وإما أنه - أي ابن تيمية- صدر عنه ذلك القول غفلة وسهوا ونسيانا. وإما أنه كان يقصد أن أغلب نقد المحدثين للأخبار إنما هو للأسانيد. وإما أنه كان يقصد أن طريق أهل الحديث يقوم على الجمع بين نقد الإسناد والمتن معا، دون إلغاء لأحدهما، وعلى الاحتمالين الأخيرين يكون قوله صحيحا.
والخامس هو المحدث محمد بن جماعة الدمشقي «ت 733هـ» ، ذكر في كتابه المنهل الروي أن مما يُعرف به الوضع في متن الحديث: ركاكة اللفظ والمعنى، ومخالفته للمعلوم المقطوع به(46) . وقوله: المقطوع به، يندرج فيه المقطوع به في الشرع والعقل، والإجماع والمشاهدة، وهو قول صريح في أن مؤلفه كان مدركا لتعدد طرق نقد الأحاديث إسنادا ومتنا، وقد خصّ نقد المتن بما نقلناه عنه.
والسادس هو الحافظ شمس الدين الذهبي ، انتقد محدثي زمانه بكثرة الغلط والوهم، وروايتهم للغرائب والمناكير، والموضوعات والأباطيل، والمستحيلات، في الفروع والأصول، والملاحم والزهد(47) . وقوله هذا يستبطن هو أيضا منهجا نقديا متعدد الطرق، قائما أساسا على نقد المتون وتمحيصها، لأنه ما كان في مقدوره أن ينتقدهم في تلك الأمور، لو لم يركز على نقد المتون بعرضها على صحيح المنقول، وصريح المعقول، وحقائق الطبيعة والعمران، وسنذكر له على ذلك أمثلة كثيرة، في موضع لاحق إن شاء الله تعالى.
