المرويات التاريخية
عند المسلمين
أساليب النقد.. وظاهرة الوضع فيها
د. خالد كبير علال
راجعه ونقحه وقدم له
مركز البحوث والدراسات بالمبرة
فهرس
رقم الإيداع: 2010 / 112
فهرسة مكتبة الكويت الوطنية أثناء النشر
902.2 علال ، خالد كبير .
المرويات التاريخية عند علماء المسلمين ... / خالد كبير علال. – ط1 . – الكويت : مبرة الآل والأصحاب ، 2010م
171 ص؛ 24 سم . – (قضايا التوعية الإسلامية ؛ 11)
ردمك: 1 – 7 – 955 – 999906 – 978
1- التاريخ - مصادر 2- التأريخ أ. العنوان ب- السلسلة
حقوق الطبع محفوظة لمبرة الآل والأصحاب
إلا لمن أراد التوزيع الخيري بشرط عدم التصرف في المادة العلمية
الطبعة الأولى
مبرة الآل والأصحاب
ص. ب: 12421 الشامية الرمز البريدي 71655 الكويت
ردمك: 1 – 7 – 955 – 999906 – 978
1431هـ / 2010م
هاتف: 22560203 – 22552340 فاكس: 22560346
E-mail: almabarrh@gmail.com
www.almabarrah.net
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| مقدمة المبرة | 11 |
|---|---|
| الحاجة للنقد التاريخي | 13 |
| المراد بالتساهل في النقد التاريخي | 14 |
| الفصل الأول: أساليب النقد الحديثي والتاريخي عند علماء المسلمين | 17 |
| تمهيد | 19 |
| المبحث الأول: أبرز العلماء الناقدين لمتون الأخبار | 22 |
| المبحث الثاني: موقف العلماء من رواية الخرافات | 29 |
| المبحث الثالث: تعدد طرق النقد للمتون | 31 |
| المبحث الرابع: نماذج متنوعة من النقد الحديثي والتاريخي | 36 |
| أولاً: نقد الأسانيد والمتون معاً | 36 |
| ثانياً استخدام قانون المطابقة في نقد المتون | 42 |
| ثالثاً: نقد الأخبار بالاحتكام إلى سنن-قوانين- الاجتماع والطبيعة | 51 |
| رابعاً: نقد المتن بالاحتكام إلى النقل والعقل | 58 |
| خامساً: نقد المتن باستخدام الإحصاء وعلم الأنساب والمظاهر الجغرافية | 62 |
| سادساً: نقد المتن بالاعتماد على الأحوال والقرائن المتضمنة في الحوادث والمصاحبة لها | 66 |
| سابعاً نقد المتن بالاحتكام إلى الحِس والمشاهدة | 71 |
| ثامناً: رد الإسناد الصحيح بنقد متنه | 72 |
| تاسعاً: رد روايات صحيحة المعاني بنقد أسانيدها | 76 |
| عاشراًً: نقد الروايات الحديثية والتاريخية بتذوّق معانيها، والتعرّف على نوعية أسلوبها اللغوي | 77 |
| الحادي عشر: استبعاد الغرائب والعجائب والمجازفات من الروايات الحديثية والتاريخية | 80 |
| الثاني عشر: النقد المتكامل المتعدد الطرق | 82 |
| الفصل الثاني: مدرسة الكذابين في رواية التاريخ الإسلامي وتدوينه | 85 |
| المبحث الأول: مظاهر الكذب في الأحاديث النبوية والأخبار التاريخية | 88 |
| أولاً: في الأحاديث النبوية | 88 |
| ثانياً: مظاهر الكذب في الأخبار التاريخية | 99 |
| ثالثاً: مظاهر الكذب في تأليف الكتب | 107 |
| المبحث الثاني: تصنيف الكذابين | 110 |
| أولاً: تصنيف الكذابين حسب التخصص العلمي | 110 |
| ثانياً: تصنيف الكذابين حسب الطوائف المذهبية والاجتماعية | 127 |
| ثالثاً: الكذابون حسب مدنهم وبلدانهم | 137 |
| المبحث الثالث: أسباب ظهور مدرسة الكذابين وآثارها السيئة على التاريخ الإسلامي | 140 |
| أولاً: أسباب وأهداف ظهور مدرسة الكذابين | 140 |
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| ثانياً: خصائص مدرسة الكذابين | 149 |
| ثالثاً: آثارها السيئة على التاريخ الإسلامي | 151 |
| كيفية التعامل مع مدرسة الكذابين ومقاومتها | 161 |
| الخاتمة | 163 |
| المراجع | 165 |
مقدمة المبرة
من المعلوم للقاصي والداني أن التاريخ هو سجل الزمن والحضارات والمنظار لأحوال الدول والرجالات، ولجليل خطره لنا نحن المسلمين في نقل سير القدوات من هذه الأمة الفاضلة، كان لابد من الدقة في نقل التاريخ وضبطه وتمحيصه كيلا يستخدم من قبل أعدائنا لضرب مكتسباتنا العقدية والحضارية.
ولا يخفى على لبيب أن جهود علماء الإسلام في شتى المجالات لا يمكن تناسيها أو الغض منها، ومن هذه الجهود المشكورة ما قاموا به من تمييز الحديث الصحيح الثابت عن غيره، مما يعد مفخرة من مفاخر هذا الدين، وميزة لنا على باقي الأمم، ومن تتبع جهودهم لم ينقض عجبه مما قاموا به وشيدوه من قواعد وأسس لتمحيص الأخبار عامة، وحديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم بخاصة ولا أدل على ذلك من قول سفيان بن عيينة(1) : «حدّث الزهري يوما بحديث فقلت: هاته بلا إسناد، فقال الزهري: أترقى السطح بلا سلم؟».
وقال الثوري(2) : «الإسناد سلاح المؤمن».ومن المسلم به أن الإسناد بدأ بالحديث النبوي ثم تعداه إلى الآثار والأخبار اللغوية والتاريخية.
وسنعرض هنا القواعد الإسنادية إجمالا، إذ أنها مفصلة في علم مصطلح الحديث– وهو علم قائم بذاته له رجاله ومصنفاته التي يصعب حصرها– ويكفينا من القلادة ما أحاط بالجيد.
نقول: تتمحور الدراسات التاريخية والنقد على محورين أساسيين في ثبوت ونفي الخبر- أعني بهما الإسناد والمتن- أما الإسناد فمبني على خشية الكذب أو الخطأ من الراوي، ومن ثمّ لابد من اشتراط الصدق والأمانة والضبط لرجال الإسناد الموصلين للخبر سواء كان الخبر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أو من هو دونه، ولذا فقد عرف العلماء الخبر الصحيح بأنه ما رواه العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه من غير شذوذ أو علة، وعليه فإنه لا تقبل «في النصوص التي تبنى عليها الأحكام» رواية كل:
1- من اختلت عدالته بالكذب أو الفسق.
2- من جهلت عدالته أو جهل شخصه.
3 - من اختل ضبطه لما ينقله من خبر فلم يؤده كما سمعه، وبالتالي لا تقبل رواية الذي يكثر نسيانه أو غلطه أو اختلطت روايته أو من لا يعلم ضبطه للأخبار.
4- ما سقط من إسناده راو أو أكثر، لأننا نجهل عدالتهم وضبطهم.
5- كثرة مخالفته للثقات أو الانفراد بأمور يصعب أن ينفرد بها مثله.
وفي أحوال الرجال مكتبة ضخمة مَعْنِيَّة بتراجم الرواة وبيان أحوالهم وإمكان التقائهم ببعضهم أو عدمه، والحُكم عليهم من خلال استقراء مروياتهم، بالإضافة إلى رأي معاصريهم فيهم ومن أشهر هذه الكتب: تهذيب الكمال للمزي، وتذكرة الحفاظ وميزان الاعتدال للذهبي، وتهذيب التهذيب ولسان الميزان لابن حجر، والضعفاء للعقيلي وغيرها كثير ما بين مختصر ومبسوط.
الحاجة للنقد التاريخي
وغير عازب عنك أخي القارئ الكريم الحاجة الملحة للدراسات والنقد التاريخي، قال الشيخ العلامة المعلمي اليماني: «على أن حاجة التاريخ إلى معرفة أحوال ناقلي الوقائع التاريخية أشد من حاجة الحديث إلى ذلك، فإن الكذب والتساهل في التاريخ أكثر، بل إن معرفة أحوال الرجال هي من أهم أنواع التاريخ، والعلوم الدينية والتاريخية أولى العلوم بالحفظ، لأنه إذا ضاع منها شيء لم يمكن تداركه بعد ختم النبوة. أما العلوم الأخرى فليست كذلك، لأنها نتيجة العقول والتجارب، فإذا ضاع منها شيء يمكن استنتاجه ثانيا، وهكذا..»(3) ولخطر المسائل العقدية ومسائل الأحكام فإنه يتشدد في ثبوتها حتى لا يتناسخ الدين أو يزاد عليه كما حصل في الأديان السابقة التي طالتها أيدي المحرفين والمشوهين، بينما يتساهل نسبيا في غيرها ما لم يأت الخبر منكرا مخالفا للثقات، أو بانفراد لما لا يمكن الانفراد بنقله، ومن ذلك التشدد في أخبار ما وقع من الفتنة، فالواجب حينها أن تنقد كنقدنا لأحاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يجوز غير ذلك؛ لأن أخبار الفتنة ليست أخبارا مجردة قاصرة على الحدث بل تتعداه إلى الحكم على الأشخاص بالصواب أو الخطأ، وربما بالعدالة أو الفسق عند بعض الأقوام. وهؤلاء الأشخاص الذين ستصدر عليهم تلك الأحكام هم أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ورضي الله عنهم أجمعين، وهم من سبق لهم من الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم الثناء والحكم بالعدالة. فلابد من تمحيص تلك الأخبار، خاصة أنها أيضا كانت مجالا رحبا لأصحاب الأهواء
ومرضى النفوس من أهل الغل والحقد على دين الله تعالى وعلى أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم للتقول والافتراء.
المراد بالتساهل في النقد التاريخي
إن التخفف من نقد المنقولات من غير السنة لا يعني أننا سنثبت بذلك غير الثابت، ولكن يعني أننا سنضع كل منقول في ميزانه الكافي لتمييز ثابته من غيره، وذلك لا يلزم منه التخلي عن منهج المحدثين في نقد أسانيد الروايات التاريخية، فهي وسيلتنا إلى الترجيح بين الروايات المتعارضة، كما أنها خير معين في قبول أو رفض بعض المتون المضطربة أو الشاذة عن الإطار العام لتاريخ أمتنا، ولكن الإفادة منها ينبغي أن تتم بمرونة. ولذا فإن هذا التساهل لا يعني قبول الرواية عن المعروفين بالكذب وساقطي العدالة، لأن ساقط العدالة لا يحمل عنه أصلاً، وإنما قصد العلماء بالتساهل إمرار أو قبول رواية من ضعف ضبطه بسبب الغفلة أو كثرة الغلط، أو التغّير والاختلاط، ونحو ذلك، أو عدم اتصال السند كالرواية المرسلة أو المنقطعة، ووفق هذه القاعدة جوّز بعض الفقهاء العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال والترغيب والترهيب- مع التنبيه على ضعف الحديث- ومما يشهد لهذا المنهج أن كثيرًا من الأخبار التاريخية إنما وردت لنا بأسانيد منقطعة ومعضلة..... وأفراد وغرائب، ومع ذلك قبلها كبار المؤرخين كمحمد بن إسحاق..... وابن سعد.... وخليفة ابن خياط.... والطبري.... وغيرهم ممن جمع بين معرفة الحديث والتاريخ.... «وبخاصة من المتأخرين» كابن عساكر... والمزي... والذهبي.... ومغلطاي... وابن حجر... والسخاوي.
فقد تعاملوا مع الروايات التاريخية بشيء من المرونة.. مع محافظتهم على العزو إلى المصادر الأصيلة لهذا الفن. ثم لو أننا طبقنا عليها قواعد المحدثين، افتقدنا بذلك ثروةً تاريخية هائلة.
ويكفينا في التساهل- المنضبط لا المطلق - في سياق الروايات التاريخية.. إذنه صلى الله عليه وآله وسلم عن التحديث عن بني إسرائيل بقوله(4) : «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» ومعلوم أن أخبارهم غير مسندة، ولا متصلة ومع ذلك أذن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في نقلها، قال الخطيب البغدادي في كتابه «الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع» «2/316 - 320»: «وأما أخبار الصالحين، وحكايات الزهاد والمتعبدين، ومواعظ البلغاء، وحكم الأدباء فالأسانيد زينة لها، وليست شرطا في تأديتها» ثم أسند الخطيب إلى يوسف الرازي أنه قال: «إسناد الحكمة وُجودُها». وأسند عن ابن المبارك أنه سئل: «نجد المواعظ في الكتب، فننظر فيها؟ قال: لا بأس، وإن وَجدتَ على الحائط موعظة فانظر فيها تتعِظ. قيل له فالفقه؟ قال: لا يستقيم إلا بسماع». هذا ما يصلح ذكره في مجال الإسناد.
وفي هذا السياق نشير إلى قضية مهمة، ربما غفل عنها كثيرون وهي أن لأهل كل علم طريقتهم الخاصة في نقد علمهم، وفي الفحص عن صحة منقولهم ومعقولهم.ومن الخطأ الفادح أن نخلط بين معايير النقد المختلفة بين كل علم وآخر؛ لأن ذلك سيؤدي إلى هدم تلك العلوم!.
وسنرى في المبحث الآتي للدكتور الفاضل خالد كبير علال الانصباب على طريقة نقد المتن الحديثي والتاريخي من جهة قانون المطابقة وغيره ومقارنة الروايات ولفت الانتباه إلى أن الإسناد مع أهميته كما سلف لم يكن السبيل الوحيد في تمحيص
الأخبار، فيورد اثنتي عشرة طريقة مختلفة في ذلك لعلمائنا ومؤرخينا مدعمة بالأمثلة الكثيرة، موضحا ما كانوا عليه من دراية تامة بطرق النقد عقلاً وشرعاً وحساً مع انضباط تلك القواعد واطرادها.
ثم ننتقل معه في المبحث الذي يليه مدرسة الكذابين وأبرز معالمها وأشهر أصحابها وآثارها، لنعرف حجم الجهد الذي بذله علماؤنا في ردع هذه المدرسة وقمع شرها وشررها، الذي لو قدر له أن ينتشر لأضر بعقائد الأمة وفقهها وتاريخها، فحدوا من خطرها، وكشفوا عوارها وقوضوا أركانها، بهذا المنهج الرصين والنقد العميق علما بأن المستشرقين ومن لف لفيفهم يسعون لإحياء هذه المدرسة المشؤومة تحت ذرائع مختلفة ومختلقة، ولأهداف لا تخفى على عاقل، أقلها زعزعة الثقة برجال الأمة وأسلافها وتاريخها وتراثها بدءا بالسيرة النبوية وعهد الخلفاء الراشدين المبارك وأصحاب النبي وآله رضي الله عنهم، ومن ثَمّ يسهل صهر أبناء الأمة لتفترسهم الثقافات الهدامة شرقية أو غربية، وسط ظلمات لا يهتدي فيها الماهر الخريت(5) . فبارك الله في جهود أستاذنا الكريم د.خالد كبير علال، المنافح عن تراث ومجد الأمة بقلمه نسأل الله أن يبارك في مداده وأن يسدده بسداده.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
مبرة الآل والأصحاب
الفصل الأول: من أساليب النقد الحديثي والتاريخي عند علماء المسلمين
من أساليب النقد الحديثي والتاريخي
عند علماء المسلمين
تمهيد
إن فن التاريخ من الفنون التي تتداوله الأمم والأجيال، وتُشدُّ إليه الركائب والرحال، وتسمو إلى معرفته السُوقة والأغفال، وتتنافس فيه الملوك والأقيال، ويتساوى في فهمه العلماء والجهال، إذ هو في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيام والدول، والسوابق من القرون الأول، تنمو فيه الأقوال، وتضرب فيه الأمثال، وتُطرَفُ بها الأندية إذا غصها الاحتفال، وتؤدي إلينا شأن الخليقة كيف تقلبت بها الأحوال، واتسع للدول فيها النطاق والمجال، وعمروا الأرض حتى نادى بهم الارتحال، وحان منهم الزوال، وفي باطنه نظرٌ وتحقيق، وتعليل للكائنات ومباديها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق، فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق، وجدير بأن يُعدَّ في علومها وخليق ).أهـ.
«ابن خلدون - مقدمة المقدمة».
ولا ريب أن فن التاريخ من أهم الفنون والعلوم وتأثيرها مباشر في حياة الشعوب ومستقبلها
وذلك لأسباب منها:
1- أخذ العظة والعبرة:
يقول ابن الأثير: إن الحكام إذا وقفوا على ما في الكتب من سير أهل الجور والعدوان استقبحوها.
2- عظمة الله سبحانه وتعالى:فالدولة الظالمة لا بد أن تسقط وتزول.
3-
حفظ هوية الأمة:فمن ليس له تاريخ فهويته مبتورة.
4- قراءة الأحداث:وهي سنن كونية تتكرر مرات ومرات.
5- التخلق بالصبر والتأسي بالصابرين.
6- معرفة نعم الله وقدرها:فمن عرف ما قاساه من قبله من الشدائد وشظف العيش فلا بد أن يعرف مقدار نعم الله فيشكر المنعم الوهاب.
7- الهدف التربوي فقد قال الله عز وجل: ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ(6) ﴾ . فالتاريخ يعطينا القدوة الحسنة ورسولنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو أكبر قدوة حسنة، ومن بعده الخلفاء الراشدون والعلماء والدعاة المصلحون والعلماء العاملون والأبطال المجاهدون، والمجتمع الإسلامي الآن في أمس الحاجة إلى هذه القدوة.
8- إدراك السنن الربانية في الكون: فإن لله سننا في خلقه، وأرشدنا الله إلى التفكير في هذه السنن والتعامل معها مثل انتهاء الأجيال وتعاقب الأيام والدول، والمناصب وأن دوام الحال من المحال قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾(7) ، وفي إدراك السنن الربانية فوائد عظيمة فالذي يعلمها تكون لديه بصيرة وطمأنينة.
9- التعرف على معالم تاريخ البشرية: كيف بدأت وما هي الأطوار التي مرت بها، وما هي أهم معالم تاريخها،فيصبح الإنسان أكثر دراية بأوضاعه وأوضاعهم المتقلبة بالزمن والخير والشر،والفضيلة والرذيلة وقديما قيل: السعيد من وُعِظَ بغيره.
10- الحصانة الفكرية: لأن التاريخ منهج بحث ووسيلة من وسائل الكشف عن الحقائق وإثباتها.
11- الأهمية السياسية والإدارية: فقد قيل التاريخ سياسة الماضي والسياسة تاريخ الحاضر.
12- فهم حاضر الإنسان والقدرة على تحليله خاصة إذا تماثلت الظروف وتشابهت الدوافع، كما أن بعض القضايا أو كثير منها لها جذور تاريخية بعيدة، فلا بد من معرفة الماضي لكي تفهم الحاضر.
13- الرد على شبهات الاستشراق ومن لف لفيفهم وتأثر بزخرفهم.
14- يساعد على حل المشكلات بين الدول.
15- يساعد على الحفاظ على ممتلكات الأفراد والمجتمعات.
16- يساعد التاريخ على التقدم البشري والعمراني والأخلاقي.
مِنْ هذا المنطلقِ كان لِزَامًا علينا قراءةُ تاريخِنا قراءةَ تَمحيصٍ وتحقيقٍ، وغربلتُه مما يَشُوبُهُ، وتَنقيتُهُ مما اختلطَ به، وصَهْرُهُ لِيَخرجَ مُشرقًا نَاصعًا نَقيًّا، فينفعَ الناسَ، ويكون كما قال ربُّنَا عز وجل ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾(8) .
ولنبدأ بنبذة عن أبرز هؤلاء العلماء الممحصين للرواية التاريخية قبل الانطلاق لموضوع البحث الرئيس «طرق النقد التاريخي بغض النظر عن الإسناد».
المبحث الأول: أبرز العلماء الناقدين لمتون الأخبار
لم يخل التاريخ الإسلامي المجيد من طائفة من كبار الحفاظ المحققين، كان أفرادها متميزين ومتمرسين في نقد الروايات التاريخية وتمحيصها، لما كانوا يتمتعون به من علم غزير، وقدرات علمية مبدعة، منهم: الخطيب البغدادي، وابن عساكر، وابن الجوزي، وابن تيمية، ومحمد بن عبد الهادي، والذهبي، وابن قيم الجوزية، وأبو الحجاج المزي، وابن كثير، وهؤلاء لهم مصنفات تشهد على مهارتهم في نقد الأخبار وتمحيصها؛ وكان ذلك عبر عدة أساليب انتهجوها وبرهان ذلك مايلي:
1- كتاب الموضوعات في الأحاديث المرفوعات، وكتاب العلل المتناهية، وهما لابن الجوزي، وكتاب ميزان الاعتدال في نقد الرجال، للذهبي نقد فيه كثيراً من الروايات إسناداً ومتناً(9) .
ومنها أيضا كتاب المنار المنيف في الصحيح والضعيف، لابن قيم الجوزية «ت751هـ»، ويُعرف أيضا بعنوان آخر هو: نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول، وهو كتاب قيم للغاية، خصصه مؤلفه لنقد الأحاديث وتمحيصها من خلال المتن فقط، ردا على سؤال ورد إليه، يقول: هل يمكن معرفة الحديث الموضوع-أي المكذوب- بضابط من غير أن يُنظر في سنده؟، فأجاب ابن القيم: «هذا سؤال عظيم القدر،... ثم شرع في الإجابة عليه، ووضع ضوابط وقواعد لذلك(10) نذكر بعضها في موضع لاحق إن شاء الله تعالى، فجاء السؤال والجواب ردا دامغا على اتهامات بعضهم بقصور المنهج النقدي التاريخي من جهة المتون دون الأسانيد، فالسؤال فيه إشارة إلى
أنه وُجد من فكر في موضوع نقد الأخبار من متونها دون أسانيدها.والكتاب هو رد علمي قاطع ومفصل، لدور بعض المحدثين المحققين في الاهتمام بمنهج نقد المتون والتأليف فيه.
2- وُجِد بين العلماء المسلمين طائفة من النقاد تميزت بالروح النقدية، وكانت لها انتقادات لغيرهم من الحفاظ والمؤرخين والفقهاء، فمن هؤلاء النقاد: الإمام مالك بن أنس «ت179هـ»، قال عن المحدث عبد الملك بن جريج الأموي«ت149هـ»: كان حاطب ليل، قال عنه ذلك رغم أنه كان عدلا ثقة(11) .
ومنهم المحقق ابن حزم الأندلسي «ت456هـ»، انتقد اليهود في روايتهم للخرافات والأباطيل في كتبهم المحرفة، منها أنهم رووا أن لحية فرعون كان طولها 700 ذراع. وأن طائرا باض وهو في السماء، فوقعت البيضة على 13 مدينة فهدمتها كلها(12) .
ومنهم الحافظ الخطيب البغدادي «ت 463هـ»، انتقد طائفة من محدثي زمانه، قال إنها جاهلة لا علم لها ولا فهم، وتزعم أنها على منهاج علماء الحديث المحققين، وهي قد خالفت مسلكهم في نقد الأحاديث وتحقيقها على مستوى الأسانيد والمتون، واكتفت بجمع المصنفات وتحمل المشاق، وركوب الأهوال في الأسفار، والأخذ عن كل من هب ودب(13) .
وانتقد أيضا الكوفيين والخُراسانيين بأنهم يكثرون رواية الأكاذيب، وقال إن لديهم نسخا كثيرة في الأحاديث الموضوعة، والأسانيد المصنوعة، وذكر من الكوفيين راويا
كذابا يُسمى عيسى بن مهران المعروف بالمستعطف قال إنه صنف كتابا في الصحابة، ملأه طعنا فيهم، وتضليلا وتكفيرا لهم، وأودع فيه كثيرا من الأحاديث الموضوعة، والأقاصيص المختلقة، والأنباء المفتعلة، رواها بأسانيد مظلمة عن سقاط الكوفة، من الكذابين والمجهولين(14)
ومنهم أيضا المتكلم القاضي أبو بكر بن العربي المالكي انتقد طائفة من المؤرخين بشدة في كتابه العواصم من القواصم، واتهمها برواية الأباطيل من الأخبار وقال إنها من سفهاء المؤرخين، ودعا إلى ترك سخافاتها فيما ترويه من أخبار(15) ( ) .
ومنهم الحافظ المؤرخ عبد الرحمن بن الجوزي، انتقد بعض المؤرخين في أنهم يروون أخبارا مستهجنة عند ذوي العقول، وأخرى تجري مجرى الخرافات، وأخرى حوادث لا معنى لها ولا فائدة(16) .وانتقد أيضا الحافظ أبا نعيم الأصفهاني في أنه ذكر في كتابه حلية الأولياء، أحاديث كثيرة باطلة وسكت عنها، ولم يذكر أنها موضوعة، أراد بها تكثير حديثه، وترويج رواياته(17) .
لكن ابن الجوزي نفسه تعرض للانتقاد على يد الحافظ ابن حجر العسقلاني، فقال إن ابن الجوزي روى أن المتكلم ثمامة بن أشرس المعتزلي قُتل سنة 213 هـ، وكان ممن سعى في قتل المحدث أحمد بن نصر الخزاعي البغدادي؛ فعقّب عليه ابن حجر بقوله: هذا تناقض، لأن أحمد بن نصر قتله الخليفة الواثق سنة بضع وعشرين ومائتين، وثمامة
قُتل سنة 213هـ، فكيف يسعى لقتله؟! ثم قال: «ودلت هذه القصة على أن ابن الجوزي حاطب ليل، لا ينقد ما يُحدث به»(18)
وواضح أن ابن الجوزي أخطأ فيما رواه، لكنه لا يدل بالضرورة على ما ذهب إليه ابن حجر، من أنه لا ينقد ما يحدث به، فقد يكون ذلك الخطأ من باب السهو والغفلة والنسيان، لأن الرواية التي رواها ظاهرة البطلان، لا تغيب عن أصغر الناس علما إذا كان ملما بمعطياتها، فكيف تغيب عن ابن الجوزي؟، لكن قولنا هذا لا يعني أن ابن الجوزي لم يكن يروي الضعيف والموضوع في مصنفاته، وإنما المقصود من ذلك أن ابن الجوزي كان يتمتع بنزعة نقدية تمحيصية، طبقها في روايات، وعطّلها في روايات أخرى، وسنذكر له قريبا طائفة من الروايات نقدها نقدا تاريخيا صحيحا .
ومنهم أيضا شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية«ت728هـ»، انتقد بعض الحفاظ المؤرخين وقال إنهم يتعمدون ذكر أحاديث ضعيفة في مصنفاتهم، كأبي نُعيم الأصفهاني، والخطيب البغدادي، وابن عساكر، وابن الجوزي(19) . وانتقد الغلاة في روايتهم للأكاذيب،وقال إنهم من أكذب الناس في النقليات ومن أجهلهم في العقليات، يُصدقون من المنقول ما يعلم العلماء بالاضطرار أنه من الأباطيل، ويُكذبون بالمعلوم من الاضطرار المتواتر عن الأمة جيلا بعد جيل، ولا يُميزون في نقلة العلم ورواة الأحاديث والأخبار، بين المعروف بالكذب، أو الغلط، أو الجهل بما ينقل، وبين العدل الحافظ الضابط المعروف بالعلم والآثار(20) .
وكان ابن تيمية في ردوده على ابن المطهر الحلي ومناقشاته المطولة له، يُطالبه في البداية بصحة النقل فيما يرويه من أحاديث وأخبار تاريخية، قبل الانتقال إلى مسائل أخرى((21) ). لأنه لا فائدة من مناقشة قضايا شرعية وغيرها انطلاقا من أحاديث غير صحيحة.كما أن المطالبة بصحة النقل أولا، تكشف الخصم وتعطل حجته وتقوّضها من أساسها، إذا كان قد بنى دعواه على نقل غير صحيح، أو هو الذي أخفاه، أو لا علم له به.
ومنهم المؤرخ الناقد شمس الدين الذهبي«ت748هـ»، وهو من أكثر المؤرخين الحفاظ توسعا في نقد وتمحيص الأحاديث والروايات التاريخية، فقد طبق منهج النقد الحديثي التاريخي في كتابه سير أعلام النبلاء على كثير من الشخصيات التي ترجم لها، ولم يحصره في المحدثين فقط، وتوسع في النقد توسعا كبيرا، حتى أنه نقد ومحّص مئات الروايات إسناداً ومتناً(22) .
وانتقد أيضا المحدثين والفقهاء في روايتهم للموضوعات في مصنفاتهم وسكوتهم عنها، كأبي نعيم الأصفهاني، والخطيب البغدادي، وعبد الرحمن بن منده الأصفهاني «ت470هـ» الذي وصفه بأنه كان حاطب ليل في مصنفاته، يروي الغث والسمين، وينظم رديء الخرز مع الدر الثمين(23) وقال عن القاضي عياض «ت 544هـ» إنه روى في كتابه الشفا أحاديث غير صحيحة، ولم يكن له نقد في فن الحديث، ولا له فيه ذوق،
ثم قال– أي الذهبي-: «فلماذا يا قوم نتشبع بالموضوعات، فيتطرق إلينا مقال ذوي الغل والحسد»(24)
وانتقد أيضا الحافظ علي بن يوسف الشطنوفي المصري «ت 713هـ»، في أنه جمع أخبار الشيخ عبد القادر الجيلاني في نحو ثلاثة مجلدات، كتب فيها عمن أقبل وأدبر، فراجت عليه حكايات كثيرة مكذوبة(25) .ونقد أيضا محدثي زمانه، فقال إنهم يُكثرون من رواية الغرائب والمناكير، وفي رواياتهم كثير من الوهم والغلط، حتى وصل بهم الأمر إلى رواية الموضوعات والأباطيل والمستحيل في الأصول والفروع، والملاحم والزهد، ثم حثّهم على التوبة عما يفعلونه، وتنقية مروياتهم، ومن لم يفعل ذلك يستتاب، وإلا فهو فاسق، لأنه ظلم نفسه وجنى على السنن والآثار(26) .
وأخيراً وليس آخراً الحافظ ابن كثير «ت 774هـ»، تميز بروح نقدية تمحيصية عالية، فمن ذلك انتقاده لأهل الأهواء، فقال إن هؤلاء رووا أحاديث مختلقة، وأخباراً موضوعة، تناقلوها فيما بينهم، وإذا دُعوا إلى الحق الواضح أعرضوا عنه، وقالوا: لنا أخبارنا ولكم أخباركم. ثم قال: ونحن نقول لهم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين(27) . وقال أيضاً: في صفة مقتل الحسين كذب كثير، وأخبار باطلة، ولا يصح منها شيء(28) .
