المبحث الثالث: أسباب ظهور مدرسة الكذابين وآثارها السيئة على التاريخ الإسلامي
أولاً: أسباب وأهداف ظهور مدرسة الكذابين
تبين مما ذكرناه في الفصلين السابقين، أن ظاهرة الكذب في الحديث النبوي والأخبار التاريخية كانت منتشرة بكثرة، خلال القرون الثلاثة الهجرية الأولى، على أيدي كذابين كثيرين.
فما هي الأسباب التي دفعتهم إلى الكذب؟ وما هي أهدافهم منه؟
يوجد تداخل كبير بين الأسباب والأهداف التي كانت وراء انتشار ظاهرة الكذب، فالحادثة الواحدة قد تجمع الأمرين، فإذا نظرنا إليها كدافع فنعدها سببا، وإذا نظرنا إليها كنتيجة فنعدها هدفا؛ لكن مع ذلك فإن هناك أسبابا رئيسية عميقة واضحة أدت إلى كثرة الكذب والكذابين خلال القرون الثلاثة الهجرية الأولى، أهمها: الخلافات السياسية، والانحرافات الفكرية المذهبية، والأمراض النفسية.
فالخلافات السياسية هي التي مزّقت الأمة الإسلامية وحولتها إلى طوائف متناحرة متقاتلة، منذ الفتنة الكبرى «35-40هـ»، إلى ما بعد قيام الدولة العباسية. والانحرافات الفكرية المذهبية خرجت من رحم الفتنة السياسية، ثم واكبتها وعمّقتها وقعّدتها ودافعت عنها، وأعطتها الصبغة الشرعية المقدسة، كما هو حال كثير من الفرق الإسلامية، من خوارج وغلاة وغيرهم.
وأما الأمراض النفسية من كفر ونفاق، وحسد وحقد، وحب للدنيا وحرص
