو ساكنة من القصر المحاصر بكيس من جلد يملؤه طعاما ويلقيه على جند الإسلام فيثب ويقفز عبد الله بن المغفل فيلتقطه ويسارع فيلتقم لقمة منه ويراه جامع الغنيمة فيحاول أخذه منه ويلتفت الرجلان وراءهما فإذا النبي صلى الله عليه وسلم مبتسما وهو يقول لجامع الغنيمة: اتركه ويقول لعبد الله: هو لك ويخجل عبد الله لما أتى من القفز والحرص والاقتناص للجراب أمام الرسول صلى الله عليه وسلم وكان ينبغي أن يكون على غير هذا وأن يحافظ على وقاره ومروءته وقناعته رضي الله عنه(328) .
وقد مرَّ معنا حديث البخاري عن مجاهد قال: كنت عند عبد الله بن عمرو وغلامه يسلخ شاة فقال: يا غلام إذا فرغت فابدأ بجارنا اليهودي فقال رجل من القوم: اليهودي أصلحك الله؟ قال: إني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يوصى
بالجار حتى خشينا أو رؤينا أنه سيورثه(329)
ورُوِي عنْ جابِر، قَالَ: «كُنّا نغْزُو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنُصِيبُ من آنِيةِ المشركين وأسْقِيتِهِمْ، فنسْتمْتِعُ بِها، وَلَا يعِيبُ ذلِك عليهم»(330) .
وعن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أسماء بنت أبي بكر، قالت: «كنت مرة في أرض قطعها نبي الله صلى الله عليه وسلم لأبي سلمة، والزبير من أرض النضير، فخرج الزبير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم»، ولنا جار من اليهود، فذبح شاة فطبخت فوجدت ريحها، فدخلني من ريح اللحم ما لم يدخلني من شيء قط وأنا حامل بابنة لي تدعى خديجة، فلم أصبر فانطلقت فدخلت على امرأته أقتبس منها ناراً لعلها تطعمني، وما لي من حاجة إلى النار، فلما شممت ريحه، ورأيته ازددت شرا، فأطفأته، ثم جئت الثانية أقتبس مثل ذلك، ثم الثالثة فلما رأيت ذلك قعدت أبكي وأدعو الله، فجاء زوج اليهودية فقال: أدخل عليكم أحد؟ قالت: لا إلا العربية أتت تقتبس ناراً، فقال: فلا آكل منها أبدا أو ترسلي منها إليها، فأرسلت إلي بقدحة، ولم يكن في الأرض شيء أعجب إلي من تلك الأكلة(331) .
وروى عكرمة عن ابن عباس، قال: «كلوا من ذبائح بني تغلب، وتزوجوا من نسائهم، فإن الله عز وجل، قال: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلنَّصَٰرَىٰٓ أَوۡلِيَآءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡ﴾ [المائدة: 51]»(332) .
وعن عَبيدة السلماني، أن علياً، كان يكره ذبائح بني تغلب ويقول: «لا يتمسكون من النصرانية إلا بشرب الخمر»(333) . وكره علي هنا يفيد الجواز، ففارق بين كان يكره، وكان يرى حرمة.
وشرط خالد على أَهْلَ عَانَاتَ والنَّقِيبِ وَالْكَوَاثِلِ؛ في صلحه معهم: أَنْ يُضِيفُوا الْمُسْلِمِينَ وَيَبْذَرِقُوهُمْ — أي يحرسونهم(334) — .
وفي كتاب عتبة بن فرقد عامل عمر بن الخطاب إلى أهل أذربيجان:.. وعليهم قِرى المسلم من جنود المسلمين يوماً وليلة(335) .
وقِرى المسلم: الإحسان إليه، وحُسن ضيافته(336) ، ومن أولى آدابه إطعام الطعام، كما هو معلوم.
إن الإسلام بهذه الأخلاق الفاضلة التي ألزم بها أتباعه، بدءاً من جيل الآل والأصحاب وحتى يرث الله الأرض ومن عليها، يضرب أروع
الأمثلة في التسامح مع من لا يدينون بعقيدته، إنه يهدف إلى إنشاء مجتمع لا عزلة فيه لأحد حتى وإن كان غير مسلم.
جاء في تفسير الظلال عند قوله تعالى: «الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ»..
وهنا نطلع على صفحة من صفحات السماحة الإسلامية في التعامل مع غير المسلمين، ممن يعيشون في المجتمع الإسلامي «في دار الإسلام»، أو تربطهم به روابط الذمة والعهد، من أهل الكتاب..
إن الإسلام لا يكتفي بأن يترك لهم حريتهم الدينية ثم يعتزلهم، فيصبحوا في المجتمع الإسلامي مجفوين معزولين — أو منبوذين — إنما يشملهم بجو من المشاركة الاجتماعية، والمودة، والمجاملة والخلطة. فيجعل طعامهم حلا للمسلمين وطعام المسلمين حلاً لهم كذلك. ليتم التزاور والتضايف والمؤاكلة والمشاربة، وليظل المجتمع كله في ظل المودة والسماحة(337) .
عيادتهم في مرضهم وحُسن صحبتهم: (قلوب حانية)
(وللمرضى أنين ترِقُّ له الجبال الشامخات)
عيادة المرضى والإشفاق عليهم من معالم الإنسانية وسُبل تأليف القلوب، وأمارات حسن الصحبة، والفطر السليمة جُبلت على الحنو على الضعفاء، والرقة لأصحاب الأعذار والأمراض، بغض النظر عن دينهم أو
جنسهم أو لسانهم، وهذا ما نشاهده جلياً في حياة الآل والأصحاب، والذين كانوا أنموذجاً حياً لتعاليم دينهم الحنيف، فشملوا بحسن أخلاقهم غير المسلمين في مجتمعهم، وأشعروهم في مرضهم بقيمة الأخوة الإنسانية.
وهذا الباب أصله حديث البخاري عن أنس قال: كان غلام يهودي يخدم النبي صلى الله عليه وسلم، فمرض، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعودُه، فقعد عند رأسه، فقال له: «أسلِم»، فنظر إلى أبيه وهو عنده فقال له: أطِع أبا القاسم صلى الله عليه وسلم، فأسلم، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: «الحمد لله الذي أنقذه من النار»(338) .
ففي الحديث جواز عيادة المسلم لليهودي(339) .
وجاء في عمدة القاري: وفيه: جواز عيادة أهل الذمة، ولا سيما إذا كان الذمي جاراً له؛ لأن فيه إظهار محاسن الإسلام وزيادة التآلف بهم ليرغبوا في الإسلام(340) .
وعن ابن عباس «أن أبا طالب مرِض فعاده النبي صلى الله عليه وسلم»(341) .
وروى البخاري بسنده عن أسماء بنت أبي بكر، رضي الله عنهما قالت: أتتني
أمي راغبة، في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فسألتُ النبي صلى الله عليه وسلم: آصِلُهَا؟ قال: «نعم» قال ابن عيينة: فأنزل الله تعالى فيها: ﴿لَّا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ﴾ [الممتحنة: 8](342)
ففي الحديث رخص النبي صلى الله عليه وسلم للصحابية أسماء بنت أبي بكر في صلة أمها غير المسلمة، ومن مقتضيات الصلة الزيارة عند المرض.
وجاء عند ابن أبي شيبة: عن أرطاة بن المنذر، أن أبا الدرداء، «عاد جاراً له يهودياً»(343) .
وفي حُسن الصحبة التي من لوازمها العيادة في المرض، يروى عن علي بن أبي طالب أنه صاحب رجلاً ذمياً، فقال له الذمي: أين تريد يا عبد الله؟ فقال: أريد الكوفة، فلما عدل الطريق بالذمي عدل معه أمير المؤمنين، فقال له الذمي: ألست زعمت أنك تريد الكوفة؟ فقال له: بلى فقال له الذمي: فقد تركت الطريق؟ فقال له: قد علمت، قال: فلم عدلت معي وقد علمت ذلك؟ فقال له أمير المؤمنين: هذا من تمام حسن الصحبة أن يشيع الرجل صاحبه هنيئة إذا فارقه وكذلك أمرنا نبينا، فقال له الذمي: هكذا، قال؟ قال: نعم، قال الذمي: لا جرم إنما تبعه من تبعه لأفعاله الكريمة، فأنا اشهد أني على دينك ورجع الذمي مع أمير المؤمنين (عليه السلام) فلما عرفه أسلم(344) .
ويروى عن الصادق قوله: وإن جالسك يهودي فأحسن مجالسته(345) .
الوصية لهم بما لا يزيد عن الثلث: (والوصايا نوع عطايا)
صلة الأقارب والمعارف والخلان من جوهر الدين ولبه، حتى وإن كان القريب كافراً، وهذا الوصل من البر المحمود معهم، تشهد له رواية أسماء بنت أبي بكر في وصل أمها(346) ، والوصل أنواع وأشكال، ومنه الوصل بالمال عطية أو وصية، وهذا ما نلمحه جلياً في تراث الآل والأصحاب، حيث شملوا بعنايتهم ورعايتهم أقاربهم ورفقاءهم القدامى من غير المسلمين ووصلوهم بأموالهم.