وانتقد أيضا بعض كبار المحدثين والمفسرين في روايتهم للموضوعات والأباطيل
وسكوتهم عنها، فانتقد منهم أبا القاسم بن عساكر «ت571هـ» في روايته للأحاديث الضعيفة، وتعجّب منه كيف أنه مع حفظه واطلاعه، يرويها ويسكت عنها، ولا يُنبّه على نكارتها، وضعف رجالها(29) وانتقد المفسرين في روايتهم لأخبار بني إسرائيل المعروفة بالإسرائيليات، وقال إن في الكتاب المجيد غُنية عن ذلك، وأن هؤلاء ليس بهم احتياج إلى تلك الأخبار. لذلك ضرب هو أي ابن كثير- صفحا عن الإسرائيليات في تاريخه وتفسيره، وقال إن غالبها مُبدل مُصحف، مُحرّف مُختلق، ولا حاجة لنا فيه، مع خبر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم وقد دخل منها على الناس شر كثير وفساد عريض(30)
المبحث الثاني: موقف العلماء من رواية الخرافات
وُجدت طائفة من الحفاظ المؤرخين أنكرت رواية الخرافات والمستحيلات، وعليه فإنه لا يصدق عليها ما قاله بعضهم في انتقاده للمؤرخين المسلمين في روايتهم للمستحيلات. ويجب أن لا يغيب عنا أنه وُجدت في التاريخ الإسلامي طائفة من الزنادقة كانت تختلق الروايات الباطلة المستحيلة وتنسبها لأهل الحديث، ليُشنّع بها عليهم بأنهم يروون المستحيلات في أخبارهم(31) .
ومن الذين رفضوا رواية المستحيلات الخطيب البغدادي، فإنه انتقد أحد محدثي بغداد بأنه روى خبرا منكراً مستحيلاً(32) . وانتقد أيضا المقرئ الحسن بن غالب البغدادي «ت458هـ»، في أنه اختلق روايات وجعل لها أسانيد باطلة مستحيلة(33) .
والثاني هو الحافظ الذهبي انتقد كثيرا من الحفاظ لروايتهم للموضوعات والخرافات والمستحيلات، كأبي نعيم الأصفهاني، وأبي القاسم إسماعيل التميمي المعروف بقوام السنة «ت535هـ»، وغيرهما من المحدثين(34) . وأشار أيضا إلى أن الكتاب الذي أُلف في سيرة الأمير القائد أبي محمد البطال«ت112هـ»، هو كتاب مُختلق، فيه أشياء مكذوبة مستحيلة(35) .
والثالث هو الحافظ ابن كثير، انتقد رواية مفادها أن نهر النيل ينبع من مكان مرتفع اطلع عليه بعض الناس فرأى فيه هولا عظيما، وجواري حسانا،وأشياء غريبة، وأن الذي اطلع على ذلك لا يمكنه الكلام بعد، فقال ابن كثير إن هذه الرواية هي من خرافات المؤرخين، وهذايانات الأفاكين(36) . وانتقد أيضا المفسرين في روايتهم للخرافات والمجازفات الكثيرة الباطلة(37) ، منها أنهم رووا عن القصاص والأخباريين أن ذا القرنين سار في الأرض مدة، والشمس تغرب من ورائه، وهذه الرواية هي عند ابن كثير لا حقيقة لها، ومن خرافات أهل الكتاب اختلقها زنادقتهم(38) .
ويلتحق بهؤلاء اثنان من كبار المؤرخين هما: ابن الجوزي، وابن الأثير، الأول انتقد بعض المؤرخين في روايتهم للخرافات(39) . والثاني روى أخبارا خُرافية عن الفرس، ثم ذكر أنه كان قد عزم على تركها، لأنها أخبار خُرافية تمجها الأسماع، وتأباها العقول والطباع، ولكنه مع ذلك رواها ونبّه عليها، ولم يذكرها اعتقاداً لها(40) . وهذان المؤرخان وإن لم يتوسعا في نقد ما ذكراه، فقد كان لهما وعي تاريخي وحِس نقدي في تدوين التاريخ.
المبحث الثالث : تعدد طرق النقد للمتون
وجُدت طائفة من النقاد المحققين المسلمين كان لها وعي وإدراك وتصوّر لتعدد طرق – مناهج - النقد والتحقيق في مجال النقد التاريخي على مستوى المتون والأسانيد، فلم يهملوا نقد المتون، ولا يصدق عليهم كلهم أنهم ركّزوا على الأسانيد، ومنهم الفقيه أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني«ت403هـ» ، كان يقول إن من دلائل الوضع في الحديث، أن «يكون مخالفا للعقل، بحيث لا يقبل التأويل، ويلتحق به ما يدفعه الحِس والمشاهدة، أو يكون منافيا لدلالة الكتاب القطعية، أو السنة المتواترة، أو الإجماع القطعي، أما المعارضة مع إمكان الجمع فلا»(41) . وقوله هذا غاية في الأهمية جمع فيه طائفة من طرق تحقيق الأحاديث وتمحيصها من خلال متونها لا من أسانيدها، محتكما في ذلك إلى العقل والنقل، والحس والمشاهدة.
والثاني هو: عبد الرحمن بن الجوزي كان يقول: «ما أحسن قول القائل: إذا رأيت الحديث يُباين المعقول، أو يُخالف المنقول، أو يناقض الأصول، فاعلم أنه موضوع»، ومعنى مناقضته للأصول أن يكون الحديث خارجا عن دواوين الإسلام، من المسانيد والكتب المشهورة(42) وقوله هذا غاية في الأهمية يُشبه كثيرا قول الباقلاني الآنف الذكر، وهو- أي ابن الجوزي- وإن كان حكاه عن غيره، فهو قد استحسنه، وأيده، مما يعنى أنه كان يقول به ويعتقده، ومما يزيد ذلك تأكيدا بأنه أي ابن الجوزي- انتقد بعض المؤرخين في أنهم يذكرون أخبارا مستهجنة عند ذوي العقول، وأخرى تجري مجرى
الخرافات، وأخرى حوادث لا معنى لها ولا فائدة(43) .وقوله هذا يستبطن منهجا نقديا متعدد الطرق، قائما على نقد المتن.
والثالث هو المؤرخ عز الدين بن الأثير «ت630هـ» ، فإنه عندما روى أخباراً عن الفرس، قال إنها من الأشياء التي تمجها الأسماع، وتأباها العقول والطباع(44) . وقوله هذا هو أيضا يستبطن منهجا نقديا متعدد الطرق، يقوم على استخدام الأسماع والعقول والطباع في نقد الروايات التاريخية وتمحيصها.
والرابع هو الشيخ تقي الدين بن تيمية ، ذكر صراحة أن هناك طرقا متعددة يُعلم بها كذب الأخبار من غير طرق أهل الحديث، فتارة تُعرف «بالعقل، وتارة بما علم بالقرآن، وتارة بما علم بالتواتر، وتارة بما أجمع الناس كلهم عليه، ومن المعلوم أن الأخبار المخالفة للقرآن، والتواتر والإجماع، والمخالفة للعقل، يعلم بطلانها»(45) . وقوله هذا هو أيضا غاية في الأهمية يُشبه قول الباقلاني، وقولهما فيه رسم لمنهج تاريخي نقدي متعدد الطرق، قائم على نقد المتون، لكن في قوله- أي ابن تيمية- إن هناك طرقا يُعلم بها كذب الأخبار من غير طريق أهل الحديث، فيه إشكال، فهو إما أنه يقصد أن منهج أهل الحديث يقوم على نقد الأسانيد فقط دون المتون، وهذا قول غير صحيح قطعا، لأنه هو شخصيا يعلم أن منهج أهل الحديث يجمع بين نقد الإسناد والمتن معا، وأن لأهله روايات كثيرة نقدوها من متونها، وقد سبق أن ذكرنا كثيرا من أقوالهم في نقد المتون،وسنذكر لهم شواهد أخرى كثيرة نقدوها من متونها.
وإما أنه - أي ابن تيمية- صدر عنه ذلك القول غفلة وسهوا ونسيانا. وإما أنه كان يقصد أن أغلب نقد المحدثين للأخبار إنما هو للأسانيد. وإما أنه كان يقصد أن طريق أهل الحديث يقوم على الجمع بين نقد الإسناد والمتن معا، دون إلغاء لأحدهما، وعلى الاحتمالين الأخيرين يكون قوله صحيحا.
والخامس هو المحدث محمد بن جماعة الدمشقي «ت 733هـ» ، ذكر في كتابه المنهل الروي أن مما يُعرف به الوضع في متن الحديث: ركاكة اللفظ والمعنى، ومخالفته للمعلوم المقطوع به(46) . وقوله: المقطوع به، يندرج فيه المقطوع به في الشرع والعقل، والإجماع والمشاهدة، وهو قول صريح في أن مؤلفه كان مدركا لتعدد طرق نقد الأحاديث إسنادا ومتنا، وقد خصّ نقد المتن بما نقلناه عنه.
والسادس هو الحافظ شمس الدين الذهبي ، انتقد محدثي زمانه بكثرة الغلط والوهم، وروايتهم للغرائب والمناكير، والموضوعات والأباطيل، والمستحيلات، في الفروع والأصول، والملاحم والزهد(47) . وقوله هذا يستبطن هو أيضا منهجا نقديا متعدد الطرق، قائما أساسا على نقد المتون وتمحيصها، لأنه ما كان في مقدوره أن ينتقدهم في تلك الأمور، لو لم يركز على نقد المتون بعرضها على صحيح المنقول، وصريح المعقول، وحقائق الطبيعة والعمران، وسنذكر له على ذلك أمثلة كثيرة، في موضع لاحق إن شاء الله تعالى.
والسابع هو المحقق ابن قيم الجوزية ، صنف كتابا في تمييز الأحاديث ونقدها من خلال المتون فقط، ردا على سؤال ورد إليه، فوضع أكثر من 13 معياراً ضابطا لتمييز صحيح الأحاديث من سقيمها، منها احتواء الأحاديث على المجازفات، وركاكة الألفاظ وسماجتها، وتكذيب الِحس والمشاهدة لها، ومناقضتها للسنة الصحيحة، ومخالفتها لصريح القرآن الكريم، وبطلانها في ذاتها، وعدم مشابهتها لكلام الأنبياء، ومخالفتها للشواهد الصحيحة(48) . وهذه المعايير الضابطة- وغيرها- هي أدلة قاطعة على أن ابن قيم الجوزية كان عالما بتعدد طرق النقد في الروايات الحديثية والتاريخية على مستوى الأسانيد والمتون، وهي أيضا قواعد ذهبية أبدع فيها ابن القيم مستعينا بالذين سبقوه وبما حباه الله تعالى به من علم وروح نقدية عالية.
وآخرهم – أي الثامن- الحافظ المؤرخ عماد الدين بن كثير ، ردّ روايات كثيرة لأنها تخالف النقل والعقل(49) . وعندما تعرّض لموضوع الإسرائيليات رد معظمها، وقال إنها من خرافات بني إسرائيل اختلقها بعض زنادقتهم، وأشار إلى أن الذي يجوز روايته من أخبارهم هو ما يُجوّزه العقل، فأما ما تُحيله العقول، ويُحكم فيه بالبطلان، ويُغلب على الظنون كذبه، فليس من هذا القبيل الذي تجوز روايته(50) .وكلامه هذا صريح في تبنيه لمنهج نقدي متعدد الطرق، قائم على نقد المتن، اعتمادا على صحيح المنقول وصريح المعقول.
ويتبين من أقوال هؤلاء النقاد المحققين أنهم ركزوا على نقد المتون انطلاقا من معرفتهم بتعدد طرق نقد الروايات الحديثية والتاريخية، وعدم انحصارها في نقد الأسانيد. وواضح من أقوالهم أيضا أنها كانت غاية في الأهمية، أقاموها أساسا على قانون المطابقة وهو مطابقة الأخبار المروية للمنقولات، والمعقولات، وللمحسوسات، والمشاهدات، وللإجماعات، وطبائع العمران، وهو من أحسن المعايير وأهمها في النقد التاريخي.
المبحث الرابع: نماذج متنوعة من النقد الحديثي والتاريخي
إننا في هذا الموضع نذكر نماذج كثيرة لطائفة من العلماء النقاد، حققوا من خلالها روايات حديثية وتاريخية متنوعة، نذكرها شواهد تطبيقية لممارستهم للنقد التاريخي إسناداً ومتناً وإدراكهم لتعدد طرقه، ولتكون أيضا رداً على من زعم أن المحدثين والمؤرخين المسلمين أهملوا النقد التاريخي، واهتموا بنقد أسانيد الأحاديث على حساب متونها. ونذكرها- أي الشواهد – في النماذج الآتية:
أولاً: نقد الأسانيد والمتون معاً
ويتضمن طائفة من الأمثلة المتنوعة، منها ما ذكره الإمام مسلم «ت261هـ» من أنه كانت للمحدث ابن لَهِيعَةَ أوهام فاحشة، منها إنه روى أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم احتجم في مسجده، فعقّب عليه مسلم بقوله: «وهذه رواية فاسدة من كل جهة، فاحش خطؤها في المتن والإسناد معا جميعا»، وذلك أن ابن لَهِيعَةَ مُصحّف في متنه ومُغفل في إسناده، ثم بَيَّن أن معنى الحديث هو أن رسول الله احتجر في المسجد بخوصة أو حصير يصلي فيه، وليس معناه أنه احتجم فيه»(51) .
والمثال الثاني مفاده أن الحافظ أبا داود السجستاني «ت275هـ» انتقد الواعظ غلام الخليل البغدادي«ت275هـ»، ووصفه بأنه دجال بغداد، ثم قال إنه نقد 400 حديث رواها غلام الخليل فوجدها كلها كذب بمتونها وأسانيدها(52) .
والمثال الثالث ما قاله الحافظ عبد الله بن عدي الجرجاني «ت365هـ» عن مرويات محمد بن سليمان بن مسمول، من أن عامتها لا يُتابع فيها، من حيث أسانيدها ومتونها(53) ( ) . وعندما نقد الراوي محمد بن عبد الرحمن القُشيري، قال إنه مجهول، روى أحاديث بأسانيده كلها مناكير، ومنها ما متنه منكر(54) .
والمثال الرابع يتضمن نقد ابن الجوزي لرواية مفادها أن الصحابي أبا ذر الغفاري دخل على الخليفة عثمان بن عفان وعنده كعب الأحبار(55) فقال الخليفة: يا كعب إن عبد الرحمن بن عوف مات وترك مالا فما ترى فيه؟ فقال: إن كان يصل فيه حق الله تعالى، فلا بأس به. فرفع أبو ذر عصاه وضرب بها كعبا، وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «ما أحب لو أن لي هذا الجبل أنفقه ويتقبل مني، وأذر منه ست أواقي»، ثم قال لعثمان: أنشدتك الله يا عثمان، أسمعت هذا- قالها ثلاث مرات- قال: بلى(56) وهذا عند ابن الجوزي خبر لا يصح، وضعه الجهال، لأن في إسناده المحدث عبد الله بن لهيعة«ت 174 هـ» وهو مطعون فيه ولا يحتج بحديثه. ولأن أبا ذر الغفاري توفي سنة خمس وعشرين للهجرة قبل وفاة عبد الرحمن بن عوف«ت32 هـ» بسبع سنين، فكيف يقال إن أبا ذر كان حيا عند وفاة ابن عوف؟! ثم تساءل ابن الجوزي- عن سبب الخوف على ابن عوف- ألم يبح الشرع جمع الأموال عن طريق الحلال؟ أليس من قلة الفقه والفهم أن يقال: الشرع يأمر بجمع الأموال ثم يعاقب
عليه؟! ولماذا يخص ذلك عبد الرحمن بن عوف دون غيره؟! ألم يسر سيرة إخوانه من الصحابة؟ وأليس من المعروف أن كثيرا من الصحابة، جمعوا أموالا معتبرة وتركوها بعدهم، كطلحة، والزبير، وابن مسعود ولم ينكر عليهم أحد؟(57)
فيتبين من ذلك أن ابن الجوزي جمع بين نقد الإسناد والمتن معا، وأنه كان يتمتع بعقلية المؤرخ المحدث الناقد، فبين أن في إسناده من لا يحتج به، وأن متنه يتعارض مع الثابت من التاريخ،ومع الشرع الحكيم والعقل الصريح، مما يثبت أنه كان صاحب منهج نقدي تاريخي متعدد الطرق، لكنه أخطأ في سنة وفاة أبي ذر فإنه توفي سنة 32هـ(58) وليس سنة 25هـ، وهذا خطأ في معلومة تاريخية، وليس خطأ منهجيا.
والمثال الخامس يتضمن أحاديث نقدها الحافظ عبد العظيم المنذري «ت656هـ»، قال في أحدها: «في إسناده من لا يُعرف حاله، وفي متنه غرابة كثيرة، بل نكارة ظاهرة».وقال في آخر: «إسناده حسن وفي متنه غرابة».وقال في آخر: «وإسناده حسن وفي متنه نكارة»(59) .
والمثال السادس يتضمن نقد الشيخ تقي الدين ابن تيمية لحديث: «أنا مدينة العلم وعلي بابها»، قال فيه إن هذا حديث غير صحيح، يُعد من الموضوعات المكذوبات، وأن جميع طرقه لا تصح، ثم قال: «والكذب يُعرف من نفس متنه، لا يُحتاج إلى النظر في إسناده»((60) ثم توسع في نقد متنه، مبينا أن مما يدل على بطلانه أنه يسد كل طرق العلم
إلا طريق علي، ولا يجوز- باتفاق المسلمين- أن يكون مبلغ العلم عن الرسول واحد، بل يجب أن يكون المبلغون عنه أهل التواتر الذين يحصل بهم العلم بخبرهم للغائب، وخبر الواحد لا يفيد العلم إلا بقرائن(61) .كما أن الثابت من التاريخ ينقض الدعوى من أساسها، إذ من المعروف أن المسلمين في جميع الأقطار بلغهم العلم عن الرسولصلى الله عليه وآله وسلم من غير علي بن أبي طالب رضي الله عنه وإنما بلغهم على يد صحابة آخرين، كما في المدينة ومكة والشام، والبصرة، وحتى في الكوفة التي كثر فيها علمه، فإن أهلها تعلموا القرآن والسنة في عهد الصديق وعمر وعثمان قبل أن يأتيهم علي رضي الله عنه(62)
والمثال السابع يتضمن ثلاث روايات نقدها الحافظ الذهبي، أولها حديث مفاده أن صحابيا اسمه عُيينة دخل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومعه عائشة رضي الله عنها قبل ضرب الحجاب، فقال: من هذه الحُميراء يا رسول الله... إلخ فنقد الذهبي هذا الحديث وبيّن إن إسناده لا يصح، لأنه مرسل، ومن رجاله يزيد بن عياض، وهو متروك، وأما متنه فهو أيضا لا يصح، لأن عُيينة لم يسلم إلا بعد فرض الحجاب على زوجات الرسولصلى الله عليه وآله وسلم(63) .
والرواية الثانية مفادها أن زين العابدين علي بن الحسين اقترض مالا من الخليفة الأموي مروان بن الحكم، فلما احتضر مروان أوصى بأن لا يُؤخذ منه أي زين العابدين- ذلك المال.فقال الذهبي إن هذه الرواية لا تصح،لأن إسنادها منقطع، ومتنها مردود، لأن مروان بن الحكم لم يحتضر عندما مات، لأن امرأته غمته بوسادة
هي وجواريها فمات، لأنها أضمرت له الشر عندما صرف الخلافة عن ابنها خالد بن يزيد إلى غيره من بني أمية(64)
والرواية الثالثة مفادها أن الإمام أبا حنيفة النعمان –لما كان صغيرا- تخيّر العلوم التي يطلبها، وسأل عن عواقبها، فقيل له: إن تعلمت القرآن وحفظته، أقرأت الصبيان في المسجد، ثم لم يلبث أن يخرج منهم من هو أحفظ منك أو مساويك، فتذهب رئاستك. وإن سمعت الحديث وحفظته، اجتمع عليك الأحداث والصبيان، ولم تأمن الغلط فيرمونك بالكذب، ويصير ذلك عارا عليك في عقبك.ثم اقترحوا عليه النحو والشعر، فلم يعجباه، واقترحوا عليه أيضا علم الكلام وحذّروه منه. ثم سألهم عن الفقه فقالوا له: يسألك الناس وتفتيهم، وتطلب القضاء، فاختار الفقه ولزمه وتعلمه(65) .
هذه الرواية حكم عليها الذهبي بالوضع والاختلاق، لأن في إسنادها من ليس بثقة، ومتنها شاهد على بطلانها لأنه لا يتطابق-لاحظ قانون المطابقة- مع الثوابت التاريخية المعروفة، وذلك أن الرواية زعمت أنه قيل لأبي حنيفة: إن تعلمت الحديث علمّت الصبيان، وهذا غير صحيح، لأن السنة التي طلب فيها أبو حنيفة الحديث هي سنة 100هـ، ولم يكن الصبيان يسمعون الحديث في هذا الزمن، فهو أمر متأخر ظهر بعد 300 سنة، وإنما كان يطلبه زمن أبي حنيفة كبار العلماء.وكذلك علم الفقه فعندما طلبه أبو حنيفة لم تكن كتبه قد دُونت أصلا، ولم يكن للفقهاء في ذلك الزمن علم إلا القرآن الكريم. واقتراحهم عليه طلب علم الكلام هو دليل آخر على أن الرواية خرافة، لأن علم الكلام في
ذلك الوقت (سنة100هـ) لم يكن ظهر أصلاً(66)
والمثال الأخير- أي الثامن- يتضمن ثلاثة أحاديث نقدها المؤرخ ابن كثير إسنادا ومتنا، قال عن الأول: «في إسناده ضعف،وفي متنه نكارة»، وقال عن الثاني: «ضعيف الإسناد، ومتنه فيه نكارة»، والثالث قال فيه: «في إسناده غرابة، وفي متنه نكارة شديدة»(67) .
وزيادة على ما ذكرناه من الأمثلة التطبيقية لنقد الأسانيد والمتون، هناك أقوال لبعض نقاد الحديث نصت على نقد الإسناد والمتن ضمن علم مصطلح الحديث، فمن ذلك أن الخطيب البغدادي نص على أن المحدثين المتقدمين كانوا ينظرون في حال الراوي والمروي– أي الإسناد والمتن-، ويميزون بين المرضي والمرذول(68) . وكذلك الحافظ أبو عمرو بن الصلاح فإنه نص على أن النقد لمعرفة الحديث الموضوع ينصب على قرائن من الإسناد والمتن معا(69) .
ومنها قول للحافظ محي الدين النووي «ت 676» في نقد الإسناد والمتن والاهتمام بهما، وهو في غاية الأهمية، يقول فيه: «إن المراد من علم الحديث تحقيق معاني المتون، وتحقيق علم الإسناد والعلل، والعلة عبارة عن معنى في الحديث خفي، يقتضي ضعف الحديث، مع أن ظاهره السلامة، وتكون العلة تارة في المتن، وتارة في الإسناد»(70) .
ويتبين مما ذكرناه أن طائفة من كبار الحفاظ والمؤرخين والنقاد قد مارست النقد والتحقيق وطبقته على الروايات الحديثية والتاريخية على حد سواء، معتمدة على نقد الأسانيد والمتون معا، وهو نقد متكامل نتائجه صحيحة في غالب الأحيان.
ثانياً: استخدام قانون المطابقة في نقد المتون
وهو الاحتكام إلى الثابت من التاريخ، زمانا ومكانا وأفعالا.ويخص نقد المتون لوحدها، ويتضمن شواهد تاريخية كثيرة ومتنوعة، نذكرها برهانا لعناية الحفاظ والمؤرخين والمفسرين المسلمين بنقد المتون، أولها – أي الشواهد- ما قاله الحافظ أبو جعفر العقيلي «ت322هـ» عن الأحاديث التي رواها سعيد بن دهثم المقدسي، قال إنها غير محفوظة،ولا يصح في متنها شيء(71) .
والشاهد الثاني يتضمن روايات نقدها الخطيب البغدادي، الأولى مفادها أن الخليفة العباسي المعتضد بالله «279-289 هـ» هو الذي طلب من بوران بنت الحسن بن سهل أن تُسلّمه دار الخلافة التي ورثتها عن أبيها، فتنازلت له عنها وسلمتها له، لكن الخطيب يرى أن هذا الخبر غير صحيح، لأن بوران لم تعش إلى وقت الخليفة المعتضد، الذي تولى الخلافة سنة 279هـ، وهي قد تُوفيت سنة 271هـ، غير أنه ربما كانت قد سلمت الدار للخليفة المعتمد الذي تولى الخلافة ما بين 265-279هـ، وليس للمعتضد(72) .
والرواية الثانية مفادها أنه عندما ادعى اليهود ببغداد «سنة 447هـ» أن معهم كتابا من الرسولصلى الله عليه وآله وسلم فيه أمر بإسقاط الجزية عن يهود خيبر، بشهادة بعض الصحابة؛ ثم حملوه إلى الوزير العباسي أبي القاسم علي«ت463 هـ /1070م» فسلمه هو بدوره للخطيب البغدادي فتأمله وقال: هذا مزوّر، لأن فيه شهادة معاوية بن أبي سفيان«ت60 هـ» وهو لم يسلم إلا في عام الفتح «سنة8 هـ»، وفتح خيبر كان في سنة 7 هـ.وفيه شهادة سعد بن معاذ، وهو قد مات يوم بني قريظة قبل فتح خيبر بعامين، فكشف بذلك تزوير اليهود للكتاب وفضحهم أمام الوزير(73) .فبنقده للمتن واعتماده على قانون المطابقة – حسب التسلسل الزمني- تمكن الخطيب من كشف تزوير اليهود للكتاب.
والرواية الثالثة تتضمن نقد الخطيب البغدادي للأحاديث التي رواها المحدث أبو القاسم برية بن محمد البغدادي، قال إنها أحاديث موضوعة – أي مكذوبة- منكرة المتون جدا(74) .
والشاهد الثالث مفاده أن الوزير عون الدين بن هبيرة «ت560 هـ»، كان قد قرأ الحديث بالروايات على المحدث مسعود بن الحسين الحنبلي البغدادي «ت664 هـ» مدعيا أنه قرأها على المحدث ابن سوار البغدادي«ت496 هـ» فأسند الوزير القراءات عنه عن ابن سوار في كتابه الإفصاح. وفي أحد مجالس قراءة هذا الكتاب توجه القارئ إلى الوزير وقال له: وأما رواية عاصم فإنك قرأت بها على مسعود بن الحسين- وكان حاضراً- فقال مسعود: قرأت بها على ابن سوار؛ فقام المقرئ على بن عساكر البطائحي
الضرير«ت572 هـ» وقال بصوت مرتفع: هذا كذب وخرج؛ فبلغ خبره الوزير فطلبه وأحضر مسعود بن الحسين، وحاققه وتبين له كذبه، لأنه لم يدخل إلى بغداد إلا في سنة 506 هـ، وابن سوار كان قد توفي في سنة 496 هـ. ثم أحضر البطائحي نسخة من كتاب المستنير بخط مؤلفه ابن سوار، وقابله مع الخط الذي عند مسعود فبان الفرق بينهما؛ وتبين أن الخط الذي معه ليس لابن سوار، وإنما هو مزور بخط الكاتب أبي رويح الذي يشبه خط ابن سوار(75) فهذا التزوير تم اكتشافه بالاحتكام إلى قانون المطابقة باستخدام الزمن والتحقق من الخط.
والشاهد الرابع مضمونه أن أبا عبد الله بن أبي الخير الهمذاني«ت626هـ» ادعى أنه عندما دخل اليمن حضر عند المسند أبي الوقت بن عيسى السجزي ثم الهروي «ت 553 هـ»، وسمع منه شيئا من صحيح البخاري وأجاز له، وعندما سئل عن مولده قال: إنه كان مترعرعا في سنة 569هـ – أي قرب سن البلوغ- وهذا يعني أنه ولد ما بين سنتي:551-554هـ، فتبين للمحدثين كذبه، لأن سنه لا يسمح له بالسماع ولا بالإجازة، من أبي الوقت المتوفى في عام 553هـ(76) ، مستخدمين في ذلك قانون المطابقة.
والشاهد الخامس يتضمن ثلاث روايات نقدها ابن الجوزي بالاحتكام إلى قانون المطابقة، أولها أنه روي أن أحد الفقهاء قال: اجتمع الشبلي والقاضي شريك، وهذا عند ابن الجوزي غريب صدوره من هذا الفقيه، فكيف لا يدري بُعد ما بين الرجلين من
الفارق الزمني؟!(77) واجتماعهما من المستحيل لأن القاضي شريك بن عبد الله الكوفي توفي سنة( 177هـ)، والصوفي أبو بكر الشبلي ولد في سنة (227 هـ)، فبين وفاة الأول وولادة الثاني خمسون سنة، فكيف يلتقيان؟!
والرواية الثانية مفادها أن الفقيه أبا المعالي الجويني «ت478 هـ»روى في كتابه الشامل في الأصول أن طائفة من الثقات المعنيين بالبحث عن البواطن ذكروا خبر اجتماع الصوفي أبي منصور الحلاج البغدادي «ت 309 هـ» وأبي سعيد الجبائي القرمطي «ت 301 هـ» بالأديب عبد الله بن المقفع،وتواصوا على قلب الدول وإفسادها، واستعطاف قلوب الناس، فاتجه كل منهم إلى قطر، فحلَّ الجبائي بالأحساء ببلاد البحرين، وتوغل ابن المقفع في بلاد الترك، وسكن الحلاج بغداد(78) .وهذا الخبر عند ابن الجوزي لا يصح، لأن الحلاج لم يدرك ابن المقفع وبينهما فارق زمني كبير، فابن المقفع مات في سنة 144هـ، والحلاج قتل في سنة 309هـ، وأما الجبائي فقد كان معاصرا للحلاج(79) ، وواضح من نقده أنه استخدم قانون المطابقة، الذي لم ينطبق على هذه الرواية من الناحية الزمنية.
والرواية الثالثة مضمونها أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: «عبدت الله عز وجل، مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل أن يعبده رجل من هذه الأمة خمس سنين أو سبع»، وهذا الرواية
عند ابن الجوزي باطلة، لأن إسلام خديجة، وأبي بكر الصديق، وزيد بن حارثة رضي الله عنهم كان منذ الأيام الأولى للدعوة الإسلامية(80)
والشاهد السادس يتضمن رواية نقدها الشيخ تقي الدين بن تيمية، مفادها أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندما هاجر إلى المدينة تآخى مع علي بن أبي طالب، وآخى بين أبي بكر وعمررضي الله عنهما.
