حقوق الطبع محفوظة لمبرة الآل والأصحاب
إلا لمن أراد التوزيع الخيري بشرط عدم التصرف في المادة العلمية
الطبعة الأولى
1442 ه — 2021م
هاتف: 22560203 — 22552340 فاكس: 22560346
ص. ب: 12421 الشامية الرمز البريدي 71655 الكويت
E — mail: almabarrh@gmail.com
www. almabarrah.net
عنوان الكتاب: الوقف في تراث الآل والأصحاب
اسم المؤلف: عيسى محمد حسن داود صوفان.
نوع المطبوع: كتاب — الطبعة: الأولى — عدد الصفحات: 199
السلسلة: تراث الآل والأصحاب (15)
الناشر: مبرة الآل والأصحاب.
ص. ب. 12421 الشامية — الرمز البريدي 716555 — ت: 2560203
ردمك: 5 — 62 — 64 — 99966 — 978 ISBN
فهرس الموضوعات
الوقف
في تراث الآل والأصحاب
د. عيسى القدّومي
مراجعة
مركز البحوث والدراسات بمبرة الآل والأصحاب
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| المقدمة | 9 |
| التمهيد: الوقف في تراث الآل والأصحاب: التعاريف، البشائر، المكانة | 13 |
| أولاً: معاني مفردات العنوان | 13 |
| ثانياً: البشائر النبوية التي بشّر بها النبي محمد صلى الله عليه وسلم الواقفين | 20 |
| ثالثاً: الوقف في حياة الآل والأصحاب رضوان الله عليهم | 27 |
| رابعاً: أنواع الوقف عند الآل والأصحاب رضوان الله عليهم | 30 |
| الفصل الأول: أوقاف النبي صلى الله عليه وسلم وآل بيته رضوان الله عليهم | 33 |
| تمهيد | 35 |
| المبحث الأول: أوقاف النبي صلى الله عليه وسلم | 37 |
| المبحث الثاني: أوقاف رجال آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم | 41 |
| أوّلاً: وقف علي بن أبي طالب رضي الله عنه | 41 |
| ثانياً: وقف العباس بن عبد المطلب وابنه عبد الله رضي الله عنهما | 46 |
| المبحث الثالث: أوقاف نساء آل بيت النبيّ صلى الله عليه وسلم | 47 |
| أوّلاً: أوقاف فاطمة بنت النبيّ صلى الله عليه وسلم | 47 |
| ثانياً: أوقاف أزواج النبي صلى الله عليه وسلم | 49 |
| * وقف أم المؤمنين أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان رضي الله عنها | 49 |
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| * وقف أم المؤمنين صفيّة بنت حييّ رضي الله عنها | 49 |
| * وقف أم المؤمنين أم عبد الله عائشة بنت أبي بكر الصّدّيق رضي الله عنها | 50 |
| * وقف أم المؤمنين أم سلمة هند بنت أبي أميّة رضي الله عنها | 50 |
| المبحث الرابع: مجالات الوقف عند آل بيت النبي — ’ — وأنواعه | 51 |
| الفصل الثاني: أوقاف صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم — رضوان الله عليهم — ومجالاتها | 53 |
| المبحث الأول: أوقاف الصحابة رضي الله عنهم | 55 |
| أولاً: أوقاف الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم | 55 |
| * وقف الخليفة الراشد أبي بكر الصديق رضي الله عنه | 55 |
| * وقف الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه | 56 |
| * وقف الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه | 59 |
| ثانيًا: أوقاف بقيّة العشرة المبشّرين بالجنّة. | 62 |
| * وقف الزبير بن العوّام رضي الله عنه | 62 |
| * وقف سعد بن أبي وقّاص رضي الله عنه | 64 |
| ثالثاً: أوقاف بقية الصحابة رضي الله عنهم | 65 |
| * وقف أنس بن مالك رضي الله عنه | 65 |
| * وقف جابر بن عبد الله رضي الله عنهما | 67 |
| * وقف حكيم بن حزام رضي الله عنه | 67 |
| * وقف خالد بن الوليد رضي الله عنه | 68 |
| * وقف زيد بن ثابت رضي الله عنه | 69 |
| * وقف أبي طلحة زيد بن سهل رضي الله عنه | 70 |
| * وقف سعد بن عبادة رضي الله عنه | 73 |
| * وقف أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر رضي الله عنه | 74 |
| * وقف عبد الله بن عمر رضي الله عنهما | 75 |
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| * وقف عقبة بن عامر رضي الله عنه | 76 |
| * وقف عمرو بن العاص رضي الله عنه | 77 |
| * وقف معاذ بن جبل رضي الله عنه | 79 |
| * وقف معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه | 79 |
| * وقف أبي أروى الدّوسي رضي الله عنه | 84 |
| * وقف أبي الدّحداح رضي الله عنه | 85 |
| * وقف أبي معقل الأسدي رضي الله عنه | 87 |
| * وقف صحابيّ لم يسمّ رضي الله عنه | 87 |
| * وقف بني النجّار رضي الله عنهم | 89 |
| * وقف أسماء بنت أبي بكر الصّدّيق رضي الله عنهما | 90 |
| المبحث الثاني: مجالات الأوقاف وأنواعها ومصارفها في عهد الصحابة الكرام رضي الله عنهم | 91 |
| أوّلًا: تعدد مجالات الوقف | 91 |
| ثانيًا: بيان مفصّل لمجالات الوقف عند الصحابة رضي الله عنهم | 93 |
| ثالثًا: أنواع الأوقاف في عهد الصحابة الكرام رضي الله عنهم | 96 |
| رابعًا: مصارف أوقاف الصحابة | 98 |
| الفصل الثالث: سبل حماية الأصول الوقفية عند الآل والأصحاب عند الآل والأصحاب | 101 |
| تمهيد: التوثيق.. مفهومه وأهم طرقه | 103 |
| المبحث الأول: عناية الآل والأصحاب بتوثيق الأوقاف | 111 |
| القسم الأوّل: التوثيق بالإشهاد | 111 |
| أوّلاً: الإشهادُ في |
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| فعل الآل والأصحاب | 111 |
| ثانياً: حكم الإشهاد عند الآل والأصحاب | 112 |
| ثالثاً: حكم الإشهاد على الوقف | 112 |
| القسم الثاني: التوثيق بالكتابة | 116 |
| المبحث الثاني: حجج ووثائق وقفية مختارة من أوقاف الآل والأصحاب | 128 |
| الفصل الرابع: دور تراث الآل والأصحاب في تحفيز حركة الوقف الإسلامي | 137 |
| مدخل: الوقف.. الرافد الحضاري | 139 |
| المبحث الأوّل: دور أوقاف الآل والأصحاب في تنامي الأوقاف في عصرهم وما بعده | 144 |
| المبحث الثاني: تنوُّع أوقاف الآل والأصحاب وأهميّته في انتشار الأوقاف في العهود الإسلاميّة | 151 |
| الفصل الخامس: مقاصد شرعية وفوائد فقهية من أوقاف النبي صلى الله عليه وسلم وأوقاف آله وصحبه | 159 |
| مدخل | 161 |
| المبحث الأول: المقاصد الشرعية التي حققها الوقف في العهد النبوي وعهد الصحابة | 163 |
| المبحث الثاني: فوائد فقهية من أوقاف النبي صلى الله عليه وسلم وأوقاف آله وصحبه | 172 |
| الخاتمة | 179 |
| النتائج | 179 |
| التوصيات | 181 |
| المراجع والمصادر | 183 |
المقدمة
الحمد لله الذي جعل الوقف من شعائر الدين، وفتح للواقفين أبواب كرمه، وأرشد عباده إلى أبواب فضله، وأنزل في كتابه: ﴿وَمَا تُقَدِّمُواْ لِأَنفُسِكُم مِّنۡ خَيۡرٖ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيۡرٗا وَأَعۡظَمَ أَجۡرٗاۚ﴾(1) .
والصلاة والسلام على رسوله المصطفى الدال على الصدقة الجارية الباقية، بقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثةٍ: إلا من صدقةٍ جارية، أو علمٍ ينتفع به، أو ولدٍ صالح يدعو له"(2) .
أ ما بعد:
فإنّ الوقف من السّنن النبويّة العظيمة، والخصائص الإسلاميّة الشريفة، أقبل عليه الصحابة الكرام رضوان الله عليهم؛ استجابة لنداء الله تعالى ونداء رسوله صلى الله عليه وسلم.
ويعدّ الوقف الإسلامي؛ من أهم ميادين البر، وأغزر روافد الخير، وأفسحها مجالًا، وأعظمها أجرًا، وأبقاها عملًا، وأكثرها تأثيرًا؛ فقد كان للأمة خير معين؛ لسدّ حاجاتها، ومساندة جهادها، ودعم علمائها ودعاتها، وحفظ هويتها وحيويتها، واستمرار عطائها الحضاري
والتنموي.
وتتابع المسلمون في الوقف على أوجه البر؛ إذ كان سيّد الخلق صلوات الله وسلامه عليه أوّلَ الواقفين، ثمّ تبعه في ذلك ساداتُ أصحابه الخلفاءُ الرّاشدون من الآل والأصحاب، رضي الله عنهم فقد كانوا سبّاقين إلى التأسّي به في كلّ خير وفضيلة، وكذلك آل بيته، وكبار أصحابه وفضلاؤهم.. فلم يتأخروا عن تحرّي هذا الفضل العظيم، والمبادرة إليه.
ثمّ ذاعت وشاعت هذه المكرمة في سائر الأمّة إلى يومنا هذا؛ لكون الوقف من أفضل الطاعات وأعظم القربات وأجلّ الأعمال التي شرعها الله لعباده وندبهم إلى فعلها، وهو مما اختص به المسلمون.
وقد كانت الأوقاف الإسلامية في شتى أصنافها رافداً عظيماً لاستمرار حركة العلم والتعليم، من عهد الصحابة الكرام إلى عصرنا الحاضر وعبر العصور الإسلامية، فها هو الأزهر الشريف، وها هي جامعة الزيتونة، والنظامية، والجوزية، وكذا الفلاح، والصولتية، خير شاهد على تلك الأوقاف العلمية، ويكفي الناظر كتاب (الدارس في تاريخ المدارس) للإمام النعيمي (ت: 927ه) ليدرك ضخامة ما وُقف من المدارس الإسلامية في العصر المملوكي، والأوقاف التي كان ريعها لتلك المدارس، وما يصرف على العلماء وطلبة العلم من خلالها.
والوقف من أفضل أصناف الصدقة الجارية، فمن محاسنه ما ذكره شاه ولي الله الدهلوي رحمه الله: ومن التبرعات الوقف، وكان أهل الجاهلية لا يعرفونه؛ فاستنبطه النبي صلى الله عليه وسلم لمصالح لا توجد في سائر الصدقات؛ فإن الإنسان ربما يصرف في سبيل الله مالاً كثيراً ثم يفنى، فيحتاج أولئك الفقراء تارة أخرى، ويجيء أقوام آخرون من الفقراء فيبقون محرومين؛ فلا أحسن ولا أنفع للعامة من
أن يكون شيء حبساً للفقراء وأبناء السبيل يصرف عليهم منافعه، ويبقى أصله على ملك الواقف(3)
ولا شك أن أفضل الوقف ما كان أكثر نفعاً(4) — ما عم نفعه ودام ظلّه —، وهو يختلف باختلاف الزمان والمكان والحاجة الماسة له.