وقد ثبت في البخاري أن عمر وصل أخاً له من أهل مكة قبل أن يسلم، وكان أخوه لأمه(347) .
ومن باب الوصل بالمال الوصية، وقد ثبتت الوصية لغير المسلمين، فروي عن عكرمة، أن صفية زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت لأخ لها يهودي: «أَسْلِمْ تَرِثْنِي»، فسمع بذلك قومه فقالوا: أتبيع دينَك بالدنيا؟، فأبى أن يُسلم، فأوصت له بالثلث(348) .
وروي عن ليث عن نَافِعٍ، عن ابن عمر، «أنَّ صفية أوصَت لنَسِيب لها يهودي»(349) .
والوصية لغير المسلم هنا لا دلالة فيها على موالاته أو تعلُّق القلب بما هو عليه، فالأمر لا يعدو كونه صلة للرحم كما أشارت الرواية السابقة، ولا دلالة فيه على تعلُّق قلْب السيدة صفية بقومها وتقديمهم على المسلمين، أو ارتضائها دينهم، كما أنه لا يعد خادشاً في إيمانها رضي الله عنها وهذا ما صرَّح به علماؤنا.
فقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن صفية بنت حيي بن أخطب قد أوصت لقرابة لها من اليهود، وأن وصل الأقارب من الكفار غير مخرِج عن الإيمان(350) .
بل في موضع آخر قرر أن وصية صفية لبعض أقاربها من
اليهود مما تُحمد عليه لا مما تُذم عليه(351)
وقد أخذ العلماء من فعلها رضي الله عنها — وغيره — صحة الوصية للذمِّي بعموم، واشترط الحنابلة أن يكون معيَّناً(352) .
وقد برَّ النبي صلى الله عليه وسلم عمه أبا طالب ووصله رغم كونه على الشرك، ولم ينهه ربه عن ذلك.
وقال الخطابي تعليقاً على قصة أسماء بنت أبي بكر مع أمها: فيه أن الرحم الكافرة توصل من المال ونحوه كما توصل المسلمة، ويستنبط منه وجوب نفقة الأب الكافر والأم الكافرة وإن كان الولد مسلماً(353) .
وقال ابن حجر: ثم البر والصلة والإحسان لا يستلزم التحابب والتوادد المنهي عنه في قوله تعالى: ﴿لَّا تَجِدُ قَوۡمٗا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ يُوَآدُّونَ مَنۡ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ﴾(354) [المجادلة: 22].
وقد بوّب البخاري في صحيحه باباً جعله بعنوان: باب الهدية للمشركين، وقول الله تعالى: ﴿ لَّا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ(355) ﴾ [الممتحنة: 8].
ومن طرق الإمامية روى محمّد بن مسلم، قال: سألتُ أبا عبد الله جعفر بن محمد عن رجل أوصى بماله في سبيل الله؟ فقال: أعطه لمَن أوصى له وإن كان يهودياً أو نصرانياً، إنّ الله تبارك وتعالى يقول: ﴿فَمَنۢ بَدَّلَهُۥ بَعۡدَ مَا سَمِعَهُۥ فَإِنَّمَآ إِثۡمُهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُۥٓۚ﴾(356) [البقرة: 181].
وعن الريّان بن شبيب قال: أوصَتْ أختي لقوم نصارى فراشين بوصيّة، فقال أصحابنا: قسِّم هذا في فقراء المؤمنين من أصحابك، فسألت الرضا، فقلتُ: إنّ أُختي أوصت بوصية لقوم نصارى، وأردتُ أنْ أصرف ذلك إلى قوم من أصحابنا مسلمين؟ فقال: امض الوصية على ما أوصتْ به(357) .
وهذا من دلائل جواز الوصية من المسلم لغير المسلم عند الإمامية.
التزوج من نساء أهل الكتاب: (النكاح وشيجة وقربى)
النكاح وشيجة وقربى وينشأ عنه صلة بين الزوج وزوجته وأهله
وأهلها، وصريح القرآن يدلّ دلالة واضحةً على جواز نكاح نساء أهل الكتاب، قال تعالى: ﴿ٱلۡيَوۡمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُۖ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ حِلّٞ لَّكُمۡ وَطَعَامُكُمۡ حِلّٞ لَّهُمۡۖ وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ إِذَآ ءَاتَيۡتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحۡصِنِينَ غَيۡرَ مُسَٰفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِيٓ أَخۡدَانٖۗ﴾. [المائدة: 5].
الأصل جواز نكاح المسلم للكتابية، أي من كانت من أهل الكتاب وهم: اليهود والنصارى، ولا يجوز لرجالهم نكاح المسلمات؛ لأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه.
فيجوز الزواج من اليهودية والنصرانية بالشروط المعتبرة شرعاً، ومنها أن تكون محصنة، وهي الحرة العفيفة التي لا تعرف بتعاطي الفواحش.
والمراد بالمحصنة في الآية الحرة العفيفة، قال ابن كثير: وهو قول الجمهور هاهنا، وهو الأشبه، لئلا يجتمع فيها أن تكون ذمية، وهي مع ذلك غير عفيفة، فيفسد حالها بالكلية ويتحصل زوجها على ما قيل في المثل: «حشفا وسوء كيلة» والظاهر من الآية أن المراد من المحصنات العفيفات عن الزنا(358) .
وعن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «نتزوج نساء أهل الكتاب ولا يتزوجون نساءنا»(359) .
قال ابن جرير: فهذا الخبر وإن كان في إسناده ما فيه، فالقول به لإجماع الجميع على صحة القول به(360) .
وروي عن عمر قوله: «المسلم يتزوج النصرانية، ولا يتزوج النصراني المسلمة»(361) .
وقد ثبت زواج كثير من آل البيت والأصحاب بنساء من أهل الكتاب ممن يقيمون في دولة الإسلام.
فقد تزوج حذيفة من يهودية، فكتب إليه عمر أن خَلِّ سبيلها، فكتب إليه: إن كانت حراماً خلَّيت سبيلها، فكتب إليه: «إني لا أزعم أنها حرام، ولكني أخاف أن تَعَاطَوُا الْمُومِسَاتِ منهن»(362) .
قال البيهقي: وهذا من عمر — رضي الله عنه — على طريق التنزيه والكراهية، ففي رواية أخرى أن حذيفة كتب إليه: أحرام هي؟، قال: لا، ولكني أخاف أن تعاطوا المومسات منهن.
وتزوَّج طلحة بن عبيد الله من بنت عظيم اليهود، «فعزم عليه عمر إلا ما طلَّقها»(363) .
قال ابن جرير تعليقاً على ما أمر به
عمر طلحة وحذيفة: وإنما كره عمر، لطلحة وحذيفة، رحمة الله عليهم، نكاح اليهودية والنصرانية، حذراً من أن يقتدي بهما الناس في ذلك، فيزهدوا في المسلمات، أو لغير ذلك من المعاني، فأمرهما بتخليتهما(364)
وعن أبي الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله، يسأل عن نكاح المسلم اليهودية والنصرانية، فقال: «تزوجوهن زمان الفتح بالكوفة مع سعد بن أبي وقاص، ونحن لا نكاد نجد المسلمات كثيرا، فلما رجعنا طلقناهن». قال: «ونساؤهم لنا حِلّ، ونساؤنا عليهم حرام»(365) .
وقال البيهقي: وروينا في إباحة ذلك — أي الزواج من الكتابيات — عن عمر وعثمان وطلحة وحذيفة وابن عباس إلا أن عمر كرهها(366) .
وقال البيهقي: قال أحمد: قد روينا معنى هذا — أي حل الكتابيات — عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، وعن عطية، عن ابن عباس(367) .
قال ابن قدامة: (وحرائر نساء أهل الكتاب وذبائحهم حلال للمسلمين) ليس بين أهل العلم، بحمد الله، اختلاف في حل حرائر نساء أهل الكتاب. وممن روي عنه ذلك عمر، وعثمان، وطلحة، وحذيفة وسلمان، وجابر، وغيرهم. قال ابن المنذر: ولا يصح عن أحد من الأوائل أنه حرم ذلك. وروى الخلال، بإسناده، أن حذيفة، وطلحة،
والجارود بن المعلى، وأذينة العبدي، تزوجوا نساء من أهل الكتاب. وبه قال سائر أهل العلم(368)
فدلَّ ما سبق من تزوج بعض الصحابة من نساء كتابيات على أنه أمر جائز، وأما ما ورد من اعتراض عمر السابق فليس لحرمة الزواج من الكتابيات، وإنما خشية أن يزهد الناس في المسلمات.
التعامل معهم بيعاً وشراءً ورهناً ومزارعة وغيره
(خلطة وجود لا انعزالية جمود)
منح الإسلام لغير المسلمين في مجتمعه حرية التعامل، وأجاز للمسلمين التعامل معهم بما تقتضيه الظروف مما ليس بمحرم من نحو البيع والشراء والرهن والمزارعة..
