وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً(473)
وهذا التلذذ والاستمتاع قد لا يختص بطائفة قليلة منهم، بل قد يشمل أكثرهم، إذ لو نفرت نفوسهم من هذا الكذب لقاوموه وتركوه وتابوا إلى الله عز وجل منه، ولما تخصصوا به ولاتفرغوا له، ولصرفهم بغضهم له عن وضعهم الأحاديث الكثيرة ترويجاً لباطلهم، وقد كان الكذاب الهيثم بن عدي يمضي عامة ليله في الصلاة، فإذا أصبح جلس يكذب(474) .
وكان الكذاب أبو البختري وهب بن وهب يسهر عامة الليل يضع الحديث. وكان أكذب الناس(475) ، حتى قال عنه عثمان بن أبي شيبة(476) : أرى أنه يبعث يوم القيامة دجالاً.
ومع ما مضى فيجب التفريق بين من يكذب من أجل اعتياده على الكذب وتمتعه به، ومن يكذب خدمة لأهدافه المذهبية والدنيوية، وقد يوجد في طائفة الوضاعين من يجمع بين الغرضين الدنيئين: نصرة أهدافه والتمتع بالكذب.
وبذلك يتبين لنا جلياً أن أسباب تعاطي الكذابين للكذب وإقبالهم عليه وتفرغهم له، تعود في أساسها إلى عوامل مرضية عميقة في نفوسهم، وزادتها العوامل السياسية والمذهبية والمادية عمقاً وحرارة ونشاطاً. ودفعتهم لممارسة الكذب بل والتوسع به والاستكثار منه.