وقد قمنا في بحثنا هذا بتسليط الضوء على أوقاف آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، وعرضِ أنواع الأوقاف ومجالاتها، وآثارها في الدين والمجتمع، وختمناه بذكر جملة من المقاصد الشرعية والفوائد الفقهية في أوقاف النبي صلى الله عليه وسلم وأوقاف آله وصحبه رضي الله عنهم.
وجمعنا ما رُوي من الأحاديث والآثار الواردة في هذا الباب، والدالة على حرص الآل والصحب الكرام رضي الله عنهم على الامتثال التامّ لتوجيه النبي صلى الله عليه وسلم في بذل المال واحتباس الأصول، وقفًا تنتفع به الأمة الإسلامية، وتنال به عظيم الأجر والثواب.
وحسْبنا في هذه الشذرات المضيئة من قبسات النبوة، ذكر أوقاف النبي الكريم وآل بيته، وصحابته الكرام رضي الله عنهم في المدينة المنورة وما جاورها من القرى، بما يحفز الهمم على اقتفاء آثار النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، فالنبي صلى الله عليه وسلم جعل جميعَ أمواله صدقة لوجه الله عز وجل وقال قاصدًا نفسه: لا نورث؛
ما تركناه صدقة(5) والصحابة الكرام من المهاجرين والأنصار، لا يُعرف أحد منهم عنده مال إلا وله صدقة ووقف على وجه من أوجه البرّ المختلفة.
أسأله عز وجل أن ينفع به قولاً وعملاً، ويكتب لنا أجر ذلك في صحائفنا؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه.
التمهيد: الوقف في تراث الآل والأصحاب: التعاريف، البشائر، المكانة
أولاً: معاني مفردات العُنوان: "الوقف في تراث الآل والأصحاب"
ثانياً: البشائر النبوية التي بشّر بها النبي محمد صلى الله عليه وسلم الواقفين
ثالثاً: مكانة الوقف في حياة الآل والأصحاب رضوان الله عليهم.
رابعاً: أنواع الوقف وتطبيقاته عند الآل والأصحاب رضوان الله عليهم.
e :
أولا: معاني مفردات العُنوان "الوقف في تراث الآل والأصحاب رضي الله عنهم ":
تعريف لفظة: "تراث"
قال صاحب شمس العلوم: «التراث: الميراث، وأصله: وراث، من: ورث»(6) .
وفي العَوْتَبِي: «أصل التراث: وراث؛ لأنه من: ورثت، فأبدلوا الواو تاءً، كما قالوا: التخمة، والأصل: الوخمة»(7) .
فالتراث في اللغة: مأخوذ من ورث.
والورث أو الإرث بمعنى: البقاء، والوارث بمعنى: الباقي، والميراث أو التراث سمي بذلك؛ لأنه يبقى بعد ذهاب صاحبه، والورثة لأنهم يبقون بعد مورثهم، قال تعالى: ﴿وَتَأۡكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكۡلٗا لَّمّٗا﴾ [الفجر: 19].
ومن هنا: يطلق التراث أو الميراث على كل ما يخلفه الإنسان من مالٍ أو علمٍ أو نحوهما.
قال الراغب: "انتقال قِنْيَةٍ إليك عن غيرك من غير عقد، ولا ما يجري مجرى العقد، وسمّي بذلك المنتقل عن الميّت فيقال للقِنْيَةِ الموروثةِ: ميراثٌ وإِرْثٌ. وتُرَاثٌ أصلُه وُرَاثٌ، فقلبت الواو ألفًا وتاءً"(8) .
وهو في دراستنا هذه مستعملٌ استعمالاً خاصًّا في معنى وراثة العلمِ والفضيلةِ والعمل الصالح دون عين المال، كما في قوله تعالى: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنۡ ءَالِ يَعۡقُوبَ﴾. قال الراغب: "فإنه يعني وِرَاثَةَ النّبوّةِ والعلمِ والفضيلةِ دون المال"(9) .
تعريف آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم
تعريف "الآل" لغة
قال "ابن فارس": "آلُ الرَّجُل: أهلُ بَيتِه"(10) .
وقال "ابن منظور": "آلُ الرَّجُل: أهلُه وعِيالُه"(11) .
وعليه فأهل الشيء هم أخصُّ الناس به، كما أن لفظ (أهل) يدل في حقيقته على صلة وثيقة بينه وبين ما يُضاف إليه(12) .
وبيتُ الرجل: دارُه وقصره وشرفه(13) .
وأهل الرجل: من يجمعه وإياهم نسب أو دين، أو ما يجري مجراهم من صناعة وبيت وبلد، وأهل الرجل الأصل: من يجمعه وإياهم سكن واحد؛ ثم تجوّز به فقيل: أهل الرجل لمن يجمعه وإياهم نسب، وتعورف في أسرة النبي مطلقا إذا قيل: أهل البيت؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذۡهِبَ عَنكُمُ ٱلرِّجۡسَ أَهۡلَ ٱلۡبَيۡتِ﴾ [الأحزاب: 33](14) .
تعريف "الآل" اصطلاحاً
اختلف العلماء في تحديد المصطلح الشرعيّ ل(آل البيت) على أقوال، وسأكتفي هنا بالإشارة إلى أشهرها:
القول الأول: هم الذين حرِّمت عليهم الصدقة، وبه قال الجمهور(15) .
القول الثاني: هم ذرية النبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه خاصة، اختاره ابن العربي(16) ، وهو رواية عن الإمام أحمد(17) ، وحكاه ابن عبد البر في "التمهيد"(18) .
القول الثالث: هم بنو هاشم وبنو المطلب، قال النووي: "وهو نص الشافعي وجمهور أصحابنا"(19) .
القول الرابع: آل النبي صلى الله عليه وسلم هم أتباعه على دينه إلى يوم القيامة، وهو وجه عند الشافعية(20) ، والصحيح من مذهب الحنابلة كما قال المرداوي(21) .
وجاء في "الدرر السنية": "والصحيح أن آل محمد هم أهل بيته، وهذا هو المنقول عن الشافعي وأحمد... والصحيح أن أزواجه من آله"(22) . وهو الراجح — والله أعلم —.
تعريف الأصحاب رضي الله عنهم
التعريف اللغوي
الصاد والحاء والباء أصلٌ واحدٌ يدل على مقارنة شيء ومقاربته، ومن ذلك الصاحب، والجمع: الصحب؛ ومن الباب: أصحب فلان: إذا انقاد، وكل شيء لاءم شيئاً فقد استصحبه(23) .
والأصحاب: جمعه صحب، والصحابة بالفتح: الأصحاب، وهي في الأصل مصدر، وأصحَبْتُه الشيء: جعلته له صاحباً... واصطحب القوم: صَحِبَ
بعضهم بعضا، وأصله: اصْتَحَبَ(24)
قال صاحب المصباح المنير: "صَحِبتُه أَصحَبُه صحبةً فأنا صاحبٌ، والجمع: صَحْبٌ، وأصحاب، وصحابة"(25) .
والصحبة في اللغة لا يشترط في إطلاقها طول الملازمة بين الشيئين، بل يصح إطلاقها على كل من صحب غيره مهما كان مقدار الصحبة، لذلك قال السخاوي: "الصحابي لغة: يقع على من صحب أقل ما يطلق عليه اسم صحبة فضلاً عمن طالت صحبته وكثرت مجالسته"(26) .
التعريف الاصطلاحيّ
للعلماء في تعريف الصحابة مسلكان، مسلكٌ للأصوليّين، ومسلكٌ للمحدّثين، والاختلافُ بينهما راجعٌ إلى اختلافِ الوجه الذي ينظرُ إليه — ومنه — كلٌّ من الطائفتين، وإلى غرضِه من معرفة الصحابيّ وتمييزِه عن غيره، فالأصوليُّ يعرّفُ الصحابيَّ الذي يُقبَلُ قولُه في الفقه وتكون له حجيّةٌ تُبحَثُ حدودها ومستوياتُها في علم الأصول، بينما يعرّف المحدّث الصحابيَّ من جهةِ كونِه ناقلاً للخبر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، حائزًا على فضيلةِ الصّحبةِ التي تقتضي عدالتَه، فكلٌّ من المحدّث والأصوليّ يبحثُ أحدهما في الصحابيّ عن غير ما يبحث عنه الآخَر، فمن هنا اختلفت عباراتهما.
فعند الأصوليّين: قال الآمدي:
"اختلفوا في مسمّى الصحابيّ؛ فذهب أكثر أصحابنا وأحمد بن حنبل إلى أنّ الصحابيّ: من رأى النبي صلى الله عليه وسلم، وإنْ لم يختصّ به اختصاصَ المصحوب، ولا روى عنه، ولا طالت مدّة صحبتِه.
وذهب آخرون إلى أنّ الصحابيّ إنّما يُطلق على من رأى النبيّ — ’ — واختصّ به اختصاصَ المصحوب، وطالت مدّة صحبتِه، وإنْ لم يروِ عنه.
وذهب عمرو بن يحيى إلى أنّ هذا الاسم إنّما يسمّى به من طالت صحبته للنبي — ’ — وأخذ عنه العلم.
والخلاف في هذه المسألة، وإن كان آيلًا إلى الّنزاع في الإطلاق اللفظيّ، فالأشبه إنّما هو الأول...(27) " .
وأما عند المحدّثين؛ فمن أشهر الصياغات لتعريف الصحابيّ، ما ذكره الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله: "الصحابي هو: مَن لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً به، ومات على الإسلام(28) " .
ولا شكّ أنّ غرضنا في هذه الدّراسةِ هو الصحابيّ في معناه الذي حدَّه المحدّثون، لأنّنا نبحث في أوقافِ كلّ من ثبتت له الفضيلةُ وصدقَ عليه الاسمُ دون مقدارٍ زائدٍ على هذا.
تعريف الوقف
"الوقف" لغة: الحبس والمنع، يقال: وقفت الدار، بمعنى: حبستها،
وجمعه: أوقاف، والوقف والحبس بمعنى واحد، وكذلك التسبيل، يقال: وقفت الدار وقفًا حبستها في سبيل الله(29) ويقال: سبّلت الثمرة، بالتشديد، أي: جعلتها في سُبل الخير وأنواع البر(30)
الوقف في الاصطلاح الشرعي
جاءت تعريفات الفقهاء للوقف متباينة، ويُعزى ذلك التباين إلى الاختلاف في بعض شروط الوقف.
ويحسن في هذا المقام أن أذكر بعضاً من تعريفات الفقهاء للوقف، وهي على النحو التالي:
عرّفه الحنفية بأنه عبارة عن: "حبس المملوك عن التمليك من الغير"(31) .