وعقد العلماء في مصنفاتهم أبواباً تفيد جواز التعامل مع غير المسلمين، فعقد البخاري في صحيحه باباً بعنوان: الشراء والبيع مع المشركين وأهل الحرب(369) .
واستهل ابن حجر شرحه لهذا الباب من الصحيح بقوله: قال ابن بطال معاملة الكفار جائزة إلا بيع ما يستعين به أهل الحرب على المسلمين(370) .
وعقد البخاري في صحيحه كذلك باباً جعله بعنوان: مشاركة الذمي والمشركين في المزارعة(371) .
وقد شهدت كثير من النصوص بتعامل سيد الآل والأصحاب صلى الله عليه وسلم مع غير المسلمين، بيعاً وشراء ورهناً واستعارة.. الخ
ففي حديث ابن عمر «أن النبي صلى الله عليه وسلم عامل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع..»(372) .
وعن أبي رافع، قال: نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم ضيف: فأرسلني إلى يهودي بالمدينة يستسلفه، فأتيته، فقال: لا أسلفه إلا برهن، فأخبرته بذلك، فقال: «إني لأمين في أهل السماء وفي أهل الأرض، فاحمل درعي إليه»(373) .
فالرواية أثبتت تعامل النبي صلى الله عليه وسلم بالرهن مع اليهودي، كما تضمنت أيضاً ما يفيد إعطاءه حرية العمل والكسب وإلا فكيف جمع هذا اليهودي ما يمكنه من إسلاف غيره؟.
وفي الرواية أيضاً ما يفيد تمتع اليهودي بالحرية الكاملة في التعامل مع النبي صلى الله عليه وسلم إعطاءً ومنعاً، بدلالة رفضه إسلاف النبي صلى الله عليه وسلم إلا برهن، ولو لم يأمن على نفسه ما تجرأ على ذلك.
وفي البخاري عن عائشة رضي الله عنها، قالت: «توفي النبي صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين»(374) . أي ثلاثين صاعاً من شعير(375) .
وفي سنن ابن ماجه عن أنس، قال: لقد رهن رسول الله صلى الله عليه وسلم درعه عند يهودي بالمدينة، فأخذ لأهله منه شعيراً(376) .
وفي البخاري عن عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما، قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم جاء رجل مشرك مُشْعَانٌّ(377) طويل بغنم يسوقها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «بيعاً أم عطية؟ — أو قال: — أم هبة»، قال: لا، بل بيع، فاشترى منه شاة(378) .
وثبت استعارة النبي صلى الله عليه وسلم من صفوان بن أمية — وكان وقتها مشركاً — أدرعاً ورماحاً وقسياً وسهاماً ليستعملها في غزوة حنين.
فقد روى أحمد بسنده عن أمية بن صفوان بن أمية عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعار منه يوم خيبر أدراعاً فقال: أغصباً يا محمد؟ فقال: بل عارية مضمونة، قال: فضاع بعضها، فعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يضمنها له، فقال: أنا اليوم يا رسول الله
في الإسلام أرغب(379)
ولنا أن نتساءل: هل لم يكن في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من يستطيع إقراضه، بل من يستطيع أن يضع بين يديه، بل وتحت أقدامه ما شاء من أموال لاسيما وأن من بين أصحابه موسرين أثرياء يتلهفون لخدمته صلى الله عليه وسلم ومجاملته؟ الإجابة بالقطع بلى كان هناك من يمكنه ذلك.
إذن فلم يمَّم النبي صلى الله عليه وسلم وجهه شطر يهودي ليقترض منه أو يرهنه درعه مقابل ما ذكرته الرواية؟
ويجيب الدكتور الحوفي عن هذا مشيراً إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك تعليماً للأمة وتثبيتاً عملياً لما يدعو إليه صلى الله عليه وسلم من سلام ووئام، وتدليلاً على أن الإسلام لا يقطع علاقات المسلمين مع مواطنيهم من غير دينهم ما ظلوا على عهدهم وداموا مسالمين(380) .
قال ابن حجر معلقا على رهن النبي صلى الله عليه وسلم درعه عند اليهودي: فيه جواز معاملة الكفار فيما لم يتحقق تحريم عين المتعامل فيه وعدم الاعتبار بفساد معتقدهم ومعاملاتهم فيما بينهم... وفيه ثبوت أملاك أهل الذمة في أيديهم وجواز الشراء بالثمن المؤجل(381) .
فدلَّ هذا على جواز معاملة غير المسلمين بشتى أنواع المعاملات ما لم تكن محرمة، وهذا ما ثبت أيضاً عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
فقد ثبت استقراض عبد الله بن حرام والد جابر من يهودي، ووفاء جابر من بعده بدينه، روى البخاري بسنده عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أن أباه توفي وترك عليه ثلاثين وسْقاً لرجل من اليهود، فاستنظره جابر، فأبى أن ينظره، فكلم جابر رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشفع له إليه، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلم اليهودي ليأخذ ثمر نخله بالذي له، فأبى، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم النخل، فمشى فيها، ثم قال لجابر: «جد له، فأوف له الذي له» فجده بعدما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأوفاه ثلاثين وسْقاً، وفضلت له سبعة عشر وسْقاً، فجاء جابر رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخبره بالذي كان، فوجده يصلي العصر، فلما انصرف أخبره بالفضل، فقال: «أخبر ذلك ابن الخطاب»، فذهب جابر إلى عمر فأخبره، فقال له عمر: لقد علمت حين مشى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليباركن فيها(382) .
وعن الربيع بن خثيم، عن عبد الله بن سلام: «وقع له في سهمه عجوز يهودية، فمر برأس الجالوت فقال: يا رأس الجالوت، تشتري مني هذه الجارية، فكلمها فإذا هي على دينه، قال: بكم؟ قال: بأربعة آلاف، قال: لا حاجة لي فيها، فحلف عبد الله بن سلام: لا ينقصه، فسار عبد الله بن سلام بشيء فقرأ هذه الآية: ﴿وَإِن يَأۡتُوكُمۡ أُسَٰرَىٰ تُفَٰدُوهُمۡ﴾ [البقرة: 85] الآية
فقال عبد الله بن سلام: أنت، قال: نعم، قال: «لتشترينها أو لتخرجن من دينك، قال: قد أخذتها، قال: فهب لي ما شئت قال: فأخذ منه ألفين وردَّ عليه ألفين»(383)
وهذا من شواهد تعامل الصحابة مع غير المسلمين بيعاً وشراءً إضافة إلى أنه أيضاً من شواهد التسامح والتساهل معهم.
استعمالهم والاستعانة بهم في كثير من الأعمال: (وبعضهم مؤتمَن)
أهل الذمة ومن يلحق بهم وإن كانوا مخالفين للمسلمين في الاعتقاد إلا أن هذه المخالفة لا تمنع بحال الاستعانة بهم في بعض الأمور أو المهام أو الوظائف والأعمال ونحوها، وبخاصة إذا كانوا مؤتمنين ومحل ثقة.
وهذا ما أباحه الإسلام، وجرى عليه العرف، ونطق به تاريخ المسلمين، وبخاصة في جيل الآل والأصحاب.
فقد ثبت استعانة النبي صلى الله عليه وسلم بهم في وقائع كثيرة، منها أمر المسلمين وإرشادهم إلى ضرورة الهجرة إلى الحبشة قائلاً لهم: لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكاً لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجاً مما أنتم فيه، فقد استعان النبي صلى الله عليه وسلم
بطريقة غير مباشرة بالنجاشي في حماية المسلمين والذود عنهم، وكان وقتها على غير الإسلام، معللاً ذلك بعدله، ولم تحل نصرانية النجاشي أن يرشد النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه إلى اللجوء إليه(384)
كما استعان صلى الله عليه وسلم كذلك بعبد الله بن أريقط دليلاً وهَادِيًا خِرِّيتًا — ماهراً في الهداية — في هجرته من مكة إلى المدينة، وكان على دين كفار قريش(385) .
وعند رجوعه من الطائف استعان أيضاً بالمطعم بن عدي ليجيره من مشركي مكة، فأجابه المطعم إلى ذلك وأجاره وكان على دين قومه(386) ، وحفظ له النبي صنيعه وقال بعد بدر في شأن الأسارى: «لَوْ كَانَ المُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ حَيًّا، ثُمَّ كَلَّمَنِي فِي هَؤُلَاءِ النَّتْنَى، لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ»(387) .
وفي عام الحديبية لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من أصحابه، أتى ذا الحليفة، قلد الهدي وأشعره وأحرم منها بعمرة، وبعث عيناً له من خُزاعة(388) .
وعلى خطى الحبيب صلى الله عليه وسلم سار آله وأصحابه، فنجد الصديق أبا بكر عند خروجه مهاجراً إلى الحبشة يلقاه ابن الدَّغِنة عند بَرْك
الغماد، وهو سيد القارة، ويعرض عليه أن يجيره، ويقبل أبو بكر جواره ابن سيد القارة، مستعيناً به ليحميه من بطش المشركين، وابن الدَّغِنة على دين مشركي قريش، ويؤدي ابن الدَّغِنة مهمته على خير وجه(389)
قال ابن حجر في شرحة لرواية البخاري في جوار ابن الدَّغِنة لأبي بكر: والغرض من هذا الحديث هنا رضا أبي بكر بجوار ابن الدغنة وتقرير النبي صلى الله عليه وسلم له على ذلك(390) .