لكن ابن تيمية أنكر هذا الخبر، وقال إنه من الأكاذيب، لأن الثابت هو أن رسول الله لم يُؤاخ عليا ولا غيره، وإنما آخى بين المهاجرين والأنصار، ولم يُؤاخ بين مهاجر ومهاجر(81) .
والشاهد السابع يتضمن روايتين نقدهما الحافظ الذهبي، الأولى مفادها أن العباس بن عبد المطلب أسلم قبل غزوة بدر، وأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم طلب منه البقاء في مكة، فأقام فيها بأمره، لكن الذهبي أنكر هذه الخبر، لأنه لو حدث ما طُلب الفداء من العباس يوم بدر(82) . بمعنى أنه يخالف الثابت من التاريخ، ولا يتطابق معه.
والرواية الثانية مضمونها أن معاوية بن أبي سفيان أسلم عام الحديبية سنة 6هـ، وأخفى إسلامه حتى أظهره يوم فتح مكة سنة 8هـ، وشهد مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غزوة حنين، وأعطاه من الغنائم 100 من الإبل، وأربعين أوقية. لكن الذهبي كذّب هذه الرواية لأنه لو كان معاوية أسلم قديما ما جعله رسول الله من المؤلفة قلوبهم حديثي العهد بالإسلام، وما أعطاه ذلك العطاء الجزيل حسب هذه الرواية. والدليل الثاني على
بطلانها، هو أن لو كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أعطى ذلك المال لمعاوية، لما قال عنه عندما خطب فاطمة بنت قيس-: «وأما معاوية فصعلوك لا مال له»(83)
والشاهد الثامن مفاده أن المحدث عفير بن معدان الكلاعي «166هـ» روى أن المحدث عمر بن موسى قدم إلى مدينة حمص وحدث الناس في المسجد، فكان يقول: حدثنا شيخكم الصالح، فلما أكثر من ذلك، قال له عفير: من هذا الشيخ الصالح؟ فقال له: خالد بن معدان، فقال له عفير: في أي سنة لقيته؟ قال: في غزوة أرمينية، فقال له عفير: اتق الله يا شيخ ولا تكذب! فقد مات خالد بن معدان سنة 104هـ، وأنت تزعم أنك لقيته بعد موته بأربع سنين!، وأزيدك أنه لم يغز أرمينية قط، وإنما كان يغزو الروم(84) .
وهذا نموذج رائع للغاية في نقد الروايات وتمحيصها، قام على أساس قانون المطابقة بالاحتكام إلى الثابت من التاريخ، زمانا ومكانا وأفعالا، وهو أيضا نموذج مبكر للنقد التاريخي عند المحدثين في القرن الثاني الهجري.
والشاهد التاسع هو ما رواه الخطيب البغدادي من أن المحدث محمد بن عبيد الله المنادي قال إنه دخل مدينة واسط بالعراق، وبها المحدثان هشيم بن بشير، وأبو هدبة، فلزم أبا هدبة، ولم يلتحق بهشيم، لكن الخطيب البغدادي حكم على هذه الرواية بالبطلان، لأن هشيما انتقل من واسط إلى بغداد قديما، وسكنها إلى أن تُوفي بها سنة 183هـ، ولم يكن لابن المنادي إلا 12 سنة، وهو لم يسمع من أبي هدبة إلا ببغداد بعد موت هشيم بمدة طويلة، ولا يُعلم له أي ابن المنادي- سماع إلا بعد
سنة 190هجرية(85) .فالخطيب في هذه الرواية استخدم في نقدها وإبطالها قانون المطابقة، القائم على الاحتكام إلى الثابت من التاريخ، زماناً ومكاناً وحالاً.
والشاهد العاشر يتضمن طائفة من الروايات التاريخية نقدها شيخ الإسلام ابن تيمية، معتمدا في ذلك على قانون المطابقة بشتى وجوهه، منها خبر يقول إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دعا لعلي بن أبي طالب بقوله: «اللهم اخذل من خذله وانصر من نصره» فيرى أن مما يبين بطلانه أن الذين قاتلوا عليا لم يخذلوا، وكان النصر في النهاية حليفهم؛ وأن الذين كانوا معه خذلوا ولم ينصروا(86) .
ومنها رواية تدعي أن قبر علي بن أبي طالب يوجد بمدينة النجف(87) .لكن ابن تيمية أكد أن المعروف من التاريخ أن عليا دفن بقصر الإمارة بالكوفة،وعُمي قبره لكي لا تنبشه الخوارج؛ وبعد أكثر من 300 سنة قيل إن قبره بالنجف، في مكان قبر الصحابي المغيرة بن شعبة(88) (ت50 هـ). ومما يدعم قوله إن المؤرخ ابن كثير ذكر أن غالبية المؤرخين قالوا إن قبر علي بن أبي طالب يوجد بدار الإمارة بالكوفة، منهم: محمد بن عمر الواقدي«ت207هـ»،وابن جرير الطبري«ت310 هـ»، وأبو بكر الخطيب البغدادي«ت 463 هـ». وأما الادعاء بأن قبره بالنجف، فلا دليل عليه ولا أصل له(89) .
ومنها القول بأن قبر الحسين بن علي رضي الله عنهما يوجد بالقاهرة، وهذا- عند ابن تيمية- كذب باتفاق أهل العلم، لأن الحسين قتل بكربلاء في العراق، فدفن جسده في مكان مقتله، وأخذ رأسه إلى الكوفة حيث الأمير عبيد الله بن زياد«ت67 هـ»، ولم يحمل إلى الشام كما روى بعض الناس،وإنما أخذ إلى المدينة ودفن بها وهذا هو الراجح والأقرب.وأما الذي حمل إلى القاهرة فهو رأس قيل إنه لراهب جيء به من عسقلان بفلسطين، في أواخر الدولة الفاطمية(90) .
ومنها قبور مكذوبة يزورها الناس بدمشق، كقبر أم المؤمنين أم سلمة بنت أبي أمية«ت62 هـ» رضي الله عنها، وقبر الصحابي أبي بن كعب«ت19هـ»، وقبر التابعي أويس بن عامر القرني«ت37 هـ»، وهؤلاء الثلاثة لم يقدموا إلى دمشق فكيف يقال إنهم دفنوا فيها(91) ؟! ثم أشار ابن تيمية إلى أن أكثر المشاهد- وهي المساجد المقامة على القبور- التي على وجه الأرض مكذوبة، وقد قال غير واحد من العلماء إنه لا يثبت من قبور الأنبياء إلا قبر نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم(92) .
والشاهد الحادي عشر يتضمن ثلاث روايات نقدها الحافظ الذهبي، الأولى مفادها أن بعض المؤرخين ذكروا أن الصحابي سلمان الفارسي رضي الله عنه تُوفي سنة 36هـ، وقيل سنة 37هـ، لكن الذهبي أنكر ذلك وقال إنه وَهم، وأن سلمان مات قبل ذلك التاريخ، لأنه لم يدرك معركتي الجمل وصفين(93) في سنتي: 36-37هـ.
والرواية الثانية مضمونها أنه رُوي أن يزيد بن معاوية كان أميرا لأبيه على قطر من الأقطار – كان والده واليا على الشام- فكتب إليه يقول له إن التابعي جبير بن نفير «ت نحو:75هـ» تسبب له في مشاكل في إمارته، بنشره لحديث نبوي بين الرعية، فطلبه معاوية وهدده بالضرب، فتدخل الصحابي أبو الدرداء وقال لمعاوية إن جبيراً أخذ ذلك الحديث عنه، وأنكر عليه - أي على معاوية- ما أراد فعله بجبير.لكن الذهبي أنكر هذا الخبر وقال: «لم يكن لجبير ذكر بعدُ في زمن أبي الدرداء «ت 33 أو35هـ»، بل كان شابا، يتطلب العلم، وأيضا كان يزيد في آخر مدة أبي الدرداء طفلا عمره خمس سنين»(94) .
والرواية الثالثة مفادها أنه لما وُلدت فاطمة رضي الله عنها سماها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المنصورة، فنزل عليه جبريل يقول له: إن الله قد اختار لها اسما خيرا من الاسم الذي سميتها به، وهو فاطمة،. فعقّب الذهبي على ذلك بقوله:«هذا كذب صريح، لأنها وُلدت من قبل البعثة بخمس سنين أو نحوها!!»(95) .
وزيادة على الشواهد التطبيقية التي ذكرناها، أورد هنا شواهد أخرى لبعض كبار أئمة الحديث في الاهتمام بنقد المتون، منها أنهم أفردوا لنقد المتن ودراسته مباحث في علم مصطلح الحديث، وميزوا بين قولهم: حديث صحيح الإسناد، وحسن الإسناد، وبين قولهم: حديث صحيح، وحديث حسن، لأنه «قد يصح أو يحسن الإسناد دون المتن، لشذوذ أو علة»(96) ( ) .
وأفرد الإمام مسلم في كتابه التمييز مبحثا لتمييز الأحاديث التي في متنها أوهام، وقال عن حديث تطرق إليه، إنه سيذكره لاحقا ويبين مواضع العلل في متنه. وكثيرا ما رد متونا ضعيفة فيها أوهام-أي أخطاء- بمتون أخرى صحيحة(97) .وكان سفيان الثوري يقول: لما استخدم الرواة الكذب استعملنا لهم التاريخ(98) . وهذا يقتضي استخدام قانون المطابقة القائم على الثابت الزمني.
ويتبين مما ذكرناه- من روايات النموذج الثاني – الكثيرة والمتنوعة- أن المحدثين والمؤرخين الذين نقدوا متونها، اعتمدوا أساسا على قانون المطابقة القائم على الاحتكام إلى التطابق بين ما يُروى من أخبار الأفراد والجماعات، وبين ما هو ثابت من أخبارهم .
ثالثاً: نقد الأخبار بالاحتكام إلى سنن- قوانين الاجتماع والطبيعة
وقد مارسته طائفة من النقاد والمحققين المسلمين، ولهم في ذلك روايات كثيرة محققة ونذكر من رواياتهم الشواهد الآتية:
الأول: يتضمن ثلاث روايات نقدها ابن تيمية، الأولى مفادها أن جماعة من الأعراب قدموا إلى المدينة المنورة، فأرسل إليهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم700 مقاتل بقيادة أبي بكر الصديق، فلما وصل إليهم قالوا له: ارجع نحن في جمع كبير فعاد من حيث أتى، ثم بعث النبي عمر بن الخطاب، فقيل له ما قيل للصديق، فرجع إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الذي أرسل في آخر الأمر عليا فقاتلهم وهزمهم في موقعة عرفت بغزوة السلسلة، وأنزل الله تعالى في ذلك قرآنا، أقسم فيه بعلي في قوله: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (1)
فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾(99)(100) .وهذه الرواية باطلة في نظر ابن تيمية من عدة وجوه، أولها أنه ليس لها إسناد يحقق فيه، وليس لها ذكر في كتب الحديث والمغازي والسير. وثانيها أن هذه الغزوة- أي السلسلة- ليست هي سرية ذات السلاسل التي حدثت بالقرب من الشام بقيادة عمرو بن العاص وأبي عبيدة بن الجراح. وثالثها أنه يمتنع «عادة وشرعا أن يكون للنبي صلى الله عليه وآله وسلم غزاة تجري فيها مثل هذه الأمور، ولا ينقلها أحد من أهل العلم بذلك»، وكيف ينصح الكفار المسلمين بالرجوع مرتين بحجة أنهم في قلة وهم في كثرة؟ «ومعلوم أن هذا خلاف عادة الكفار المحاربين». ورابعها إنه من الثابت في التاريخ أن أبا بكر الصديق وعمر بن الخطاب لم ينهزما قط في أية معركة خاضاها. وأنه لم يقصد أحد المدينة المنورة، إلا في غزوتي الخندق وأحد، ولم يقربها أحد من العدو للقتال إلا في هاتين الغزوتين(101)
وأقول: فهل يعقل أن ينصح الكفار المسلمين بالرجوع وهم أحرص الناس على قتلهم، وجاؤوا إلى المدينة لقتالهم؟! وكيف يفوّتون الفرصة على أنفسهم لقتل المسلمين وفيهم الصديق وعمر، ثم ينتظرون جيشا آخر فيه علي، ربما ينتصر عليهم؟! وقد أجاد ابن تيمية في نقده لهذه الرواية الباطلة، معتمدا على الثابت من التاريخ، وإلى الاحتكام إلى بعض سنن المجتمع التي تحكم سلوكيات الكفار في مقاومتهم للمؤمنين، وقد عبر عنها بالعادة التي تحكم سلوكيات الكفار المحاربين.
والرواية الثانية مضمونها أنه لما قُتل الحسين بن علي رضي الله عنهما رُوي أن السماء أمطرت دما، وما رُفع حجر في الدنيا إلا وجد تحته دم.وظهرت في السماء حُمرة ثم اختفت بعد ذلك كلية(102) . فيرى ابن تيمية أن هذه الأخبار غير صحيحة، وأنكر كون السماء أمطرت دما، لأن هذا الأمر لم يقع في قتل أحد، فكيف يقع له فقط؟ كما أن الادعاء بظهور الحمرة في السماء واختفائها نهائيا يعد من الترهات(103) ؛ لأن الحمرة ما تزال ولم تختف نهائيا، وهي سبب طبيعي من جهة الشمس فهي بمنزلة الشفق(104) .والقول بأنه ما رفع حجر في الدنيا إلا ووجد تحته دم فهو أيضا كذب بيّن(105) . وابن تيمية في نقده لهذه الأخبار عن مقتل الحسين، واضح أنه احتكم إلى العادة، والسنن التي تسير عليها الظواهر الطبيعية ، وهذا مظهر من مظاهر الاحتكام إلى قانون المطابقة على المستويين الاجتماعي والطبيعي.
والرواية الثالثة مفادها أنه لما عُرج بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى السماء وكذّبه معظم قومه، انقض نجم-وقيل كوكب- على مكة، فقال الرسول: «انظروا في دار من وقع فهو خليفتي من بعدي» فوجدوه في دار علي بن أبي طالب، فأنزل الله سورة النجم. فقال ابن تيمية إنه لا أحد من المفسرين قال إن سورة النجم نزلت بسبب انقضاض نجم على دار أحد بمكة. كما أن التاريخ الثابت المعروف لم يحدثنا قط عن كوكب سقط على مكة، ولا على المدينة، وغيرهما من المدن. وسقوط كوكب على الأرض ليس هو من
جنس الخوارق المعروفة. ولا يروي هذا الخبر إلا أوقح الناس وأجرأهم على الكذب وأقلهم حياء، «ولا يروج إلا على من هو أجهل الناس وأقلهم معرفة وعلماً»(106)
ولابن تيمية قول في غاية الأهمية عن سنة الله في نقل الأخبار، مفاده أن سنة الله مضت في عباده أنهم لا يتواطئون على الكذب في الأمور المتواترة، والمنقولات المستفيضة، لأن الله تعالى قد جبل جماهير الأمم على الصدق والبيان في المتواترات، دون الكتمان والكذب، كما جبلها على الأكل والشرب واللباس؛ والنفس تصدُق إذا لم يكن لها في الكذب غرض راجح، وُتخبر بالأمور المتواترة ولا تكتمها. والمتواترات يُعلم أن الناس لم يتواطئوا على الكذب فيها، وأنهم في الأخبار الشاذة لم يتواطئوا على كتمانها(107) . فيتبين من هذه الطرق التي ذكرها ابن تيمية - لتحقيق الأخبار- أنه لجأ إلى بعض السنن الطبيعية التي تتحكم في النفس والعمران البشري، مستعينا بالعقل وقياسه وضربه للأمثال، ليتخذ من هذه الطرق وسيلة للنقد والتمحيص.
والشاهد الثاني يتضمن نقد الذهبي لقصة الراهب بحيرى، فقد حققها ومحصها، وانتهى إلى إنكارها أصلا، معتمدا على جملة من المعطيات، وتفصيل ذلك هو أن القصة تقول إنه لما خرج الرسول قبل النبوة- إلى الشام مع عمه أبي طالب وأشياخ من قريش، وأشرفوا على الراهب بحيرى ونزلوا عنده، عرف أن الذي معهم أي الرسول- هو النبي المنتظر، فتعرّف عليه ونصح عمه أبا طالب بإرجاعه إلى بلده خوفا من أن يقتله الروم، فردّه أبو طالب، وأرسل أبو بكر مع رسول الله بلالا. وتقول الرواية إن الراهب لما طلب الرسولصلى الله عليه وآله وسلم وكان هو وأشياخ قريش جالسين تحت ظل
شجرة، فلما قدم إليهم الرسول كانت غمامة تُظله، فلما دنا منهم وجلس معهم اتجه فيء الشجرة إليه، فقال لهم بحيرى انظروا فيء الشجرة قد مال(108) .ثم ذكر الذهبي أن هذا الخبر انفرد به قراد «عبد الرحمن بن غزوان» وهو ثقة، وذكر أن الترمذي حسّن هذا الخبر، أما هو أي الذهبي- فقال: هذا حديث مُنكر جداً(109) معتمدا على الأدلة الآتية:
أولها: إن ذكر أبي بكر وبلال في الرواية لا يصح، لأن أبا بكر كان ابن عشر سنين، وهو أصغر من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بسنتين ونصف، وبلال لم يشتره أبو بكر إلا بعد البعثة، بل لم يكن بلال وُلد بعدُ.
والدليل الثاني هو أنه كيف يُتصوّر أن يميل فيء الشجرة – أي ظلها - لأن ظل الغمامة يُعدم فيء الشجرة التي نزل تحتها؟(110) . بمعنى أن المفروض أن فيء الشجرة يختفي نهائيا، لأن ظل الغمامة يُذهبه كليا؛ ودليله هذا هو غاية في القوة، أقامه الذهبي معتمدا على الاحتكام إلى قانون طبيعي لا يُحابي أحدا، فذِكر ما يخالف هذا القانون في هذه الرواية دليل على ضعفها، وتلاعب الرواة بها.
والدليل الثالث هو أنه لو كان الخبر صحيحا لحكاه شيوخ قريش الذين رأوا الحادث، ولتذاكرته قريش ولاشتهر بينهم، فإنه من الأخبار التي تتوافر الهمم والدواعي على حكايته(111) .
والدليل الرابع هو أنه مما يدل على عدم صحة هذا الخبر، هو أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يذكره، ولو حدث بالفعل لذكره، ولبقي عنده حس من النبوة، ولما أنكر مجيء الوحي إليه أولا بغار حراء، ولما أتى زوجته خديجة رضي الله عنهاخائفا على نفسه(112) .
والدليل الخامس هو أن ذلك الخوف لو أثر في أبي طالب على ما ذكرته الرواية في رده لرسول الله، ما كانت تطيب نفسه أن يُمكّنه من السفر إلى الشام بعد ذلك عندما كان يخرج إليه تاجراً لخديجة(113) .
وواضح من أدلته – التي رد بها قصة الراهب بحيرى – أنها كانت أدلة قوية، احتكم فيها إلى قانون المطابقة بجوانبه المتعددة، بالاحتكام إلى الثابت من التاريخ، وإلى بعض قوانين الاجتماع والطبيعة، وهي أدلة دلت على أن الحافظ الذهبي كان متمكنا من النقد التاريخي ومتضلعا فيه، له فيه نظرة واسعة شملت الإسناد والمتن معا.
والشاهد الثالث يتضمن روايتين نقدهما الحافظ ابن كثير، الأولى مفادها أنه يوم قُتل الحسين بن علي رضي الله عنهما حدثت اضطرابات كونية، وأمور غريبة، فكسفت الشمس، وضربت الكواكب بعضها بعضا، وظهر الدم تحت الأحجار وغيرها كثير. لكن ابن كثير كذّب ذلك،وقال إنها روايات مكذوبة لا يصح منها شيء، ثم استدل برد تلك الأكاذيب، بأنه قد مات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبو بكر، وقُتل عمر وعثمان وعلى رضي الله عنهم وهم
أفضل من الحسين، ولا ذكر أحد أنه ظهر يوم موتهم أو قتلهم شيء مما ادعاه هؤلاء يوم مقتل الحسين، من الأمور التي ذكرناها آنفا(114) .وهو في رده لهذه الأكاذيب احتكم إلى قانون المطابقة، فوجد أن ما رُوي يوم مقتل الحسين، لا يتطابق مع ما هو معروف وثابت لدى الناس من أنه قد مات رسول الله وصحابته، وقُتل بعضهم غدرا، وهم أفضل من الحسين بكثير، ولم يحدث أي شيء من تلك الأمور التي رُويت في مقتله، فهي إذن لا تصح لأنها مخالفة للعادة المألوفة في حياة البشر، ولا تتطابق معه.
والرواية الثانية مفادها أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يوما نائما على ركبة علي بن أبي طالب، ففاتته صلاة العصر، فلما استيقظ رسول الله دعا له برد الشمس، فرُدت الشمس، وصلى علي صلاة العصر(115) . هذه الرواية أنكرها ابن كثير إسنادا ومتنا، فذكر أن كل أسانيدها لا تصح، سرقها أهل الأهواء عن بعضهم بعضا، وعددوا طرقها. وأما متنها فترده أمور، منها أن الأئمة في كل عصر أنكروا تلك الرواية، كابن عساكر، وابن الجوزي، وأبي الحجاج المزي، وابن تيمية(116) .
والأمر الثاني هو أن هذه الحادثة لا وجود لها في دواوين الإسلام الحديثية المعتبرة، من الصحاح والمسانيد والسنن، مما يدل على أنها مفتعلة مأفوكة(117) .
والأمر الثالث هو أن الاحتكام إلى العادة يُثبت بطلانها، وذلك كيف يقع حدث مثل رد الشمس جهارا نهارا، ثم لا يُروى إلا من طرق ضعيفة منكرة، وأكثرها مركبة موضوعة، وهو أمر لو حدث لتوافرت الهمم والدواعي على نقله(118) .
والشاهد الرابع يتضمن رواية نقدها ابن قيم الجوزية، مفادها أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندما رجع من حجة الوداع، وفي الطريق وبمحضر من الصحابة كلهم، أخذ بيد علي بن أبي طالب، فأقامه بينهم حتى عرفه الجميع، ثم قال: «هذا وصيّي وأخي، والخليفة من بعدي، فاسمعوا له وأطيعوا»، ثم تقول الرواية إن الصحابة كلهم اتفقوا على كتمان الوصية ومخالفتها، وهذا عند ابن القيم دليل على أن هذه الرواية مكذوبة(119) .
ومعنى كلامه هو أنه بالاحتكام إلى العقل والعادات التي تحكم سلوكيات الناس وأخلاقهم، يتبين أنه لا يُعقل أن يتفق جمع كبير من الناس على الكذب والكتمان، خاصة وأن هذا الأمر متعلق بكل الصحابة الكرام، وهم معروفون بالصدق والوفاء والشجاعة، وقد زكاهم القرآن الكريم، وشهد لهم بالإيمان والعمل الصالح، فهذا الصنف من الناس لا يصح في حقه أن يُقال إنه كتم وصية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما أن اختلافهم- أي الصحابة- حول مسألة الخلافة بعد وفاة رسول الله، دليل قاطع على أنه صلى الله عليه وآله وسلم، لم يُوص بالخلافة لأحد من بعده.
رابعاً : نقد المتن بالاحتكام إلى النقل والعقل
وقد مارسته طائفة من علماء المسلمين المحققين، وكانت لهم في ذلك روايات نقدوها ومحصوها، نذكر بعضها شواهد على ممارسة هؤلاء للنقد والتحقيق.
والشاهد الأول يتضمن ثلاث روايات نقدها بعض علماء الإسلام، الأولى مفادها أن الصحابية فاطمة بنت قيس لما طلقها زوجها ثلاثا، ذهبت إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأخبرته بحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيه إسقاط نفقتها وسكناها، وقد كانت هي
امرأة صالحة، فلم يقبل منها عمر، وقال: «ما كنا لندع كتاب ربنا وسنة نبينا، لقول امرأة لا ندري أحفظت ذلك أم لا»(120)
وهو – أي عمر- قد رد خبرها لأنه وجده يخالف ما في الكتاب والسنة، من خلال نقده لمتن خبرها، الذي وجده لا يتطابق –لاحظ قانون المطابقة- مع ما هو ثابت في القرآن والسنة النبوية، وهو لم يجرحها ولا اتهمها في عدالتها، وإنما رد خبرها لما وجده مخالفا لما هو ثابت في الشرع، وعلل ذلك بضعف ضبطها، في قوله: «لا ندري أحفظت ذلك أم نسيت». كما أنه يتبين من ذلك أن عملية نقد الأخبار قد ظهرت مبكرا عند المسلمين، بالاعتماد على نقد الإسناد والمتن معا، فعمر عندما رد الخبر رده لأن متنه يخالف الثابت في الشرع، وأرجع ذلك إلى إمكانية أن تكون المرأة قد نسيت، وهذا يخص الضبط،وهو متعلق بالإسناد.
والرواية الثانية تتضمن نقد ابن قيم الجوزية لأحاديث فيها مدح لمن اسمه محمد وأحمد، وأن كل من تسمى بهما لا يدخل النار. فقال إن هذه أحاديث غير صحيحة، لأنها تناقض ما هو معلوم من دين الإسلام من أن النار لا يُجار منها بالأسماء ولا بالألقاب، وإنما النجاة منها لا يتم إلا بالإيمان والأعمال.ثم نص ابن قيم الجوزية أن كل حديث يشتمل على فساد أو ظلم أو عبث أو مدح لباطل وذم لحق ونحوه، فهو حديث غير صحيح(121) .
والرواية الثالثة ، مضمونها حديث نقده ابن القيم أيضا، ومفاده أن مقدار الدنيا «سبعة آلاف سنة»، ثم قال ابن القيم: ونحن في الألف السابعة، وأن هذا من أبين الكذب لأنه يخالف صريح القرآن والسنة النبوية، في أنه لا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله تعالى، قال سبحانه ﴿ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ﴾(122) ، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم «ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله»(123) .كما أنه بناء على ذلك الحديث فإن كل إنسان يعلم متى تقوم الساعة، وكم بقي لها، ثم ذكر ابن القيم أنه بقي من زمانه هو 251 سنة لكي تقوم الساعة، على حد زعم الحديث. وهذا من أبين الكذب(124) . ونقده هذا للحديث، هو صحيح بلا شك، لأنه مرت السنوات المذكورة –حسب الحديث المكذوب- وأكثر من ذلك بكثير، ولم تقم الساعة بعدُ.
والشاهد الثاني يتضمن روايتين، الأولى نقدها عبد الرحمن بن الجوزي، ومفادها أنه لما عُرج برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى السماء، وحدّث الناس بما رآه، فكذّبوه وصدّقه بعضهم، انقض نجم وقيل كوكب على الأرض، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم «انظروا في دار من وقع، فهو خليفتي من بعدي»، فوجدوه في دار علي بن أبي طالب، فكان هذا سبب نزول سورة النجم. هذا الحديث أنكره ابن الجوزي، وجعله من الأحاديث الموضوعة، بعدما نقده إسنادا ومتنا، ثم تعجب من غفلة واضعه كيف «رتب ما لا يصلح في العقول من أن النجم يقع في دار، ويثبت إلى أن يُرى»(125) ونقده هذا غاية في البراعة، أقامه على أساس الاحتكام إلى العقل وطبائع الأشياء، فلا شك أنه لو سقط
نجم بمكة لأحرقها وما حولها، فإنه عندما سقط مذنب مادة غازية شديدة الانفجار- بمنطقة سبيريا سنة 1908 أحدث انفجارا هائلا سُمع من مسافة1000 كلم، وأطاح بمساحات شاسعة من الغابات التهمتها النيران، قُدرت ب 2000 كم مربع(126)
والرواية الثانية مضمونها أن المؤرخ ابن الأثير ذكر أخبارا عن الفرس القدماء، وقال إنها من خرافاتهم، لأنها ممن تأباه العقول والطباع، وتمجه الأسماع(127) . وهذا يعني أنه نقد متونها بالاحتكام إلى العقول والطباع والأسماع القائمة على الفطرة السليمة.
والشاهد الثالث يتضمن روايتين نقدهما ابن كثير، الأولى مفادها أن كثيرا من المفسرين ذكروا أحوالا وأشكالا غريبة عن الجبارين الذين سكنوا القدس، فأمر نبي الله موسى؛، قومه بمقاتلتهم، فمما رواه هؤلاء المفسرون عن الجبارين، أن الجبار الواحد منهم كان يجعل في كمه وسراويله 12 رجلا من بني إسرائيل.فأنكر ابن كثير ذلك، وقال إنها خرافات وهذايانات لا حقيقة لها، وإن فيها مجازفات باطلة يدل العقل والنقل على خلافها(128) ( ) .
والرواية الثانية مضمونها أن بعض القصاص زعموا أن ذا القرنين في رحلته جاوز مغرب الشمس، وصار يمشي بجيوشه في ظلمات مُددا طويلة.فقال ابن كثير إن راوي هذا الخبر قد أخطأ، وقال ما يخالف العقل والنقل(129) .
ويُلحق بهذا النموذج – أي الرابع- أقوال كبار المحققين المسلمين في تأكيدهم على الجمع بين نقد الإسناد والمتن في التحقيق التاريخي، وقد ذكرنا منها طائفة عندما تطرقنا لتعدد طرق النقد التاريخي عند هؤلاء، وأضيف إليها هنا قولا غاية في الأهمية لابن تيمية في تركيزه على أهمية العقل في النقد التاريخي، فيقول: «باعتبار العقل وقياسه، وضربه للأمثال يُعلم كذب ما يُنقل من الأمور التي مضت سنة الله بظهورها وانتشارها، لو كانت موجودة»(130) . وهو هنا يؤكد على أهمية الاحتكام إلى العقل وإلى السنن الإلهية التي تحكم العمران البشري.
ويتبين من عرضنا لشواهد النموذج الرابع أن النقد التاريخي الذي مارسه النقاد الذين ذكرناهم، يظهر اهتمامهم بنقد المتون من خلال الاحتكام إلى النقل والعقل، الذي يدخل ضمن قانون المطابقة، الذي يهدف إلى التأكد من تطابق الأخبار المروية، مع النقل الصحيح والعقل الصريح.
خامساً: نقد المتن باستخدام الإحصاء وعلم الأنساب والمظاهر الجغرافية
وقد مارسته طائفة من النقاد المسلمين في نقدهم لبعض الروايات التاريخية، نذكرها شواهد تطبيقية على ممارسة هؤلاء لنقد المتون.