وعرّفه المالكية بقولهم: هو "إعطاء منفعة شيءٍ مدة وجوده لازماً بقاؤه في ملك معطيها ولو تقديراً"(32) .
وعرّفه الشافعية بأنه "حبس مال يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه بقطع التصرف في رقبته على مصرفٍ مباحٍ"(33) .
وعرّفه الحنابلة بأنه: "تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة"(34) .
وشرحه بعض المعاصرين بقوله: "ويقصد بذلك حبس العين عن تمليكها لأحد من العباد والتصدق بالمنفعة على الفقراء أو على وجه من وجوه البر"(35) .
قال أبو زهرة — رحمه الله : هذا أجمع تعريف لمعاني الوقف، حبس العين وتسبيل ثمرتها، أو حبس عين للتصدق بمنفعتها(36) ، فالوقف: تحبيس في الابتداء، وتسبيل للمنفعة على الدوام.
"وقد كان الوقف أول عهده يسمى "صدقة" "وحبساً" ثم حدث اسم الوقف وفشا في عصرنا الحاضر، إلا أنه لا تزال تسمية الأوقاف في بلاد المغرب إلى اليوم تسمى "أحباساً"(37) .
ثانيا: البشائر النبوية التي بشّر بها النبي محمد صلى الله عليه وسلم الواقفين:
بشَّر النبي صلى الله عليه وسلم الواقفين بنيل الأجر وكسب الفضل العظيم من رب العالمين في الدنيا، وباستمرار الحسنات والمثوبة بعد الممات، وهذه البشارات دفعت آل بيت النبي وأصحابه رضي الله عنهم إلى التسابق في بذل الخيرات ووقف الأوقاف، فإنّ الوقف الخيريّ كما هو معلومٌ من جنس الصدقات، دخولُه فيها قطعيٌّ لأنّ الوقف هو الصدقةُ الجارية.
وألخّص أهم تلك البشائر النبوية للأعمال الوقفية فيما صحّ من حديث النبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك فيما يأتي:
الوقف حياة بعد الممات
عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثةٍ: إلا من صدقةٍ جارية، أو علمٍ ينتفع به، أو ولدٍ صالح يدعو له(38) » .
هذه الثلاثة من كَسْب العبد في الحقيقة، لأنّه متسبِّبٌ فيها، وإن كان تصرُّفُه المباشر فيها ينقطعُ بوفاتِه، فجريان الثواب بسببها جارٍ على القاعدة القرآنيّة: ﴿ وَأَن لَّيۡسَ لِلۡإِنسَٰنِ إِلَّا مَا سَعَىٰ ﴾ [النجم: 39]. قال القاضي عياض: «وذلك لأنّ عمل الميّت منقطعٌ بموتِه، لكن هذه الأشياء لما كان هو سببها؛ من اكتسابه الولدُ، وبثُّه العلمَ عند من حمله فيه، أو إيداعَه تأليفاً بقى بعده، وإيقافَه هذه الصدقة، بقيت له أجورها ما بقيت ووُجِدَتْ»(39) .
الوقف أجر لا يفارق العبد
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سبعٌ يجري للعبد أجرهُنَّ وهو في قبره بعد موته: من علّم علماً، أو أجرى نهراً، أو حفر بئراً، أو غرس نخلاً، أو بنى مسجداً، أو ورَّث مصحفاً، أو ترك ولداً يستغفر له بعد موته»(40) .
وهذا حديثٌ يقودُنا النّظر فيه إلى أنّ السبع المذكورات ههنا، تُعدُّ تفسيراً للمجمل في قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي قبله: «صدقة جارية»، فهذا تفسيرٌ بالمثال، ذك فيه النبيُّ صلى الله عليه وسلم أشهر ما
يحتاج إليه النّاس في ذلك الوقت على وفق احتياجاتهم، ويُقاس عليها ما في معناها من احتياجات النّاس اليوم في كافة المجالات.
الوقف مالُكَ الحقيقي
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أيكُم مالُ وارثِهِ أحبُّ إليه من ماله؟»، قالوا: يا رسول الله! ما منَّا أحدٌ إلا مالُهُ أحبُّ إليهِ. قال: «فإنَّ مالَهُ مَا قدَّم، ومَالُ وارثِه ما أخَّر»(41) .
في هذا الحديث: يؤكّد النبيُّ صلى الله عليه وسلم على الحقيقةِ الشرعيّة للصدقة، وعلى أنّ المؤمنَ يكون فيما عند الله أوثق منه فيما في يده في الدنيا العاجلة، إذ إنّ انتفاع المؤمن بالمال، يكون إذا نظر إلى أثر المال عليه في الدّارَيْن لا في دارٍ واحدة، وليس من خصال المؤمنين أن يلتفتوا عن الآخرةِ بالكليّة ليغرقوا في الدنيا وحساباتها، فإذا كان ذلك، فهم على الحقيقة يكدّون لصالح ورثتهم لا لصالح أنفسهم، فإنّ صالحهم الحقيقيّ ما ضمنوا ثمرته في حياتهم الباقية في الآخرة.
الوقف يثقل الموازين يوم القيامة
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال النبي صلى الله عليه وسلم: « من احتبس فرساً في سبيل الله، إيماناً بالله، وتصديقاً بوعده، فإنّ شبعه وريَّه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة(42) » .
في هذا الحديث أنّ صلاح النّيّة في الوقف، والتصديق بوعد الله، شرطان لحصول الأجر العظيم والثواب الكامل، ومفهومه أنّ ما لم يكن كذلك من الأحباس والصدقات لا أجر فيه، كما هو الحال في سائر الأعمال الصالحة في الظاهر، من غير أن تقترن بنيّة الامتثال والتعبُّد، ولا منبعثةً عن دافعِ الإيمان والتصديق واليقين.
الوقف برٌّ بالوالدين
عن سعد بن عبادة — رضي الله عنه — أنه قال: يا رسول الله، إن أُمّ سعد ماتت، فأي الصدقة أفضل؟ قال: « الماء »؛ فحفر بئراً، وقال: هذه لأم سعد(43) .
وعن عبد الله بن عباس: أنّ سعد بن عبادة — أخا بني ساعدة — توفيت أمه وهو غائب عنها، فأتي النبيّ صلى الله عليه وسلم ، فقال: يا رسول الله ! إنّ أمّي توفيت، وأنا غائب عنها، فهل ينفعها شيءٌ إن تصدقت به عنها؟ قال: « نعم ». قال: فإني أشهدك أن حائطي المخراف صدقةٌ عليها(44) .
وسيأتي الكلام عليه في أوقاف الصحابة إن شاء الله.
الوقف إعمار للآخرة
عن عثمان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من بنى لله مسجداً لله تعالى يبتغي به وجه الله، بنى الله له بيتاً
في الجنة(45)
وهذا أجرٌ لا يُضاهى، ونعمةٌ لا تدانيها نعمة، وفضلٌ عظيمٌ لا يُحدّ، والجزاء من جنس العمل، عطاءٌ بعَطاءٍ، وبيتٌ ببيت، وإنْ كان الموفِّقُ إلى ذلك هو الله سبحانه، وهو الذي يوسّع ويرزُقُ ما يطيعُه به الصالحون من عباده.
الوقف جهاد لا مشقة فيه
عن زيد بن خالد الجهني، قال: قال رسول الله: « من جهّز غازياً في سبيل الله، كان له مثلُ أجرِه، من غير أن ينتقص من أجر الغازي شيئاً(46) » .
والوقف يدخل في عموم هذا الحديث، من جهةِ أنّ تجهيز الغزاة في سبيل الله، قد يكون بتمليكهم عُدَّة الحرب، أو هبتهم المالَ الذي يشترونها به ويتجهّزون بما ينقصهم، كما قد يكون بالوقف على جهةِ الجهاد في سبيل الله، وقد يوقف الواقفُ عتادًا يتناوب المجاهدون على الانتفاع به، كما قد يوقف شيئًا يُغِلُّ مالاً يُنْفَقُ على احتياجات المجاهدين المختلفة.
الغرس صدقة إلى يوم القيامة
عن أنس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ما من مسلم يغرس غرساً، أو يزرع زرعاً، فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة، إلا كان له منه صدقة(47) » .
وهذا يتناول الوقف على سبيلِ العموم، فإنّ من وقفَ غرساً له على جهةٍ ما، يعمُّ نفعُه كلَّ حيٍّ في العادةِ، فله في كلّ ذلك أجر الصدقةِ على الجميع، ما
عيَّنَه وما لم يعيّنه.
الوقف تعميمٌ للنّفع في الدنيا والآخرة
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنّ رسول الله قال: « من حفر بئرَ ماءٍ، لم يشرب منه كبد حرَّى من جنٍّ ولا إنسٍ ولا طائرٍ إلا آجرَه الله يوم القيامة(48) » .
ولا شكّ أنّ الآبار الوقفيّة التي يحفرها الإنسان في أماكن اشتدّت فيها حاجة النّاس إلى الماء، من أعظم ما يعود عليه بالأجر والثواب العظيم يوم القيامة.
الوقف يُضاعَف لصاحبه
عن أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري رضي الله عنه قال: جاء رجل بناقة مخطومة ، فقال: هذه في سبيل الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لك بها، يوم القيامة سبعمائة ناقة كلها مخطومة(49)(50) » .
هذه الفضيلةُ موافقةٌ تماماً لما جاء في القرآن الكريم: ﴿ مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنۢبَتَتۡ سَبۡعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنۢبُلَةٖ مِّاْئَةُ حَبَّةٖۗ ﴾ [البقرة: 261]، والحديثُ يحتملُ أن يكون معناه الإشارة إلى هذه المضاعفة، ويحتملُ أن يكون على ظاهره، أي: تكون له سبعمائة ناقةٍ مخطومةٍ في الجنّة على الحقيقةِ يركبها ويتنقّل عليها ويسعَدُ بها، بل قولُه عليه الصلاة والسلام: « كلُّها مخطومةٌ » فيه ترجيحٌ لإرادةِ الحقيقةِ، والله أعلم(51) .
الوقف أفضل الصّدقات
عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « أفضل الصدقات ظلُّ فسطاط(52) في سبيل الله عز وجل ، أو منحة خادم(53) في سبيل الله، أو طروقة فحل(54) في سبيل الله(55) » .
هذا الحديثُ فيه تفصيلٌ لبعض أبواب الصدقةِ التي يستحسن أن يراعيها المؤمنون، وهي يجري في معنى حديث الخصال السبع التي يجري أجرها على العبد بعد مماته في لفت النّظر إلى مجالات أخرى للصدقة والوقف، تمسّ الحاجة إليها أيضاً، بل قد تكون لها الأفضليّة عند التزاحُم.
الوقف أثر باق في سبيل الله
عن أبي أمامة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « ليس شيء أحبَّ إلى الله من قطرتين وأثرين: قطرة من دموع في خشية الله، وقطرة دم تهراق في سبيل الله، وأما الأثران فأثر في سبيل الله، وأثر في فريضة من فرائض الله(56) » .