وها هي أم سلمة عند هجرتها يصطحبها عثمان بن طلحة وكان يومئذ على دين قومه، حتى قدم بها إلى المدينة، ثم انصرف راجعا إلى مكة(391) .
كما ثبت استعمال الخلفاء لغير المسلمين في بعض الأعمال والمهام، لعل منها: استدعاء أحد النصارى إلى عمر في المدينة ليقوم بترتيب الفرائض وتنظيمها.
روى البلاذري في الأشراف بسنده عن عبد السلام بن حرب قال: سمعت محمد بن إسحاق يقول: كتب عمر بن الخطاب إلى يزيد بن أبي سفيان، أو إلى معاوية أن ابعث إلينا برومي يقيم لنا حساب فرائضنا(392) .
بل إن غالب عمال دواوين الخراج في العراق والشام ومصر كانوا من أهل الذمة؛ وذلك لأن أغلب لغة هذه الدوواين كانت بالسريانية والقبطية.
وفي فتوح البلدان أن عمر جعل بعض نصارى سبي قيسارية في الكتاب والأعمال للمسلمين(393) .
واتخذ أبو عبيدة كاتباً نصرانياً(394) .
وروي أن معاوية اتخذ له طبيباً نصرانياً وهو ابن أثال، وكافأه بأن وضع الخراج عنه، وولاه جباية خراج حمص(395) .
وذكر أن هارون الرشيد وهو من آل البيت من نسل العباس وضع جميع المدارس تحت مراقبة يوحنا بن ماسويه، وولاه ترجمة الكتب القديمة طبية وغيرها.
ونال حظوة كبيرة عند المأمون وهو من آل البيت من نسل العباس نوبخت وولده أبو سهل وهما على غير الإسلام.
كما حظي تيوفل بن ناما بمكانة عالية عند الخليفة المهدي وهو من آل البيت من نسل العباس كذلك.
واستعمل الخليفة المأمون يوحنا البطريق أميناً على ترجمة الكتب(396) .
هذه الشواهد السابقة لا تدع مجالاً لأحدٍ ليتقول على الآل والأصحاب متهماً إياهم بازدراء غير المسلمين، أو انتقاصهم.
ولأهل الذمة الحق في تولى وظائف الدولة كالمسلمين إلا ما غلب عليه الصبغة الدينية كالإمامة ورئاسة الدولة والقيادة في الجيش والقضاء بين المسلمين والولاية على الصدقات ونحو ذلك(397) .
وقد بلغ التسامح بالمسلمين أن صرح فقهاء كبار مثل الماوردي أن الإسلام والعلم بأحكامه معتبر في وزارة التفويض، وغير معتبر في وزارة التنفيذ(398) ، وعليه يجوز أن يتولى الأخيرة غير مسلم(399) .
إقرارهم على مكاسبهم وممتلكاتهم: (كدُّ يمين مقدَّر وعَرق جبين)
أباح الإسلام لغير المسلمين (أهل الذمة) في مجتمعه حرية العمل المشروع والكسب، شأنهم في ذلك شأن المسلمين، وقرر الفقهاء أن أهل الذمة في البيوع والتجارات وسائر العقود والمعاملات المالية كالمسلمين، في حدود ما أقرته الشريعة، فلهم حريتهم في مباشرة التجارات
والصناعات والحِرَف المختلفة، لدرجة أن بعض المهن كادت أن تكون مقصورة عليهم كالصيرفة والصيدلة وغيرها.
ولهذا يجوز لغير المسلمين العمل في البيع والشراء وسائر الأعمال المشروعة، ومن يستقرأ الفقه الإسلامي يجد أن الإسلام لم يشترط إسلام البائع في صحة البيع وانعقاده.
فكل ما جاز من بيوع المسلمين جاز من بيوع أهل الذمة، وما يبطل أو يفسد من بيوع المسلمين يبطل أو يفسد من بيوعهم، إلا الخمر والخنزير فيما بينهم على اختلاف فيه(400) .
وهذا الأمر أقر به حتى غير المسلمين، قال آدم ميتز: «ولم يكن في التشريع الإسلامي ما يغلق دون أهل الذمة أي باب من أبواب الأعمال، وكانت قدمهم راسخة في الصنائع التي تدر الأرباح الوافرة، فكانوا صيارفة وتجارًا وأصحاب ضياع وأطباء، بل إن أهل الذمة نظموا أنفسهم، بحيث كان معظم الصيارفة الجهابذة في الشام مثلاً يهودًا، على حين كان أكثر الأطباء والكتبة نصارى، وكان رئيس النصارى ببغداد هو طبيب الخليفة، وكان رؤساء اليهود وجهابذتهم عنده»(401) .
وطالما أباح الإسلام لغير المسلمين حرية العمل والكسب المشروع،
فقد أباح لهم ضمناً حرية التملك، وهذا أمر بدهي.
فحب المال وتملكه أمر مركوز في الفطر، فالمال عصب الحياة ومن زينة الحياة الدنيا، قال تعالى: ﴿وَتُحِبُّونَ ٱلۡمَالَ حُبّٗا جَمّٗا﴾ [الفجر: 20].
بناء على هذا أقر الإسلام حرية التملك لكل إنسان مقيم في دولته مسلماً كان أم غير مسلم طالما توافر فيما يتملكه حل المصدر، فمن ثبت حل مصدره ثبت له حق التملك أو الملكية، وأهل الذمة هم مواطنون يتمتعون بهذا الحق، فلهم أن يتملكوا البيوت والأرض دون نكير، وفرض الخراج على أراضي أهل الذمة من أدلة حرية تمتعهم بحق امتلاك الأراضي الزراعية وغيرها من الدور.
وقد التزم الآل والأصحاب بهذا الأمر وحققوه سلوكاً وواقعاً معاشاً مع غير المسلمين في زمنهم، فيروى أنه لما فتح عمر رضي الله عنه العراق سأله قوم من الصحابة قسمته بين الغانمين منهم الزبير وبلال وغيرهما، فقال: إن قسمتها بينهم بقي آخر الناس لا شيء لهم، واحتج عليهم بهذه الآية إلى قوله: ﴿وَٱلَّذِينَ جَآءُو مِنۢ بَعۡدِهِمۡ﴾، وشاور علياً وجماعة من الصحابة في ذلك فأشاروا عليه بترك القسمة وأن يقر أهلها عليها ويضع عليها الخراج، ففعل ذلك ووافقته الجماعة عند احتجاجه بالآية(402) .
فعمر رضي الله عنه بمشاورة من جمع من كبار الصحابة فيهم علي بن أبي طالب لما فتح العراق ترك الأرض في يد أهلها ووضع الخراج عليها
ولم يقسمها بين الغانمين.
كما صالح عمر نصارى تغلب على أن يأخذ منهم العشر مضاعفاً لأنهم كانوا يأنفون من الجزية وليست لهم أموال وإنما هم أصحاب حروث ومواشي، فصالحهم عمر رضي الله عنه على أن تضعف عليهم الصدقة(403) .
كما أخذ عمر من الذميين أصحاب التجارات نصف العشر وعلى المستأمنين العشر، مقابل ما يأخذه من التجار المسلمين من زكاة عروض التجارة(404) .
فالشواهد السابقة من حياة الخليفة عمر تضمنت فرضية الخراج وعشور التجارات على غير المسلمين، دون نكير من أحد من الصحابة، وهذا دليل على حرية العمل والكسب والتملك التي أقرها الآل والأصحاب لغير المسلمين.
شهود جنائزهم: (وللموت رهبة وجلال)
للموت في الإسلام رهبته وقداسته، وللميت كرامته الإنسانية حتى
وإن كان على غير الإسلام، كيف لا، وقد مرت بالنبي صلى الله عليه وسلم جِنازة فقام، فقيل له: إنها جنازة يهودي، فقال صلى الله عليه وسلم: «أَلَيْسَتْ نَفْسًا»(405) وفي رواية: أنه مرت جنازة يهودي، فقام لها النبي صلى الله عليه وسلم فقال أصحابه، يا رسول الله إنها جنازة يهودي، قال: «إذا رأيتم الجنازة، فقوموا»(406)
وعلى هذا الأساس أجاز الإسلام لأتباعه شهود جنائز غير المسلمين دون أدنى حرج بلا تكفين أو صلاة عليهم، فروى الدارقطني بسنده عن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه، قال: جاء ثابت بن قيس بن شماس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن أمه توفيت وهي نصرانية وهو يحب أن يحضرها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اركب دابتك وسر أمامها فإنك إذا كنت أمامها لم تكن معها»(407) .
وهذا ما نجده واضحاً في تعامل الآل والأصحاب مع غير المسلمين.