فالشاهد الأول يتضمن أربع روايات نقدها ابن حزم الأندلسي«ت 456هـ»، الأولى مفادها أن بعض كتب اليهود ذكرت أن النبي سليمان؛ كانت جبايته السنوية 636 ألف قنطار من الذهب، لكن ابن حزم كذّب هذه الرواية، وقال إن اليهود قالوا إن مملكة سليمان كانت تضم فلسطين، والأردن، والغور، ولم تكن تضم رفح،ولا غزة، ولا
عسقلان، ولا صور، ولا صيدا، ولا دمشق ولا عمان، ولا البلقان، مما يعني أنها كانت دولة صغيرة، لو جُمع ذهب أهلها لم يبلغ ما بلغته تلك الجباية السابقة- المقدرة ب 636 ألف قنطار من الذهب(131)
والرواية الثانية مضمونها أن اليهود ذكروا أنه كانت توضع يوميا في قصر سليمان؛ مائة مائدة مصنوعة من الذهب، على كل مائدة صفحة ذهب، و300 طبق من ذهب أيضا، وعلى كل طبق 300 كأس من ذهب. هذه الرواية كذّبها ابن حزم، وقال إنها من الكذبات الباردة، وإن الذي وصف ذلك كان ثقيل الذهن في الحساب ومقصرا في المساحة، لأن المائدة الواحدة كانت من الذهب، وهو معدن من أثقل المعادن، وعليها أطباق وكؤوس من الذهب، ما قيمته 3000 رطل ذهب على الأقل، فهي بهذا الوزن لا يُحركها فيل!، فمن يرفعها، ومن يضعها، ومن يغسلها، ومن يمسحها، ويُديرها؟
وهذا الذهب كله، وهذه الأطباق كلها من أين(132) ؟
والرواية الثالثة مفادها أن اليهود رووا في بعض كتبهم أن ملك السودان زارخ غزا بيت المقدس في ألف ألف مقاتل- أي مليون فتصدى له اليهود وهزموه، وكانوا في 350 ألف مقاتل. فيرى ابن حزم أن هذا كذب فاحش، وخرافة مكذوبة، لأن هذا ممتنع في رتبة الجيوش وسير الممالك، فلا يمكن أن يتحرك جيش بهذا العدد الكبير من بلد السودان إلى مصب النيل بالبحر المتوسط-، ثم يتحرك ثانية في الصحاري إلى
بيت المقدس، بذلك العدد الكبير، فهذا العدد لا تحمله إلا البلاد الواسعة المعمورة، ولا تحمله الصحاري الجرداء(133)
والرواية الرابعة مضمونها أن ابن حزم عرض ما قالته التوراة عن تزايد سكان قبائل بني إسرائيل، وبيّن خطأ حساباتها في تزايد أعدادهم، وقال إن أرقامها هي مجرد أكاذيب ومجازفات، ذكر منها خبرا يقول إن 51 رجلا من بني إسرائيل بلغ نسلهم في ظرف 217 سنة، أزيد من 2مليون نسمة، وهذا الرقم عند ابن حزم هو غاية المحال الممتنع(134) .
وواضح من انتقاداته لتلك الروايات أنه كان ناقدا محققا بارعا، في استخدامه للإحصاء والعوامل الجغرافية، وبعض سنن المجتمع في التزايد السكاني،وتحركات الجيوش، لرد تلك الأخبار المكذوبة.
والشاهد الثاني يتضمن رواية نقدها الحافظ الذهبي، مفادها أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت إن مال أبيها أبي بكر الصديق رضي الله عنه بلغ في الجاهلية ألف ألف أوقية - أي مليون أوقية-. لكن الذهبي ضعف إسنادها، وقال عن متنها: «وأعتقد أن لفظة ألف الواحدة باطلة»، فيكون ما عنده 40 ألف درهم، وفي ذلك «مفخرة رجل تاجر، وقد أنفق ماله في ذات الله تعالى، ولما هاجر كان قد بقي معه ستة آلاف درهم، فأخذه صحبته، وأما ألف ألف أوقية، فلا تجتمع إلا لسلطان كبير»(135) .
والشاهد الثالث هو رواية نقدها الشيخ تقي الدين بن تيمية، مستخدما فيها علمي الإحصاء والأنساب، مفادها أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾(136) جمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بني عبد المطلب فكانوا أربعين رجلا، وامرأتين، فقدم لهم طعاما وأبلغهم الدعوة، ثم أخبرهم أن علي بن أبي طالب، هو وصيه ووزيره، ووارثه وخليفته من بعده. هذه الرواية ردها ابن تيمية، لأن إسنادها لا يصح، ولأن متنها باطل، فبنو عبد المطلب –عندما نزلت تلك الآية- لم يبلغوا أربعين رجلا، وقد أحصاهم ابن تيمية صغارا وكبارا فلم يصل مجموعهم إلى عشرين نفسا، فأين الأربعون رجلا والمرأتان(137) ؟!.
والشاهد الرابع هو خبر نقده ابن الجوزي، وقال إن أبا حامد الغزالي ذكره في كتابه المستظهري في الرد على الباطنية، ومفاده أن الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك «96-99هـ» بقي ثلاثة أيام لا يأكل، ثم أفطر على نخالة مطهية من فطور أحد الزهاد، ثم جامع أهله فجاءت له بولده عبد العزيز، ثم لما تزوج هذا الأخير ولد له عمر. وهذا الخبر عند ابن الجوزي هو تخليط قبيح من أبي حامد لأن عمر هو ابن عم سليمان وليس ابن ولده، فما «هذا حديث من يعرف من النقل شيئا أصلا»(138) . وبمعنى آخر أن والد عمر هو عبد العزيز بن مروان «ت 85هـ» ووالد سليمان هو الخليفة عبد الملك بن مروان(139) «69-86هـ» فسليمان هو ابن عم عمر وليس جده.
وواضح مما ذكرناه من انتقادات هؤلاء لتلك الروايات، أن اعتمادهم على الإحصاء وعلم الأنساب في تحقيقها وتمحيصها، هو خطوة بارعة وموفقة تستحق الإعجاب والتنويه. كما أن استخدامهم لذلك كان قائما أساسا على الاحتكام إلى العقل وسنن الاجتماع والطبيعة، وكل ذلك يرجع إلى قانون المطابقة بمفهومه الواسع. فأوصلهم ذلك إلى نتائج كمية حاسمة لا تقبل الجدل؛ وحتى إذا افترضنا أن بعضهم أخطأ في استخدامه للإحصاء وعلم الأنساب، فهذا أمر هيّن ولا يهم، لأن الذي يهمنا هنا هو أنه كانت لهؤلاء نظرة واسعة للنقد التاريخي، أقاموها على أساس تنوع وتعدد طرق نقد الأخبار وتمحيصها.
سادساً: نقد المتن بالاعتماد على الأحوال والقرائن المتضمنة في الحوادث والمصاحبة لها
وقد مارسته طائفة من النقاد المسلمين في نقدهم لبعض الروايات التاريخية، نذكرها شواهد تطبيقية على ذلك.
فالشاهد الأول: مضمونه رواية نقدها الحافظ الخطيب البغدادي «ت463هـ»، ومفادها أن المحدث أبا محمد بن درستويه الفارسي«ت347هـ» جاءه بعض المحدثين وقالوا له حدثنا عن المحدث عباس الدوري، ونعطيك درهما، فحدثهم عنه، وهو لم يكن سمع منه أصلا. لكن الخطيب رد هذه الحكاية، وقال إنها باطلة معتمدا على ما يعرفه من أحوال هذا الرجل وأخلاقه، فقال: «وهذه الحكاية باطلة، لأن أبا محمد بن درستويه، كان أرفع قدرا من أن يكذب لأجل العوض الكثير، فكيف لأجل التافه
الحقير»(140) وحجته في رد الخبر- قوية، لأن الذي ثبت أن نفسه تأبى الكذب لأجل المال الكثير، فإنها لا تكذب أيضا لأجل المال القليل.
والشاهد الثاني: يتضمن رواية نقدها ابن تيمية، تطعن في أبي بكر الصديق وخلافته، هي في نظر ابن تيمية، أخبار آحاد شاذة، تناقض الروايات المتواترة عن عدله واستقامته؛ لذا فهي لا تصح، ومما يدل على بطلانها كذلك، أن المتدبر بالعقل في خلافته، يتبين له أن الصحابة لم يقدموه لغرض دنيوي، لأنه ليس لهم فيه ذلك، كما أن قبيلته بني تيم هي من أضعف القبائل، ليس لها القوة لتأثر في بيعته، مما يؤكد أن الصحابة قدموه لأنه أفضل منهم، وسيدهم، وأحبهم إلى الله ورسوله، لأن الإسلام يقدم الناس بالتقوى لا بالنسب، والصديق كان أتقاهم(141) ولو كان غيره أحق بالخلافة وأبو بكر ظلمه وأخذها منه فإن العقل والعادة والشريعة توجب أن يكون الناس والصحابة ضده ولما بايعوه، ولاسيما أن النفوس تنفر من مبايعة من «ليس من بيت الولاية، أعظم من نفرتها عن مبايعة أهل بيت المطاع...»(142) .
وزيادة على ما قاله ابن تيمية، فإنه لو نص الشرع على الخلافة لعلي بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لما حدث عليها خلاف، ولما قال الأنصار منا أمير ومنكم أمير، ولما تولاها الصديق؛ وإنما سيتولاها علي والناس كلهم معه، ولا يحتاج إلى المطالبة بها، وحتى لو افترضنا أنها أخذت منه، فإنه لن يسكت عنها وسيطالب بها، وجماهير المسلمين معه، لكن كل ذلك لم يحدث، فدل ذلك على أن الخلافة لم تكن لعلي رضي الله عنه.
والشاهد الثالث مضمونه رواية نقدها الحافظ الذهبي مفادها أنه اختلفت الأخبار عن عمر الصحابي سلمان الفارسي رضي الله عنه ، فقيل أنه عاش 250 سنة، وقيل 350 سنة، وذكر الذهبي أنه هو شخصيا قال إنه عاش 250 سنة، في تاريخه الكبير تاريخ الإسلام، ثم تراجع عن ذلك، وقال: «وأنا الساعة لا أرتضي ذلك، ولا أصححه»، وقد مات قبل سنة 36هـ، ثم قدّر عمره ببضع وسبعين سنة، وقال: وما أراه بلغ المائة. وقدر ذلك معتمداً على أمرين، الأول هو أنه لم يجد في ذلك شيئا يُركن إليه. والثاني هو أنه نظر في أحواله والقرائن التي صاحبت أفعاله مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال عنه: «ومجموع أحواله وغزوه وهمته، وسفّه للجريد، وأشياء ما تقدم، يُنبئ بأنه ليس بمعمر ولا هرم، فقد فارق وطنه وهو حدث، ولعله قدم الحجاز وله أربعون سنة أو أقل، وهناك اعتنق الإسلام»(143) .
وبناء على ما ذكره الذهبي يكون عمر سلمان عندما توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما بين: 50-55 سنة، ثم عاش بعده إلى ما قبل سنة 36 هـ على أكبر تقدير، فيكون عمره عندما توفي رضي الله عنه ما بين: 70-75 سنة، والله أعلم. وبذلك يكون الذهبي قد ضرب مثالا رائعا للمؤرخ المحدث الناقد، الذي يجتهد في تمحيص المتون وتحقيقها، بالاحتكام إلى الأحوال والقرائن، عندما تعوزه الأدلة التاريخية الكافية.
والشاهد الرابع يتضمن رواية نقدها المحقق ابن قيم الجوزية، وهي تتعلق بالكتاب الذي أظهره اليهود وزعموا فيه أن رسول الله خصّ فيه يهود خيبر برفع الجزية عنهم، وقد أظهروه زمن الخطيب البغدادي«ت463هـ»، فاطلع عليه وأثبت بطلانه، ثم أظهروه ثانية زمن ابن القيم «ت751هـ»، وأخذوه إلى شيخ الإسلام تقي
الدين بن تيمية، وهم حوله يزفونه ويُجلونه، وقد غشّوه بالحرير والديباج، فلما فتحه وتأمله بزق عليه وقال: هذا كذب من عدة أوجه وذكرها، فقاموا من عنده بالذل والصغار(144)
وهذا الكتاب المزعوم توسع ابن القيم في إبطاله، معتمدا على القرائن المذكورة فيه والمصاحبة له، فقال إنه – أي الكتاب- كذب من عدة وجوه، ذكر منها عشرة أوجه، أولها أن فيه شهادة الصحابي سعد بن معاذ رضي الله عنه وهو قد تُوفي في غزوة الخندق، وهي قبل فتح خيبر سنة 7 للهجرة.وثانيها أن فيه «وكتب معاوية بن أبي سفيان»، وهذا خطأ بيّن، لأن معاوية أسلم عند فتح مكة، وكان من الطلقاء. وثالثها أن الجزية لم تكن فُرضت عندما صالح الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يهود خيبر، فقد صالحهم سنة7هجرية، والجزية نزلت عام تبوك سنة 9هجرية، فبدأ بفرضها على من لم يتقدم له معه صلح(145) .
ورابعها أن الكتاب – أي المزعوم- ذكر أن رسول الله وضع عنهم-أي اليهود- الكُلَف والسُخَر، وهذا غير صحيح، لأنه لم يكن زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كُلَف ولا سُخَر، ولا مكوس. وخامسها: أنه لم يجعل لهم عهداً لازماً، بل قال: نقركم ما شئنا، فكيف يضع عنهم الجزية التي يصير لأهل الذمة بها عهد لازم مؤبد، ثم لا يثبت لهم أماناً لازماً مؤبداً. وسادسها هو أنه لو كان الرسولصلى الله عليه وآله وسلم قد رفع عنهم الجزية، فإن هذا أمر مما تتوافر الدواعي على نقله، فكيف يحدث ذلك، لا يعلم به حَمَلة السنة من الصحابة والتابعين، وأئمة الحديث، وينفرد بعلمه ونقله اليهود(146) .
والوجه السابع هو أنه ليس لأهل خيبر وجه إحسان، في تعاملهم مع المسلمين، حتى يرفع عنهم رسول الله الجزية التي فرضها الله تعالى عقوبة لمن لا يدين منهم بالإسلام، فهم قد حاربوا الله ورسوله والمؤمنين، وتعاونوا مع أعدائهم، فمن أين يقع هذا الاعتناء بهم حتى يسقط عنهم الجزية؟!.
والوجه الثامن هو أن الرسولصلى الله عليه وآله وسلم لم يُسقط الجزية عن الأبعدين عنه مع عدم معاداتهم له، كأهل اليمن ونجران، فكيف يضعها عن جيرانه الأدنين – أي اليهود- مع شدة معاداتهم له، وكفرهم وعنادهم، فهم أحق بالعقوبة، لا بإسقاط الجزية(147) .
والوجه التاسع هو أنه لو كان النبيصلى الله عليه وآله وسلم أسقط عن يهود خيبر الجزية، لكانوا أحسن الكفار حالا، ولا يحسن بعد ذلك أن يشترط عليهم في- صلحه معهم - أن يُخرجهم من أرضهم وبلادهم متى شاء، فإنه لا يجوز إخراج أهل الذمة من ديارهم ما داموا ملتزمين بأحكام أهل الذمة. وآخره- أي العاشر- هو أنه لو كان ذلك الكتاب حقيقيا، لما أجمع الصحابة والتابعون والفقهاء على خلافه، فلا يوجد فيهم من قال لا تجب الجزية على يهود خيبر، بل جعلوهم وغيرهم في الجزية سواء(148) .
ويتبين من الشواهد التي ذكرناها أن النقاد الذين أوردناهم فيها، قد وُفقوا في تحقيقهم للروايات التاريخية التي ذكرناها، وكانت أمثلة نموذجية رائعة، دلت على قدراتهم النقدية الفائقة، في البحث عن الأحوال والقرائن المتضمنة في الحوادث والمصاحبة لها، لاستخدامها في نقد المتون وتمحيصها.
سابعاً: نقد المتن بالاحتكام إلى الحِس والمشاهدة
مضى معنا فيما سبق قول القاضي أبي بكر بن الطيب الباقلاني «ت403» والذي نص فيه على أن من جملة دلائل معرفة الحديث الموضوع هو أن يكون مما يدفعه الحس والمشاهدة(149) ، وهذا النوع من النقد مارسته طائفة من النقاد والمحققين، فقد رد العلامة ابن قيم الجوزية طائفة من الأحاديث وأبطلها، عن طريق الاحتكام إلى الحِس المجرّب في الواقع، فنص على أن الحديث الذي يُكذّبه الحِس المُشاهَد هو حديث باطل، فمن ذلك حديث «إذا عطس الرجل عند الحديث فهو صِدق»، فقال إن هذا الحديث وإن صحح بعض الناس إسناده، فإن الحِس يشهد بوضعه، فإنا نشاهد العُطاس والكذب يعمل عمله، ولو«عطس مئة ألف رجل عند حديث يُروى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لم يُحكم بصحته بالعُطاس، ولو عطسوا عند شهادة زور لم تُصدّق»(150) ، ومنها أيضا حديثان، هما: «الباذنجان لما أُكل له»، «والباذنجان شفاء من كل داء»، فقال ابن القيم: قبّح الله واضعهما فإن هذا لو «قاله يوحنس أمهر الأطباء لسخر الناس منه، ولو أُكل الباذنجان للحمى، والسوداء الغالبة، وكثير من الأمراض، لم يزدها إلا شدة، ولو أكله فقير ليستغني لم يفده الغنى، وجاهل ليتعلم لم يفده العلم»(151) .
ومنها أيضا حديث «أكذب الناس الصباغون والصواغون»، فقال فيه ابن القيم: «والحِس يرد هذا الحديث، فإن الكذب في غيرهم أضعافه»(152) .
ثامناً: رد الإسناد الصحيح بنقد متنه
وقد مارسته طائفة من المحققين المسلمين، في نقدهم لبعض الروايات التاريخية، نذكرها شواهد تطبيقية على اهتمام هؤلاء بنقد المتون وردها حتى وإن صحت أسانيدها، وهي بحق نماذج رائعة، والشاهد الأول يتضمن روايتين نقدهما الخطيب البغدادي، الأولى مفادها أنه رأى حديثا لبعض الشيوخ، فاستنكره –أي الحديث-، وقد كان متنه طويلا موضوعا-أي مكذوبا- مركبا على إسناد واضح صحيح، عن رجال ثقات أئمة في الحديث(153) .
والرواية الثانية مفادها أن للمحدث محمد بن الفرخان الدوري البغدادي أحاديث قال عنها الخطيب البغدادي إنها منكرة بأسانيد واضحة عن شيوخ ثقات(154) . وواضح من الروايتين أن الخطيب حكم على تلك الأحاديث بأنها منكرة غير صحيحة، رغم أن أسانيدها صحيحة، رجالها ثقات.
والشاهد الثاني يتضمن روايتين نقدهما الذهبي، الأولى مضمونها أن الصحابي عبد الله بن عباس رضي الله عنه قال إن الله تعالى أوحى إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم: إني قتلتُ بيحيى بن زكريا سبعين ألفا، وإني قاتل بابن ابنتك سبعين ألفا وسبعين ألفا»، فقال الذهبي: «هذا حديث نظيف الإسناد،ومنكر اللفظ»، وقال أيضا: غريب(155) ( ).
فهذا الحديث أنكره الذهبي على نظافة إسناده على حد قوله، لأن متنه منكر، فقد قُتل من هو أعظم من الحسين، ولم يُنزل الله فيهم وحيا، ألم يُقتل عمر بن الخطاب في المسجد، وهو الخليفة العادل، وعثمان قُتل في بيته على يد الأشرار الخارجين عليه،
وعلي قتله بعض الخوارج المارقين عند خروجه لصلاة الفجر؟ وهؤلاء رضي الله عنهم قتلوا مظلومين، بلا حمل للسلاح، وهم أفضل من الحسين بلا شك، ومع ذلك لم يُنزل الله فيهم وحيا للاقتصاص لهم.
كما أن هذا الحديث لم أعثر له على أي أثر في كتب الصحاح، ولا المسانيد، ولا السنن، إلا عند الحاكم النيسابوري «405هـ» في مستدركه، وهو معروف بتساهله، وتصحيحه وتحسينه لكثير من الأحاديث الضعيفة والموضوعة(156) .
والرواية الثانية مفادها أن الإمام أحمد بن حنبل، حضر مجلسا لبعض العباد فيه الحارث بن أسد المحاسبي وأصحابه، فكان يراهم ولا يرونه، فأعجبه كلامه حتى بكى وأغشي عليه، وعندما أنهى هؤلاء مجلسهم نصح أحمد بن حنبل صاحبه الذي كان معه بعدم صحبتهم. فعقّب الذهبي على هذه الحكاية بقوله: هذه حكاية صحيحة الإسناد، لكنها مُنكرة، لا تقع على قلبي، وأستبعد وقوع مثل هذا من مثل أحمد(157) .
والشاهد الثالث يتضمن حديثا نقده الحافظ ابن كثير، فذكر حديثا رواه الإمام أحمد بن حنبل، ثم قال عنه: «تفرّد به أحمد بن حنبل، وإسناده لا بأس به، ولكن لفظه فيه نكارة شديدة»(158) .
والشاهد الرابع هو حديث رواه الإمام مسلم في صحيحه، انتقده فيه كثير من العلماء، وغلّطوه فيه، رغم صحة إسناده، ومفاده أن الله تعالى خلق الكون في سبعة أيام، وليس في ستة أيام، كما هو ثابت في القرآن الكريم(159) .
ومن الذين انتقدوا مسلما في ذلك: علي بن المديني، والبخاري، والبيهقي، وقالوا: هو من كلام كعب الأحبار، وليس من كلام أبي هريرة – راوي الحديث- وإنما بعض الرواة وَهِم فنسبه لأبي هريرة مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم(160) .
وقال ابن كثير في نقده لمتن هذا الحديث: إن في متنه غرابة شديدة، منها أنه ليس فيه ذكر خلق السموات، وفيه ذكر خلق الأرض وما فيها في سبعة أيام، وهذا خلاف القرآن، حيث خُلقت السموات في يومين، والأرض في أربعة أيام(161) .
وفي مقابل هؤلاء فإن بعض العلماء المحققين قد اجتهدوا في تصحيح ذلك الحديث، وشرحوه بما لا يُخالف القرآن، منهم: عبد الرحمن بن يحيى المعلمي، وناصر الدين الألباني(162) .
وبذلك يتبين مما ذكرناه أن علماء الحديث اهتموا بنقد المتون، ولم يَصرفهم عنها اهتمامهم بنقد الأسانيد، ومنهم من ركّز على نقد متون بعض الأحاديث وتضعيفها، رغم صحة أسانيدها.
ومن مظاهر حرص أهل الحديث على النقد والتمحيص من خلال المتن، أنهم كثيرا ما يُفرقون بين صحة الإسناد وصحة متنه، فلا توجد بينهما ضرورة تلازم، لذا وجدناهم يقولون عن بعض الأحاديث: حديث صحيح الإسناد، وحسن الإسناد،
ولا يقولون- عن تلك الأحاديث حديث صحيح، ولا حديث حسن، لأنه «قد يصح أو يحسن الإسناد دون المتن، لشذوذ أو علة»(163)
ويعود سبب ظاهرة بطلان المتن رغم صحة إسناده، إلى الغلط والنسيان، والتعمد في الكذب والتزوير والتحريف، ويُعد التعمد في وضع الأحاديث، هو السبب الرئيسي في هذه الظاهرة، والأمثلة على ذلك كثيرة جداً، أذكر منها ثلاثة، أولها مجموعة الأحاديث المعروفة بالودعانية، سرقها المحدث أبو الفتح بن ودعان، من المحدث زيد بن رفاعة الهاشمي، وركّب لها أسانيد إلى من بعد زيد بن رفاعة، وهي أحاديث موضوعة كلها، وإن كان لبعضها معان صحيحة(164) .
والمثال الثاني هو أن الكذاب محمد بن عبد الله البغدادي العنبري الأشناني، كان يضع الأحاديث المكذوبة، ويركب لها أسانيد صحاح يأخذها من الصحيحين، فكانت أحاديثه مكذوبة المتون، بأسانيد جياد(165) . والمثال الثالث هو أن المحدث أبا الفضل النيار الأصفهاني «ت530هـ» كان يضع الأحاديث الباطلة، ويرويها بأسانيد صحاح(166) .
تاسعاً: رد روايات صحيحة المعاني بنقد أسانيدها
وقد مارسته طائفة من النقاد المسلمين، وتوسّعت فيه، والشواهد الآتية توضح ذلك بجلاء، أولها مجموعة من الأحاديث، ضعفها ورفضها نقاد الحديث ومحققوه، منها: «الوضوء على الوضوء، نور على نور»، «وقدموا خياركم تزكو صلاتكم»، «ومن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم»، «ومن أخذ بيد مكروب، أخذ الله بيده»، «وصوموا تصحوا»، هذه الأحاديث- وغيرها- قال عنها المحدثون المحققون إنها لا تصح(167) ، رغم أن متونها صحيحة المعاني ولا غبار عليها.
والشاهد الثاني يتضمن نقد الحافظ ابن عدي «ت 365هـ»، للمحدث محمد بن عبد الرحمن القشيري، قال عنه إنه مجهول، وروى أحاديث بأسانيد كلها مناكير، ومنها ما متنه مُنكر(168) . وقوله هذا يتضمن أن من الأحاديث التي رواها ما ليس متنها منكراً، رغم أن أسانيدها كلها منكرة.
والشاهد الثالث هو ما قاله الحافظ ابن كثير عن مجموعة الأربعين حديثاً الودعانية التي ذكرناها آنفا، فكان مما قاله فيها، أنها كلها أحاديث موضوعة، لكن في بعضها معانٍ صحيحة(169) . فمع صحة بعض معانيها حكم عليها ابن كثير بأن كلها موضوعة.
وهذا النوع من الروايات حكم عليه نقاد الحديث بالبطلان، لأنه ليس له أصل يُرجع إليه، أو لأن أسانيده مركبة مكذوبة، إذ كان الكذابون المتخصصون في الوضع يتخيرون الكلام الجيد والمعقول، والمتوافق مع الشرع ويختلقون له أسانيد من عندهم، ثم ينسبونه لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو لغيره من الصحابة وأعيان الناس.
ولأنه أيضا - أي هذا النوع من الروايات- يصعب نقده وتمحيصه من خلال المتون، وقد يستحيل ذلك أحيانا، إذا كانت المتون تمثل حِكما بالغة،وتتوافق مع المنقول والمعقول معا، كأن يُقال: «الدنيا مزرعة الآخرة»، «وحب الدنيا رأس كل خطيئة»، «والزهد في الدنيا جسر إلى الجنة»، فهذا النوع من الروايات يُكشف صحيحه من سقيمه، من نقد أسانيده لا متونه، وهذا الأمر هو الذي غفل عنه من دعا إلى نقد المتون وإهمال الأسانيد، فكان هؤلاء النقاد أحسن منه في نظرتهم لنقد المتون والأسانيد، فردوا روايات صحيحة الأسانيد لفساد معاني متونها، وردوا روايات صحيحة المتون لبطلان أسانيدها، وفق منهجهم النقدي المتكامل الذي ذكرنا كثيرا من خطواته وأسسه وتطبيقاته.
عاشراً: نقد الروايات الحديثية والتاريخية بتذوّق معانيها والتعرّف على نوعية أسلوبها اللغوي
والشواهد على ذلك كثيرة، وقد رُوي عن التابعي الربيع بن خثيم، أنه كان يقول: «إن من الحديث حديثا له ضوء كضوء النهار نعرفه به، وإن من الحديث حديثا له ظلمة كظلمة الليل نعرفه بها»(170) .
ولما ذكر الحافظ أبو القاسم بن عساكر، خبرا عن طفولة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عقّب عليه بقوله: «وهذا حديث غريب جدا، وفيه ألفاظ ركيكة، لا تُشبه الصواب»(171) .
ولما ترجم الحافظ الذهبي للإمام أحمد بن حنبل ذكر بعض القصص التي لا تصح سنداً،ثم قال: وقد ساق صاحب الحلية هنا من الأخبار السمجة ما يستحيى من
ذكره(172) وقال عن المحدث محمد بن شاذان بأنه روى في مناقب علي بن أبي طالب أخبارا باطلة سمجة ركيكة(173) وقال عن حكاية حضور أحمد بن حنبل بعض المجالس، «إنها منكرة ولا تقع على قلبي،وأستبعد وقوع هذا من مثل أحمد»(174)
وكذا كانت طريقة العلامة ابن قيم الجوزية، في طرق الكشف عن الموضوعات، فعندما سئل: هل يمكن معرفة الحديث الموضوع بضابط من غير أن يُنظر في سنده؟ قال: «هذا سؤال عظيم القدر، وإنما يعرف ذلك من تضلّع في معرفة السنن الصحيحة، وخلطت بدمه ولحمه، وصارت له مَلَكة». وذكر أن من علامات الأحاديث الموضوعة: ركاكة ألفاظها وسماجتها- أي قبحها-، بحيث يمجها السامع، ويسمُج معناها الفطن، كحديث «أربع لا تشبع من أربع: أنثى من ذكر، وأرض من مطر، وعين من نظر، وأذن من خبر»، «وإن لله ملكا من حجارة يُقال له عُمارة، ينزل على حمار من حجارة كل يوم فيُسَعّر الأسعار ثم يعرج»(175) .
وهذا الذي قاله العلامة ابن القيم هو ما قرره أئمة الإسلام، فقد قال الإمام ابن الجوزي: «الحديث المنكر يقشعر له جلد الطالب للعلم، وينفر منه قلبه في الغالب»(176) . وبين الحافظ أبو عمرو بن الصلاح «ت 643هـ»، أن مما يعرف به الأحاديث الموضوعة ركاكة ألفاظها ومعانيها(177) .
وكذا قال المحدث الفقيه محي الدين بن شرف النووي «ت 676هـ»، من أن كثيراً من الموضوعات أو أكثرها يشهد بوضعها ركاكة لفظها(178) .
ومن أقوال العلامة ابن القيم أيضا فيما يستدل به على الوضع أن يكون الحديث لا يُشبه كلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا كلام الأنبياء، وأن تكون عليه ظُلمة وركاكة، وأن يكون مما يسخر منه الناس، كحديث «لو كان الرز رجلا لكان حليما، ما أكله جائع إلا أشبعه»، وحديث «ربيع أمتي العنب والبطيخ»، و«من أكل فولة بقشرها أخرج الله منه الداء بمثلها»، «وإن الله طهّر قوما من الذنوب بالصلعة في رؤوسهم، و إن عليا لأولهم»(179) .
والملكة التي تكلم عنها هؤلاء، وخاصة ابن القيم، لا تتأتى لأي إنسان، بحيث يصبح كل من هب ودب يقول: حدثني قلبي أن هذا الحديث صحيح، وذاك باطل.ويقول أيضاً: إن نفسي تحدثني أن هذا الخبر غير صحيح. وإنما يتأتى ذلك لأهل الاختصاص العدول، الذين تبحروا في علم الروايات وتضلّعوا فيها،وتمهّروا في معرفة تفاصيلها، ومع ذلك فتبقى أحكامهم نسبية، بمعنى أنه ليس كل ما يقولونه بالضرورة صحيحا، وإنما يغلب عليه الصحيح ويقل فيه الخطأ، مع العلم أن هؤلاء في نقدهم للروايات يستخدمون كل قدراتهم النقدية في الحديث الواحد، ولا يقتصرون على طريق واحد من طرق النقد والتمحيص.