فما أجمل أن يترك المسلم المتصدق أثراً له بعد موته، ينفع به نفسه والمسلمين في حياته وبعد مماته، ويرتحل إلى مولاه وقد خلف وراء ظهره من الحسنات الباقيات ما يدَّخِرُه ليوم الحساب.
ولا شكَّ أنَّ من الآثار الحميدة التي يتركها ابن آدم، وتضيء بها سجلاته؛ تلك الأوقاف التي أوقفها، يرجو بها ثواب الله، ويخشى عقابه، ويعمل لتستمر حسناته إلى ما بعد مماته، وتلك الآثار من هدي النبي محمد صلى الله عليه وسلم وترغيبه بالصدقة والوقف، وقد استجاب لها آل بيته الكرام وصحابته الأخيار رضي الله عنهم جميعاً.
ثالثا: الوقف في حياة الآل والأصحاب رضوان الله عليهم
حرص آل رسول الله رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته رضي الله عنهم على الوقف الإسلامي، وسارعوا إلى حبس الدور والآبار والبساتين ووقفها، اقتداء بفعل النبي صلى الله عليه وسلم وسنته، وامتثالاً لتوجيهه وإرشاده، ورغبة في الثواب العظيم من الله تعالى.
ويُستدلُّ على حضورِ سُنَّةِ الوقف في حياتهم رضي الله عنهم في الدرجة الأولى بالفعل، فإنّهم رضي الله عنهم تواتر عن مجموعهم الوقف، حتى روي عن جابر رضي الله عنه أنّه قال: "... فما أعلمُ أحدًا كان له مالٌ من المهاجرين والأنصار إلا حبس مالاً من ماله، صدقةً مؤبّدةً لا تُشترى أبدًا، ولا تُوهب ولا تورَث". ورُوي مثلُه عن محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، قال: "ما أعلمُ أحدًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل بدر من المهاجرين والأنصار إلّا وقد وقف من ماله حبسًا، لا يُشترى ولا يُورَث ولا يُوهَب حتى يرث الله الأرض ومن عليها"(57) .
وقد رضي الإمام مالك رحمه الله بهذا التواتر الفعليّ حجةً في الردّ على من أنكر مشروعيّة الوقف، مثل شريح بن الحارث القاضي، فقد رُوي عنه أنّه قال: "جاء محمد صلى الله عليه وسلم بمنع الحبس"(58) ، وفي رواية عنه قال: "لا حبسَ عن فرائض الله"(59) .
ووقع في مضمونِ ذلك كلامٌ بين الإمام مالك رحمه الله والإمام أبي يوسف صاحب أبي حنيفة، فقد أخرج البيهقي — بسنده — عن الإمام الشافعي رحمه الله قال:
اجتمع مالك وأبو يوسف عند أمير المؤمنين، فتكلّما في الوُقوف وما يحبسه الناس، فقال يعقوب: هذا باطل، قال شريح: جاء محمد صلى الله عليه وسلم بإطلاق الحبس. فقال مالك: إنّما جاء محمد صلى الله عليه وسلم بإطلاق ما كانوا يحبسونه لآلهتهم من البحيرة والسائبة، فأمّا الوقوف، فهذا وقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث استأذن النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "احبِسْ أصلَها وسبِّلْ ثمرتَها"، وهذا وقْفُ الزبير، فأعجبَ الخليفةَ ذلك منه(60) .
وقد نُقِلَت كلمةُ شريح هذه لمالك رحمه الله فيما يبدو أنّه مناسبةٌ أخرى، فقال: "تكلّم شريح ببلدِه، ولم يَرِدْ المدينةَ فيرى أحباسَ الصّحابة باقية، فينبغي للمرءِ ألّا يتكلّم إلّا فيما أحاطَ به خُبرًا"(61) .
فهي مسألة إجماع عمليّ، أكدها القرطبي بقوله: "المسألة إجماع من الصحابة،
وذلك أن أبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا وعائشة وفاطمة وعمرو بن العاص والزبير وجابراً كلهم وقفوا الأوقاف، وأوقافهم بمكة والمدينة معروفة مشهورة"(62)
وبياناً لشيوع الوقف عند الصحابة رضي الله عنهم، قال الشافعيّ في القديم: «ولقد بلَغَنِي أنّ ثمانين نفرًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأنصار، تصدَّقُوا بصدقاتٍ محرّماتٍ موقوفاتٍ»، كما ذكره ابن الرّفعة(63) ، «والشافعيُّ يسمّي الأوقاف: الصّدقات المحرّمة»(64) .
وقال ابن حزم: "وسائر الصحابة جملة صدقاتهم بالمدينة أشهر من الشمس، لا يجهلها أحد"(65) .
وكان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخيرون لأوقافهم أثمن وأنفس ما يملكون؛ لأنهم أرادوا أن يعمروا آخرتهم بما يحبون من نفائس أموالهم وكرائمها، وكانوا رضي الله عنهم إذا أحبوا شيئاً جعلوه لله سبحانه وتعالى.
وهذه الأوقاف خير دلالة على امتثال الصحابة لتوجيه رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم في وقف الأوقاف التي تنوعت أصولها، وتعددت مصارف ريعها، ليعم النفع للمجتمع المسلم، فدعوة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الصدقة الجارية لاقت آذاناً صاغية، من عباد الله المخلصين، لاسيما الصحابة رضوان الله عليهم، الذين عاصروا
التنزيل، وفهموا أسراره، وعرفوا ما تهدف إليه الشريعة. فبادروا مستجيبين لنداء الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فأوقفوا الأراضي والحدائق والأسلحة والدروع.
ثمَّ تتابعت الأوقاف، واستمرَّ القادرون على الوقف على مدى التاريخ الإسلامي بوقف أموالهم، واتَّسمت هذه الأوقاف بالضخامة والتنوع، حتى غدت هذه الأوقاف من مفاخر المسلمين، ولم يَدَعُوا جانباً من الجوانب الخيِّرة إلا أوقفوا فيه من أموالهم، حتى شملت أوقافهم الإنسان والحيوان، وبلغت ما لا يخطر فِعلُه على بالِ إنسان في شرقٍ ولا غربٍ.
رابعا: أنواع الوقف عند الآل والأصحاب رضوان الله عليهم
ينقسمُ الوقف من حيث الموقوفُ عليه، أو (جهة الوقف) إلى قسمين رئيسيّين، هما: الوقف الخيري، والوقف الأهلي.
وقد يستخدمُ بعضُهُم تقسيمًا ثلاثيًّا، فيقول: الوقف الخيري، والوقف الأهلي، والوقف المشترك(66) .
الوقف الخيري: هو ما يُصرَف فيه الريعُ ابتداءً على جهةٍ من جهاتِ البِرّ، ولو كان ذلك لمدّةٍ معيّنةٍ، ثمّ يؤولُ بعدها إلى أشخاص معيّنين، وهذا النّوع هو الأصلُ في الوقف بالنسبةِ لسائر الأنواع، وهذا كالوقف على الفقراء والمساكين والأيتام والأرامل،
والمشافي والمدارس والمكتبات وسائر الخدمات المشابهة. الوقف الأهلي (الذُّرِّي): هو ما يكون الاستحقاقُ فيه أوّلَ الأمرِ على معيّنٍ، واحدًا أو أكثر... ثمّ من بعد هؤلاء المعيّنين على جهةِ برٍّ. الوقف المشترَك: هو ما وُقف على جهة بِرٍّ، وعلى الذّرّيّة، وكان ذلك في وقْفٍ واحدٍ، فهو جمعٌ بين الصورتين السابقتين، وقد يكون نصيبُ كلٍّ من الذريّة وجهةِ البرٍّ محدّدًا، بنصف الرّيعِ لكلٍّ منهما مثلاً، وقد يُجعَلُ مقدارٌ محدودٌ للذرّيّة، ويُطلَقُ في الباقي على أنّه لجهةِ البِرِّ، وقد يكون العكس.
على أنّ هذه الاصطلاحات والتسميات لم تكن معروفةً فيما مضى، بل كان يُعبَّر عن الوقف بلفظ "الصدقة" كما دلّت عليه الآثار، فكان يقال: هذه صدقةُ فلان.
الفصل الأول: أوقاف النبي صلى الله عليه وسلم وآل بيته رضوان الله عليهم
* المبحث الأول: أوقاف النبي صلى الله عليه وسلم
* المبحث الثاني: أوقاف رجال آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم
* المبحث الثالث: أوقاف نساء آل بيت النبيّ صلى الله عليه وسلم.
* المبحث الرابع: مجالات الوقف عند آل بيت النبي — ’ — وأنواعه.
التمهيد
من رحمة الله بعباده أن شرع لهم الوقف؛ استثماراً للمال في دنياهم لآخرتهم، والموفَّق: من وُفِّق لهذا السيل العارم من الحسنات الجارية، والمحروم: من حُرم هذا الخير الجزيل.
فالوقف لا تُطوى معه صحائف الأعمال بانقضاء العمر وطيِّ صحائف الحياة، بل تزداد به الحسنات أضعافاً مضاعفة؛ فهو عمل يقدِّمه المسلم في حياته، ويستمر أجره إلى يوم الدين، فهو صاحب لا يمكر، ومعين لا يغدر، وصديق يلازم صاحبه في حياته، ولا يتخلَّى عنه عند موته، يلحق به في قبره، ويتبعه في يوم حشره ونشره، عمل صالح ممدود؛ لا يفارق المحسن، ولا ينقطع أجره ما دام نفعه.
وقد امتثل آل بيت النبي وأصحابه صلى الله عليه وسلم وصاياه، وطبقوها تطبيقاً عمليّاً؛ فأوقف الصحابة رضي الله عنهم الأوقاف ابتغاء مرضاة الله سبحانه وتعالى، واستمر المسلمون من بعدهم في إجراء أعمال الوقف وتعاهدها جيلاً بعد جيل، وقد سبق نقل إجماع الصحابة الفعليّ على الوقف، وبيان عنايتهم به عند الحديث عن "مكانة الوقف" عند الصحب والآل.
لقد أدرك الصحابة الكرام رضي الله عنهم أهمية الوصايا والتوجيهات النبويّة إلى فعل المعروف عامّة، والوقف خاصّة، فبادروا مستجيبين لنداء الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فأوقفوا الأراضي والحدائق والأسلحة والدروع، وهذه الأوقاف تنوعت أصولها،
وتعددت مصارف ريعها؛ ليعم النفع للمجتمع المسلم، فدعوة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الصدقة الجارية لاقت آذاناً مُصغية من عباد الله المخلصين؛ لا سيما الصحابة رضي الله عنهم الذين عاصروا التنزيل، وفهموا أسراره، وعرفوا ما تهدف إليه الشريعة.
ثمَّ تتابعت الأوقاف، واستمر القادرون على الوقف على مدى التاريخ الإسلامي بوقف أموالهم.