روى عبد الرزاق في مصنفه قال: أخبرنا الثوري، عن حماد، عن الشعبي قال: «ماتت أم الحارث بن أبي ربيعة وهي نصرانية فشهدها أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم» قال الثوري في بعض الحديث: «إنه كان يؤمر أن يمشي أمامها»(408) .
وروى ابن أبي شيبة في مصنفه بسنده عن أبي وائل، قال: ماتت أمي وهي نصرانية، فأتيت عمر فذكرت ذلك له، فقال: «اركب دابة وسر أمامها»(409) .
وعن عطاء بن السائب، قال: ماتت أم رجل من ثقيف، وهي نصرانية فسأل ابن مغفل فقال: إني أحب أن أحضرها، ولا أتبعها قال: «اركب دابة وسِر أمامها غلوة، فإنك إذا سرت أمامها فلست معها»(410) .
وعن يوسف بن مهران أن عبد الله بن ربيعة قال لعبد الله بن عمر رضي الله عنهما: إن أمي ماتت، وقد علمت الذي كانت عليه من النصرانية، قال: أحسن ولايتها، وكفنها، ولا تقم على قبرها. قال يوسف: كنا معه في ناحية والنصارى يعجون مع أمه(411) .
وعن سعيد بن جبير، قال: سألت ابن عباس رضي الله عنهما عن رجل مات أبوه نصرانياً، قال: يشهده ويدفنه(412) .
فدل ما سبق على جواز شهود جنائز غير المسلمين، ومشاركتهم أتراحهم وأحزانهم، مواساة لهم، وتطييباً لخاطرهم.
الخاتمة
في نهاية مطاف جولتنا، حول آداب تعامل الآل والأصحاب مع غير المسلمين، تكشفت لنا عدة نتائج خلص إليها بحثنا ومنها:
أن غير المسلمين في المجتمع الإسلامي ليسوا طيفاً واحداً، وإنما هم أصناف وأطياف، وأشياع وأقسام. العلاقة مع غير المسلم محددة بسلوكه وليس بدينه؛ ولذا فالأصل في علاقات المسلمين بغيرهم هو السلم والمسامحة، ولا يغير العلاقة السلمية إلا ما يطرأ عليها من اعتداء غير المسلمين على نحو مباشر أو غير مباشر على حرية الدعوة. المجتمع الإسلامي وإن كان في أصله مجتمع عقيدة وفكرة إلا أنه لا يحكم بالفناء على جميع العناصر التي تعيش في داخله وتخالفه عقدياً. منح البحث قرَّاءه تصوراً عن ماهية العلاقة بين آل البيت والصحابة من جهة وغير المسلمين من جهة أخرى، سواء في عصر النبوة أو بعده، كاشفاً عن أوجه التعامل بين الطرفين، والتي سادت أجواءهما ونظمت العلاقة بينهما؛ مظهِراً في الوقت ذاته معالم علاقة الآل والأصحاب بغير المسلمين ومعاملتهم لهم، من نحو: الإحسان إليهم وعدم
ظلمهم أو الإساءة إليهم، والوفاء معهم بالعهود والعقود، وحلّ ذبائح أهل الكتاب وطعامهم وشرابهم، ومناكحة نسائهم، وبيعهم وشرائهم والرهن عندهم، وجواز الانتفاع بما عندهم، ومشاركتهم تجارتهم، وحضور ولائمهم ومشاركتهم أفراحهم وأتراحهم، وقبول هداياهم والإهداء إليهم، والعدل معهم، وإقرارهم على حرية تدينهم وممارسة شعائرهم، وكذا إقرارهم على حرية العمل والكسب والتملك، والرحمة بهم، وحمايتهم من أي عدوان خارجي، وعيادتهم عند المرض وكفالتهم عند العوز والعجز، وحرمة دمائهم وأعراضهم، وجواز الوصية للأقارب منهم... إلى غير ذلك من مواضيع البحث ومضامينه. مع كل ما سبق ومع أن الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم في مجتمعهم هو التسامح بكل صوره وكافة أشكاله، إلا أن هذا لا يعني بحال إذابة الفوارق الأساسية بين الإسلام وغيره، فكل دين له مقوماته الجوهرية وخصائصه الذاتية، فلا يجوز إغفال هذه المقومات والخصائص من أجل مجاملات سطحية أو كسب معارك وهمية، فليكن هذا واضحًا للمسلمين ولغير المسلمين جميعًا(413) أن التعامل مع غير المسلمين يحتاج إلى فقه رشيد، يحافظ على التَّوازُن والاعتدال في المعاملة؛ بلا غلظة وجفاء أو تساهل وتمييع، وكلاهما طرَفٌ مذموم.
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل
ثبت المراجع
الإجماع: أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري، المحقق: فؤاد عبد المنعم أحمد، الناشر: دار المسلم للنشر والتوزيع، ط1: سنة 1425ه 2004م. الأحكام السلطانية للفراء: القاضي أبو يعلى، محمد بن الحسين بن محمد بن خلف ابن الفراء (المتوفى: 458ه) الناشر: دار الكتب العلمية بيروت، لبنان، ط2: سنة 1421ه 2000م. الأحكام السلطانية: أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450ه) الناشر: دار الحديث القاهرة. أحكام القرآن للجصاص: حمد بن علي أبو بكر الرازي الجصاص الحنفي (المتوفى: 370ه) المحقق: محمد صادق القمحاوي عضو لجنة مراجعة المصاحف بالأزهر الشريف الناشر: دار إحياء التراث العربي بيروت، سنة 1405ه. أحكام أهل الذمة: أحمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: 751ه) دار ابن حزم الدمام بيروت، ط1: سنة 1418 ه 1997م. الأدب المفرد: محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري، أبو عبد الله (المتوفى: 256ه) مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الرياض، ط1:
سنة 1419ه 1998م. إرْشَادُ السَّارِي لِشرح صَحِيح البخَاري: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك القسطلاني القتيبي المصري، أبو العباس، شهاب الدين (المتوفى: 923ه) الناشر: المطبعة الكبرى الأميرية، مصر، ط7: سنة 1323ه. إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل: محمد ناصر الدين الألباني (المتوفى: 1420ه) الناشر: المكتب الإسلامي بيروت، ط2: سنة 1405ه 1985م. الاستبصار: محمد بن الحسن الطوسي، تحقيق: تحقيق وتعليق: السيد حسن الموسوي الخرسان، الناشر: دار الكتب الإسلامية طهران، الطبعة الرابعة. الإسلام في مرآة الفكر الغربي: محمود حمدي زقزوق، طبعة دار الفكر العربي، سنة 1414ه 1994م. الأسماء والصفات للبيهقي: أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي، البيهقي، تحقيق: عبد الله بن محمد الحاشدي، الناشر: مكتبة السوادي، جدة المملكة العربية السعودية، ط: 1، سنة 1413ه 1993م. الأشباه والنظائر: ابن نجيم المصري: دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، ط1: سنة 1419ه 1999م الإصابة في تمييز الصحابة: أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد، ابن حجر العسقلاني، تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود وعلى محمد معوض، الناشر: دار الكتب العلمية بيروت، ط1: سنة 1415ه.
الأصل المعروف بالمبسوط: أبو عبد الله محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني، المحقق: أبو الوفا الأفغاني، الناشر: إدارة القرآن والعلوم الإسلامية كراتشي. أصول الحوار وآدابه في الإسلام: د. صال بن عبد الله بن حميد، دار المنارة السعودية، ط1: سنة 1415ه 1994م. الآل والصحابة محبة وقرابة (حقائق ووثائق) علي بن حمد التميمي. د. أحمد سيد أحمد علي، من إصدارات مبرة الآل والأصحاب. الأم: أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، الناشر: دار المعرفة بيروت، سنة 1410ه 1990م. أمالي الصدوق: الشيخ الصدوق، تحقيق: قسم الدراسات الإسلامية مؤسسة البعثة قم، الناشر: مركز الطباعة والنشر في مؤسسة البعثة، ط1: سنة 1417ه. الأموال أبو أحمد حميد بن مخلد بن قتيبة بن عبد الله الخرساني المعروف بابن زنجويه (المتوفى: 251ه) الناشر: مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، السعودية، ط1: سنة 1406ه 1986م. أهل الذمة في مختلف أطوارهم وعصورهم، شفيق يموت، دار الكتاب العالمي بيروت، ط1: سنة1991م. إيثار الحق على الخلق في رد الخلافات إلى المذهب الحق من أصول التوحيد: ابن الوزير، محمد بن إبراهيم بن علي بن المرتضى، أبو عبد الله، عز الدين اليمني (المتوفى: 840ه) الناشر: دار الكتب العلمية بيروت، ط2: سنة 1987م.
بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار: محمد باقر المجلسي، الناشر: مؤسسة الوفاء بيروت، لبنان، ط: 2، سنة 1403ه 1983م. البداية والنهاية: أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير، الناشر: دار الفكر، سنة 1407 ه 1986 م. بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع: علاء الدين، أبو بكر بن مسعود بن أحمد الكاساني الحنفي، الناشر: دار الكتب العلمية، ط2: سنة 1406ه 1986م. بناء المجتمع الإسلامي في عصر النبوة: محمد توفيق رمضان، دار ابن كثير دمشق، ط1: سنة 1409ه. البناية شرح الهداية: أبو محمد محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد بن حسين الغيتابى الحنفي بدر الدين العينى، الناشر: دار الكتب العلمية بيروت، لبنان، ط1: سنة 1420ه 2000 م. تاج العروس من جواهر القاموس: أبو الفيض محمّد بن محمّد بن عبد الرزّاق الحسيني، الملقّب بمرتضى، الزَّبيدي، تحقيق: مجموعة من المحققين، الناشر: دار الهداية، بدون. التاج والإكليل لمختصر خليل: محمد بن يوسف بن أبي القاسم بن يوسف العبدري الغرناطي، أبو عبد الله المواق المالكي، الناشر: دار الكتب العلمية، ط1: سنة 1416ه 1994م. تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام: بدر الدين بن جماعة، دار الثقافة بتفويض من رئاسة المحاكم الشرعية بقطر قطر الدوحة، ط31: سنة 1408ه 1988م. تحف
العقول عن آل الرسول: ابن شعبة الحراني، تحقيق: علي أكبر الغفاري، ط2: سنة 1404ه، الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة. تحفة المحتاج في شرح المنهاج: أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي، الناشر: المكتبة التجارية الكبرى بمصر، سنة 1357ه 1983م. ترتيب الأمالي الخميسية لابن الشجري: رتبها: القاضي محيي الدين محمد بن أحمد القرشي العبشمي (المتوفى: 610ه) الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، التعامل مع غير المسلمين في العهد النبوي: ناصر محمدي جاد، دار الميمان، ط1: سنة 1430ه 2009م. التعايش مع غير المسلمين في المجتمع المسلم: منقذ السقار، الناشر: رابطة العالم الإسلامي مكة المكرمة، ط1: سنة 1427 ه 2006 م. التعريفات الفقهية: محمد عميم الإحسان المجددي البركتي، الناشر: دار الكتب العلمية، ط1: سنة 1424ه 2003م. تفسير الطبري جامع البيان عن تأويل آي القرآن: أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، الناشر: دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان ط: 1، سنة 1422ه 2001م. تفسير القرآن العظيم (ابن كثير): أبو الفداء إسماعيل بن كثير القرشي، تحقيق: محمد حسين شمس الدين، الناشر: دار الكتب العلمية، منشورات محمد علي بيضون بيروت، ط1: سنة 1419 ه. التكميل
لما فات تخريجه من إرواء الغليل: صالح آل الشيخ، دار العاصمة للنشر والتوزيع، الرياض سنة 1417ه. تهذيب الأحكام: محمد بن الحسن الطوسي، الناشر: دار الكتب الإسلامية طهران، ط: 4، سنة 1365ه. الجامع الكبير سنن الترمذي: أبو عيسى محمد بن عيسى، الترمذي، تحقيق: بشار عواد معروف، الناشر: دار الغرب الإسلامي بيروت، سنة 1998م. الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه صحيح البخاري: أبو عبدالله محمد بن إسماعيل البخاري الجعفي، الناشر: دار طوق النجاة، ط: 1، سنة 1422ه. الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه صحيح البخاري: أبو عبدالله محمد بن إسماعيل البخاري الجعفي، الناشر: دار طوق النجاة، ط: 1، سنة 1422ه. الجامع: معمر بن أبي عمرو راشد الأزدي مولاهم، أبو عروة البصري، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، الناشر: المجلس العلمي بباكستان، وتوزيع المكتب الإسلامي ببيروت، ط2: سنة 1403 ه. جلاء الأفهام في فضل الصلاة على محمد خير الأنام: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين، ابن قيم الجوزية، المحقق: شعيب الأرناؤوط عبد القادر الأرناؤوط، الناشر: دار العروبة الكويت، ط3: سنة 1407 1987م. حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: محمد بن أحمد بن عرفة الدسوقي المالكي، الناشر: دار الفكر، بدون رقم الطبعة وتاريخها.
الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري: آدم ميتز أستاذ اللغات الشرقية، بجامعة «بازل» بسويسرا، ترجمة الأستاذ محمد عبدالهادي أبو ريدة، ط4. حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران الأصبهاني، الناشر: السعادة مصر، سنة 1394ه 1974م. الخراج: أبو زكرياء يحيى بن آدم بن سليمان، الناشر: المطبعة السلفية ومكتبتها، ط2: سنة 1384ه. الخراج: أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم بن حبيب بن سعد بن حبتة الأنصاري، تحقيق: طه عبد الرؤوف سعد، سعد حسن محمد، الناشر: المكتبة الأزهرية للتراث. الدرر السنية: علماء نجد، تحقيق: عبد الرحمن قاسم، ط6: سنة 1417ه 1996م. الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة: عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (المتوفى: 911ه) تحقيق: الدكتور محمد بن لطفي الصباغ، الناشر: عمادة شؤون المكتبات جامعة الملك سعود، الرياض. الدعوة إلى الإسلام، توماس آرنولد، مكتبة النهضة، مصر، ط3: سنة 1970م. دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة: أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِردي الخراساني، أبو بكر البيهقي، الناشر: دار الكتب العلمية بيروت، ط1: سنة 1405 ه.
دور الجهاد في نشر الإسلام: معاذ عبد الله أبو غزاله، ط1: دار الطباعة المحمدية القاهرة،، سنة 1417ه 1996م الذخيرة: أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن المالكي الشهير بالقرافي، الناشر: دار الغرب الإسلامي بيروت، ط1: سنة 1994م. الذوق في الإسلام: الدكتور محمد راتب النابلسي، مقال منشور بالصحف الدانماركية بتاريخ: 2008 09 12. وبموقع:
http: //www. nabulsi.com
رد المحتار على الدر المختار (المعروف بحاشية ابن عابدين): محمد أمين بن عمر بن عبد العزيز عابدين الدمشقي الحنفي، ابن عابدين، الناشر: دار الفكر بيروت، ط2: سنة 1412ه 1992م. الروض الأنف في شرح السيرة النبوية لابن هشام: أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد السهيلي، المحقق: عمر عبد السلام السلامي، الناشر: دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط1: سنة 1421ه 2000م. الروض الداني (المعجم الصغير): أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، تحقيق: محمد شكور محمود الحاج أمرير، الناشر: المكتب الإسلامي، دار عمار بيروت، عمان ط1: سنة 1405ه 1985م. روضة الطالبين وعمدة المفتين: محي الدين النووي، المكتب الإسلامي، بيروت دمشق عمان، ط3: سنة 1412ه 1991م. زاد المعاد في هدي خير العباد: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية، الناشر: مؤسسة الرسالة، بيروت مكتبة المنار الإسلامية، الكويت، ط27: سنة 1415ه 1994م. سماحة الإسلام: د.
أحمد محمد الحوفى، إصدار المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بالقاهرة، طبع مطابع الأهرام التجارية بالقاهرة، سنة 1424ه 2003م، د ت. السنة: أبو بكر بن أبي عاصم، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني، الناشر: المكتب الإسلامي بيروت ط: 1، سنة 1400ه. سنن ابن ماجه: أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني (ابن ماجه) تحقيق: شعيب الأرناؤوط وآخرون، الناشر: دار الرسالة العالمية، ط1: سنة 1430ه 2009م. السنن الكبرى: أبو بكر أحمد بن الحسين، البيهقي، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت لبنان ط1: سنة 1424ه 2003م. السنن الكبرى: أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب، النسائي، تحقيق: حسن عبد المنعم شلبي، أشرف عليه: شعيب الأرناؤوط، الناشر: مؤسسة الرسالة بيروت ط1: سنة سنة 1421ه 2001م. السيرة النبوية لابن هشام: عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري المعافري، أبو محمد، جمال الدين (المتوفى: 213ه) تحقيق: مصطفى السقا وإبراهيم الأبياري وعبد الحفيظ الشلبي، الناشر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، ط1: سنة 1375ه 1955م. السيرة النبوية: للإمام ابن كثير، دار المعرفة، بيروت، سنة 1396ه 1976م، د ت. السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار: محمد بن علي بن
محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني (المتوفى: 1250ه) الناشر: دار ابن حزم، ط1: د. ت. شرح السنة: أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي، تحقيق: شعيب الأرنؤوط محمد زهير الشاويش، الناشر: المكتب الإسلامي دمشق، بيروت، ط1: سنة 1403ه 1983م. شرح مشكل الآثار: بو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي، الناشر: مؤسسة الرسالة، ط1: سنة 1415 ه 1494م. الشريعة: أبو بكر محمد بن الحسين بن عبد الله الآجُرِّيُّ، تحقيق: الدكتور عبد الله بن عمر بن سليمان الدميجي، الناشر: دار الوطن الرياض السعودية، ط2: سنة 1420ه 1999م. صفة الصفوة: أبو الفرج عبد الرحمن بن علي، ابن الجوزي، دار الحديث، القاهرة، مصر، سنة 1421ه 2000م. ظاهرة انتشار الإسلام، محمد فتح الله الزيادي، طبع المنشأة العامة للنشر والتوزيع، ط1: سنة 1983م. العدة شرح العمدة: عبد الرحمن بن إبراهيم بن أحمد، بهاء الدين المقدسي، الناشر: دار الحديث، القاهرة، سنة 1424ه 2003م. العلاقات الدولية في الإسلام: بحث ضمن المؤتمر الثالث لمجمع البحوث الإسلامية جمادى الآخرة سنة 1386ه أكتوبر 1966م. عمدة الفقه: أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي، المحقق: أحمد محمد عزوز، الناشر: المكتبة العصرية، سنة 1425ه 2004م.