وواضح أيضا أن استخدام هؤلاء للغة والملكة النقدية الذوقية في نقد الروايات، هو منصب أساسا على المتون لا الأسانيد، مما يدل دلالة قاطعة على أهمية نقد المتون.
الحادي عشر: استبعاد الغرائب والعجائب والمجازفات من الروايات الحديثية والتاريخية
وقد مارسته طائفة من المحدثين والمؤرخين في نقدهم لكثير من الروايات، نذكر منها الشواهد الآتية، منها قول للإمام أحمد بن حنبل، يقول فيه: «لا تكتبوا هذه الأحاديث الغرائب، فإنها مناكير، وعامتها عن الضعفاء»(180) .
والشاهد الثاني مضمونه نصيحة الحافظ الخطيب البغدادي لطالب علم الحديث، قال له فيها بأن لا يُذهب وقته في التُرهات من تتبع الأباطيل، وتطلب الغرائب والمنكرات(181) .
والشاهد الثالث رواية نقدها المؤرخ ابن خلكان، مفادها أن الناس رووا عن الأمير بهاء الدين قراقوش«ت597هـ» أحكاما عجيبة، عندما كان والياً على مصر، حتى إن بعض أهل العلم صنف جزءاً عنوانه: الفاشوش في أحكام قراقوش، فيه أشياء استبعد ابن خلكان وقوع مثلها من قراقوش، وقال بأن الظاهر أنها موضوعة، لأن صلاح الدين كان معتمداً عليه في أحوال مملكته، ولولا وُثوقه بمعرفته وكفاءته، ما فوّضها إليه(182) . ولكنه – أي ابن خلكان- لم يذكر لنا أمثلة من الغرائب التي رُويت عن قراقوش، لكي نطلع عليها،ونحكم عليها نحن أيضاً.
والشاهد الرابع يتمثل في انتقادات الحافظ شمس الدين الذهبي لمحدثي عصره في جملة أمور، كان من بينها كثرة روايتهم للغرائب والمناكير(183) .
والشاهد الأخير- أي الخامس - مضمونه نقد ابن قيم الجوزية، لطائفة من الأحاديث بسبب ما فيها من الغرائب والعجائب والمجازفات الباردة، التي لا يصح أن تصدر عن نبي، منها حديث «من صلى الضحى كذا وكذا ركعة، أُعطي ثواب سبعين نبيا»، «ومن قال لا إله إلا الله، خلق الله له من تلك الكلمة طائرا له سبعون ألف لسان، كل لسان سبعون ألف لغة، يستغفرون له»، و«من فعل كذا وكذا أعطي في الجنة سبعين ألف مدينة، في كل مدينة سبعون ألف قصر، وفي كل قصر سبعون ألف حوراء»، هذه المجازفات هي عند ابن القيم لا يخلو حال واضعها من أحد أمرين، إما أن يكون في غاية الجهل والحمق، وإما أن يكون زنديقا قصد التنقيص من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم(184) .
واستخدام هؤلاء النقاد طريقة استبعاد الغرائب والعجائب والمجازفات، في النقد والتحقيق، هو طريقة فعالة، تقوم أساسا على النظر في المتون والاحتكام فيها إلى المنقول والمعقول، وإلى سنن المجتمع والطبيعة.
الثاني عشر: النقد المتكامل المتعدد الطرق
يتضمن مثالاً نموذجياً واحداً، وهو نموذج رائع للنقد التاريخي المتعدد الطرق، والمتكامل الجوانب، مارسه الشيخ تقي الدين بن تيمية، في نقد الخبر القائل بأن الماء زاد بمدينة الكوفة، فخاف أهلها من الغرق وفزعوا إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه فركب بغلة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخرج معه الناس، فنزل على شاطئ الفرات، ثم دعا وضرب صفحة الماء بقضيب كان بيده، فغاص الماء وسلّم عليه كثير من الحيتان، ولم ينطق بعضها، فسُئل عن ذلك فقال: أنطق الله ما طهّره من الأسماك، وأسكت من أنجسه وأبعده(185) .
ثم نص ابن تيمية على أن هذا الخبر هو من الحكايات المكذوبة، التي يعلم العقلاء أنها من المكذوبات، ثم نقدها وردها من عدة وجوه، أولها أنها حكاية ليس لها إسناد يمكن الرجوع إليه لمعرفة صحتها وثبوتها، وإلا فإن ذكر الروايات بلا إسناد هو فعل يقدر عليه كل إنسان، ولا يعجز عنه أحد(186) .
وثانيها هو أن بغلة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم تكن عند علي بن أبي طالب. وثالثها هو أن هذه الحكاية ليس لها ذكر في الكتب المعتمدة المعروفة. ومثل هذه الحكاية لو حدثت فعلا لكانت مما تتوافر الهمم والدواعي على نقلها. ورابعها هو أن السمك في الشريعة الإسلامية كله مباح بالنص وبإجماع الصحابة بمن فيهم علي، والفقهاء من بعدهم، فكيف تزعم تلك الرواية أن الله تعالى أنجسه؟. وآخرها هو أن نطق السمك مخالف للعادة، وغير مقدور له(187) .
ويتبين من هذا النقد أن ابن تيمية نقد تلك الرواية إسنادا ومتنا، واحتكم فيها إلى الثابت من التاريخ، وإلى النقل والعقل، وبعض سنن الطبيعة والمجتمع، وبمعنى آخر أنه طبق عليها قانون المطابقة بمعناه الواسع، ونقده هذا هو بحق نقد صحيح عميق رائع، يدل على قدرات صاحبه في النقد والتحقيق، والتصور الشامل لطرق النقد التاريخي وممارسته.
وقبل إنهاء هذا الفصل أشير هنا إلى أمر هام جدا، مفاده أن القرآن الكريم قد أصّل منهج النقد التاريخي إسنادا ومتنا، قبل أن يبدأ المسلمون في الكتابة التاريخية تدوينا وتقعيدا وتحقيقا، من ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾(188) قد جرحت الراوي ولم تعدله، ووصفته بأنه فاسق، ثم دعت إلى التثبت من الخبر «فتبينوا» دون تحديد للوسائل لتبقى مطلقة يستخدم فيها الإنسان كل ما يساعده على التأكد من صحة الخبر. ومنها أيضا قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (65) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾(189) فالله- سبحانه وتعالى- ردّ على دعوى أهل الكتاب بمنطق التاريخ ومؤداه: كيف يكون إبراهيم؛ يهودياً أو نصرانياً، وما أنزلت توراة اليهود، وإنجيل النصارى، إلا من بعده بقرون مديدة؟ وهذا دليل عقلي تاريخي، استخدمت فيه المطابقة الزمانية بين الدعوى والحقيقة التاريخية. ثم نبههم الله- عز وجل إلى ضرورة توظيف العقل في مثل هذه القضايا بقوله «أفلا تعقلون» ثم أنكر عليهم المحاجة فيما لا
علم لهم به. فيتبين من ذلك أن الخبر لا يقبل بمجرد الدعوى بل لا بد من التأكد من صدقه إذا شككنا فيه باستخدام مختلف الوسائل المتاحة، وطريقة القرآن الكريم يمكن تعميمها وتطبيقها على العديد من الروايات الحديثية والتاريخية، وهو في ذلك يعطي المثال، ويترك للعقل البشري مجال الإبداع مفتوحاً.
وختاماً لهذا الفصل يظهر فضل علماء الأمة من محدثين ومؤرخين ومفسرين في استعمال منهج النقد التاريخي المحكم والمنصف لتجلية الأحداث صحة وبطلاناً وقد ضربنا على ذلك أمثلة كثيرة جداً.
الفصل الثاني: مدرسة الكذابين في رواية التاريخ الإسلامي وتدوينه
مدرسة الكذابين في رواية التاريخ الإسلامي وتدوينه
خصصتُ هذا الفصل لدراسة ظاهرة الكذابين ودورهم في رواية التاريخ الإسلامي وتدوينه، لأنهم شكّلوا خلال القرون الثلاثة الهجرية الأولى، تياراً فكرياً اجتماعياً طائفياً جارفاً، تخصص في اختلاق الأكاذيب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصحابته الكرام، ومن جاء بعدهم.
وذلك أن هؤلاء الكذابين قد كونوا مدرسة، لها رجالها ومنهاجها، وموضوعها وخصائصها، وآثارها ومصنفاتها، وركزّت أساساً على القرون الثلاثة الهجرية الأولى، لأن معظم الكذابين المعنيين بالدراسة قد عاشوا في تلك الفترة، ولأن كثيراً من العلوم الشرعية والأدبية قد دَوّنت فيها أيضاً. لكنني مع ذلك كثيراً ما ذكرت كذابين عاشوا في القرن الرابع الهجري وما بعده، على امتداد أمصار المشرق الإسلامي، قاصداً فضحها ومقاومتها والتحذير منها، وتطهير تاريخنا من سمومها ومفترياتها.
المبحث الأول: مظاهر الكذب في الأحاديث النبوية والأخبار التاريخية
أولاً: في الأحاديث النبوية
انتشرت ظاهرة الكذب بين طائفة من رواة الأحاديث النبوية والأخبار التاريخية، انتشارا كبيرا خلال القرون الثلاثة الهجرية الأولى، بسبب الخلافات السياسية والمذهبية التي عصفت بالمسلمين، ثم خفّت حدتها بعد تدوين العلوم الشرعية، دون أن تتوقف، واستمرت بعد ذلك قرونا أخرى، على أيدي كذابين محترفين ورثوا أسلافهم في الكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
و قد تجلى ذلك في أوجه كثيرة منها:
1- الوجه الأول
اختلاق الأحاديث ونسبتها للرسول صلى الله عليه وآله وسلم وهي المعروفة بالأحاديث الموضوعة، وهذا النوع قد انتشر كثيرا بين الكذابين، فروي أن الكذاب محمد بن يونس الكديمي البصري، قد وضع أكثر من ألف حديث(190) . وأن الكذابيّن أحمد الجويباري، وابن تميم السعدي قد وضعا قرابة مائة ألف حديث(191) . ذلك وغيره هو الذي دفع الحافظ شعبة بن الحجاج «ت160 هـ» إلى القول: «ما أعلم أحدا فتّش الحديث كتفتيشي، وقفتُ على ثلاثة أرباعه كذب»(192) .
وقد جمعت طائفة كبيرة من الكذابين، زاد عددهم عن «350» رجلاً، كذبوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونسبوا له أحاديث لم يقلها، ومن هؤلاء:
1- وهب بن مرحب بن كبير، القاضي أبو البختري القرشي المدني:
قال عنه يحيى بن معين: كذاب خبيث. وقال مرة: يضع الحديث(193) .
وقال الإمام أحمد: كان كذاباً يضع الحديث(194) .
وقال البخاري: سكتوا عنه، كان وكيع يرميه بالكذب(195) .
ومن الأحاديث التي وضعها قوله: من زوَّق بيته وزخرف مسجده لم يمت من الدنيا أو تصيبه قارعة نوح(196) .
2- إسماعيل بن الحسين بن بندار بن المثنى، أبو سعد الواعظ الأستراباذي :
قال عنه الخطيب البغدادي: لم يكن موثوقاً به في الرواية(197) .
وقال ابن طاهر: مزقوا حديثه بين يديه ببيت المقدس(198) .
ولما كان إسماعيل يعظ بدمشق، قام إليه رجل فسأله عن حديث: أنا مدينة العلم وعلي بابها.
فأجاب بقوله: هذا مختصر وإنما هو: أنا مدينة العلم وأبو بكر أساسها وعمر حيطانها وعثمان سقفها وعليٌّ بابها. فسألوه أن يخرج لهم إسناده فوعدهم به(199) .
3-
يحيى بن محمد ابن أخي حرملة التجيبي:
ترجم له ابن عدي في الكامل وضعَّفه بعد أن سمع منه(200) ، واتهمه الدارقطني فقال رحمه الله في غرائب مالك «: كان يضع الحديث على حرملة، وأورد له عن عمه، عن ابن وهب عن مالك لعله عن نافع عن ابن عمر رفعه: مررت ليلة أسرى بي بالكوفة، ودخلت مسجدها وصليت فيه أربع ركعات. ثم قال:هذا موضوع كذب»(201) .
وهذا كذب واضح لأن الكوفة لم تكن موجودة في زمن النبي صلى لله عليه وسلم، وإنما أنشأت فيما بعد، قال ياقوت الحموي(202) : وأما تمصيرها وأوليته فكانت في أيام عمر ابن الخطاب رضي الله عنه ، في السنة التي مصرت فيه البصرة وهي سنة 17، وقال قوم إنها مصرت بعد البصرة بعامين في سنة 19 وقيل سنة 18 هـ.
فتبين بهذا كذب يحيى بن محمد المذكور ووضعه للحديث على عمه حرملة.
وكان هناك من الكذابين صنف أكثروا من الوضع والكذب كأحمد بن محمد بن الفضل القيسي ، لعله قد وضع أكثر من ثلاثة آلاف حديث(203) . وقد بين حاله أئمة الإسلام وحذروا منه(204) .
وأحمد بن محمد بن عمرو بن فضالة، أبو بشر المروزي ، قال عنه ابن حبان(205) : كان ممن يضع المتون للآثار ويقلب الأسانيد للأخبار حتى غلب قلبه أخبار الثقات وروايته عن الأثبات بالطامات على مستقيم حديثه فاستحق الترك، ولعله قد قلب على الثقات أكثر من عشرة آلاف حديث.
وقال عنه الخطيب(206) : لم يكن بثقة وله من النسخ الموضوعة شيء كثير، ورواياته منتشرة عند الخراسانين.
ورماه بالوضع الحافظ الدارقطني(207) .
2- الوجه الثاني
ادعاء بعض الكذابين السماع من أقوام لم يلحقوا بهم ولم يكونوا من معاصريهم ، ومن اشتهر بهذا الصنيع:
1- محمد بن عبدة بن حرب العباداني، أبو عبيد الله القاضي:
قال عنه ابن عدي(208) : كان يحدث من كتب الناس عن قوم لم يرهم، كتبت عنه ببغداد والموصل، وأخبرني إبراهيم بن محمد بن عيسى عنه أنه قال: كتبت عن بكر بن عيسى الراسبي.
قال ابن عدي: وبكر هذا حدَّث عنه أحمد بن حنبل ومات سنة أربع ومئتين... إلى أن قال: وقوله كتبت عن بكر بن عيسى كذب عظيم، وذاك أنه كان يقول: ولد
سنة ثماني عشرة وبَكْرٌ مات سنة أربع ومئتين، فكيف يكتب عنه؟ والضعف على حديثه بيِّن.
وأخرج الخطيب عن أبي علي حامد بين محمد الهروي أنه قال(209) : كان أبو عبيد الله القاضي ببغداد منصرفاً من قضاء مصر، وكان بمصر يعرف بأبي عبيد بن حربويه، كان أولاً يحدث عن أبي الأشعث وعمر بن شبَّة وطبقتهما، ثم ارتقى إلى بُندار وأبي موسى، وطبقتهما. فلما كان بعد انصرافه من مصر إلى العراق حدَّث عن إبراهيم بن الحجاج الشامي، وأبى الربيع الزهراني، وطبقتهما. وكان إبراهيم بن محمد بن حمزة الأصفهاني يختص به، فقال لي إبراهيم يوماً: يا أبا علي، إن أبا عبيد الله قال لي: عزمت أن أحدث عن أبي الوليد الطيالسي، والحوصي ومسدَّد. قال ابن حمزة: فقلت: الله الله! فأَنا نرحم(210) أيها القاضي.ه
وقال الدارقطني عنه(211) : لا شيء، آية، سمعت السبيعي يقول: كان يظهر جزءاً من سماعه ويحدث به، ثم بعد ذلك أخذ كتب الناس وحدَّث بها، ولم يكن له سماع، ثم انكشف أمره.
2- عبد المنعم بن إدريس اليماني ، وهو ممن كُذِّب، فقد قال عنه الإمام أحمد: كان يكذب على وهب بن منبه(212) . وقال عنه البخاري(213) : ذاهب الحديث، وقال عنه النسائي(214) : ليس بثقة. وبيَّن حاله أبو زرعة لما سئل عنه فقال(215) : واهي الحديث، ولد بعد موت أبيه وحدث عن أبيه.
وقال عنه زكريا بن يحيى الساجي(216) : كان يشتري كتب السيرة فيرويها، وما سمعها من أبيه ولا بعضها.
3- أحمد بن محمد بن الصلت الحماني : وقد قال ابن عدي عنه(217) : يحدث عن ثابت الزاهد وعبد الصمد بن النعمان وغيرهما من قدماء الشيوخ قوماً قد ماتوا قبل أن يولد بدهر، ما رأيت في الكذابين أقل حياء منه وكان ينزل عند أصحاب الكتب يحمل من عندهم رزماً فيحدث بما فيها وباسم من كتب الكتاب باسمه، فيحدث عن الرجل الذي اسمه في الكتاب ولا يبالي ذلك الرجل متى مات ولعله قد مات قبل أن يولد.
وقال عنه ابن حيان(218) : علمت أنه يضع الحديث ورأيته يروي عن أبي عبيد وإسماعيل بن أبي أويس وعن مسدد وما أحسبه رآهم.
3- الوجه الثالث
من طرق افتراء الكذابين في الحديث النبوي هو التصرف في الأسانيد عن طريق تركيبها على المتون ، وقد مورست هذه الطريقة من عدة كذابين، من هؤلاء على سبيل المثال:-
1- أحمد بن أبي عمران الجرجاني:
ذكره الحاكم فقال(219) : كان يضع الحديث ويركب الأسانيد على المتون.
«وكان كتب الكثير من المسانيد والسنن والسير والتواريخ، وكان قد جمع الشيوخ
والأبواب والطرق، وكان له فهم ودراية، روى أحاديث مناكير غرائب عن شيوخ مجاهيل لم يتابعه عليها أحد فأنكروا عليه وكذبوه»(220)
2- أحمد بن سعيد بن فرضخ الإخميمي المصري :
ذكر الدارقطني أنه وضع «أحاديث في ثواب المجاهدين والمرابطين والشهداء، موضوعة كلها وكذب لا تحل روايتها، والحمل فيها على ابن فرضخ فهو المتهم بها، فإنه كان يركب الأسانيد ويضع عليها أحاديث»(221) .
3- عبد الرحمن بن محمد بن علوية الأبهري، أبو بكر القاضي.
«كان يركب الأسانيد على المتون، وقال الحاكم عن أحاديثه: كلها موضوعة والحمل فيها عن الأبهري»(222) .
4- سليمان بن داود الشاذكوني
كان يضع الحديث في الحال، قال صالح جزرة(223) قال لي أبو زرعة الرازي: مر بنا إلى سليمان الشاذكوني يوماً حتى نذاكره. قال: فذهبنا إليه، فما زال يذاكره حتى عجز الشاذكوني عن حفظه، فلما أعياه الأمر ألقى عليه حديثاً من حديث الرازيين فلم يعرفه أبوزرعة. فقال الشاذكوني: ياسبحان الله! ألا تحفظ حديث بلدك؟ هذا حديث مخرجه من عندكم ولا تحفظه، وأبو زرعة ساكت والشاذكوني يخجله ويري من حضر أنه قد عجز عن الجواب. فلما خرجا رأيت أبازرعة قد اغتم ويقول: لا أدري من أين جاء
بهذا الحديث، فقلت له: إنه وضعه في الوقت كي لا يمكنك أن تجيب عنه فتخجل. فقال أبوزرعة: هكذا؟! قلت: نعم. فسري عنه.
وكذا ادعى على عبدالرزاق الصنعاني أنه حدَّثه بأحاديث فكذَّبه عبدالرزاق ورمى بكتابه(224) .
4- الوجه الرابع
من طرق الكذب التي يمارسها بعض الوضاعين سرقة الحديث(225) ، وممن فعل ذلك:
1- صالح بن أحمد بن أبي مقاتل، أبو الحسين القيراطي:
قال عنه ابن حبان(226) : يسرق الحديث يقلبه، ولعله قد قلب أكثر من عشرة آلاف حديث فيما خرج من الشيوخ والأبواب.لا يجوز الاحتجاج به. وقال عنه ابن عدي(227) : يسرق الأحاديث ويلزق أحاديث تعرف بقوم لم يرهم على قوم آخرين لم يكن عندهم وقد رآهم، ويرفع الموقوف ويوصل المرسل ويزيد في الأسانيد.. إلى أن قال: وهو بيِّن الأمر جداً، تجسره على رفع أحاديث موقوفة وعلى وصل أحاديث مرسلة وعلى أحاديث يسرقها من قوم حتى لا يفوته شيء.
2- محمد بن عبد بن عامر السمرقندي: اتهمه بالسرقة الخطيب البغدادي، فقال بعد أن روى حديثاً من طريقه(228) : والصواب عن مالك من قوله، قد سرقه محمد بن عبد بن عامر من ابن أبي رومان فرواه كما ذكرنا.
وقال في حديث آخر(229) : وفي إسناده غير واحد من المجهولين، وقد سرق متنه محمد ابن عبد ووضع الإسناد الذي قدمناه.
وقال عنه أبو سعد الإدريسي(230) : يتهم بالكذب وكأنه كان يسرق الأحاديث والإفرادات يحدث بها، ويتابع الضعفاء والكذابين في رواياتهم عن الثقات بالأباطيل.
3- جعفر بن عبد الواحد الهاشمي:
قال ابن عدي(231) : منكر الحديث عن الثقات ويسرق الحديث، وقال في ختام ترجمته: وهذه الأحاديث التي ذكرتها عن جعفر بن عبد الواحد كلها بواطيل وبعضها سرقه من قوم، وله غير هذه الأحاديث من المناكير.وقد رماه بالكذب ووضع الحديث الدارقطني وغيره من الأئمة(232) . إلى غير ذلك من الأمثلة.
وكان من نتائج كذب هؤلاء في حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن رووا أحاديث منكرة المتون عجيبة المعاني، بعيدة كل البعد عن أسلوب النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الفصاحة والبيان، وعن
مقاصد الشريعة الإسلامية، بل كانت هذه الألفاظ الركيكة من طرق إثبات وضع هذه الأحاديث(233)
ومن أمثلة هذه الغرائب المضحكة الحديث الذي وضعه أبو سعيد الحسن بن علي ابن زكريا العدوي وهو: «عليكم بالوجوه الملاح والحدق السود فإن الله يستحي أن يُعذب وجهاً مليحاً بالنار».
قال حمزة السهمي(234) : سمعت أبا محمد البصري يقول: الحسن بن علي بن زكريا أبو سعيد العدوي.... كذاب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يقول على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما لم يقل، إلى أن قال عنه: ومما حدَّث به لاجزاه الله خيراً، ثم ذكر الحديث السابق.
وكذلك ما وضعه يحيى بن هاشم السمسار على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال لعائشة رضي الله عنها(235) : «لا تأكلي الطين فإنه يعظم البطن ويصفِّر اللون ويذهب بهاء الوجه».
ثانياً: مظاهر الكذب في الأخبار التاريخية
لم يقتصر الكذب والوضع على سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بل كذبوا أيضاً على الصحابة رضي الله عنهم والتابعين ومن جاء بعدهم، فكثير من الكذابين جمع بين الكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلى غيره، وممن اشتغل بالكذب على الصحابة رضي الله عنهم:
1- إسماعيل بن محمد بن يزيد بن ربيعة، المشهور بـ: السيد الحميري:
كان شاعراً مفلقاً(236) ، نظمه في الذروة(237) ، لكنه كان ينتقص السلف.
قال عنه الدارقطني(238) : كان غاليا يسب السلف في شعره، ويمدح أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب.
وقال عنه ابن الجوزي(239) : كان شاعراً مجيداً، لكنه أفرط في سب بعض الصحابة، وقذف أزواج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وقد نقل عنه عند موته ما ينبئ بسوء خاتمته، فقد قال الحافظ ابن حجر بعد أن ردَّ قصة مختلقة تظهر حسن خاتمته(240) : وأصح من هذا ما قرأت بخط الصفدي قال: قال أبو ريحانة وكان من أهل الورع: حدثني جار السيد الحميري قال: جاءنا رجل فقال: إن هذا وإن كان مخلِّطاً فهو من أهل التوحيد وجارُكم، فادخلوا لقنِّوه، وكان في الموت ففعلنا، فقلنا له وهو يجود بنفسه: قل لا إله إلا الله، فاسودَّ وجهه وفتح عينيه وقال لنا: «وحيل بينهم وبين ما يشتهون» ومات من ساعته.
2-
ميناء بن أبي ميناء القرشي الزهري الخراز
قال عنه أبو حاتم(241) : منكر الحديث روى أحاديث في أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم مناكير، لا يعبأ بحديثه، كان يكذب.
وقال عنه ابن معين(242) : ليس بثقة وربما قال: مَنْ ميناء أبعده الله.
وعند ابن عدي عنه(243) : ومن ميناء.. حتى يتكلم في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
3- عبد الغفار بن قاسم بن قيس، أبو مريم كان يضع أخباراً في الطعن في بعض الصحابة رضي الله عنهم.
قال عنه أحمد بن حنبل(244) : ليس بثقة كان يحدث ببلايا في عثمان رضي الله عنه.
وقال ابن حبان(245) : كان ممن يروي المثالب في عثمان بن عفان، ويشرب الخمر حتى يسكر، ومع ذلك يقلب الأخبار، لا يجوز الاحتجاج به.
وقد كان بعض هؤلاء متخصصاً في الكذب على أهل البيت، ومن أمثلة هؤلاء :
1- عبد الغفار بن عمرو الفقيمي :
قال عنه ابن عدي في ختام ترجمته(246) : متهم إذا روى شيئاً من الفضائل، وكان السلف يتهمونه بأنه يضع في فضائل أهل البيت وفي مثالب غيرهم.
ومن أشدهم كذباً على أهل البيت :
2- المغيرة بن سعيد البجلي الكوفي ، فقد كان رجل سوء(247) مغالياً في تعظيم أهل البيت، وكان يقول في تفسير قول الله تعالى(248) : إن الله يأمر بالعدل: علي بن أبي طالب، والإحسان: فاطمة:، وإيتاء ذي القربى: الحسن والحسين، وينهى عن الفحشاء: كان أبو بكر من أفحش الناس والمنكر: عمر بن الخطاب.
وكان يفضل علياً رضي الله عنه على الأنبياء، قال الأعمش رحمه الله(249) : أتاني المغيرة بن سعيد فجلس بين يدي، فذكر عليا وذكر الأنبياء ففضله عليهم.
بل وادعى بأن علياً رضي الله عنه كان يستطيع أن يخلق.
وكان يقول(250) : والذي نفسي بيده لو شاء لأحيا عاداً وثمود.
وقد تبرأ منه أئمة أهل البيت، فقال أبو جعفر(251) : بريء الله ورسوله من المغيرة بن سعيد وبيان بن سمعان فإنهما كذبا علينا أهل البيت.
وكان مع فجوره وكذبه على أهل البيت، ينتقص الشيخين أبا بكر وعمر قال الأعمش(252) : أول من سمعته ينتقص أبا بكر وعمر المغيرة المصلوب.
ثم وصل به الأمر أن ادعى النبوة فقتلوه، قال الجوزجاني(253) : قتل على ادعاء النبوة.
وقال عنه ابن عدي في ختام ترجمته(254) : والمغيرة بن سعيد هذا لم يكن بالكوفة ألعن منه فيما يروى عنه من التزوير على علي بن أبي طالب وعلى أهل البيت، وهو دائماً يكذب عليهم، ولا أعرف له من الأحاديث مسنداً.
ومما ادعاه الغلاة في علي رضي الله عنه أن جبريل؛ كان يملي عليه الوحي، فقد افترى محمد ابن السائب الكلبي ذلك فقال: كان جبريل يملي الوحي على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلما دخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم الخلاء جعل يملي على علي(255) .
ومحمد بن السائب هذا كان سبئياً من أصحاب عبد الله بن سبأ، الذين يقولون: إن علياً لم يمت وإنه راجع إلى الدنيا قبل قيام الساعة فيملؤها عدلاً كما ملئت جوراً، وإن رأوا سحابة قالوا: أمير المؤمنين فيها(256) .
وأخرج العقيلي(257) بسنده إلى عبد الرحمن بن مهدي أنه قال: جلس إلينا أبوجُزَيِّ على باب أبي عمرو بن العلاء فقال: أشهد أن الكلبي كافر قال: فحدثت بذلك يزيد ابن زريع، فقال سمعته يقول: أشهد أنه كافر. قال: فما زعم؟ قال: سمعته يقول: كان جبريل؛ جاء يوحي إلى النبي صلى الله عليه والسلام فقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم لحاجة وجلس عليُّ. فأوحى إلى علي.
قال يزيد: أنا لم أسمعه يقول هذا ولكني رأيته يضرب على صدره ويقول لنا: أنا سَبَئيٌّ أنا سَبَئيٌّ.
ولا
شك أن علياً وآل البيت بريئون من تلك الأكاذيب، وذلك أن مدعي موالاتهم ومحبتهم من الغلاة، قد كذبوا عليهم وأكثروا، حتى قال عامر الشعبي(258) ما كذب على أحد من هذه الأمة ما كذب على علي رضي الله عنه وقال محمد بن سيرين(259) عامة ما يُروى عن علي بن أبي طالب الكذب.
وقد نقل الحافظ أبو يعلى الخليلي(260) عن بعض الحفاظ قوله: تأملت ما وضعه أهل الكوفة في فضائل علي وأهل بيته فزاد على ثلاثمائة ألف.
ولو تأملنا الدوافع التي دفعت أولئك الغلاة للكذب على أهل البيت لوجدنا مرجعها إلى سبب رئيس، ألا وهو محاولة تأييد المذهب الذي ابتدعه الغلاة ورد ما يخالفه من نصوص الكتاب والسنة فنسبوا أقوالاً مكذوبة لعلي وذريته رضي الله عنهم ثم اتخذوا هذه المكذوبات نصوصاً مقدسة يحتكمون إليها ويلوذون بها ويدفعون بها ما يخالفهم من نصوص الوحيين.
وتعدى الأمر أيضاً إلى الكذب على من بعد الصحابة، فجاء من تخصص بالوضع على بعض الأعلام، وكان من هذا الصنف:
1- المدعو أحمد بن محمد بن الصلت الحماني «ت 302» ، الذي مر معنا(261) ضمن الذين ادعوا سماعاً من أناس لم يلتقوهم، وقد قال فيه ابن عدي: ما رأيت في الكذابين أقل حياءً منه.