وظلَّت الأوقاف في العهود الإسلامية سنة متبعة، دعا إليها العلماء، واجتهد في فقهها الفقهاء، وتنافس في إيجادها وتجديدها أهل الهمم والعطاء، فكان لها الدور الأكبر في الحضارة الإسلامية، وفي نماء الخلافة واستمرارها، ونهوضها من بعد كبوة.
قد وعى المسلمون هذا الأمر منذ القرون الأولى، وفهموا ما للوقف من مقاصد سامية، ومصالح ملموسة في الحفاظ على مكانة الأمة وأمنها.
المبحث الأول: أوقاف النبي صلى الله عليه وسلم
النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس في بذل الخير والصدقة، وقد أفرد أهل العلم أبواباً خاصة في بيان صدقاته وإنفاقه في الخير؛ فكان صلى الله عليه وسلم سبَّاقًا إلى الصدقة، قال ابن القيم رحمه الله: "كان صلى الله عليه وسلم أعظم الناس صدقة بما ملكت يده، وكان لا يستكثر شيئاً أعطاه لله سبحانه وتعالى ولا يستقله، وكان لا يسأله أحد شيئاً عنده إلا أعطاه؛ قليلاً كان أو كثيراً، وكان عطاؤه عطاء من لا يخاف الفقر، وكان العطاء والصدقة أحب شيء إليه، وكان سروره وفرحه بما يعطيه أعظم من سرور الآخذ بما يأخذه، وكان أجود الناس بالخير، يمينه كالريح المرسلة"(67) .
وقد حرص نبينا محمد صلى الله عليه وسلم على أن يجعل جُلّ ما يملك وقفاً لله تعالى، فكان أول الواقفين في الإسلام، فقد بدأ بنفسه صلى الله عليه وسلم؛ فأول صدقة موقوفة في الإسلام كانت على الراجح أراضي مخيريق(68) فقد رجح كثير من أهل العلم أن أول صدقة جارية (وقف) في الإسلام هي صدقة الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد حرص صلى الله عليه وسلم أن يبدأ بنفسه. قال الحافظ في الفتح: وفي مغازي الواقدي أن أول صدقة موقوفة كانت في الإسلام أراضي مخيريق التي أوصى بها إلى النبي فوقفها النبي صلى الله عليه
وسلم(69)
وأورد ابن سعد في طبقاته عن محمد بن كعب القُرظي أنه قال: " كانت الحُبُسُ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حبس سبعة حوائط بالمدينة: الأعوان، والصافية، والدلال، والميثب، وبرقة، وحسنى، ومشربة أم إبراهيم، قال ابن كعب: وقد حبس المسلمون بعد على أولادهم وأولاد أولادهم(70) " .
وعن مالك بن أَوس بن الحدثان، قال: فِيمَا احتجَّ به عمر رضي الله عنه أنه قال: "كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثُ صَفَايَا: بنُو النَّضير، وخيبر، وفدك. فأما بنو النَّضير فكانت حُبُسًا لنوَائبه، وأما فَدَكُ فكانت حُبُسًا لأبنَاءِ السَّبيلِ، وأَمَّا خيبر فجزّأَهَا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثلاثة أجزَاءٍ: جُزأينِ بين المسلمين، وجُزءًا نَفقةً لأهله، فما فضَلَ عن نفقة أهله جعلهُ بين فُقراء المُهاجرين(71) " .
قال النووي رحمه الله: "الأرض التي كانت للنبي صلى الله عليه وسلم بخيبر وفدك فقد سبَّلها في حياته، ونجز الصدقة بها على المسلمين"(72) .
ومن وقف النبي صلى الله عليه وسلم ما خصّه لابن السبيل، فعن عمرو بن الحارث قال: "ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم ديناراً ولا درهما ولا عبداً ولا أمة، إلا بغلته البيضاء التي كان يركبها وسلاحه، وأرضًا جعلها لابن السبيل صدقة"(73) .
قال الماوَرْدي: أرض الحجاز تنقسم لاختصاص رسول الله
بفتحها قسمين:
أحدهما: صدقات رسول الله — ’ — التي أخذها بحقَّيْهِ، فإنّ أحدَ حقَّيْهِ خُمُسُ الخُمُسِ من الفيء والغنائم.
والحقّ الثاني: أربعة أخماس الفيء الذي أفاءه الله على رسوله مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب، فما صار إليه بواحدٍ من هذين الحقَّيْن، فقد رضخَ منه لبعض أصحابه، وترك باقيه لنفقته وصِلَاتِه ومصالح المسلمين، حتى مات عنه — صلى الله عليه وسلم، فاختلف الناس في حكمه بعد موته، فجعله قوم موروثًا عنه ومقسومًا على المواريث ملكًا، وجعلَه آخَرون للإمامِ القائمِ مقامَه في حمايةِ البَيْضَةِ وجهادِ العدوّ.
والذي عليه جمهورُ الفقهاءِ أنّها صدقاتٌ محرَّمةُ الرّقاب، مخصوصةُ المنافعِ، مصروفةٌ في وجوه المصالح العامّة... فأمّا صدقاتُ النبيّ — عليه الصلاة والسلام — فهي محصورةٌ؛ لأنه قُبض عنها فتعيّنت، وهي ثمانية... " ثمّ عدّها، وهي:
أموالُ مخيريق، وهي سبعُ حوائط كما سبق. أرضُه من أموالِ بني النّضير، وهي أوّل مالٍ أفاءَه الله عليه. ثلاثة حُصون، من حصون خيبر الثمانية. النّصف من فَدَك. وقد بلغَت قيمة هذا النّصف ستّين ألف درهم بتقويمِ مالك بن التيّهان وسهْل بن أبي حَثْمَة وزيد بن ثابت رضي الله عنهم، قال الماوردي: "فصار نصفُها من صَدَقاتِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، ونصفُها الآخَر لكافّة المسلمين، ومصرفُ النّصفَيْن
الآن سَواء". الثلث من أرض وادي القرى. موضعُ سوقٍ بالمدينةِ يقالُ له (مهروذ)(74)
ولهذا كان الإقبال والحرص الشديد من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم على وقف أنفس ما يملكون، فشجرة الأوقاف الخيرية تمتد جذورها إلى رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم القدوة لصحابته، وقد بادر بالوقف، وجعل مصارفه فيما يُصلح الدين والدنيا، وحينما كان يحث صحابته على فعل الخير فإنه كان يسبقهم بالفعل والعمل.
المبحث الثاني: أوقاف رجال آل بيت النبيّ صلى الله عليه وسلم
أوّلاً: وقف علي بن أبي طالب رضي الله عنه
لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه أوقافٌ كثيرةٌ سردَها المؤرّخون وأصحابُ السِّيَر والتّواريخ وكتب البلدان، كما ذكروا أخباراً كثيرةً عن مآلاتها ووُلاتِها ومصارفها وما تعلّق بها من بعدِه من الحقوق والخُصومات والضياع والاسترجاع، وهي أخبارٌ تفيد بمجموعها القَطْعَ بأصول هذه الأوقاف، والتّحقُّق من صحّتها.
وقد ذكر الإمام الحُمَيْدي (ت 219ه) أنّه شَهِدَ في وقتِه اشتهارَ (يَنْبُع)(75) بكونها وقفًا لعليّ بن أبي طالب رضي الله عنه.
أخرج البيهقي — بسنده — إلى الحُميديّ، قال: " وتصدّق عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه بأرضِه بيَنْبُعَ، فهي إلى اليوم"(76) .
وقد آلَت لعليّ رضي الله عنه أملاكٌ كثيرةٌ بينبُع، بعضُها، بل جزؤُها الأهمّ،
أقطعَه إيّاها أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب رضي الله عنه، ثمّ ضمّ إليها أشياء أخرى بالشراء والاستصلاح وإحياء المَوَات، فوقَفَ كثيراً منها على وجوه مختلفة وبشروط متنوّعة.
عن جعفر بن محمّد عن أبيه: "أنّ عليّ بن أبي طالب قطع له عمر بن الخطّاب رضي الله عنهما يَنْبُعَ، ثمّ اشترى عليّ بن أبى طالب رضي الله عنه إلى قطيعة عمر رضي الله عنه أشياء، فحفر فيها عينًا، فبينا هم يعملون فيها إذ تفجّر عليهم مثل عنق الجزور من الماء، فأتى عليٌّ وبُشّر بذلك، قال: بشّر الوارث. ثمّ تصدّق بها على الفقراء والمساكين وفي سبيل الله وابن السّبيل، القريب والبعيد، وفي السّلم وفي الحرب، ليوم تبيضّ وجوه وتسودّ وجوه، ليصرف الله تعالى بها وجهي عن النّار ويصرف النّار عن وجهي"(77) .
وفي هذه الرواية الثابتة بشاهدَيْ التاريخ والحسّ، دليلٌ على إكرام عمر رضي الله عنه آلَ بيت النبي صلى الله عليه وسلم، فإكرامُه عليًّا — وهو أهلٌ لكلّ كرامةٍ — بهذا الإقطاع يدلُّ على ذلك بوضوح.
وقد جاء مزيدٌ من التّفصيلِ لهذه الصدقةِ بيَنْبُعَ، وما ضُمَّ إليها، فقد أخرجَ عبد الرزّاق من طريق أيّوب السختياني، أنّه أخذَ كتابَ صدقةِ عليٍّ رضي الله عنه من عمرو بن دينار،
وممّا ذُكر فيه موقوفًا مع يَنْبُعَ: ما يملكُه عليٌّ رضي الله عنه ب(وادي القرى)(78) و(الأَذْنِبَة)(79) و(رعْد)(80) ووقَفَ مع هذه الأراضي ما لَه فيها من مماليك، واستثنى بعضَهُم ممّن كان قد أعتَقَ قبْلَ ذلك من العاملين فيها(81)
قال أبو محمد ابن حزم: "إيقافه ينبع، وغيرها: أشهرُ من الشّمس"(82) ، وهذا يبرهنُ — كما أشرنا سابقاً — على أنّ هذه الأوقافَ مستغنيةٌ في أصلها عن الحاجةِ إلى صحّة السّند على رسم المحدّثين، فالشّهرة تغني عن ذلك.
ومن الأماكن التي ذُكرَت تفصيلاً في أوقاف عليٍّ رضي الله عنه بيَنْبُعَ وما حولَها:
البُغَيْبِغَة، وعين أبي نِيْزَر، وقَفَهُمَا لسنتين من خلافته(83) على فقراء المدينة وابن السبيل وذوي الحاجة من ذوي القربى، وشَرَطَ أنّ الحسن أو الحسين إن احتاجا، فلهما أن يبيعا(84) عين نولا، وهي التي يُقال إنّ عليًّا رضي الله عنه عَمِلَ فيها بيده(85)
عين الحدث، وعين البحير، وعين العصيبة، وكلُّها بيَنْبُع، ذكرها ابنُ شُبَّة(86)
وبعض المؤرّخين(87) يقول بالجمع: البُغَيْبِغَات، وهي عيون ماء كثيرة، منها: خيف الآراك، وخيف ليلى، وخيف بسطاس.