عمدة القاري شرح صحيح البخاري: أبو محمد محمود بن أحمد بن موسى، الغيتابى الحنفى، بدر الدين العينى (المتوفى: 855ه) الناشر: دار إحياء التراث العربي بيروت. العناية شرح الهداية: محمد بن محمد بن محمود، أكمل الدين أبو عبد الله ابن الشيخ شمس الدين ابن الشيخ جمال الدين الرومي البابرتي، الناشر: دار الفكر، بدون رقم الطبعة وتاريخها. عون المعبود شرح سنن أبي داود: محمد أشرف بن أمير بن علي بن حيدر، أبو عبد الرحمن، شرف الحق، الصديقي، العظيم آبادي (المتوفى: 1329ه) الناشر: دار الكتب العلمية بيروت، ط2: سنة 1415 ه. عيون أخبار الرضا: ابن بابويه القمي (الصدوق) تحقيق: تصحيح وتعليق وتقديم: الشيخ حسين الأعلمي، طباعة ونشر: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات بيروت لبنان، سنة 1404 1984 م. غير المسلمين في المجتمع الإسلامي: يوسف القرضاوي، مكتبة وهبة، ط3: سنة 1413ه 1992م. الفتاوى الكبرى: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام، ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي، الناشر: دار الكتب العلمية، ط1: سنة 1408ه 1987م. فتح الباري شرح صحيح البخاري: أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي، الناشر: دار المعرفة بيروت، سنة 1379ه. فتح القدير: محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني، الناشر: دار ابن كثير، دار الكلم الطيب دمشق، بيروت، ط1: سنة 1414ه.
فتح المنعم شرح صحيح مسلم: موسى شاهين لاشين، دار الشروق، ط1: سنة 1423ه 2002م. فتوح البلدان: أحمد بن يحيى بن جابر بن داود البَلَاذُري (المتوفى: 279ه) دار ومكتبة الهلال بيروت، سنة 1988م. الفروق أنوار البروق في أنواء الفروق: أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن المالكي الشهير بالقرافي (المتوفى: 684ه)، الناشر: عالم الكتب، د. ت. فضائل الصحابة: أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني، تحقيق: د. وصي الله محمد عباس، الناشر: مؤسسة الرسالة بيروت، ط1: سنة 1403ه 1983م. فقه السيرة: محمد الغزالي السقا (المتوفى: 1416ه)، تخريج الأحاديث: محمد ناصر الدين الألباني، الناشر: دار القلم دمشق، الطبعة: الأولى، 1427 ه. فلسفة التربية الإسلامية: محمد قطب، دار الشروق القاهرة ط5: سنة 1401ه. في ظلال القرآن: سيد قطب إبراهيم حسين الشاربي (المتوفى: 1385ه)، الناشر: دار الشروق بيروت القاهرة، ط17: سنة 1412ه. فيض القدير شرح الجامع الصغير: عبد الرؤوف المناوي، المكتبة التجارية الكبرى مصر، ط1: سنة 1356ه. القاموس الفقهي لغة واصطلاحا: الدكتور سعدي أبو حبيب، الناشر: دار الفكر. دمشق سورية، ط2: سنة 1408ه 1988م.
الكافي في الأصول والفروع: محمد بن يعقوب الكليني، تحقيق: على أكبر غفاري، الناشر: دار الكتب الإسلامية، آخوندي، إيران، ط3: سنة 1388ه. الكافي في فقه الإمام أحمد: أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي، الناشر: دار الكتب العلمية، ط1: سنة 1414ه 1994م. الكافي في فقه أهل المدينة: أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي، المحقق: محمد محمد أحيد ولد ماديك الموريتاني، الناشر: مكتبة الرياض الحديثة، الرياض، المملكة العربية السعودية، ط2: سنة 1400ه 1980م. كتاب الأموال: أبو عُبيد القاسم بن سلّام بن عبد الله الهروي البغدادي، المحقق: خليل محمد هراس، الناشر: دار الفكر بيروت. كتاب التعريفات: علي بن محمد بن علي الزين، الشريف الجرجاني، الناشر: دار الكتب العلمية بيروت لبنان، ط1: سنة 1403ه 1983م. كتاب جمل من أنساب الأشراف: الإمام أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري، حققه: سهيل زكار، رياض زركلي، دار الفكر للطباعة والنشر بيروت لبنان، ط1: سنة 1417 ه 1996م. كشاف القناع عن متن الإقناع: منصور بن يونس بن صلاح الدين بن حسن بن إدريس البهوتى الحنبلى، الناشر: دار الكتب العلمية، بدون. الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم: محمد الأمين بن عبد الله
الأُرَمي العَلَوي الهَرَري الشافعي، الناشر: دار المنهاج دار طوق النجاة، ط1: سنة 1430ه 2009م. لسان العرب: أبو الفضل محمد بن مكرم بن على، ابن منظور، الناشر: دار صادر بيروت، ط3: سنة 1414 ه. ما صح من آثار الصحابة في الفقه: زكريا بن غلام قادر الباكستاني، الناشر: دار الخراز جدة، دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع بيروت، ط1: سنة 1421 ه 2000 م. المبسوط في فقه الإمامية: محمد بن الحسن الطوسي، تحقيق: محمد تقى الكشفي، الناشر: المكتبة المرتضوية، طهران 1387ه. المبسوط: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي، الناشر: دار المعرفة بيروت، سنة 1414ه 1993م. المبسوط: محمد بن الحسن الطوسي، طبع المكتبة المرتضوية طهران، سنة 1387ه. مجمع الزوائد ومنبع الفوائد: أبو الحسن نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي، تحقيق: حسام الدين القدسي، الناشر: مكتبة القدسي، القاهرة، سنة 1414ه، 1994م. المجموع شرح المهذب (مع تكملة السبكي والمطيعي): أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي، الناشر: دار الفكر، بدون. المحلى بالآثار: أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري، الناشر: دار الفكر بيروت، بدون رقم الطبعة وتاريخها.