وكان من ضمن أكاذيبه ما وضعه على الإمام أبي حنيفة رحمه الله أنه قال: حججت مع أبي ولي ستَّ عشرة سنة فمررنا بحلقة فإذا رجل، فقلت:من هذا؟ قالوا: عبد الله ابن الحارث بن جزء الزبيدي رضي الله عنه.
قال الإمام الذهبي بعد أن نقل هذا الخبر(262) : هذا كذب، فابن جزء مات بمصر ولأبي حنيفة ست سنين اهـ.
وقد نفى طائفة من أهل العلم لقي أبي حنيفة لأحد من الصحابة، فقال حمزة السهمي(263) : سئل الدارقطني وأنا أسمع عن سماع أبي حنيفة يصح؟ قال: لا ولا رؤية، ولم يلحق أبو حنيفة أحداً من الصحابة.
ومن هؤلاء الكذابين:
2- علي بن الحسن الطرسوسي(264) ، قال ابن النجار: «أبو الحسن الصوفي نزل طرسوس وحدث بدمشق ومصر بحكايات المشايخ»، ثم ذكر أسماء من حدث عنهم.
وقد اتهم بوضع حكاية عن الإمام أحمد في تحسين أحوال الصوفية(265) .
والقصة رواها عنه أبو الحسن العتيقي قال: سمعت علي بن الحسن الصوفي الطرسوسي يقول: سمعت سليمان بن أحمد الطبراني سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل يقول(266) سمعت أبي رحمه الله وقد قيل له: إن هؤلاء الصوفية جلوساً(267) في المساجد على
التوكل بغير علم فقال: العلم أقعدهم. فقيل له: فإن همهم(268) كسرة وخرقة، فقال: لا أعلم «أن قوماً أعظم قدراً من قوم يكون همهم من الدنيا كسرة وخرقة»(269) قيل: فإنهم إذا سمعوا السماع يقومون يرقصون. فقال أبي رحمه الله: «دعوهم يفرحون مع الله ساعة»(270)
وهذه الحكاية لا شك في وضعها على الإمام أحمد، وإنما أراد واضعها أن يظهر أن الإمام أحمد كان راضياً على الصوفية وأنه أقرهم على فعلهم بل وحسَّنه لهم.
وهناك طائفة أخرى تخصصت في اختلاق الأشعار وأحاديث السمر ونسبتها للعرب، فمنهم:
1- عيسى بن يزيد بن داب الليثي ، فقد ترجم له البخاري في تاريخه الكبير وذكر له حديثاً منكراً(271) .
وترجمه العقيلي فقال في خاتمه ترجمته(272) : وما لا يتابع عليه من حديثه أكثر مما يتابع عليه. وقال عنه أبو حاتم(273) : منكر الحديث.
ومع أنه كان «راوية عن العرب وافر الأدب عالماً بالأنساب عارفاً بأيام الناس حافظاً» إلا أنه «قيل: إنه كان يزيد في الأحاديث ما ليس منها»(274) .
وقال عبد الواحد بن علي في مراتب النحويين(275) : كان يضع الشعر وأحاديث السمر، كلاماً ينسبه للعرب، فسقط علمه وحفيت روايته، وكان شاعراً، وعلمه بالأخبار أكثر.
ومنهم رجل :
2- يُدعى بكير بن المعتمر، كان يضع الأخبار، لنصرة الخليفة الأمين في حروبه مع خصومه، وكان «إذا نزلت به نازلة وحادثة هزيمة قال له: هات، فقد جاءنا نازلة، فيضع له الأخبار، فإذا مشى الناس تبينوا بطلانها»(276) .
وختاماً لهذا المبحث يتبين لنا أن الكذابين الأخباريين معظمهم قد جمعوا بين الكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلى غيره من الناس، ويتبين أيضاً من خلال عرض كثير من الروايات المكذوبة التي انتقدها المحدثون وبينوا زيفها، أنهم أظهروا براعة في النقد والتحقيق جمعاً بين الإسناد والمتن، مما يثبت أن ما يزعمه بعض الباحثين المعاصرين من أن أهل الحديث اهتموا بنقد الإسناد وأهملوا المتن، هو زعم غير صحيح.
ثالثاً: مظاهر الكذب في تأليف الكتب
لم يكتف كثير من الكذابين باختلاق الأكاذيب ونشرها بين الناس عامة وأهل الحديث والإخباريين خاصة، وإنما أوصلهم حبهم للكذب وحرصهم عليه إلى تصنيف الكتب لتدوين مفترياتهم، وسأذكر بعض من امتهن الكذب في مؤلفاته.
فمنهم:
1- القاضي أحمد بن عبد الله بن محمد أبو الحسن البكري قال عنه الذهبي(277) «ذاك الكذاب الدجال واضع القصص التي لم تكن قط. فما أجهله وأقل حياه، وما روى حرفاً من العلم بسند، ويقرأ له في سوق الكتبيين كتاب ضياء(278) الأنوار ورأس الغول، وشر(279) الدهر، وكتاب «كلندجة» «وحصن الدولاب» وكتاب الحصول(280) السبعة وصاحبها هضام بن الجحاف وحروب الإمام علي معه وغير ذلك، ومنهم:
2- زيد بن الحسن بن زيد بن أميرك الحسيني.
قال عنه ابن السمعاني(281) سافر إلى الشام ومصر والعراق، وفرَّق حيَّاتِه وعقاربه بها، واختلق أربعين حديثاً تقشعر منها الجلود.... وكان يقال له أبو محمد الموسوي إلى أن قال: وكان وضاعاً أفاكاً دجالاً، لا يعتمد على نقله، وروى المناكير عن المجاهيل منفرداً بها، وأكثرها من نسج خاطره. وكان جمع أربعين حديثاً ما كنت رأيتها،
فدخلت على الحافظ أبي نصر أحمد بن عمر الغازي، فنظرت في جزء عنده بخط الموسوي، فإذا بخط شيخنا: أن الأحاديث التي في هذه الأربعين بواطيل كذب لا أصل لها، وضعها الكذاب الموسوي. ومنهم
3- المدعو عبد الله بن محمد البلوي ، حكم الدارقطني على حديثه بأنه منكر(282) ، ونقل عنه أنه قال فيه: يضع الحديث(283) .
وقال عنه ابن ماكولا: كان كذاباً(284) .
قال عنه الحافظ ابن حجر: وهو صاحب رحلة الشافعي، طوَّلها ونَمَّقها، وغالب ما أورده فيها مختلق.
ومنهم:
4- محمد بن يوسف بن يعقوب الرازي ، قال عنه الدارقطني(285) : شيخ دجال كذاب يضع الحديث والقراءات والنسخ، وضع نحواً من ستين نسخة قراءات ليس لشيء منها أصل ووضع من الأحاديث المسندة مالا يضبط.
ويتبين مما تقدم معنا في هذا المبحث، أن إقدام الكذابين على تصنيف الكتب باسمهم أو نسبتها لغيرهم أدى إلى انتشار أكاذيبهم بين أهل العلم، وهم بهذه الطريقة قد أعطوا لمفترياتهم قوة أكبر في التأثير على الناس. فإن وقع المكتوب على النفس أكبر من المنقول شفاهاً.
وهم بذلك الفعل القبيح قد رسموا خطوطاً واضحة لمدرسة عرفت بهم، حاولت بقوة تشويه التاريخ الإسلامي وحققت بعض أهدافها من إشعال الفتنة الطائفية بين المسلمين.
المبحث الثاني: تصنيف الكذابين
سأقوم في هذا المبحث بتصنيف الكذابين من غير المشتغلين بالحديث من حيث:
التخصص العلمي. الطوائف المذهبية والاجتماعية. المدن والبلدان.
أولاً: تصنيف الكذابين حسب التخصص العلمي
لقد وجد من هؤلاء الكذابين أناس اشتغلوا بالقضاء أو كتابة التاريخ أو الوعظ والقصص أو نظم الشعر، وهذا شروع في ذكر أمثلة على كل قسم من هذه الأقسام:
1- المشتغلون بالقضاء
فأما بالنسبة لمن رمي بالكذب من المشتغلين بالقضاء فمنهم:
1- القاضي أصرم بن حوشب.
قال عنه يحيى بن معين(286) : كذاب خبيث.
وقال عنه البخاري(287) : متروك الحديث. وكذا قال أبو حاتم(288) .
وقال عنه ابن عدي في ختام ترجمته(289) : عامة رواياته غير محفوظة وهو بيّن الضعف.
2-
أبو البختري وهب بن وهب قاضي بغداد.
قال عنه الإمام أحمد(290) : كان أبو البختري يضع الحديث وضعاً فيما نرى وقال عنه أيضاً(291) : أكذب الناس.
وقال عنه يحيى بن معين(292) : كان يأخذ بيتاً فيتذكر عامة الليل يضع الحديث.
وقال عنه(293) : كذاب خبيث.
وقال عنه البخاري(294) : سكتوا عنه، كان وكيع يرميه بالكذب.
وقال عنه عثمان بن أبي شيبه(295) : ذاك دجال أرى أنه يبعث يوم القيامة دجالاً.
3- قاضي جرجان عمرو بن الأزهر العتكي.
قال أبو سعيد الحداد(296) : كان عمرو بن الأزهر يكذب مجاوبة، قال: قالوا له: تعرف في الحائك يأخذ الخيوط فقال: حدثنا هشام عن الحسن قال: الخيوط بالرقيق، وقيل له في الحجام يرى الرجل محاجمه، فقال: حدثنا هشام عن الحسن قال: لا بأس به قال أبو سعيد: لا أكثر الله في المسلمين مثله.
وقال عنه الإمام أحمد(297) : كان يضع الحديث.
وقال عنه يحيى بن معين(298) : كان بواسط وهو بصري ضعيف.
وقال عنه ابن حبان(299) : كان ممن يضع الحديث على الثقات ويأتي بالموضوعات عن الأثبات، لا يحل كتابة حديثه ولا ذكره في الكتب إلا على سبيل الاعتبار والقدح فيه.
4- جعفر بن عبد الواحد الهاشمي القاضي ، لما عرضت بعض أحاديثه على أبي زرعة الرازي قال(300) : إنا لله وإنا إليه راجعون، لقد كنت أرى هذا جعفراً وأشتهي أن أكلمه لما كان عليه من السكينة والوقار، ونسبه في العنقاء، رجل تصلح له الخلافة من ولد العباس يرجع إلى حفظ وفقه، قد خرج إلى مثل هذا، نسأل الله الستر والعافية.
وقال عنه الدارقطني(301) : كذاب وضاع. وقال(302) : يضع.
5- أ بو بكر عبد الرحمن بن محمد بن علوية الأبهري ، «كان على قضاء الشاش، روى عن أحمد بن محمد بن غالب البصري غلام الخليل وعبد الصمد بن الفضل البلخي، وحدًّث بأحاديث مناكير عن إسماعيل بن والي خراسان، وكان يتهم بوضعها»(303) .
قال عنه غنجار(304) : كان كذاباً.
وقال الحاكم في التاريخ وساق له أحاديث: كلها موضوعة والحمل فيها على الأبهري(305) .
6- القاضي محمد بن عثمان النصيبي.
قال الخطيب البغدادي(306) : سألت أبا القاسم الأزهري عن النصيبي، فقال: كذاب، أخرج إلينا كتب ابن المنادي وقد كتب عليها سماعه بخطه، فقلت له: متى سمعت هذا الكتاب؟ فقال: في سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة، فقلت إنما قدمت بغداد بعد الأربعين، فكيف هذا؟ فما رد علي شيئاً.
2- المشتغلون بالأخبار وكتابة التاريخ
وبالنسبة للكذابين المشتغلين بالأخبار فأذكر بعضاً منهم بشيء من التفصيل فمنهم:
1- أبو مخنف لوط بن يحيى فقد كان «صاحب تصانيف وتواريخ»(307) .
قال عنه يحيى بن معين(308) : ليس بثقة.
وقال مرة(309) ليس بشيء. وقال ابن عدي(310) وهذا الذي قاله ابن معين يوافقه عليه الأئمة، فإن لوط بن يحيى معروف بكنيته وباسمه حدَّث بأخبار من تقدم من السلف
الصالح ولا يبعد منه أن يتناولهم... لا أعلم له من الأحاديث المسندة ما أذكره، وإنما له من الأخبار المكروه الذي لا أستحب ذكره.
وقال عنه أبو حاتم(311) : متروك الحديث.
ولما سأل الآجري أبا داود عنه نفض يده، وقال: أحد يسأل عن هذا(312) ؟!.
2- شوكر . قال عنه الذهبي: إخباري مؤرخ لا يعتمد عليه(313) .
وكان يضع الأخبار والأشعار(314) .
3- عيسى بن يزيد بن داب ، «كان راوية عن العرب وافر الأدب عالماً بالأنساب عارفاً بأيام الناس حافظاً للسير»(315) .
قال عنه أبو حاتم(316) : منكر الحديث.
وذكر البخاري في تاريخه حديثاً له، وقال(317) :منكر.
قال الخطيب(318) : قيل إنه كان يزيد في الأخبار.
وفي تاريخ بغداد أيضاً(319) : كان خلف الأحمر ينسب ابن دأب إلى الكذب.
وقال عبد الواحد بن علي في مراتب النحويين: كان يضع الشعر وأحاديث السمر كلاماً ينسبه للعرب، فسقط علمه وجُفيت روايته، وكان شاعراً، وعلمه بالأخبار أكثر(320) .
4- الهيثم بن عدي الطائي . قال عنه يحيى بن معين(321) : كوفي ليس بثقة، كان يكذب.
وقال عنه أبو زرعة(322) : سكتوا عنه. وقال مرة(323) : ليس بشيء.
وقال عنه ابن حبان(324) : كان من علماء الناس بالسير وأيام الناس وأخبار العرب، إلا أنه روى عن الثقات أشياء كأنها موضوعة، يسبق إلى القلب أنه كان يدلسها، فالتزق تلك المعضلات به، ووجب مجانبة حديثه على علمه بالتاريخ ومعرفته بالرجال.
وقال عنه العجلي(325) : كذاب وقد رأيته.
وقال عنه الخليلي(326) : صاحب الأنساب والأيام، كبير المحل، غير متفق عليه عند الحفاظ، ليَّنوه، ذو تصانيف ومعرفة بهذا الشأن.
5- نصر بن مزاحم العطار المنقري مؤرخ مشهور اعتمد عليه الطبري في تاريخه في بعض المواطن(327) .
قال عنه أبو حاتم(328) : واهي الحديث متروك الحديث، لا يكتب حديثه.
وقال عنه العقيلي(329) : في حديثه اضطراب وخطأ كثير.
وقال أبو خيثمة(330) : كان كذاباً.
وقال عنه العجلي(331) : كان غاليا.. ليس بثقة ولا مأمون.
3- المشتغلون بالوعظ والقصص
أ. وأما بالنسبة للوعاظ الكذابين فسأذكر بعض من وقفت على أخباره، فمنهم:
1- عبدالمنعم بن إدريس اليماني ، مشهور قصاص(332) ، قال عنه الإمام أحمد(333) : يكذب على وهب بن منبه.
وقال علي بن المديني(334) : عبد المنعم الذي روى عن وهب بن منبه ليس بثقة، أخذ كتباً فرواها.
وقال عنه يحيى بن معين(335) : الكذاب الخبيث. فقيل له: بم عرفته يا أبا زكريا؟ قال:حدثني شيخ صدوق أنه رآه في زمن أبي جعفر يطلب هذه الكتب من الوراقين، وهو اليوم يدعيها، فقيل له: إنه يروي عن معمر. فقال: كذب.
2-
أبو عبد الله أحمد بن محمد بن غالب بن خليل البغدادي «الشيخ العالم الزاهد الواعظ.. وكان له جلالة عجيبة، وصولة مهيبة، وأمر بالمعروف، واتباع كثير، وصحة معتقد، إلا أنه يروي الكذب الفاحش ويرى وضع الحديث»(336)
لما سئل عن الأحاديث الرقائق التي يحدث بها قال(337) : وضعناها لنرقق بها قلوب العامة.
«وكان يجيب في كل ما يسأل ويقرأ كل ما يعطى سواء كان ذلك من حديثه أو من حديث غيره»(338) .
وذكره أبو داود فقال(339) : ذاك- يعني صاحب الزنج- كان دجال البصرة، وأخشى أن يكون هذا- يعني غلام خليل- دجال بغداد. ثم قال:عرض عليَّ من حديثه فنظرت في أربعمائة حديث أسانيدها ومتونها كذب كلها.
وقال أبو بكر ابن إسحاق الصبغي(340) : أحمد بن محمد بن غالب المعروف بغلام خليل مما لا أشك في كذبه.
وقال ابن عدي في ختام ترجمته(341) : وغلام الخليل أحاديثه مناكير لا تحصى، وهو بَّين الأمر في الضعفاء.
3-
إسماعيل بن الحسين بن بندار بن المثنى أبو سعد الواعظ الإستراباذي
سمع منه الخطيب وقال عنه(342) : لم يكن موثوقاً به في الرواية.
وقال ابن طاهر(343) : مزَّقوا حديثه بين يديه ببيت المقدس.
وذكره النخشبي في معجم شيوخه فقال(344) : أبو سعد بن المثنى التميمي، وفي التميمي نظر، شيخ كذاب ابن كذاب، يقص ويكذب على الله ورسوله ويجمع الذهب والفضة، لم يكن على وجهه سيما الإسلام، دخلت على الشيخ أبي نصر عبيد الله بن سعيد السجزي العالم بمكة فسألته عنه فقال: هذا كذاب ابن كذاب، لا يكتب عنه ولا كرامة، تبينت ذلك في حديثه وحديث أبيه، يركب المتون الموضوعة على الأسانيد الصحاح، ونعوذ بالله من الخذلان.
4- عبد الرحمن بن داود الواعظ الملَّقب بالزرزور ، «اتهمه أبو عبد الله بن الأبار، وقال الشيخ الضياء: رأيته بالقاهرة على المنبر، ورأيت له الأربعين في قضاء الحوائج موضوعة، قد ركَّب لها أسانيد من طرق البخاري وأبي داود وغيرهم.
ومن عجائب تركيباته أنه حدث بالجمع بين الصحيحين للحميدي، عن أبي الوقت عبد الأول، وزعم أنه لقيه بمكة، وهذا كذب صراح، ما دخل أبو الوقت مكة»(345) .
ب- وأما القصاص الكذابون ، فهم متهمون بإفساد الدين وإماتة العلم واللعب بالعقول وإفسادها بالخرافات.قال أيوب السختياني رحمه الله(346) : ما أفسد على الناس حديثهم إلا القصاص.
وقال(347) ما أمات العلم إلا القصاص، إن الرجل ليجلس إلى القاص برهة من دهره فلا يتعلق منه بشيء، وإنه ليجلس إلى الرجل العالم الساعة فما يقوم حتى يفيد منه شيئاً.
وكان السلف يمتنعون من تحديثهم، قال أبو الوليد الطيالسي(348) : كنت مع شعبة فدنا منه شاب رقباني فسأله عن حديث، فقال له شعبة: أقاص أنت؟ قال: وكان شعبة سيء الفراسة، فلا أدري كيف أصاب يومئذ. قال: فقال الشاب: نعم. قال: اذهب فإنا لا نحدث القصاص. قال: فقلت له: لم يا أبا بسطام؟
قال: يأخذون الحديث منا شبراً فيجعلونه ذراعاً.
ومن هؤلاء القصاص:
1- أبو حذيفة إسحاق بن بشر بن محمد الهاشمي ، «الشيخ العالم القصاص الضعيف التالف مصنف كتاب «المبتدأ» وهو كتاب مشهور في مجلدتين، ينقل منه ابن جرير فمن دونه، حدَّث فيه ببلايا وموضوعات»(349) .
قال عنه علي بن المديني(350) : كذاب كان يحدث عن ابن طاووس، فجاءوا إلى ابن عيينة فأخبروه بسنه، فإذا ابن طاووس مات قبل أن يولد.
قال عنه مسلم بن الحجاج: تركوا حديثه(351) .
قال ابن حبان(352) : كان يضع الحديث على الثقات، ويأتي بما لا أصل له عن الإثبات مثل مالك وغيره، روى عنه البغداديون وأهل خراسان، لا يحل كتب حديثه إلا على جهة التعجب فقط.
وقال عنه ابن عدي بعد أن ذكر شيئاً من أحاديثه(353) : وهذه الأحاديث مع غيرها مما يرويه إسحاق بن بشر هذا، غير محفوظة كلها، وأحاديثه منكرة إما إسناداً أو متناً لا يتابعه أحد عليها.
وقال عنه الدارقطني(354) : كذاب متروك.
وقال عنه الخليلي(355) : ضعيف جداً يتهم بوضع الحديث.
وقال عنه أبو الفتح الأزدي(356) : متروك الحديث ساقط رمي بالكذب.
2- سليمان بن عمرو، أبو داود النخعي القاص(357) .
قال الإمام أحمد: تقدمت إليه فقال: حدثنا يزيد عن مكحول، وحدثنا يزيد بن أبي حبيب، فقلت: أين لقيته؟ فقال: يا أحمق، لم أقل لك حتى أعددت له جواباً، لقيته: «بالباب والأبواب»(358) .
وقال عنه يحيى بن معين(359) : كان أكذب الناس. وقال عنه أيضاً(360) : كان رجل سوء كذاب خبيث قدري، ولم يكن ببغداد رجل إلا وهو خير من أبي داود النخعي، كان يضع الحديث.
وقال عنه يعقوب بن سفيان(361) : قدري، رجل سوء، كان يكذب مجاوبة.
وقال عنه ابن حبان(362) : كان رجلاً صالحاً في الظاهر، إلا أنه كان يضع الحديث وضعاً.
وقال عنه ابن عدي في ختام ترجمته بعد أن ذكر له عدة أحاديث(363) : اجتمعوا على أنه يضع الحديث.
وقال عنه الدرقطني(364) : متروك.
وقال الحاكم(365) : لست أشك في وضعه الحديث على تقشفه وكثرة عبادته.
وقال الحافظ ابن حجر في ختام ترجمته(366) : الكلام فيه لا يُحصر، فقد كذَّبه ونسبه إلى الوضع من المتقدمين والمتأخرين ممن نُقِل كلامهم في الجرح، أو ألَّفوا فيه فوق الثلاثين نفساً.
4- المشتغلون بالشعر
وأما الشعراء الكذابون، فمنهم:
1 - إسماعيل بن محمد المشهور بالسيد الحميري ، وقد مرَّ معنا شيء من أخباره السيئة، وما كان منه عند موته مما ينبئ بسوء خاتمته، وقد كان مشهوراً بسب السلف الصالح والوقيعة بهم والافتراء عليهم.
2- علي بن الحسن بن الصقر الصائغ ، «بغدادي شاعر»(367) ذكره الخطيب في ثنايا ترجمة أبي الحسين الأهوازي فقال بعد أن ذكر حديثاً كتبه علي بن الحسن بن الصقر(368) : وابن الصقر الذي ذكرت أن الحديث بخطه كان كذاباً يسرق الأحاديث ويركبها ويضعها على الشيوخ، قد عثرت له وغير واحد من أصحابنا على ذلك.
وقال عنه ابن النجار(369) : كان متأدباً فاضلاً، روى شيئاً يسيراً من نظمه وغيره وأظنه مات شاباً، ثم ذكر شيئاً من نظمه، ثم ختم ترجمته بذكر ما مر من طعن الخطيب البغدادي به.
وقبل إنهاء كلامنا على كبار الكذابين، أشير إلى أمر ظهر لي أثناء بحثي في الكذابين، وهو أن هناك طائفة من الكذابين قد ورَّثوا هذا الكذب لأبنائهم ، فمن هذه الطائفة:
1- أحمد بن عامر الطائي وابنه عبد الله:
أما بالنسبة لأحمد بن عامر فقد ذكر ابن الجوزي حديثاً من طريقة ثم قال(370) : لا يتابع على حديثه، وهو محل التهمة.
وأما ابنه عبد الله ، فقد قال فيه أبو محمد الحسن بن علي(371) : كان أمياً، لم يكن بالمرضي، روى عن أبيه عن علي بن موسى الرضا.
وترجمة الخطيب في تاريخه وذكر فيه قول الحسن بن علي السابق(372) .
وقال عنه ابن الجوزي(373) : يروي عن أهل البيت نسخة باطلة.
وذكره في كتاب الموضوعات فقال بعد أن روى حديثاً من طريقه(374) : والمتهم به عبد الله بن أحمد بن عامر أو أبوه، فإنهما يرويان نسخة عن أهل البيت كلها باطلة.
وقال الذهبي في ترجمته عن تلك النسخة(375) : ما تنفك عن وضعه أو وضع أبيه.
2- أيوب أبي علاج الموصلي وابنه عبد الله:
قال ابن الجوزي في ترجمة أيوب(376) : قال الأزدي: كان كذاباً.
وقال عنه الذهبي(377) : منهم بالكذب، ساقط. وابنه عبد الله أوهى منه.
وأما ابنه عبد الله ، فقد قال عنه ابن حبان(378) : شيخ يروي عن يونس بن يزيد ومالك بن أنس ما ليس من أحاديثهم، لا يشك المستمع لها- إذا كان ذلك صناعته- أنه كان يضعها. ثم قال بعد أن ذكر له ثلاثة أحاديث: وأما أحاديث يونس التي رواها فكلها موضوعة لا أصول لها البتة.
وحكم ابن عدي على حديثه بالنكارة(379) .
وقال علي بن حرب الموصلي(380) : كتب أبي إلى الحميدي: إن رجلاً قبلنا يقال له: ابن أبي علاج يروي عن ابن عيينة عن الزهري عن سالم عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن الله لا يغضب، فإذا غضب تسلحت الملائكة، فإذا اطلَّع إلى الأرض سمع الولدان يقرؤون القرآن تملأ ربناً رضواناً. أفعندك من هذا الحديث علم؟ فكتب إليه: يا أبا محمد يستتاب ابن أبي علاج، فإن تاب وإلا أحسن أدبه. قال أبو عمر: وأراد علي بن حرب أن يقول: ضربت عنقه.
فرد عليه أبو بكر بن حسنويه فقال: أحسن أدبه.
هذا مع أن عبد الله المذكور قد نقل عنه الصلاح والتقشف والتعبد، فقد قال ابن عدي(381) : كان متعبداً، يفتل الشريط والخوص ويبيعه، ويتصدق بثلثه ويأكل ثلثه ويشتري الخوص بثلثه أ.ه إلا أنه مع هذا كان كذاباًَ.
3- عبد القدوس بن حبيب الكلاعي الشامي وابنه، كان ابن المبارك يقول(382) : لأن أقطع الطريق أحب إلىَّ من أروي عن عبد القدوس الشامي.
وقال عبد الرزاق(383) : ما رأيت ابن المبارك يفصح بقوله كذاب إلا لعبد القدوس، فإني سمعته يقول له كذاب.
وقال النسائي عن عبد القدوس(384) : متروك.
وقال عنه عمرو بن علي الفلاس(385) : أجمع أهل العلم على ترك حديثه.
وقال عنه أبو حاتم(386) : متروك الحديث، كان لا يصدق.
وقال عنه ابن عدي في ختام ترجمته(387) : له أحاديث غير محفوظة، وهو منكر الحديث إسناداً ومتناً.
وأما ابنه فهو عبد السلام بن عبد القدوس ، قال أبو داود في ترجمة أبيه(388) : ليس بشيء وابنه شر منه.
فقد قال عنه أبو حاتم(389) : هو وأبوه ضعيفان.
وقال عنه ابن حبان(390) : شيخ من أهل الشام يروي عن هشام بن عروة وابن أبي عبلة الأشياء الموضوعة، لا يحل الاحتجاج به بحال.
وقال عنه العقيلي(391) : لا يتابع على شيء من حديثه، وليس ممن يقيم الحديث.
وقال عنه ابن عدي في ختام ترجمته بعد أن ذكر شيئاً من حديثه(392) : ولعبد السلام غير ما ذكرت، وعامة ما يرويه غير محفوظ، وقد روى عبد السلام هذا عن الأعمش أحاديث مناكير 10 هـ.
وقد روى له ابن ماجه حديثاً واحداً(393) .
ومما مَرَّ معنا يتبين لنا مما ذكرناه عن الكذابين حسب تخصصاتهم العلمية، أن كثيراً منهم لم تكن صنعتهم علم الحديث، بل تطفلوا عليه تطفلاً، وأن كثيراً منهم تخصصوا في علوم أخرى، في مقدمتها: القضاء ثم كتابة التاريخ ثم الوعظ والقصص وآخرها الشعر.
وهؤلاء كلهم – وغيرهم من الكذابين- جمعهم الكذب ليؤسسوا به مدرسة الكذابين في رواية التاريخ الإسلامي وتدوينه، ويكونوا هم روادها وممثليها المتحمسين لها بالكذب والدجل.
ثانياً: تصنيف الكذابين حسب الطوائف المذهبية والاجتماعية
ينتمي هؤلاء الكذابون إلى مختلف الطوائف المذهبية والاجتماعية التي عرفها التاريخ الإسلامي خلال القرون الثلاثة الهجرية الأولى، وسأقتصر على ذكر الغلاة الكذابين على آل البيت، والزنادقة والمعتزلة والزهاد والصالحين. المنتمون إلى الغلو في آل البيت:
قد مر معنا منهم:
1- محمد بن السائب الكلبي الذي افترى خبر إملاء جبريل؛ على علي رضي الله عنه(394) .
وكذلك مرَّ منهم
2- المغيرة بن سعيد الكوفي الكذاب، مدعي النبوة والزاعم بأن علياً رضي الله عنه يحيي الموتى، وكان من طاماته ما فسر به قول الله تعالى(395) :﴿ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ﴾(396) ، فقال:إن العدل هو علي، والإحسان هو فاطمة، وإيتاء ذي القربى هو الحسن والحسين، وينهى عن الفحشاء أبو بكر من أفحش الناس، والمنكر عمر بن الخطاب.
وكذلك منهم
3-
عيسى بن مهران أبو موسى المعروف بالمستعطف كان من شياطين الغلاة ومردتهم(397) كذاب حدَّث «بأحاديث في فضائل أهل البيت وذم غيرهم، والضعف بين على حديثه»(398)
ومن مفترياته ما نسبه إلى علي رضي الله عنه من قتله لكل من حمل راية المشركين في أحداث الغزوات وكانوا سبعة، وحمله على جماعة من رؤساء المشركين وقتلهم، وأن جبريل؛ نزل على نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقال له: يا محمد هذه المواساة، وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: أنا منه وهو مني، ثم سمع صوت صائح من السماء يقول: لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي(399) .
