ووحدتنا، مع التأكيد على ضرورة الاكتفاء بالأخبار الصحيحة وإن قلّت، ونبذ روايات الكذابين وإن كثرت. ففي القليل الصحيح كفاية وغنى عن الكثير الباطل.
خامساً : يجب علينا أن نفرّق بين المؤلف الثقة، وبين رجاله الكذابين الذين قد يكون اعتمد على أخبارهم، كما هو حال الطبري، فهو ثقة لكن كثيرا من رجاله كذابون وضعفاء، وفي هذه الحالات لا نأخذ عنه رواياته عن هؤلاء، لأن أسانيدها غير صحيحة؛ والطبري في هذه الحالة هو مجرد ناقل عنهم فقط. وأما إذا كان المؤلف كذابا فلا تقبل رواياته حتى وإن كان رجاله ثقات، لأنه - أي المؤلف- في هذه الحالة هو رجل من رجال الإسناد. لكننا نقبل روايات هؤلاء الثقات إن وصلتنا عن طريق مؤلفين آخرين ثقات.
سادسا ً: أن الأصل في تعاملنا مع روايات الكذابين هو عدم قبولها، لكننا قد نقبل بعضها استثناء، عند توفر القرائن والمرجحات والمسوغات. والأصل في تعاملنا مع روايات الثقات هو قبولها، لكننا قد نرفض بعضها استثناء، إذا تخللتها العلل والشذوذات، واجتمعت القرائن والمرجحات على استبعادها.
وختاما لهذا الفصل، يتبين لنا منه أن إقبال الكذابين على الكذب وتفرّغهم له، أسبابه العميقة هي الانحرافات الفكرية، والخلافات السياسية، والأمراض النفسية التي تفاعلت مع أهدافهم المذهبية وشهواتهم ومصالحهم الدنيوية.
كما أنهم - أي الكذابون - بسبب كثرة عددهم، وتخصصهم في الكذب وتعاونهم عليه، كوّنوا مدرسة عُرفت بهم، وتميزت بخصائص ميزتها عن غيرها من مدارس رواية التاريخ الإسلامي وتدوينه؛ فكانت وبالاً على تاريخنا، تشويها وتشكيكا، تحريفا وتضليلا. مما يوجب علينا التصدي لها ومقاومتها وكشفها.