مختصر الخرقي من مسائل الإمام أحمد بن حنبل: عمر بن حسين الخرقي، الناشر المكتب الإسلامي بيروت، سنة 1403ه. مختصر المزني (مطبوع ملحقاً بالأم للشافعي): إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل، أبو إبراهيم المزني، الناشر: دار المعرفة بيروت، سنة 1410ه 1990م. مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول: محمد باقر المجلسي، الناشر: دار الكتب الإسلامية طهران، بدون. مرآة من لا يحضره الفقيه: ابن بابويه القمي (الصدوق) تحقيق: على أكبر الغفاري، طبعة جامعة المدرسين قم، ط: 2، سنة 1404ه. مسألة حكم قبول هدية الكافر فيها تفصيل بين العلماء. يراجع بحث هدية الكافر في ملتقى أهل الحديث. مستدرك الوسائل: ميرزا حسين النوري الطبرسي، تحقيق ونشر: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث قم ايران، ط: 1، سنة 1408ه 1987م. المستدرك على الصحيحين: أبو عبد الله الحاكم محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نُعيم بن الحكم الضبي الطهماني النيسابوري المعروف بابن البيع (المتوفى: 405ه) تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، الناشر: دار الكتب العلمية بيروت، ط1: سنة 1411 ه 1990م. المستصفى: أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي، تحقيق: محمد عبد السلام عبد الشافي، الناشر: دار الكتب العلمية، ط1: سنة 1413ه
1993م. مسند أبي يعلى: أبو يعلى أحمد بن علي بن المثُنى التميمي، الموصلي، تحقيق: حسين سليم أسد، الناشر: دار المأمون للتراث دمشق ط1: سنة 1404ه 1984م. مسند البزار المنشور باسم البحر الزخار: أبو بكر بن عمرو بن عبد الخالق المعروف بالبزار، الناشر: مكتبة العلوم والحكم المدينة المنورة (بدأت 1988م، وانتهت 2009م). مسند الدارمي المعروف ب(سنن الدارمي): أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، تحقيق: حسين سليم أسد الداراني، الناشر: دار المغني للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية، ط1: سنة 1412ه 2000م. المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبو الحسن مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، الناشر: دار إحياء التراث العربي بيروت، بدون. المسند: أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، وآخرون، الناشر: مؤسسة الرسالة ط1: سنة 1421ه 2001م. المسند: الشافعي أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن عبد المطلب بن عبد مناف المطلبي القرشي المكي (المتوفى: 204ه) الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، سنة 1400ه. المصنف في الأحاديث والآثار: أبو بكر بن أبي شيبة، تحقيق: كمال يوسف الحوت، الناشر: مكتبة الرشد الرياض ط1: سنة 1409ه. المصنف: أبو بكر عبد الرزاق بن همام اليماني الصنعاني،
تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، الناشر: المجلس العلمي الهند، يطلب من: المكتب الإسلامي بيروت، ط2: سنة 1403ه. مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى: ابن النجار الحنبلي، طبع المكتب الإسلامي دمشق، سنة 1961م. معالم الدولة الإسلامية: محمد سلام مدكور، مكتبة الفلاح الكويت، ط1: سنة 1403ه 1983م. المعجم الأوسط: أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، تحقيق: طارق بن عوض الله بن محمد، عبد المحسن بن إبراهيم الحسيني، الناشر: دار الحرمين القاهرة، بدون. المعجم الكبير: أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، تحقيق: حمدي بن عبد المجيد السلفي الناشر: مكتبة ابن تيمية القاهرة، ط1. معجم لغة الفقهاء: محمد رواس قلعجي حامد صادق قنيبي، الناشر: دار النفائس للطباعة والنشر والتوزيع، ط2: سنة 1408 ه 1988 م. معجم مقاييس اللغة: أبو الحسين أحمد بن فارس الرازي، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، الناشر: دار الفكر، سنة 1399ه 1979م. معرفة السنن والآثار: أبو بكر أحمد بن الحسين، البيهقي، تحقيق: عبد المعطي أمين قلعجي، الناشرون: جامعة الدراسات الإسلامية (كراتشي باكستان)، دار قتيبة (دمشق بيروت)، ط1: سنة 1412ه 1991م. معرفة الصحابة: أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران الأصبهاني، تحقيق: عادل بن يوسف العزازي، الناشر: دار الوطن للنشر، الرياض، ط1: سنة 1419ه 1998م.
مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج: شمس الدين، محمد بن أحمد الخطيب الشربيني الشافعي، الناشر: دار الكتب العلمية، ط1: سنة 1415ه 1994م. المغني لابن قدامة: أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي، الناشر: مكتبة القاهرة، سنة 1388ه 1968م. مفاتيح العلوم: محمد بن أحمد بن يوسف، أبو عبد الله، الكاتب البلخي الخوارزمي (المتوفى: 387ه) المحقق: إبراهيم الأبياري، الناشر: دار الكتاب العربي، الطبعة: الثانية. مفاتيح الغيب: الفخر الرازي، دار إحياء التراث العربي بيروت، ط3: سنة 1420ه. المفردات في غريب القرآن: أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى، تحقيق: صفوان عدنان الداودي، الناشر: دار القلم، الدار الشامية دمشق بيروت، ط1: سنة 1412ه. المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة: شمس الدين أبو الخير محمد بن عبد الرحمن بن محمد السخاوي (المتوفى: 902ه)، المحقق: محمد عثمان الخشت، الناشر: دار الكتاب العربي بيروت، ط1: سنة 1405 ه 1985م. مقدمة ابن الصلاح: أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن، ابن الصلاح، الناشر: دار الفكر المعاصر بيروت، سنة 1406ه 1986م. الملل والنحل: أبو الفتح محمد بن عبد الكريم بن أبى بكر أحمد الشهرستاني (المتوفى: 548ه) الناشر: مؤسسة الحلبي، د. ت.
منح الجليل شرح مختصر خليل: محمد بن أحمد بن محمد عليش، أبو عبد الله المالكي، الناشر: دار الفكر بيروت، سنة 1409ه 1989م. منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام، ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي، المحقق: محمد رشاد سالم، الناشر: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ط1: سنة 1406 ه 1986م. المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج: أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي، الناشر: دار إحياء التراث العربي بيروت، ط2: سنة 1392ه المُهَذَّب في علم أصول الفقه المقارن، (تحريرٌ لمسائِلِه ودراستها دراسةً نظريَّةً تطبيقيَّةً): عبد الكريم بن علي بن محمد النملة، دار النشر: مكتبة الرشد الرياض، ط1: سنة 1420 ه 1999 م. المهذب: القاضي عبد العزيز بن البراج، الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم، سنة 1406ه. موالي الآل والأصحاب في عصر النبوة والخلافة الراشدة: د. أحمد سيد أحمد علي، طبع وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية الكويت، ط1: سنة 2017م. مواهب الجليل لشرح مختصر الخليل: شمس الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن الطرابلسي المغربي، المعروف بالحطاب الرُّعيني، المحقق: زكريا عميرات، الناشر: دار عالم الكتب، طبعة خاصة سنة 1423ه 2003م.
الموسوعة الفقهية الكويتية: صادر عن: وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية الكويت، اشترك في طباعتها: مطابع دار الصفوة مصر، دار السلاسل الكويت. الموسوعة في سماحة الإسلام: محمد الصادق عرجون، الدار السعودية للنشر والتوزيع. الموطأ للإمام مالك برواية يحيى الليثي: دار إحياء التراث العربي مصر، د ت. نظرات في دراسة التاريخ الإسلامي، د. عبد الرحمن الحجي، ط3: مكتبة الصحوة، سنة 1979م. نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج: شمس الدين محمد بن أبي العباس أحمد بن حمزة، شهاب الدين الرملي، الناشر: دار الفكر، بيروت، سنة 1404ه 1984م. نهاية المطلب في دراية المذهب: عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب، الناشر: دار المنهاج ط1: سنة 1428ه 2007م. النهاية في غريب الحديث والأثر: مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد بن عبد الكريم الشيباني الجزري، ابن الأثير، تحقيق: طاهر أحمد الزاوي محمود محمد الطناحي، الناشر: المكتبة العلمية بيروت، سنة 1399ه 1979م. النهر الفائق شرح كنز الدقائق: سراج الدين عمر بن إبراهيم بن
نجيم الحنفي، المحقق: أحمد عزو عناية، الناشر: دار الكتب العلمية، ط1: سنة 1422ه 2002م. نيل الأوطار: محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني، تحقيق: عصام الدين الصبابطي، الناشر: دار الحديث، مصر، ط1: سنة 1413ه 1993م. الهداية في شرح بداية المبتدي: علي بن أبي بكر بن عبد الجليل الفرغاني المرغيناني، أبو الحسن برهان الدين، المحقق: طلال يوسف، الناشر: دار احياء التراث العربي بيروت لبنان. الوافي: الفيض الكاشاني، تحقيق: عني بالتحقيق والتصحيح والتعليق عليه والمقابلة مع الأصل ضياء الدين الحسيني «العلامة» الأصفهاني، الناشر: مكتبة الامام أمير المؤمنين علي (ع) العامة أصفهان، ط1: سنة 1406ه.
قائمة بعناوين الأبحاث الجديدة لمشروع
(تراث الآل والأصحاب)
* القرآن في حياة الآل والأصحاب.
* أدب التربية في تراث الآل والأصحاب: نماذج من تعامل الآل والأصحاب مع صغارهم.
* السفر وآدابه في تراث الآل والأصحاب.
* التجارة والمكاسب في تراث الآل والأصحاب: آداب وقدوات ونماذج متنوعة.
* آداب معاملة الكبار والمرضى في تراث الآل والأصحاب.
* الإعاقة في تراث الآل والأصحاب: نماذج وآداب وعبر.
* آداب التعامل مع غير المسلمين في تراث الآل والأصحاب.
* العبادة والزهد في تراث الآل والأصحاب.
* الذكر والدعاء في تراث آل البيت.
* فضل العلم وآداب طلبه في تراث الآل والأصحاب.
* آداب التعامل مع المرأة في تراث الآل والأصحاب.
* آداب العشرة في تراث الآل والأصحاب: استلهام للقيم الزوجية الناجحة في سير سلفنا الصالح.
* آداب الحوار والاختلاف في تراث الآل والأصحاب: شواهد وآداب.
* قضايا نسائية: قراءات في تراث الآل والأصحاب.
* الأطفال في رحاب الآل والأصحاب: بحث في أسس المعالجة الفنية والأدبية لنشر تراث الآل والأصحاب للمراحل العمرية الصغيرة.
* الوقف في تراث الآل والأصحاب.
* الفَقْد في تراث الآل والأصحاب: دراسة في الجوانب الإيمانية والإنسانية.
* المهارات الإدارية في تراث الآل والأصحاب.
* إدارة الوقت في تراث الآل والأصحاب.
* الطعام وآدابه في تراث الآل والأصحاب.
* المزاح وآدابه في تراث الآل والأصحاب.
* آداب التعامل مع الحيوان في تراث الآل والأصحاب.