وممّا ذُكرَ تفصيلاً في أوقافِ عليٍّ رضي الله عنه بوادي القرى ومدينة العلا(88) :
عين ناقة، وعين حسن، وعين سكر، وعين موات.
وممّا ذُكر تفصيلاً بخيبر وما حولها(89) :
له بِحَرَّة الرّجلاء قُرْبَ خيبر:
وادي الأحمر، ووادي البيضاء، وخمسة(90) آبارٍ أسماؤُها: (ذات كَمَّاتٍ، وذوات العُشَرَاءِ، وقُعَيْنٌ، ومُعَيْدٌ، ورَعْوَان).
وله ب(فَدَك):
وادي ترعة، ووادي الأسحن، والقُصيبة، وهو مالٌ بناحيةِ فدك.
قال ابن شبّة عن القُصيبة: "كان عبد الله بن حسن بن حسن عامل عليه بني عمير مولى عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، على أنّه إذا بلغ ثمرُه ثلاثين صاعًا بالصّاعِ الأول فالصّدقة على الثلث، فإذا انقرض بنو عمير فمرجعه إلى الصدقة،
فذلك اليوم على هذه الحال بأيدي وُلاة الصدقة"(91)
وممّا ذُكر تفصيلاً بالمدينةِ وما حولَها(92) :
الفقيرين، بالعالية. بئر الملك، بقناة. الأَذْنِبَة في إِضَم. دار عليّ، قرب بقيع الغرقد. الفقير، موضعٌ بالمدينة. بئر قيس. الشجرة.
وأمّا وصيَّتُه بنظارتها وولايتها، فقال فيها — كما عند عبد الرزّاق —: "ثمّ يقوم على ذلك بنو عليٍّ بأمانةٍ وإصلاح، كإصلاحهم أموالَهم، يُزْرَعُ ويُصْلَحُ كإصلاحِهِم أموالَهم، ولا يُباع من أولادِ عليٍّ من هذه القُرى الأربعِ وَدِيَّةٌ واحدةٌ، حتى يَسُدَّ أرضَها غراسُها، قائمةً عمارتُها للمؤمنين أوّلهم وآخرِهم، فمن وَلِيَهَا من النّاسِ فأُذَكِّرُ اللهَ إلّا جَهِدَ ونصحَ وحفظ أمانتَه"(93) .
وقد تولّى أمرَها رضي الله عنه في حياته. قال الشافعيّ رحمه الله: "ولم يَزَلْ عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه يَلِي صدقتَه بيَنْبُعَ حتى لقي الله عز وجل
ولم تَزَلْ فاطمة عليها السلام تَلِي صدقَتَها حتى لقيت اللهَ تبارك وتعالى... أخبَرَنا بذلك أهلُ العلم من ولد فاطمة وعليّ وعمر ومواليهم"(94)
ثمّ ولّاها من بعدِه أبناءَه الحسن والحسين كما سبق آنفًا، وقد رصد المؤرّخون توارُثَ ذرّيتهم ولايتها ونظارتَها بعد ذلك(95) .
ثانياً: وقف العباس بن عبد المطلب وابنه عبد الله رضي الله عنهما
قال ابن شبة: "قال أبو غسان: تصدق العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه بحل له كان بيَنْبُعَ على عين يقال لها: عين جساس على شراب زمزم، فذلك الحق يقال له: السقاية؛ لأنه تصدق به على زمزم، وهو الثمن من تلك العين، وهو اليوم بيد الخليفة يوكل به"، ثم قال: "وتصدق عبد الله بن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنهما بمال بالصهوة، وهو موضع بين معن وبير حوزة على ليلة من المدينة، وتلك الصدقة بيد الخليفة يوكل بها"(96) .
المبحث الثالث: أوقاف نساء آل بيت النبيّ صلى الله عليه وسلم
أوّلاً: أوقاف فاطمة بنت النبيّ صلى الله عليه وسلم
ذكر الإمام الشافعيُّ رضي الله عنه عند حديثه عن الأوقاف التي آلت إلى ذرّيّة فاطمة رضي الله عنها، أنّها أوقفت في حياتها أوقافاً، فقال — كما نقل عنه البيهقي: "الوقف بالمدينة ومكة من الأمور المشهورة العامة؛ التي لا يحتاج فيها إلى نقل خبر الخاصة، وصدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم — بأبي هو وأمي — قائمة عندنا... وصدقة فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصدقة من لا أحصي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة وأعراضها..."(97) .
وقال الإمام الشافعي في «الأم»: "أخبرني محمد بن علي بن شافع قال: أخبرني عبد الله بن حسن بن حسين، عن غير واحد من أهل بيته — أحسبه قال: زيد بن علي: أنّ فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تصدّقت بمالها على بني هاشم وبني عبد المطلب، وأنّ عليّاً رضي الله عنه تصدّق عليهم وأدخل معهم غيرهم"(98) .
وذكر الرافعي في شرح الوجيز في معرض حديثه عن أحكام الوقف الصحيح: أنّ فاطمة رضي الله عنها أوقفت أوقافاً "لنساءِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، ولفقراء بني هاشم وبني عبد
المطلب"(99)
قال الإمام ابن حجر في «التلخيص»: "قوله: (وقفت فاطمة على نساء النبي صلى الله عليه وسلم وفقراء بني هاشم والمطلب)؛ ذكره الشافعي بسند فيه انقطاع؛ إلا أنهم من أهل البيت"(100) .
وذكر وقف فاطمة رضي الله عنها ابن حزم في معرض تعداده لأوقاف الصحابة رضي الله عنهم، وقال: "وحبس عثمان وطلحة والزبير وعلي بن أبي طالب وعمرو بن العاص دورهم على بنيهم، وضياعاً موقوفة، وكذلك ابن عمر، وفاطمة — بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم —، وسائر الصحابة، وجملة صدقاتهم بالمدينة أشهر من الشمس، لا يجهلها أحد... اختصرنا الأسانيد لاشتهار الأمر"(101) .
فهذا النص يدل على أن أوقاف فاطمة رضي الله عنها مشهورة شهرة بقية أوقاف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؛ لذا ذكرها أهل الفقه والآثار.
وذكر الإمام البيهقي عن الشافعي: أن فاطمة الزهراء رضي الله عنها قد تولّت الإشراف على صدقتها مدة حياتها، ولعل هذه الصدقة كانت معلومة معروفة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لقصر حياتها بعد النبي صلى الله عليه وسلم؛ التي لم تتجاوز ستة أشهر.
قال الإمام الشافعي: "أخبرنا بذلك أهل العلم من ولد فاطمة وعلي وعمر ومواليهم، ولقد حفظنا الصدقات عن عددٍ كثيرٍ من المهاجرين والأنصار، لقد حكى لي عدد كثير من أولادهم وأهليهم: أنهم لم يزالوا يلون صدقاتهم حتى ماتوا، ينقل ذلك العامة منهم عن العامة، لا يختلفون فيه، وأن أكثر ما عندنا بالمدينة ومكة من الصدقات كما وصفت..."(102) .
وهذا
النّقل يُفضي بنا عند البحث في ثبوت هذه الأوقاف، إلى أنّ الأرجح أنّه يُكتفى في إثباتها بالنّقل التاريخيّ العامّ، وهي شواهدُ محسوسةٌ أدركَتْها أجيال كثيرة العدد من النّاس، وتوارثَ الولاية عليها أعقابٌ كثيرةٌ من ذريّة الواقفين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته، فلا يقدح في ثبوتها ما نقلناه آنفاً من حكم الحافظ ابن حجر العسقلانيّ على سند الشافعيّ بالانقطاع، فإنّ ما كان من هذا السبيل لا يُرتَهَن ثبوتُه بسندٍ خاصّ، بل يُروى روايةً عامّةً في جملةِ التاريخ المتواتر، يدلُّ على ذلك عبارة الشافعيّ رحمه الله السابقة: "لقد حكى لي عددٌ كثيرٌ من أولادِهم وأهليهم: أنّهم لم يزالوا يَلُونَ صدقاتِهم حتى ماتوا، ينقل ذلك العامة منهم عن العامة، لا يختلفون فيه... اه
ثانياً: أوقاف أزواج النبي صلى الله عليه وسلم
وقف أم المؤمنين أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان رضي الله عنها
روى الخصّاف بسنده إلى عبدالله بن بشر: «قال: قرأت صدقة أم حبيبة بنت أبي سفيان زوج النبي صلى الله عليه وسلم التي بالغابة، أنها تصدقت على مواليها، وأعقابهم، وعلى أعقاب أعقابهم، حبسًا لاتباع ولاتوهب ولاتورث تخاصم من يورثها فأنفذت»(103) .
وقف أم المؤمنين صفية بنت حُيَيّ رضي الله عنها
روى الخصّاف بسنده إلى منبت المزني قال: «شهدت صدقة صفية بنت حُيَيّ رضي الله عنها بدارها لبني عبدان صدقة حبسًا لاتباع ولاتورث حتى يرث الله عز وجل الأرض ومن عليها»(104) .
وقف أم المؤمنين أم عبد الله عائشة بنت أبي بكر الصّدّيق رضي الله عنها
روى الخصاف بسنده إلى هاشم بن أحمد: «أنّ عائشة رضي الله عنها اشترت دارًا، وكتبت في شرائها: إني اشتريت دارًا، وجعلتها لما اشتريتها له، فمنها مسكن لفلان ولِعَقبه ما بقي بعده إنسان، ومسكن لفلان (وليس فيه: ولِعَقبه)، ثم يرد بعد ذلك إلى آل أبي بكر»(105) .
وقف أم سلمة هند بنت أبي أميّة رضي الله عنها
روى الخصّاف بسنده عن موسى بن يعقوب عن عمّته عن أبيها قال: «شهدت صدقة أم سلمة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم صدقة حبسًا لا تُباع ولا تُوهب»(106) .
المبحث الرابع: مجالات الوقف عند آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وأنواعه
إنّ من الأمور المهمّة لتصوُّر مكانة الوقف ومنافعه وقيمته في مرحلةٍ زمنيّةٍ ما، معرفةَ الوجوه التي اعتنى الواقفون بالوقف عليها، والمراد بالوجوه: الجهات والمصارف، فإنّ هذه المعرفة مع ما تقدّمه من الإضاءة التاريخيّة على طبيعة الحاجات والصعوبات الاجتماعيّة التي اهتمّ أثرياء الصحابة بمعالجتها وإعانة إخوانهم المسلمين على اجتيازها، فإنّها أيضاً تعين على إدراك منزلةِ الوقف في الحياة الاجتماعيّة عموماً، وما تعلّق به بالنسبةِ للواقفين من آمالٍ أخرويّة تتعلّق بالسعي إلى رضوان الله وطلب الأجر والحرص على جريان الثّواب بعد الموت، هذه الثنائيّة التي يمتازُ بها تصوُّر المسلم — عن غيره — لطبيعة هذا الوجود في الحياة الدنيا.