وقال الخطيب البغدادي في ترجمته(400) : وقع إليَّ كتاب من تصنيفه في الطعن على الصحابة وتضليلهم وإكفارهم وتفسيقهم، فو الله لقد قَفَّ شعري عن نظري فيه، وعظم تعجبي مما أودع ذلك الكتاب من الأحاديث الموضوعة والأقاصيص المختلقة والأنباء المفتعلة بالأسانيد المظلمة عن سقاط الكوفيين من المعروفين بالكذب ومن المجهولين، ودلني ذلك على عمى بصيرة واضعة، وخبث سريرة جامعة وخيبة سعي طالبه، واحتقاب وزر كاتبه، فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
ومنهم:
4- جعفر بن أحمد بن علي بن بيان بن زيد بن سيابة، أبو الفضل الغافقي ، كان من الغلاة، حدث بأحاديث موضوعة، قال ابن عدي(401) : وكنا نتهمه بوضعها بل نتيقن في ذلك.
وقال الدارقطني لما سئل عنه: لا يساوي شيئاً، وسمعت ابن عدي يقول: هو كذاب يضع الحديث.
وساق ابن عدي من طريقه أن سلمان رضي الله عنه قال(402) : رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ضرب فخذ علي بن أبي طالب وصدره وسمعته يقول: محبك محبي ومحبي محب الله، ومبغضك مبغضي، ومبغضي مبغض الله. ثم قال: ابن عدي: وهذا الحديث بهذا الإسناد باطل، وكنا نتهم ابن أحمد بن بيان بهذا.
5- رُشَيد الهَجَري(403) «كان يزعم أن علياً رضي الله عنه هو دابة الأرض»(404) ، «وكان يؤمن بالرجعة، قال الشعبي: دخلت عليه يوماً فقال: خرجت حاجاً فقلت:لأعهدن بأمير المؤمنين عهداً، فأتيت بيت علي؛، فقلت لإنسان: استأذن لي على أمير المؤمنين. قال: أوليس قد مات؟ قلت: قد مات فيكم، والله إنه ليتنفس الآن تنفس الحي، فقال: أما عرفت سر آل محمد فادخل. قال: فدخلت على أمير المؤمنين وأنبأني بأشياء تكون. فقال له الشعبي: إن كنت كاذباً فلعنك الله، وبلغ الخبر زياداً فبعث إلى رشيد الهجري فقطع لسانه وصلبه على باب دار عمرو بن حريث».
وأشير في هذا المقام إلى أن أهل العلم قد اختلفوا في الاحتجاج بروايات المبتدعة على أقوال: فمنهم من رد روايته مطلقاً لأنه فاسق ببدعته، ومنهم من قبلها إذا لم يكن ممن يستحل الكذب في نصرة مذهبه أو لأهل مذهبه سواء كان داعية إلى بدعته أو لم يكن.
ومنهم من قبل رواية من لم يكن داعية لم يقبل من كان داعية إلى بدعته(405) .
ورد رواية المبتدعة هو المذهب الأصح في اعتقادي، لما فيه من الاحتياط للدين– لاسيما الغلاة منهم– لأنهم يسبون الصحابة ويكفرونهم، «والكذب شعارهم والتقية والنفاق دثارهم»(406) .فمن كانت تلك حالهم فالكذب والصدق عندهم سيان، من فعلهما فهو في عبادة، ومن هذه حاله لا تقبل روايته كائناً من كان وفي أي حال من الأحوال.
الزنادقة
وكذلك عملت الزنادقة على محاولة دس المكذوبات في التاريخ الإسلامي وأكثروا من ذلك، فحينما تاب أحد الزنادقة من كفره كان يبكي ويقول: كيف تقبل توبتي وقد زورت أربعة آلاف حديث تدور في أيدي الناس(407) .
ويروى أن الخليفة هارون الرشيد أخذ زنديقاً فأمر بضرب عنقه، فقال له الزنديق: لم تضرب عنقي يا أمير المؤمنين؟ قال: أريح العباد منك؟ قال: فأين أنت من ألف حديث وضعتها على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كلها ما فيها حرف نطق به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
قال: فأين أنت يا عدو الله من أبي إسحاق الفزاري وعبد الله بن المبارك ينخلانها فيخرجانها حرفاً حرفاً(408)
ومن هؤلاء الزنادقة:
1- عبد الكريم بن أبي العوجاء ، «لما أخذ لتضرب عنقه قال: لقد وضعت فيكم أربعة آلاف حديث أحرم فيها الحلال وأحلل الحرام، فقتله محمد بن سليمان العباسي الأمير بالبصرة(409) .
2- محمد بن سعيد بن حسان بن قيس القرشي المصلوب .
قال الإمام أحمد(410) : قتله أبو جعفر في الزندقة، حديثه حديث موضوع.
وقال أبو زرعة الرازي(411) : صلب في الزندقة وهو متروك الحديث. وكذا قال أبو حاتم.
وقال أحمد بن صالح المصري(412) : زنديق ضربت عنقه، وضع أربعة آلاف حديث عن هؤلاء الحمقى فاحذروها.
ج. المعتزلة
وكذلك وجد فيمن ينتمي لمدرسة المعتزلة من رمي بالوضع والكذب في الحديث، فمن هؤلاء:
1- عمرو بن بحر الجاحظ.
قال عنه ابن قتيبة(413) : كان أكذب الأمة وأوضعهم لحديث وأنصرهم لباطل.
وقال ثعلب: كان كذاباً على الله وعلى رسوله وعلى الناس.
وقال الحافظ ابن حجر(414) : وقال إسماعيل بن محمد الصفار: سمعت أبا العيناء يقول: أنا والجاحظ وضعنا حديث فدك، وأدخلناه على الشيوخ ببغداد فقبلوه إلا ابن شيبة العلوي فإنه أباه، وقال: هذا كذب سمعها الحاكم من عبد العزيز بن عبد الملك الأعور.ثم عَلَّق ابن حجر قائلاً: ما علمت ما أراد بحديث فدك.
ومن هؤلاء:
2- عمرو بن عبيد البصري القدري ، قال عنه يونس بن عبيد(415) : كان يكذب في الحديث.
وقال عنه أيوب(416) : كان عمرو بن عبيد يكذب في الحديث.
وقال حميد الطويل لحماد بن سلمة: لا تأخذن عن هذا شيئاً، فإنه يكذب على الحسن.
وهو مع ذلك رمي بأنه كان دهرياً، فقد قال أحمد بن زهير قال يحيى بن معين(417) : كان عمرو بن عبيد رجل سوء من الدهرية. قلت: وما الدهرية؟ قال: الذين يقولون لاشيء إنما الناس مثل الزرع وكان يرى السيف.
محمد بن إسحاق النديم مصنف كتاب الفهرست، وكتابه هذا يدل على تمكن البدعة من قلبه، وزيغه عن الحق، قال الحافظ ابن حجر: مصنفه المذكور ينادي على من صنفه بالاعتزال والزيغ... ثم ذكر الحافظ أن النديم ذكر في ترجمة الشافعي شيئاً مختلقاً ظاهر الافتراء(418) .
د. الزهاد والعباد وغلاة الصوفية
أما ما يخص الكذابين من الزهاد والعباد وغلاة الصوفية، فإن من الغريب أن نجد من هؤلاء كذابين اشتهروا بالكذب وحذر منهم أهل الحديث، وذكروهم في مصنفاتهم مع المجروحين، لكن الغرابة تزول إذا علمنا أن من أهم أسباب وقوع الكذب من الصالحين هو عدم تخصصهم في الرواية ومعرفة الرجال ، وكان الإمام مالك رحمه الله يقول(419) : إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم، لقد أدركت سبعين عند هذه الأساطين، وأشار إلى مسجد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يقولون: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فما أخذت عنهم شيئاً، وإن أحدهم لو ائتمن على بيت مال لكان به أميناً، إلا أنهم لم يكونوا من أهل هذا الشأن.
وكذلك من الأسباب التي أوقعت بعضهم في الكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو شهوة الحديث وفتنتهم به ، قال يحيى بن سعيد القطان(420) : ما رأيت الصالحين في شيء أشد فتنة منهم في الحديث.
وكان بعضهم يضع الحديث يحتسب به– بزعمه- الأجر عند الله، فقد قيل لأبي عصمة – نوح بن أبي مريم(421) : من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن سورة سورة؟ قال: إني رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي ابن إسحاق فوضعت هذه الأحاديث حسبة.
ومن هؤلاء الكذابين:
1- الهيثم بن عدي الطائي ، أبي عبد الرحمن قال عنه يحيى ابن معين: ليس بثقة كان يكذب(422) .
قالت جاريته(423) : كان مولاي يقوم عامة الليل يصلي، فإذا أصبح جلس يكذب.
وقال عنه أبو حاتم(424) : متروك الحديث، محله محل الواقدي.
2- محمد بن عكاشة الكرماني كان بكاء موصوفاً بالكذب وكان إذا قرأ القرآن بكى وكان يسمع خفقان قلبه، وكان من أحسن الناس نغمة بالقرآن وكان يحدث
بأحاديث بواطيل. قيل: إنه مات بكرمان شهد الجمعة فقرأ الإمام على المنبر فصعق فمات(425)
3- أبو داود، سليمان بن عمرو النخعي الشامي من أهل بغداد، «كان رجلاً صالحاً في الظاهر إلا أنه كان يضع الحديث»(426) .
وقال الحاكم(427) : لست أشك في وضعه الحديث على تقشفه وكثرة عبادته.
وقال عنه عبد الجبار بن محمد: كان أطول الناس قياماً بليل وأكثرهم صياماً بنهار(428) .
وقال عنه الإمام أحمد(429) : كان كذاباً، سئل شريك عنه فقال: ذلك كذاب النخع وقال عنه البخاري(430) : معروف بالكذب سمعت قتيبة يقوله.
4- وهب بن حفص بن عمرو المعروف بأبي الوليد بن المحتسب الحراني ، «كان من الصالحين، مكث عشرين سنة لا يكلم أحداً»(431) .
قال عنه ابن حبان(432) : كان شيخاً مغفلاً يقلب الأخبار ولا يعلم، ويخطيء فيها ولا يفهم، لا يجوز الاحتجاج بخبره إذا انفرد.
قال عنه أبو عروبة: كذاب يضع الحديث. وقال مرة: يكذب كذباً فاحشاً(433) .
5- عبد الله بن أبي علاج الموصلي . كان «متعبداً يفتل الشريط والخوص ويبيعه ويتصدق بثلثه ويأكل ثلثه ويشتري الخوص بثلثه»(434) .
وروى عن أبي جعفر الباقر عن أبيه عن جده عن علي رضي الله عنهم رفعه: إن لله ملكاً من حجارة يقال له: عمارة ينزل على فرس من ياقوت طوله مد بصره يدور في البلدان ويسعر.
قال الذهبي عن هذا الحديث وغيره: هذه بواطيل(435) .
وقال عنه الدارقطني: يضع الحديث(436) .
6- الحسين بن علي الألمعي الكاشغري ، قال عنه السمعاني(437) : شيخ فاضل واعظ، ولكن أكثر رواياته وأحاديثه مناكير. وقال عنه ابن الجوزي(438) : كان يضع الحديث ويكتب المتون. وقال ابن النجار(439) : كان شيخاً صالحاً متديناً إلا أنه كتب الغرائب، وقد ضعفوه واتهموه بالوضع.
7- أبو الحسن، علي بن أحمد الهكاري ، كان صاحب صلاة وعبادة واجتهاد ومن كبراء الصوفية(440) .
قال عنه ابن النجار(441) : حدث بالكثير وانتقى عليه محمد بن طاهر المقرئ، وكان الغالب على حديثه الغرائب والمنكرات، ولم يكن حديثه يشبه حديث أهل الصدق، وفي حديثه متون موضوعة مركبة على أسانيد صحيحة. وقد رأيت بخط بعض أصحاب الحديث بأصبهان أنه كان يضع الحديث بأصبهان.
ثالثاً: الكذابون حسب مدنهم وبلدانهم
أخذتُ طائفة من الكذابين بطريقة عشوائية، بلغ مجموعها 145 كذابا، ثم قسمتهم حسب بلدانهم، فوجدتُ 94 كذابا من العراق، والباقي «51» موزعون كالآتي: 13 من الشام، و9 من خُراسان، و9 من مصر، و5 من همدان، و4 من المدينة، و4 من الري، و2 من اليمن، و2 من جرجان، و1 من مكة، و1من بخارى، و1 من كرمان.
فبخصوص إقليم العراق فإن عدد 94 كذابا موزع على بعض مدنه كالآتي:42 من الكوفة، و27 من البصرة، و19 من بغداد، و2 من الرقة، و2 من الموصل، و1 من حرّان، و1 من واسط.
وواضح مما ذكرناه عن هؤلاء الكذابين حسب بلدانهم، أنهم كانوا من مختلف أمصار ومدن المشرق الإسلامي، لكن معظمهم كانوا من العراق عامة، ومن جنوبه خاصة، ومن الكوفة والبصرة تحديدا؛ فالكوفة لوحدها ينتسب إليها 42 كذابا، ثم
البصرة 27 كذابا، والسبب في ذلك هو ظهور كثير من البدع في منطقة جنوب العراق عامة، والكوفة وما جاورها خاصة، وقد سبق وأن بيّنا أن عددا كبيرا من الكذابين الذين ذكرناهم سابقا، هم من الغلاة الكذابين. وأن العلماء قد وصفوهم بأنهم من أكذب الطوائف، يضعون الحديث ويتخذونه دينا. وأنهم قد كذبوا على علي بن أبي طالب وأهل بيته نحو 300 ألف حديث.
ومن أشهر هؤلاء الكذابين، طائفة من الكوفة، وهم: محمد بن الكلبي، وابنه هشام، والمغيرة بن سعيد، وجابر الجعفي، وأبو داود نفيع بن الحارث، ومعلى بن هلال الطائي، ولوط بن يحيى، وأبو مريم عبد الغفار بن القاسم، وعمر بن شمر، والأصبغ ابن نباتة وغيرهم كثير(442) .
ومن كذابي البصرة: محمد بن يونس الكديمي، وعمرو بن عبيد المعتزلي، وسلمى ابن عبد الله الهذلي، وإبراهيم بن هدبة، وحرب بن ميمون، والحسن بن علي العدوي(443) .
وأما الكذابون من باقي المدن فسأقتصر على بعضهم، فمن بغداد نصر بن مزاحم، وغلام خليل، ومحمد بن زياد اليشكري، وحسن بن علوان بن قدامة. ومن مصر: أبو يحيى زكريا بن يحيى الوقار، وأحمد بن طاهر بن حرملة التجيبي، وأحمد بن
عيسى التنيسي، وأبو الفضل جعفر بن أحمد بن سيابة المعروف بابن أبي العلاء، والحسن بن عفير العطار((444)
وختاماً لهذا الفصل، يُستنتج منه أن الكذابين الذين أحصيتهم ينتمون إلى مختلف التخصصات العلمية، والطوائف المذهبية والاجتماعية، جمعهم الكذب في الحديث النبوي والأخبار التاريخية، مكونين بذلك مدرسة عُرفت بهم، على اختلاف مذاهبهم وبلدانهم.
وكذلك ظهر لنا أن معظم هؤلاء الكذابين يقطنون جنوب العراق، والكوفة وما جاورها خاصة.
المبحث الثالث: أسباب ظهور مدرسة الكذابين وآثارها السيئة على التاريخ الإسلامي
أولاً: أسباب وأهداف ظهور مدرسة الكذابين
تبين مما ذكرناه في الفصلين السابقين، أن ظاهرة الكذب في الحديث النبوي والأخبار التاريخية كانت منتشرة بكثرة، خلال القرون الثلاثة الهجرية الأولى، على أيدي كذابين كثيرين.
فما هي الأسباب التي دفعتهم إلى الكذب؟ وما هي أهدافهم منه؟
يوجد تداخل كبير بين الأسباب والأهداف التي كانت وراء انتشار ظاهرة الكذب، فالحادثة الواحدة قد تجمع الأمرين، فإذا نظرنا إليها كدافع فنعدها سببا، وإذا نظرنا إليها كنتيجة فنعدها هدفا؛ لكن مع ذلك فإن هناك أسبابا رئيسية عميقة واضحة أدت إلى كثرة الكذب والكذابين خلال القرون الثلاثة الهجرية الأولى، أهمها: الخلافات السياسية، والانحرافات الفكرية المذهبية، والأمراض النفسية.
فالخلافات السياسية هي التي مزّقت الأمة الإسلامية وحولتها إلى طوائف متناحرة متقاتلة، منذ الفتنة الكبرى «35-40هـ»، إلى ما بعد قيام الدولة العباسية. والانحرافات الفكرية المذهبية خرجت من رحم الفتنة السياسية، ثم واكبتها وعمّقتها وقعّدتها ودافعت عنها، وأعطتها الصبغة الشرعية المقدسة، كما هو حال كثير من الفرق الإسلامية، من خوارج وغلاة وغيرهم.
وأما الأمراض النفسية من كفر ونفاق، وحسد وحقد، وحب للدنيا وحرص
عليها، فهي التي دفعت الكثيرين إلى الكذب والتخصص فيه، ثم ازداد تأثيرها السيئ على الكذابين عندما امتزجت أمراضهم النفسية بالخلافات السياسية والمذهبية.
تلك هي الأسباب الرئيسية العميقة التي كوّنت الأرضية التي انطلق منها الكذابون في إقبالهم على الكذب وتنافسهم فيه، خدمة لمذاهبهم وشهواتهم ومصالحهم.
فمن أهدافهم التي سعوا لتحقيقها: نصرة أفكارهم ومذاهبهم ، فمن ذلك أن أحمد ابن عبد الله الجويباري وكان«ممن يضرب المثل بكذبه(445) وممن اشتهر أمره عند أصحاب الحديث قاطبة بالوضع على الثقات ما لم يحدثوا»(446) .
كان الجويباري هذا يضع الحديث لابن كرام(447) نصرة لمذهبه، قال ابن عدي(448) : كان يضع الحديث لابن كرام على ما يريده، وكان ابن كرام يضعها في كتبه، ويسميه أحمد ابن عبد الله الشيباني.
وكان يقوم بالعمل نفسه إسحاق بن محمشاذ ، فقد روى حديثاً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم(449) : يجيء في آخر الزمان رجل يقال له: محمد بن كرام، يحي السنة والجماعة، هجرته من خراسان إلى بيت المقدس، كهجرتي من مكة إلى المدينة.
قال فيه أحمد بن علي بن مهنا(450) : كان كذاباً يضع الحديث على مذهب الكرامية، وله كتاب مصنف في فضائل محمد بن كرام، كله كذب موضوع.
والهدف الثاني: هو إفساد الدين والطعن فيه وفي علمائه ، وأشهر من قام بذلك الزنادقة، فقد دسوا بين الناس وأهل العلم الأحاديث الباطلة المستبشعة والمستحيلة، لإفساد الدين وتهجينه من جهة، والتشنيع بها على أهل الحديث، وإظهارهم بأنهم يؤمنون الخرافات ويروون المستحيلات من جهة أخرى، وقد نسبوا لأهل الحديث أنهم يروون الحديث المكذوب الذي فيه أن الله خلق نفسه من عرق الخيل.
قال ابن عدي رحمه الله في ترجمة محمد بن شجاع الثلجي(451) : كان يضع أحاديث في التشبيه ينسبه إلى أصحاب الحديث ليثلبهم به، روى عن حبان بن هلال وحبان ثقة، عن حماد بن سلمة عن أبي المهزم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن الله خلق الفرس فأجراها فعرقت ثم خلق نفسه منها «تعالى الله عن ذلك». مع أحاديث كثيرة وضعها من هذا النحو، فلا يجب أن يشتغل به لأنه ليس من أهل الرواية، حمله التعصب على أن وضع أحاديث يثلب أهل الأثر بذلك.
وقال الذهبي بعد أن ذكر الحديث(452) هذا مع كونه من أبين الكذب، هو من وضع الجهمية ليذكروه في معرض الاحتجاج به على أن نفسه اسم لشيء من مخلوقاته، فكذلك إضافة كلامه إليه من هذا القبيل إضافة ملك وتشريف، كبيت الله وناقة الله،
ثم يقولون: إذا كان نفسه تعالى إضافة ملك فكلامه بالأولى، وبكل حال فما عد مسلم هذا في أحاديث الصفات، تعالى الله عن ذلك وإنما أثبتوا النفس بقوله: «ولا أعلم ما في نفسك».
وقال العلامة المعلمي بعد أن نقل جزءاً من كلام الذهبي السابق في غرض المبتدعة من وضع هذا الحديث(453) :
أقول: ولهم غرضان آخران:
أحدهما: التذرع بذلك إلى الطعن في حماد بن سلمة كما يأتي في ترجمته.
الثاني: «التشنيع على أئمة السنة بأنهم يروون الأباطيل».
ومن صور محاولتهم إفساد دين الإسلام وضعهم الأحاديث يغيرون فيها أحكام الشريعة، كما حصل من عبد الكريم بن أبي العوجاء ، «لما أيقن أنه مقتول قال: والله لقد وضعت أربعة آلاف حديث حللت فيها الحرام وحرَمت فيها الحلال، والله لقد فطرتكم يوم صومكم، وصومتكم يوم فطركم»(454) وقد أكثر الزنادقة من وضع الأحاديث المكذوبة ونسبتها إلى شريعة الإسلام حتى بلغت موضوعاتهم الآلاف، قال حماد بن زيد رحمة الله(455) : وضعت الزنادقة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اثني عشر ألف حديث.
وهذا الصنف هم أغلب من سعى للكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقال العلامة المناوي(456) : وغالب الكذابين على النبي صلى الله عليه وآله وسلم زنادقة أرادوا تبديل الدين، ثم ذكر مقولة حماد بن زيد السابقة.
والهدف الثالث هو: ترغيب الناس في الدين وترقيق قلوبهم ، واحتساب الأجر عند الله على حد زعمهم، كل ذلك عن طريق الكذب، وقد وقع في هذه الفعلة الشنيعة قوم عرفوا بين الناس بالزهد والعبادة، وكذلك بعض غلاة الصوفية.
قال العلامة ابن الصلاح رحمة الله(457) : والواضعون للحديث أصناف وأعظمهم ضرراً قوم من المنسوبين إلى الزهد وضعوا الحديث احتساباً فيما زعموا، فتقبل الناس موضوعاتهم ثقة منهم لهم وركوناً إليهم.
وقد ذكر الحاكم في كتابه المدخل إلى الإكليل بإسناده عن أبي عمارة المروزي أنه قال(458) : قيل لأبي عصمة : من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن سورة سورة، وليس عند أصحاب عكرمة هذا؟ قال: إني رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي ابن اسحاق، فوضعت هذا الحديث حسبة.
وكذا ميسرة بن عبد ربه ، قال عنه أبو حاتم(459) : كان يرمى بالكذب، ويفتعل الحديث، روى في فضل قزوين والثغور بالكذب، وقال أبو زرعة(460) : كان من أهل الأهواز، وكان يضع الحديث وضعاً، قد وضع في فضائل قزوين نحو أربعين حديثاً، كان يقول: أحتسب في ذلك.
ونسي هؤلاء أو تناسوا أن ما يفعلونه هو كذب وتقول على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بما لم يقله، وفي هذا جاء الوعيد والزجر الشديد، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: إن كذباً عليَ ليس ككذب على أحد من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار(461) .
وهذا الصنف من الزهاد هم إما مغفلون جهال بالدين، وإما مكارون مخادعون تظاهروا بالتدين والصلاح لتحقيق آرائهم ومآربهم، وإلا فإن التدين الحقيقي لا يجتمع معه الكذب، وبالأخص الكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقد قال ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾(462) .
والهدف الرابع هو: حب التظاهر بسعة العلم وكثرة الشيوخ والمرويات ، كما كان الزاهد غلام خليل الدجال يحدث عن كل ما يُسأل، قال عنه الحافظ ابن حبان رحمه الله(463) : كان يجيب في كل ما يُسأل ويقرأ كل ما يعطى سواء كان ذلك من حديثه أو حديث غيره.
وكذلك كان عبد المنعم بن إدريس يحدث عن أناس لم يدركهم وينسب لهم ما ليس من حديثهم، قال عنه أبو زرعة الرازي(464) : واهي الحديث، ولد بعد موت أبيه وحدث عن أبيه.
وقال عنه الحافظ ابن حبان(465) يضع الحديث على أبيه وعلى غيره من الثقات. وقال علي بن المديني عنه(466) : ليس بثقة أخذ كتباً فرواها.
والهدف الخامس هو استمالة العوام وتجميعهم إشباعاً للرغبات والأهواء ، وأشهر من مارس ذلك القصاص والوعاظ، فإن كثيراً منهم ملئوا عقول العوام بالكذب والخرافات والمناكير والمستحيلات، ليستميلوهم إليهم، وكان إبراهيم بن الفضل الأصفهاني يقف في سوق أصفهان ويقرأ على الناس أحاديث مكذوبة، يختلقها من عنده في الحال، ويركب لها الأسانيد الصحاح(467) .
ومن أهدافهم سعيهم للطعن في أئمة الإسلام عن طريق ما ينشرونه من الكذب أو مدحهم بذلك فقد وضع محمد بن سعيد البورقي حديثاً فيه مدح لأبي حنيفة وطعن في الشافعي رحمهما الله، فقد نقل الخطيب البغدادي في تاريخه(468) عن أبي عبد الله الحافظ قوله: هذا البورقي قد وضع من المناكير على الثقات مالا يحصى، وأفحشها روايته عن بعض مشايخه عن الفضل بن موسى السناني عن محمد بن عمرو بن أبي سلمة عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: سيكون في أمتي رجل يقال له أبو حنيفة هو سراج أمتي، هكذا حدّث به في بلاد خراسان ثم حدث به بالعراق بإسناده وزاد فيه أنه قال: وسيكون في أمتي رجل يقال له محمد بن إدريس فتنته على أمتي أضر من إبليس. قال الخطيب: ما كان أجرأ هذا الرجل على الكذب، كأنه لم يسمع حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
من كذب علىَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار. نعوذ بالله من غلبة الهوى ونسأله التوفيق لما يحب ويرضى.
وكذلك من أهدافهم طلب المال والجاه والرفعة باستخدام الكذب ، فقد قال أبو حاتم الرازي لما سئل عن عمرو بن زياد الباهلي وبين أنه التقاه ونصحه ووعظه فجعل يتغافل ولم يستجب قال(469) : وقدم الأهواز فقال: أنا يحيى بن معين هربت من المحنة، فجعل يحدثهم ويأخذ منهم فأعطوه مالاً، فخرج إلى خراسان وقال: أنا من ولد عمر، وخرج إلى قزوين، وكان على قزوين رجل باهلي، فقال: أنا باهلي وكان كذاباً أفاكاً.
بل قد تطور الأمر عند طائفة منهم حتى أصبح الكذب جزءاً لا يتجزأ من حياتهم، يستمتعون به، ويتلذذون، ويتنافسون بينهم أيهم أكثر كذباً من الآخر، ويحسد أحدهم الآخر إن وجده أكذب منه! وقد قال الأصمعي(470) قيل للكذاب ما يحملك على الكذب، قال: لو تغرغرت به ما نسيت حلاوته.
وقال أيضاً(471) : قال كذاب: لو رأيت من هو أكذب مني ندمت حسداً له.
وأصبح الكذب سجية لبعضهم، لا يستطيع بسببه أن يصدق، فقد أجاب أحد الكذابين لما سئل(472) هل صدقت قط؟ فقال: أكره أن أقول لا فأكون قد صدقت! فهذه الأحوال والأقوال تعطينا صورة صادقة عن هؤلاء المرضى المتهافتين على الكذب، المتقوتين به، وصدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: و إياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور
وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً(473)
وهذا التلذذ والاستمتاع قد لا يختص بطائفة قليلة منهم، بل قد يشمل أكثرهم، إذ لو نفرت نفوسهم من هذا الكذب لقاوموه وتركوه وتابوا إلى الله عز وجل منه، ولما تخصصوا به ولاتفرغوا له، ولصرفهم بغضهم له عن وضعهم الأحاديث الكثيرة ترويجاً لباطلهم، وقد كان الكذاب الهيثم بن عدي يمضي عامة ليله في الصلاة، فإذا أصبح جلس يكذب(474) .
وكان الكذاب أبو البختري وهب بن وهب يسهر عامة الليل يضع الحديث. وكان أكذب الناس(475) ، حتى قال عنه عثمان بن أبي شيبة(476) : أرى أنه يبعث يوم القيامة دجالاً.
ومع ما مضى فيجب التفريق بين من يكذب من أجل اعتياده على الكذب وتمتعه به، ومن يكذب خدمة لأهدافه المذهبية والدنيوية، وقد يوجد في طائفة الوضاعين من يجمع بين الغرضين الدنيئين: نصرة أهدافه والتمتع بالكذب.
وبذلك يتبين لنا جلياً أن أسباب تعاطي الكذابين للكذب وإقبالهم عليه وتفرغهم له، تعود في أساسها إلى عوامل مرضية عميقة في نفوسهم، وزادتها العوامل السياسية والمذهبية والمادية عمقاً وحرارة ونشاطاً. ودفعتهم لممارسة الكذب بل والتوسع به والاستكثار منه.
ثانياً: خصائص مدرسة الكذابين
تبين لنا من كل ما ذكرناه عن الكذابين من حيث تنوع مظاهر كذبهم، واتساع رقعة نشاطهم، وكثرة أعدادهم وأهدافهم، أن القوم كانت تجمعهم مدرسة تاريخية، جمعت بين رواية التاريخ الإسلامي وتدوينه؛ وقد سميتها: مدرسة الكذابين في رواية التاريخ الإسلامي وتدوينه، وهي مدرسة لها رجالها، وموضوعها، ومنهاجها، وأهدافها.
فرجالها : سبق ذكر الكثير منهم على اختلاف مذاهبهم وتخصصاتهم.
وموضوعها : تركز أساسا في الكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصحابته ومن جاء بعدهم.
ومنهاجها : قام على الكذب والتزوير، والتحريف والتلفيق، والتدليس والوقاحة، وقلة الحياء .
وأهدافها: كانت متعددة ومتداخلة سبق تفصيلها آنفا.
وأما خصائصها فهي كثيرة، أذكر منها طائفة:
أولها: أن مجالها الأساسي الذي نشطت فيه هو الكذب في الحديث النبوي والأخبار التاريخية خلال القرون الثلاثة الهجرية الأولى خاصة، وما بعدها عامة.
وثانيها: أنها مدرسة عدد رجالها الكذابين كبير جدا، متعددة طوائفهم المذهبية والاجتماعية، ومتنوعة تخصصاتهم العلمية.
وثالثها: أن كل رجالها سيئة أخلاقهم، ومعظمهم سيئة للغاية، لا حياء لهم ولا يخافون الله تعالى، وفيهم وقاحة وجسارة على الكذب حتى أصبح جزءا أساسيا من أخلاقهم السيئة، وشخصياتهم الدنيئة، يفرحون بالكذب ويتلذذون به.
