ولأنه أيضا - أي هذا النوع من الروايات- يصعب نقده وتمحيصه من خلال المتون، وقد يستحيل ذلك أحيانا، إذا كانت المتون تمثل حِكما بالغة،وتتوافق مع المنقول والمعقول معا، كأن يُقال: «الدنيا مزرعة الآخرة»، «وحب الدنيا رأس كل خطيئة»، «والزهد في الدنيا جسر إلى الجنة»، فهذا النوع من الروايات يُكشف صحيحه من سقيمه، من نقد أسانيده لا متونه، وهذا الأمر هو الذي غفل عنه من دعا إلى نقد المتون وإهمال الأسانيد، فكان هؤلاء النقاد أحسن منه في نظرتهم لنقد المتون والأسانيد، فردوا روايات صحيحة الأسانيد لفساد معاني متونها، وردوا روايات صحيحة المتون لبطلان أسانيدها، وفق منهجهم النقدي المتكامل الذي ذكرنا كثيرا من خطواته وأسسه وتطبيقاته.
عاشراً: نقد الروايات الحديثية والتاريخية بتذوّق معانيها والتعرّف على نوعية أسلوبها اللغوي
والشواهد على ذلك كثيرة، وقد رُوي عن التابعي الربيع بن خثيم، أنه كان يقول: «إن من الحديث حديثا له ضوء كضوء النهار نعرفه به، وإن من الحديث حديثا له ظلمة كظلمة الليل نعرفه بها»(170) .
ولما ذكر الحافظ أبو القاسم بن عساكر، خبرا عن طفولة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عقّب عليه بقوله: «وهذا حديث غريب جدا، وفيه ألفاظ ركيكة، لا تُشبه الصواب»(171) .
ولما ترجم الحافظ الذهبي للإمام أحمد بن حنبل ذكر بعض القصص التي لا تصح سنداً،ثم قال: وقد ساق صاحب الحلية هنا من الأخبار السمجة ما يستحيى من