في هذا الجدول نحاول تقديم تلخيصٍ واختصار للأوقاف النبويّة وأوقاف آل البيت الكرام رضي الله
عنهم.
| م | الواقف | الوقف (الموقوف) | الموقوف عليه (مصارف الوقف) | نوع الوقف |
|---|---|---|---|---|
| 1 | النبي محمد صلى الله عليه وسلم | أرض خيبر أرض فدك | ابن السبيل وفقراء المهاجرين | خيري |
| 2 | فاطمة بنت النبي رضي الله عنها | أوقاف في المدينة | نساء النبي صلى الله عليه وسلم ولفقراء بني هاشم وبني عبد المطلب | مشترك |
| 3 | عائشة رضي الله عنها | دارها في المدينة | مسكن لفلان وعقيه ومسكن لفلان وليس لعقبه ثم يرد آل أبي بكر | مشترك |
| 4 | أم سلمة رضي الله عنها | دارها في المدينة | ||
| 5 | أم حبيبة رضي الله عنها | بستان الغابة في المدينة | مواليها، وأعقابهم، وأعقاب أعقابهم | خيري |
| 6 | صفية بنت حُيَيّ رضي الله عنها | دارها في المدينة | بنو عبدان | ذري |
| 7 | العباس بن عبد المطلب | حل له بينبع وعين جساس | بئر زمزم | خيري |
| 8 | عبد الله بن العباس | صهوة، موضع بين معن وبير | خيري | |
| 9 | علي بن أبي طالب رضي الله عنه | أراضٍ وآبار وعيون كثيرة بالمدينة وينبع والعلا ووادي القرى | الفقراء والمساكين وفي سبيل الله وابن السبيل، القريب والبعيد | مشترك |
الفصل الثاني: أوقاف صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم — رضوان الله عليهم — ومجالاتها
* المبحث الأول: أوقاف الصحابة رضي الله عنهم * المبحث الثاني: مجالات الأوقاف وأنواعها ومصارفها في عهد الصحابة الكرام رضي الله عنهم
المبحث الأول: أوقاف الصحابة رضي الله عنهم
ثبت في أحاديث صحيحة، وآثار كثيرة أن الصحابة — رضوان الله عليهم — رجالاً وإناثاً — قد أوقفوا الأراضي الثمينة، والأموال النفيسة ذات الدخول العظيمة، وهذا عرض لبعض هذه الروايات والأخبار، والقصد من ذلك ذكر نماذج لهذه الأوقاف، وليس الاستقصاء والحصر.
أولا: أوقاف الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم
وقف الخليفة الراشد أبي بكر الصديق رضي الله عنه
قال الخصَّاف: "رُوي أنّ أبا بكر الصدّيق رضي الله عنه حبس رِباعًا(107) كانت بمكّة وتركها، فلا يُعلم أنّها وُرثت عنه، ولكن يسكنها من حضر من ولده وولد ولده ونسله بمكة، ولم يتوارثوها"(108) .
وروى البيهقي — بسنده — عن عبد الله بن الزبير الحُمَيْدي: "وتصدّق أبو بكر الصّدّيق رضي الله عنه بداره بمكة على ولدِه، فهي إلى اليوم...(109) " .
وقولُ الحميدي: "فهي إلى اليوم" يدلّ على شهرةِ هذا الوقف، ومن المعلومِ أنّ قلّة ما وقَفَه أبو بكر رضي الله عنه يمكن أن يُعلّل بما عُلّل به كثيرٌ ممّا تركَه
من الأعمالِ الخاصّة والعامّة في السنتين ونيّف اللّتان قضاهما في الخلافة، لقصر المدّة، وكثرة المشاكل، وعُمْق المخاطر التي جابهها على قصر المدّة، فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيراً.
وعلى وفق ما وصفَ الخصّاف رحمه الله، فوقف أبي بكرٍ رضي الله عنه كان على ذرّيّته، لأنّ قولَه: «يسكنها من حضر من ولده وولد ولده ونسله بمكة، ولم يتوارثوها»، يعني أنّهم اشتركوا في منفعتها وهي السُّكنى عند الحاجةِ، ولم يتوارثوها ملكًا مخصوصاً لأحدهم.
وقف الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه
بعد ما مَلَكَ عمر رضي الله عنه أرضاً في خيبر، وكانت من أنفس وأجود ما حاز رضي الله عنه، استشار النبيَّ صلى الله عليه وسلم في صفة الصدقة بها، فأشار عليه النبي صلى الله عليه وسلم: «إنْ شئت حبست أصلها وتصدقت بها»؛ ففعل.
جاء في "الصحيحين" عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: أصاب عمر بخيبر أرضًا، فأتى النّبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقال: أصبت أرضًا لم أصب مالًا قطّ أنفس منه، فكيف تأمرني به؟
قال: « إن شئت حبّست أصلها وتصدّقت بها » .
فتصدّق عمر أنّه لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث في الفقراء، والقربى والرّقاب وفي سبيل الله والضّيف وابن السّبيل، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، أو يطعم صديقًا غير متموّل فيه(110) .
وهذا الوقف عدّه العلماء أول صدقةٍ موقوفةٍ في الإسلام، قال الإمام ابن حجر: "أول صدقة — أي موقوفة — كانت في الإسلام صدقة عمر رضي الله عنه"(111) .
وهذه الأوّليّة رُويَت في بعض الطرق من لفظ ابن عمر نفسِه، قال: "أوّل صدقةٍ كانت في الإسلام صدقةُ عمر"(112) ، وتعقّبها الحافظُ، فقال: "وروى عمر بن شُبّة عن عمرو بن سعد بن معاذ قال: سألنا عن أوّل حبس في الإسلام، فقال المهاجرون: صدقةُ عمر، وقال الأنصار: صدقةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي إسناده الواقدي. وفي "مغازي الواقدي" أنّ أوّل صدقةٍ موقوفة كانت في الإسلام أراضي مخيريق — بالمعجمةِ، مُصَغَّر — التي أوصى بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فوقَفَها النبيّ صلى الله عليه وسلم"(113) .
والأرجحُ — والله أعلمُ — أنّ أوّليّة صدقةِ عمر ليست مطلقةً، وإنّما سبقتها صدقةُ النبيّ صلى الله عليه وسلم من حيث الزمنُ، إلّا أنّ صدقةَ عمر رضي الله عنه كانت أوّل صدقةٍ مكتوبةٍ موثّقةٍ على نحوٍ مشهورٍ يتناقلُه النّاس، فلم يسبقها في الشّهرةِ مثلُها. ويُحتَمَلُ غير ذلك.
قال الحافظُ أَخْذًا من كون مُعَيْقِيبٍ الدَّوْسِيَّ هو كاتبُ وقفيّةِ عمر: «وهذا يقتضي أنّ عمر إنما كتب كتاب
وَقْفِه في خلافته، لأنّ معيقيبًا كان كاتبَه في زمن خلافته، وقد وَصَفَه فيه بأنّه أميرُ المؤمنين، فيحتمل أنْ يكون وَقَفَه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم باللّفظ، وتولّى هو النَّظَرَ عليه إلى أنْ حضرته الوصيّة فكتب حينئذ الكتاب، ويحتمل أنْ يكون أخّر وقفيّته، ولم يقع منه قبل ذلك إلا استشارتُه في كيفيّته»(114)
وإلى أسبقيّةِ صدقةِ النبيّ صلى الله عليه وسلم ذهب الخصّاف، وروى عن محمد بن كعب ما يفيد أنّ صدقة النبيّ صلى الله عليه وسلم تسبق صدقة عمر رضي الله عنه بنحو أربع سنوات(115) .
وقد اشتهرت صدقةُ عمر بعد ذلك، وصارت أصلاً لمشروعيّة الوقف في أصله، ولكثيرٍ من أحكامه.
روى البيهقي بسنده إلى الُحمَيْدِي: "وتصدَّقَ عمر بن الخطاب رضي الله عنه برَبْعِهِ عند المَرْوَةِ وبالثَّنِيَّةِ على ولده، فهي إلى اليوم"(116) .
وقال الإمام النووي: "والعمل على هذا — فعل عمر — عند عامّة أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم من المتقدمين، لم يختلفوا في إجازة وقف الأرض وغيرها من المنقولات، وللمهاجرين والأنصار أوقاف بالمدينة وغيرها، ولم ينقل عن أحدٍ منهم أنه أنكره، ولا عن واقف أنه رجع عما فعله لحاجة أو غيرها"(117) .
وكتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه أول وثيقة وقفية في الإسلام(118) وقد استند
كل من كتب كتاباً وقفه من الصحابة رضي الله عنهم على ما جاء في كتاب عمر رضي الله عنه، وهذا نصها:
"بسم الله الرّحمن الرّحيم هذا ما أوصى به عبد الله عمرُ أميرُ المؤمنين إنْ حدَثَ به حدَثٌ، أنّ ثَمْغًا وصِرْمَةَ بنِ الأكوع، والعبدَ الذي فيه، والمائة سهم التي بخيبر ورقيقَه الذي فيه، والمائة التي أطعمه محمّد — ’ — بالوادي، تليه حفصة ما عاشت، ثمّ يليه ذو الرّأي من أهلها، أن لا يباع ولا يشترى، ينفقه حيث رأى من السّائل والمحروم وذوي القربى، ولا حرج على من وَلِيَه إنْ أكل أو آكَلَ، أو اشترى رقيقا منه"(119) .
والجهة التي وقف عليها عمر رضي الله عنه قد نصّ عليها بكلّ وضوح، في السائل والمحروم وذوي القربى، وابن السبيل، وفي الفقراء والرّقاب والضّيف وفي سبيل الله، فهو وقفٌ خيريٌّ على عدّة مصالح تتسم بالعموم وشدّة الحاجة.
وقف الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه
وقف أمير المؤمنين عثمان بن عفّان رضي الله عنه من أبقى الوقوف، التي يراها الزائرُ للمدينةِ المنوّرة عياناً إلى يوم النّاس هذا، وقصّة وقْفه ل"بئر رُومة" مشهورٌ، في يومٍ كان النّاس إليها أحوجَ ما يكونون، فسبق رضي الله عنه إلى الفضل، بما وفّقه الله
إليه وفضّله به من قوّة الإيمان، والاقتدارِ الماليّ.
عندما حُصِرَ عثمانُ رضي الله عنه في بيتِه من الخوارجِ، ورأى أنّ الأمّة قد نبتت فيها نابتةٌ جاحدةٌ لا تعرفُ الفضلَ لأهلِه ولا تُدْرك قيمةَ السابقين الأوّلين، ورمَتْ عثمانَ رضي الله عنه بالعظائمِ المكذوبةِ عليه، رأى رضي الله عنه أنْ يذكّرهم ببعضِ مقاماتِه مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فكان ممّا ذكرَه حادثةُ وقْفِه لبئر رومة، استجابةً لترغيبِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحريضِه.