ورابعها: أن مرويات رجالها الكذابين قد تسرّبت إلى مختلف المصنفات من شتى العلوم، كالفقه والحديث، وعلوم القرآن، والتاريخ والأدب، وعلم الكلام، وهذا أمر خطير جدا كان له تأثير سيء على فكرنا وتراثنا الإسلاميين.
وخامسها : أن كثيرا من رجالها قد تخصصوا في الكذب وتفرّغوا له، برواية واختلاق الأكاذيب والأباطيل، والعجائب والمستحيلات. فكان أحدهم يصلي عامة ليله، وفي الصباح يجلس للكذب. وكان آخر يشتغل في النهار قاضيا وفي الليل يتفرغ للكذب. ووُجدت ببغداد جماعة متعاونة على الكذب. وكانت طائفة أخرى محترفة للكذب حتى سماها الناس جماعة الكذابين. كل ذلك يؤكد أن ظاهرة الكذابين لم تكن حالة شاذة يمثلها بعض الناس، وإنما كانت تمثل تيارا فكريا جارفا نشطا، يمتد في المجتمع أفقيا وعموديا، ويحمل مختلف مظاهر التعاون والتنظيم.
سادسها : من الخصائص أيضاً: وضوح هذه المدرسة عند المحدثين وعلماء العلل وحفاؤها على عامة الناس مما أدى إلى الاغترار بها والانجرار نحوها من جهة العامة وكشفها وتجليتها من جهة المحققين من علماء الإسلام.
وآخرها - أي الخصائص -: أن رجالها الكذابين فرقتهم مذاهبهم الفكرية، وتخصصاتهم العلمية، وأهدافهم المرجوة، وجمعهم الكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خاصة، وآل بيته وصحابته الكرام، ومن جاء بعدهم عامة.
ثالثاً: آثارها السيئة على التاريخ الإسلامي
تركت مدرسة الكذابين آثارا سيئة للغاية على تاريخنا الإسلامي عامة، وعلى القرون الثلاثة الأولى خاصة. أذكر بعضها فيما يأتي تباعا إن شاء الله تعالى.
وقد ذكرنا أن روايات رجالها الكذابين قد تسرّبت إلى مصنفاتنا التاريخية والأدبية، والشرعية والكلامية، وأفسدت منها جانبا كبيراً، فأصبحت تلك المصنفات تضم في طياتها كثيرا من الأباطيل والمتناقضات والخرافات، التي هي ثمرة مرة خبيثة لأكاذيب رجال مدرسة الكذابين.
ولكن اعتمد كثير من متقدمي المؤرخين طريقة المحدثين من حيث سَوق الحكاية الخبرية بالإسناد إبراءً للذمة، ومن أجل ذلك يقول ابن جرير الطبري رحمه الله في مقدمته لتاريخه قال بعد أن بيَّن بأن كتابه قائم على الأخبار المسنده التي عن طريقها ذكرت الحوادث التاريخية فقال: «وليعلم الناظر في كتابنا هذا أن اعتمادي في كل ما أحضرت ذكره فيه مما شرطت أني راسمه فيه، إنما هو على ما رويت من الأخبار التي أنا ذاكرها فيه والآثار التي أنا مسندها إلى رواتها فيه دون ما أدرك بحجج العقول، واستنبط بفكر النفوس إلا اليسير القليل منه، إذ كان العلم بما كان من أخبار الماضين وما هو كائن من أنباء الحادثين غير واصل إلى من لم يشاهدهم ولم يدرك زمانهم إلا بأخبار المخبرين ونقل الناقلين دون الاستخراج بالعقول والاستنباط بفكر النفوس، فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه أو يستشنعه سامعه من أجل أنه لم يعرف له وجهاً في الصحة ولا معنى في الحقيقة فليعلم أنه لم
يؤت في ذلك من قبلنا، وإنما أتى من قبل ناقليه إلينا، وإنا إنما أدينا ذلك على نحو ما أدى إلينا»(477)
وبهذا يكون الإمام الطبري قد برىء من عهدة الأخبار التي رويت في تاريخه، فهو قد ذكرها بأسانيدها كما وصلت إليه، وقد قال أهل العلم: من أسند الحديث فقد أحال على الإسناد والنظر في أحوال رواته(478) .
بَيْدَ أَنَّ مكمن الخطورة كان في طبقة المؤرخين من بعد الطبري الذين نقلوا أحداثا تاريخية عن أهل القرون الثلاثة بلا إسناد، كما هو حال ابن الجوزي في منتظمه، وابن الأثير في كامله، وأبو الفدا في مختصره، وابن كثير في بدايته. وبذلك الفعل اختلطت روايات الكذابين بروايات الثقات، وأصبح من الصعب - في كثير من الأحيان- التمييز بينها دون الرجوع إلى تاريخ الطبري، الذي هو بدوره ميزها ولم يحققها كما سبق وأن بيّنا ذلك.
وأما المصنفات الأدبية، فنذكر منها كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني، وموضوعه الأساسي تراجم الشعراء واللغويين والمغنين، وقد اعتمد فيه مؤلفه على روايات كثير من الكذابين، في مقدمتهم:
1- هشام الكلبي، له قرابة 290 رواية.
2- الهيثم بن عدي له أكثر من 134 رواية.
3- حماد الراوية له قرابة 65 رواية.
4- ابن داب له نحو 42 رواية.
5- عبد الله بن شبيب له أزيد من 36 رواية.
6- أبو بكر الهذلي له قرابة 28 رواية.
7- محمد الكلبي، له نحو 25 رواية وأبو بحر الجاحظ المعتزلي له أكثر من 25 رواية والشاعر دعبل بن علي الخزاعي له نحو 25 رواية(479) .
8- الحسين بن القاسم الكوكبي له أزيد من 24 رواية.
9- أبو مخنف لوط بن يحيى له نحو 23 رواية.
وبذلك يصل مجموع روايات ما أحصيته لهؤلاء في كتاب الأغاني إلى: 717 رواية، وهذا دليل مادي رقمي، يشير بقوة إلى أن قسما كبيرا من كتاب الأغاني رواه اثنا عشر كذابا معروفا؛ فكم يا ترى يكون لباقي الكذابين من روايات في هذا الكتاب؟ لكن ذلك لا يعني أن الأصفهاني اعتمد على الكذابين فقط في تدوين كتابه، فإنه بلا شك قد اعتمد على رواة آخرين ثقات، كوهب بن منبه، وخليفة بن خياط، والزبير بن بكار(480) . لكن مع ذلك فإن كتابه يبقى مصدرا غير موثوق به، لا تقبل رواياته إلا بعد تحقيقها، لا سيما وأنه موضوع أصلاً لتراجم الشعراء والمغنين، وليس لسرد التاريخ وأخبار الماضين.
وأبو الفرج نفسه متهم بالكذب، فقد قال عنه أبو محمد الحسن النوبختي: كان أكذب الناس(481) .
وفيما يخص مصنفات الحديث النبوي، فإن علماء الحديث قد نقدوا وحققوا محتوياتها كما في صحيحي البخاري ومسلم، لكن مع ذلك فما تزال روايات قليلة رواها كذابون، نجدها في المسانيد والمعاجم وغيرها من مصنفات الحديث، وهي معروفة لدى علماء الحديث وتكلموا فيها وبينوها لكنها ما تزال في مصنفاتهم الأصلية، لذا يجب التنبيه إليها والتحذير منها. ونضرب على ذلك مثالين، أولهما كتاب فضائل الصحابة لعبد الله بن أحمد بن حنبل، تضمن روايات لبعض الكذابين، منهم: محمد بن السائب الكلبي، وسيف بن عمر التميمي ، عثرتُ لكل منهما على رواية واحدة. وهو عدد قليل جدا لا يكاد يذكر بجانب ما وجدناه من روايات الكذابين في تاريخ الطبري والأغاني، والسبب في ذلك يعود إلى تنقيح واهتمام أهل الحديث بكتبهم بخلاف كُتَّاب التاريخ، الذين يحيلونك بالاسناد في الروايات ويكتفون بذلك كما مر معنا من كلام الإمام الطبري.
والمثال الثاني يتعلق بكتاب المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري، وقد عثرت فيه على طائفة من روايات الكذابين هي كما يأتي: هشام بن محمد الكلبي له 9 روايات، وأبو مخنف لوط بن يحيى له روايتان،(482) وهو عدد قليل أيضاً بالمقارنة لما
وجدناه في كتابي تاريخ الطبري، والأغاني؛ ومع ذلك فقد نقد العلماء كتاب الحاكم رحمه الله، وبيَّنوا غالباً- ما فيه من الأحاديث الواهيات والمناكير(483)
وأما كتب التفسير، فقد وجد في بعضها روايات لبعض من رمي بالكذب، ففي تفسير الطبري مثلاً وجدنا روايات لمحمد بن السائب الكلبي(484) وكذا في تفسير ابن كثير(485) ولعلها قليلة نسبياً.
مع عدم إغفال كل من الإمامين الطبري وابن كثير– في بعض المواطن– فقد بينا عدم الاحتجاج بمرويات الكلبي، وبترك حديثه(486) .
وبما مر معنا يتبين حرص جماعة الكذابين على دس الموضوعات في نصوص الشريعة، لمحاولتهم هدم الإسلام من داخله، لكن الله من ورائهم محيط، وهو سبحانه لا يصلح عمل المفسدين، فقد قيض الله أئمة كباراً يذبون عن سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم كل كذب وبهتان وافتراء، وأوصلوا لنا السنة الصحيحة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في كتب صحاحٍ مروية بأسانيد الرواة الثقات.
ومما يؤكد فشل محاولاتهم وجهودهم لتضليل أمة الإسلام وهدم دينها، أن موضوعاتهم ومفترياتهم لا تكاد توجد في كتب السنة المعتبرة المعول عليها في تعلم الأحكام الشرعية العلمية والعملية، ولا توجد إلا في كتب قد نص العلماء على أنها من
الكتب التي تجمع الصحيح والضعيف والموضوع المكذوب، ككتاب إحياء علوم الدين لأبي حامد الغزالي، فقد قال عنه أبو بكر الطرطوشي(487) شحن أبو حامد الإحياء بالكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلا أعلم كتاباً على بسيط الأرض أكثر كذباً منه.
وقال المازري(488) : وفي الإحياء من الواهيات كثير.
وقال الذهبي رحمه الله لما ذكر النزاع بين الحافظين ابن منده وأبي نعيم(489) .
«وكلام ابن منده في أبي نعيم فظيع، لا أحب حكايته، ولا أقبل قول كل منهما في الآخر، بل هما عندي مقبولان، لا أعلم لهما ذنباً أكثر من روايتهما الموضوعات ساكتين عنها».
وكذلك بعض المفسرين الذين ذكروا في كتبهم الحديث الموضوع في فضائل السور، كالواحدي وابن مردويه وأبي إسحاق الثعلبي والزمخشري، وابن أبي داوود في كتابه فضائل القرآن(490) .
وقد قال الحافظ العراقي في ألفيته بعد أن ذكر حديث أبي عصمة الموضوع في فضائل القرآن: وكل من أودعه كتابه كالواحدي مخطئ صوابه.
وصنيع هؤلاء المصنفين يخالف طريقة المحققين من أهل العلم المشتغلين بالأسانيد وعللها، فقد كان الواحد منهم ينتقي أحاديث كتابه انتقاء، حتى يخرج بأصح ما وقف عليه من الأسانيد والمتون، بل إن الإمام البخاري نص على أنه لم يجمع
في كتابه كل الصحيح قائلا: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صح وتركت من الصحاح لحال الطوال(491)
وهو الذي قال: أحفظ مئة ألف حديث صحيح، وأحفظ مئتي ألف حديث غير صحيح(492) .
إذ أن عدد أحاديث صحيح البخاري مع المكرر تبلغ سبعة آلاف ومئتين وخمسة وسبعين حديثاً.
وكذا صنع الإمام أبو داود السجستاني رحمه الله فقد قال لراوية سننه أبي بكر بن داسة: كتبت عن رسول صلى الله عليه وآله وسلم خمسمائة ألف حديث، انتخبت منها ما ضمنته هذا الكتاب – يعني السنن – جمعت فيه أربعة آلاف وثمانمائة حديث، ذكرت الصحيح وما يشبهه ويقاربه.
وهذا كله يدلل بحمد الله على فشل محاولة الكذابين وذهابها أدراج الرياح، وأن أحاديثهم الموضوعة المكذوبة لم تجد مكاناً لها إلا في الكتب التي وضعت لبيان حال واضعيها ككتاب الكامل لابن عدي والمجروحين لابن حبان والميزان للذهبي واللسان لابن حجر، أو الكتب التي اهتمت بجمع الأحاديث الموضوعة ككتاب الموضوعات لابن الجوزي والأسرار المرفوعة لملا علي قاري والفوائد المجموعة للشوكاني وغيرها من كتب الموضوعات.
ولا ننسى أن معظم ما افتراه هؤلاء الكذابون قد تسرب إلى تراثنا الفكري خارج مصنفات السنة النبوية، فقد تبين من إحصاء قام به الدكتور عمر سليمان الأشقر أن
مجموع ما في 71 كتابا من كتب السنة النبوية المعروفة من الصحاح والمسانيد والجوامع وغيرها، قد بلغ نحو 42 ألف حديث فقط. وهذا يشمل الصحيح والحسن والضعيف وحتى بعض الموضوع، فأين ذلك العدد الهائل من روايات الكذابين الذي مر معنا؟! فهو إذن خارج مصنفات الحديث النبوي المعروفة.
وكذلك من آثار مدرسة الكذابين أيضا، أن الفرق الإسلامية الضالة أنشأت مذاهبها على روايات رجالها – أي رجال المدرسة- أو أنها كذبت باختلاف الروايات لتأييد معتقداتها وأفكارها، واستبعدت القرآن الكريم كلية، وإن رجعت إليه فستأخذ منه ما يتفق مع هواها وضلالها، فتأخذ متشابهه وتترك محكمه – وهو أم الكتاب-، وتنتقي منه بعض آياته تأوّلها حسب هواها ومذهبها. وإلا فإن كل الفرق الإسلامية لو تخلّت عن أقوال شيوخها، وأبعدت مروياتها جانبا، ثم أقبلت على القرآن الكريم بصدق وعلم وتجرّد، فإنها لا محالة – بإذن الله تعالى – ستتفق وتتوحد وتصبح أمة واحدة موحدة، لكنني لا أظن أنها تفعل ذلك، لأنها متعصبة ومتشبثة برواياتها المكذوبة وبأقاويل شيوخها الباطلة.
ومن آثارها أيضا، أنها روّجت لكثير من الأحاديث المكذوبة، ونشرتها بين كثير من الناس، كحديث:«أنا مدينة العلم وعلي بابها»، «واطلبوا العلم ولو بالصين»، و«أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم».
ومن الآثار كذلك تحوّل بعض رواياتها المكذوبة إلى حقائق يؤمن بها كثير من الناس، ويقدسونها ويزورونها وينذرون لها، ويستغيثون بها وقد يموتون من أجلها، من ذلك: الزعم بأن قبر الحسين بن علي رضي الله عنهمابالقاهرة، وأن قبر علي بن أبي طالب رضي الله عنه بمدينة النجف بالعراق، وأن
قبر الصحابي أُبي ابن كعب رضي الله عنه بدمشق، لكن الحقيقة أن قبر الحسين لا يوجد بالقاهرة، فقد دفن جسده بكربلاء، وأخذ رأسه إلى الكوفة حيث أميرها عبيد الله بن زياد (ت67هـ)، ثم أخذ الرأس على الأرجح- إلى المدينة(493) وقبر علي لا يوجد بالنجف، فإنه دُفن بقصر الإمارة بالكوفة، وعُمي قبره لكي لا تنبشه الخوارج، ثم بعد أكثر من 300 سنة قيل إن قبره بالنجف(494) وقبر الصحابي أُبي ابن كعب لا يوجد في دمشق، لأنه لم يقدم إليها، فكيف إذن يقال إنه مدفون بها(495)
ومن آثارها أيضا أن رواياتها المكذوبة قد شوّهت التاريخ الإسلامي، وشوّشت نظرة الناس إليه، وملأته بالأكاذيب، وساهمت بقوة في تفريق المسلمين، وتكريس خلافاتهم المذهبية، ودفعهم إلى التناحر والمواجهات الدامية(496) . وهي من جهة أخرى تُعتبر سلاحا فتاكا بيد المغرضين والضالين، يستخدمونها للطعن في الدين، ونصرة الفرق الضالة، والتشكيك في حقائق ومتواترات التاريخ الإسلامي.
وقد يتساءل بعض الناس فيقول: ألم يكن لمدرسة الكذابين من إيجابيات؟، فأسارع وأقول: نعم لم تكن لها إيجابيات في أساس تكوينها ونواياها، فهي قامت أساسا على الكذب والدجل لإفساد الدين، وزرع الفتن، وتشويه التاريخ خدمة لأغراضها، ولم تقم على الحق لرد الباطل، وإنما قامت على الباطل لرد الحق ومعاندته. لكن مع ذلك يمكن أن يقال إن هذه المدرسة لما مارست عملها التخريبي في الواقع، كانت من أهم أسباب ظهور مدرسة النقد والتحقيق على يد أهل الحديث للرد على
تلك المدرسة. كما أن نشاطها التخريبي كشف عن وجهها القبيح، ودورها الخطير الهدام.
وختاماً لهذا المبحث يتبين لنا جليا، أن مدرسة الكذابين حاولت أن تضرب تراث الإسلام بقوة، ونجحت في بعض محاولاتها وفي بعض الأمكنة والأزمنة، لكن باطلهم سريعاً ما يزهق، ويبقى الظهور والدوام للحق.
كيفية التعامل مع مدرسة الكذابين ومقاومتها
علينا أن نتعامل مع مدرسة الكذابين ونقاومها، وفق جملة من المواقف النظرية والإجراءات العملية الضرورية الآتية:
أولاً :علينا أن ننظر للتاريخ الإسلامي، نظرة اعتدال وموضوعية، فهو وإن كان يضم في مصنفاته بعض روايات الكذابين، كما سبق وأن بيناه، فإنه من جهة أخرى يضم روايات كثيرة لطائفة من الرواة الثقات، كالمؤرخ خليفة بن خياط، ومحمد بن سعد، والزبير بن بكار، وموسى بن عقبة، ووهب بن منبه، وغيرهم كثير(497) .
ثانيا ً: يجب أن لا يغيب علينا أن السنة النبوية التي تعرّضت لهجمة شرسة من رجال مدرسة الكذابين، قد تمّ تمييز صحيحها من سقيمها، وضعيفها من موضوعها، بفضل جهود علمائها الأفذاذ في النقد والتحقيق والتمحيص، والذين ما تزال أعمالهم مستمرة إلى يومنا هذا. لذا فلا خوف على الحديث النبوي من روايات مدرسة الكذابين.
ثالثا ً: أن ما قلناه على السنة النبوية، لا يصدق على التاريخ الإسلامي، فمصادره غير محققة، ومليئة بروايات الكذابين. لذا يجب علينا أن ننقدها ونحققها وفق منهج علمي شامل كامل، يجمع بين نقد الإسناد والمتن على حد سواء قدر المستطاع، وفي الحالات التي تنعدم فيها الأسانيد لا بد من توسيع دائرة نقد المتون، مع عدم نسيان أن هذه المتون تفتقد إلى الأسانيد، التي هي شرط أساسي من شروط صحة الخبر.
رابعاً :لا بد من نشر الوعي التاريخي بين أهل العلم، وتعريفهم بمدرسة الكذابين وتحذيرهم من رواياتها ورجالها، وإطلاعهم على آثارها السيئة على فكرنا وتاريخنا
ووحدتنا، مع التأكيد على ضرورة الاكتفاء بالأخبار الصحيحة وإن قلّت، ونبذ روايات الكذابين وإن كثرت. ففي القليل الصحيح كفاية وغنى عن الكثير الباطل.
خامساً : يجب علينا أن نفرّق بين المؤلف الثقة، وبين رجاله الكذابين الذين قد يكون اعتمد على أخبارهم، كما هو حال الطبري، فهو ثقة لكن كثيرا من رجاله كذابون وضعفاء، وفي هذه الحالات لا نأخذ عنه رواياته عن هؤلاء، لأن أسانيدها غير صحيحة؛ والطبري في هذه الحالة هو مجرد ناقل عنهم فقط. وأما إذا كان المؤلف كذابا فلا تقبل رواياته حتى وإن كان رجاله ثقات، لأنه - أي المؤلف- في هذه الحالة هو رجل من رجال الإسناد. لكننا نقبل روايات هؤلاء الثقات إن وصلتنا عن طريق مؤلفين آخرين ثقات.
سادسا ً: أن الأصل في تعاملنا مع روايات الكذابين هو عدم قبولها، لكننا قد نقبل بعضها استثناء، عند توفر القرائن والمرجحات والمسوغات. والأصل في تعاملنا مع روايات الثقات هو قبولها، لكننا قد نرفض بعضها استثناء، إذا تخللتها العلل والشذوذات، واجتمعت القرائن والمرجحات على استبعادها.
وختاما لهذا الفصل، يتبين لنا منه أن إقبال الكذابين على الكذب وتفرّغهم له، أسبابه العميقة هي الانحرافات الفكرية، والخلافات السياسية، والأمراض النفسية التي تفاعلت مع أهدافهم المذهبية وشهواتهم ومصالحهم الدنيوية.
كما أنهم - أي الكذابون - بسبب كثرة عددهم، وتخصصهم في الكذب وتعاونهم عليه، كوّنوا مدرسة عُرفت بهم، وتميزت بخصائص ميزتها عن غيرها من مدارس رواية التاريخ الإسلامي وتدوينه؛ فكانت وبالاً على تاريخنا، تشويها وتشكيكا، تحريفا وتضليلا. مما يوجب علينا التصدي لها ومقاومتها وكشفها.
الخاتمة
تبين لنا من بحثنا هذا أن هذه الأمة العظيمة مرحومة في الحفاظ على تاريخها من الدغل والكذب وذلك بما قيضه الله من الجهابذة الناقدين الذين أصلوا منهجا رصينا في نقد وتمحيص الحديث النبوي الشريف والآثار والتاريخ ليعلم الثابت الصحيح من غيره واعتمدوا على معايير دقيقة في التنقيب عن رجال الإسناد واتصاله كما نقدوا المتون من أوجه كثيرة متعددة عقلية وحسابية وزمنية واجتماعية وغيرها وذكرنا أمثلة كثيرة على ذلك، ليعلم حجم الجهد الذي بذله أولئك الأفذاذ في حماية تراثنا من مدرسة الكذابين في رواية الحديث النبوي والأخبار التاريخية، الذين كثر عددهم وعظم شرهم، وقد أحصيت منهم أكثر من 350 كذابا، الأمر الذي حولهم إلى مدرسة متخصصة في الكذب وقائمة عليه، لها رجالها وخصائصها ومنهاجها وأهدافها.
واتضح أيضا، أنهم - أي الكذابون - ينتمون إلى مختلف الطوائف والتخصصات العلمية، على اختلاف بلدانهم وأهوائهم. وقد جمعهم كلهم الكذب على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وصحابته ومن جاء بعدهم، خدمة لمذاهبهم وأهوائهم ومصالحهم المادية والمعنوية؛ فكانوا وبالا على تراثنا وتاريخنا، مما يُحتم علينا مقاومتهم وكشفهم، للتخلص من أكاذيبهم وسمومهم.
تم بحمد الله تعالى
المراجع
إبراهيم بن العجمي: الكشف الحثيث ،ط1 بيروت، عالم الكتب، 1987م. ابن أبي حاتم الرازي الجرح و التعديل ط1 بيروت دار إحياء التراث العربي 1952م. ابن الأثير الكامل في التاريخ حققه عبد الله القاضي، ط2، بيروت دار الكتب العلمية 1995م. ابن الجوزي الضعفاء بيروت دار الكتب العلمية 1406هـ ابن الجوزي الموضوعات في الأحاديث المرفوعات ط1 المدينة المنورة المكتبة السلفية 1966م. ابن الجوزي تلبيس إبليس حققه نخبة من الباحثين دم دار النور الإسلامية دت ابن الجوزي: المنتظم ط1، بيروت دار صادر 1358هـ ابن الجوزي: صفوة الصفوة ،حققه محمود فاخوري ط2 بيروت دار المعرفة 1979م. ابن الصلاح مقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث حققه ديب البغا الجزائر دار الهدى دت ابن العربي العواصم من القواصم حققه د محمد جميل مغازي، ط2 بيروت دار الجيل
1407هـ ابن العماد الحنبلي:. شذرات الذهب دط ابن القيم المنار المنيف في الصحيح و الضعيف، حققه عبد الرحمن المعلمي، ط2 الرياض، دار العاصمة 1998م. ابن القيم زاد المعاد حققه شعيب الأرناؤوط ،و عبد القادر الأرناؤوط ط14 بيروت مؤسسة الرسالة 1986م. ابن القيم نقد المنقول ط1 بيروت دار القادري 1990م. ابن تيمية اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم الجزائر الدار الملكية للإعلام 1994م. ابن تيمية الفتاوى الكبرى حققه حسنين مخلوف، ط1، بيروت دار المعرفة 1386هـ ابن تيمية خلاف الأمة في العبادات و مذاهب أهل السنة ضمن مجموع من هدى المدرسة السلفية الجزائر دار الشهاب 1988م. ابن تيمية مجموع الفتاوى حققاه أنور الباز و عامر الجزار ط3 مصر دار الوفاء 1426هـ 2005م ابن تيمية منهاج السنة ط بيروت دار الكتب العلمية. ابن تيمية: الرد على البكري حققه محمد عجال ط1 المدينة المنورة مكتبة الغرباء الأثرية 1417هـ ابن تيمية: منهاج السنة النبوية بيروت دار الكتب العلمية. ابن حبان كتاب المجروحين حلب دار الوعي د ت
ابن حجر تهذيب التهذيب ط1 بيروت دار الفكر، 1984م. ابن حجر فتح الباري، حققه محب الدين الحطيب بيروت دار المعرفة 1379هـ ابن حجر لسان الميزان ط3 بيروت مؤسسة الأعلمي 1986م. ابن حزم الفصل في الملل و الأهواء و النحل مكتبة الخانجي القاهرة دت ابن خلكان وفيات الأعيان ،حققه إحسان عباس، بيروت دار الثقافة 1968م. ابن رجب الذيل على طبقات الحنابلة ط1 حققه عبدالرحمن العثيمين، مكتبة العبيكان ابن عدي الكامل في ضعفاء الرجال ط3 بيروت دار الفكر 1988م. ابن كثير البداية و النهاية، بيروت دار المعارف 1985م. ابن كثير تفسير القرآن العظيم بيروت دار الفكر، 1401هـ أبو داود السجستاني: السنن بيروت دار الفكر دت أبو نعيم الأصفهاني حلية الأولياء، ط4 بيروت دار الكتاب العربي، 1405هـ أبو نعيم الأصفهاني: الضعفاء ط1 الدار البيضاء، دار الثقافة 1984م. الألباني سلسلة الأحاديث الصحيحة الرياض مكتبة المعارف بدر الدين الحنبلي مختصر فتاوى ابن تيمية بيروت دار الكتب
العلمية. الحسيني الإكمال كراتشي جامعة الدراسات الإسلامية 1989م. خالد كبير علال قضية التحكيم في موقعة صفي،الجزائر، دار البلاغ 2002م. الخطيب البغدادي تاريخ بغداد بيروت دار الكتب العلمية د ت. الخطيب البغدادي: الجامع لأخلاق الراوي حققه محمود الطحان الرياض مكتبة المعارف، 1403هـ الخطيب البغدادي: الكفاية في علم الرواية حققاه أبو عبدالله السورقي وإبراهيم حمدي مدني المدينة المنورة المكتبة العلمية الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد بيروت دار الكتب العلمية د ت الذهبي المغني في الضعفاء حققه نور الدين عتر د م د د ت الذهبي تاريخ الإسلام حققه د عمر عبدالسلام تدمري ط1، بيروت، دار الكتاب العربي 1407هـ 1987م الذهبي تذكرة الحفاظ ،حققه حمدي السلفي ط1، الرياض، دار الصميعي 1415هـ الذهبي سيّر أعلام النبلاء ط9 بيروت مؤسسة الرسالة 1413هـ الذهبي معرفة القراء الكبار حققوه بشار معروف وشعيب الأرناؤوط، و صالح مهدي عباس ،ط1، بيروت مؤسسة الرسالة 1404هـ الذهبي ميزان الاعتدال ط1 بيروت دار الكتب العلمية 1995م. الذهبي ميزان الاعتدال طبعة
البجاوي. الرازي التفسير الكبير حققه عبد الرحمن عميرة ط1، بيروت، دار الكتب العلمية 1988م. السخاوي: الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ حققه فرانز روزنتال بيروت دار الكتب العلمية السمعاني: أدب الإملاء و الاستملاء ط1، بيروت دار الكتب العلمية 1981م. الشوكاني الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة حققه عبدالرحمن المعلمي ط3 بيروت المكتب الإسلامي 1407هـ الطبري جامع البيان بيروت دار الفكر 1405هـ عبد المحسن صالح، قزم يقترب، و مذنبات تندفع، وحياة تنقرض، مجلة الدوحة عدد فبراير 1985م. عبد المنعم ماجد الأطلس التاريخي ط2 القاهرة دار الفكر العربي 1967م. العقيلي الضعفاء حققه أمين قلعجي، ط1 بيروت مؤسسة الرسالة 1404 حققه سامي الدهان ،و هنري لاوست ط1، دمشق، المعهد الفرنسي للدراسات العربية 1951م. علي بن هادية قاموس الطلاب الجديد ط1 تونس الشركة التونسية للتوزيع الجزائر الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، 1979م. عمر سليمان الأشقر تاريخ الفقه الإسلامي، الجزائر، قصر
الكتاب. الفاسي أبو الطيبل: العقد الثامين في تاريخ البلد الأمين، القاهرة، مطبعة السنة المحمدية، دت القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، ط2، القاهرة دار الشعب ،1372هـ المباركفوري تحفة الأحوذي بيروت دار الكتب العلمية دت مجموعة أطلس العالم الصحيح بيروت دار مكتبة الحياة 1972م محمد بن أبي بكر الرازي مختار الصحاح بيروت مكتبة لبنان ناشرون، 1415هـ 1995م محمود الطحان تيسير مصطلح الحديث الجزائر مكتبة رحاب. مسلم بن الحجاج التمييز حققه مصطفى الأعظمي، السعودية مكتبة الكوثر 1411هـ. مسلم بن الحجاج :صحيح مسلم حققه محمد فؤاد عبد الباقي بيروت دار إحياء التراث العربي. المنذري الترغيب و الترهيب حققه إبراهيم شمس الدين ط1 بيروت دار الكتب العلمية 1417هـ النووي شرح النووي على صحيح مسلم ط2، بيروت دار إحياء التراث العربي 1392 هـ