عن ثمامة بن حَزْن القشيري، قال: «شهدتُ الدّار حين أشرف عليهم عثمان، فقال: ائْتوني بصاحبَيْكم اللّذَيْن أَلَّبَاكم عَلَيَّ. قال: فجيء بهما، فكأنّهما جملان أو كأنّهما حماران قال: فأشرف عليهم عثمان، فقال: أنشدكم بالله والإسلام هل تعلمون أنّ رسول الله قدم المدينة وليس بها ماء يُستَعْذَبُ غير بئر رُوْمَةَ، فقال رسول الله من يشتري بِئْرَ رُوْمَةَ فيجعل دلوه مع دِلاء المسلمين بخير له منها في الجنة؟ فاشتريتُها من صُلْبِ مالي، فأنتم اليومَ تمنعوني أنْ أشربَ منها حتى أشرب من ماء البحر؟ قالوا: اللهمّ نعم. فقال: أنشدكم بالله والإسلام، هل تعلمون أنّ المسجد ضاقَ بأهله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يشتري بقعة آل فلان فيزيدها في المسجد بخير له منها في الجنة؟ فاشتريتُها من صُلْبِ مالي، فأنتم اليوم تمنعوني أن أصلّي فيها ركعتين؟ قالوا: اللهمّ نعم. قال: أنشدكم بالله وبالإسلام، هل تعلمون أنّي جهَّزْتُ جيش العُسْرَةِ من مالي؟ قالوا: اللهمّ نعم. ثمّ قال: أنشدكم بالله والإسلام، هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على ثَبِيْرِ مكة، ومعه أبو بكر وعمر وأنا، فتحرّك الجبل حتى تساقَطَتْ حجارته بالحضيض، قال: فركَضَه برِجْلِه وقال: اسكُنْ ثَبِيْر! فإنّما
عليك نبيٌّ وصِدِّيقٌ وشهيدان؟ قالوا: اللهم نعم. قال: الله أكبر، شَهِدُوا لي وربّ الكعبةِ أنّي شهيدٌ ثلاثا(120)
والمشهورُ المجزومُ به أنّ عثمان رضي الله عنه اشتراها ووَقَفَها، فقد كانت قبل ذلك بئرًا قائمةً، وتعبيرُ بعضِ الرواةِ بأنّ عثمان قد حفرَهَا(121) ، محمولٌ على أنّ ذلك كان توسعةً وتحسينًا وتجويداً لها، قال الحافظ: «روى البغوي في "الصحابة" من طريق بِشْر بن بشير الأسلمي عن أبيه قال: لما قدم المهاجرون المدينة استنكروا الماء، وكانت لرجل من بني غفار عين يقال لها "رُوْمَةُ"، وكان يبيع منها القِرْبَةَ بِمُدٍّ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: « تبيعُنِيها بعَيْنٍ في الجنّةِ؟ ». فقال: يا رسول الله، ليس لي ولا لعيالي غيرُها. فبلغ ذلك عثمان رضي الله عنه، فاشتراها بخمسة وثلاثين ألف درهم، ثمّ أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: أتجعل لي فيها ما جعلتَ له؟ قال: « نعم ». قال: قد جعلتُها للمسلمين. وإنْ كانت أوّلًا عَيْنًا، فلا مانع أنْ يحفر فيها عثمان بئرًا، ولعلّ العَيْنَ كانت تجري إلى بئرٍ، فوسّعها وطَوَاها فنُسِبَ حفرها إليه»(122) .
وقد وردت عند الترمذي — وغيره — روايةٌ صحيحةٌ تُفيدُ الوجه الذي وَقَفَ عليه عثمانُ رضي الله عنه، ففيها قولُه عن بئر رُوْمَة: «فجعلتُهَا للغنيِّ والفقيرِ وابنِ السّبيل»(123) .
فهذا الحديثُ بمختلف رواياته، يتّضح لنا منه ثلاثُ مناسباتٍ عظيمةٍ بذلَ فيها عثمانُ رضي الله عنه مالَه في سبيلِ الله، منها اثنتان في باب الوقف، وهما بئر رُوْمَة، والبقعة التي زادها في المسجد، والثالثة كانت إنفاقاً مباشراً على الجهادِ في سبيل الله تعالى، بتجهيزِه جيشَ العُسْرَةِ.
وأمّا عن قيمةِ ما بذلَه ثمنًا لبِئْرِ رُوْمَةَ، فاختلفت الروايات، فرُوي(124) : ثلاثون ألف درهم، وعشرون ألف درهم، واثنا عشر ألف درهم، بل قيل: مائة ألف درهم!
ثانيًا: أوقاف بقيّة العشرة المبشّرين بالجنّة
رُوي الوقف عن الخلفاء الراشدين جميعاً كما سبق، وعن اثنين من بقيّة العشرة، رضي الله عن الجميع، وهم:
وقف الزبير بن العوّام رضي الله عنه
عن عروة بن الزبير، قال: إنّ الزبير «جعل دُوْرَه صدقةً على بنيه، لا تباع ولا تورث، وأنّ للمردودةِ من بناتِه أنْ تسكن غيرَ مُضِرَّةٍ ولا مُضَرٍّ بها، فإن هي استغنت بزوج، فلا حقّ لها»(125) .
وروى البيهقي عن الحُمَيْدِي ما يُفيدُ بأنّ أوقافَ الزبير كانت كثيرةً مشهورةً وباقيةً إلى وقته، قال: «وتصدّق الزبير بن العوّام رضي الله عنه بداره بمكة في الحراميّةِ، ودارَه بمصر، وأموالَه بالمدينةِ على ولدِه، فذلك إلى اليوم»(126) .
وواضحٌ من هاتين الرّوايتين أنّ وقف الزبير رضي الله عنه كان على ذريّته.
وقد وصفَ عمر بن شُبّة بالتفصيل ما كان من هذه الصدقات بالمدينةِ، وبيّن من كان يسكن في كلّ دارٍ منها من آل الزبير، فقال: «استقطع الزبير النبيَّ صلى الله عليه وسلم البقيعَ فقطعه، فهو (بقيع الزبير)، ففيه من الدور للزبير: دار عروة بن الزبير، وهي التي فيها المجزرة، ثم خلفها في شرقيّها دارُ المنذر بن الزبير إلى زقاق عروة، فيها يسكن بنو محمد بن فليح بن المنذر، وفيه دار مصعب بن الزبير، وهي الدّار التي على يسارك إذا أردت بني مازن، إلى جنب دار الحجارة، وهي بأيدي بني مصعب اليوم، وفيه دار آل عكاشة بن مصعب بن الزبير، وهي الدّار التي على باب الزقاق الذي فيه الكُتَّاب الذي يخرجك إلى دور نفيس بن محمد — يعني مولى بني المعَلَّى في بني زريق من الأنصار —، وفيه دار آل عبد الله بن الزبير التي كان فيها صِدّيق بن موسى الزبيري، وأديارُها لبني المنذر، فيها بيت أبي عود الزبيري وابنه، ثم دار عبد الله، ممدودة إلى دار أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما، وفيه بيت نافع بن ثابت بن عبد الله بن الزبير الذي يفترق عُلْوَه الطريقان، كل هذا صدقة من الزبير بن العوام وتجويز منه لولده(127) » .
وقف سعد بن أبي وقّاص رضي الله عنه
عن عامر بن سعد، عن أبيه، قال: عادني النبي صلى الله عليه وسلم في حَجّة الوداع، من وجع أشفَيْتُ منه على الموت، فقلت: يا رسول الله! بلغ بي من الوجع ما ترى، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة لي واحدة، أفأتصدق بثُلُثَيْ مالي؟ قال: « لا ». قلت: أفأتصدق بشطره؟ قال: « لا ». قلت: فالثلث؟ قال: « والثلث كثير، إنّك أنْ تَذَرَ ورَثَتَك أغنياء، خير من أنْ تَذَرَهم عالَةً يتكفّفون النّاس، ولستَ تنفق نفقةً تبتغي بها وجه الله إلا أُجِرْتَ بها، حتى اللقمة تجعلها في في امرأتك ». قلت: يا رسول الله! أأخَلَّفُ بعد أصحابي؟ قال: « إنّك لن تُخَلَّفَ، فتعمل عملًا تبتغي به وجه الله، إلا ازدَدْت به درجة ورفعة، ولعلّك تُخَلَّفُ حتى ينتفع بك أقوام ويُضَرَّ بك آخرون، اللهم أمضِ لأصحابي هجرتهم، ولا تردّهم على أعقابهم، لكن البائس سعد ابن خولة »، رثى له رسول الله صلى الله عليه وسلم أنْ توفّي بمكة(128) .
والواقعُ يشهدُ أنّ سعدًا رضي الله عنه أخذَ الصدقةَ على عمومها، فلم يجعل تَصَدُّقَه قاصراً على بذل المال بتمليكِ رقبتِه إلى الغير، بل أدخلَ في ذلك الوقف، فحبسَ دُوْرَه على ولدِه، قال الحميدي: «وتصدّق سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه بداره بالمدينة وبداره بمصر على ولده، فذلك إلى اليوم»(129) ، وهذا وقفٌ على الذريّة كما هو واضحٌ(130) .
وقد تعلّقت بهذا الوقف واقعةٌ ذكرها الخصاف بسنده عن الواقديّ،
قال: حدّثنا محمد بن نجاد بن موسى بن سعد بن أبي وقّاص، عن عائشة بن سعد قالت: صدقةُ أبي حبسٌ لا تباع ولا توهب ولا تورث، وأنّ للمردودة من ولده أن تسكن غير مُضِرَّةٍ ولا مُضَرٍّ بها، حتى تستغني.
قال الواقدي: فتكلّم فيها بعض وَرَثَتِه يجعلونَها ميراثًا، فاختصموا إلى مروان بن الحكم، فجمع لها أصحابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنفذها على ما صنع سعد(131) .
ثالثاً: أوقاف بقيّة الصحابة رضي الله عنهم
وقف أنس بن مالك رضي الله عنه
وقَفَ رضي الله عنه داراً له بالمدينةِ، فكانَ إذا حَجَّ مرَّ بالمدينةِ فنزل دارَه. قال البخاري: «وأَوْقَفَ أنسٌ داراً، فكان إذا قَدِمَ نزلها»(132) .
قال الحافظ موضّحًا دَلالةَ فعلِ أنسٍ وصِلتَه بترجمة البخاري — المذكورة في الهامش —: «هذه الترجمةُ معقودةٌ لمن يشترط لنفسِه من وقْفِه منفعةً، وقد قيّد بعض العلماء الجوازَ بما إذا كانت المنفعةُ عامَّةً... وهو موافق لما تقدّم عن المالكيّة أنّه يجوز أنْ يَقِفَ الدّار ويستثني لنفسِه منها بيتًا»(133) .
والحافظُ بالإحالةِ على المالكيّة يُشيرُ إلى مسألة مُثارةٍ عندهم، وهي
أنّ الوقْف عندهم وعند غيرهم يحتاجُ إلى أن يُحازَ عن الواقف ويخرج عن يده، كما قال اللّخمي: "الأحباسُ تفتقرُ إلى حَوْزٍ، كالهبات"(134) وقال ابن رشد: "الحيازةُ من تمام التّحبيس التي لا يصحّ القضاء به دونَها؛ اذ لا يصحّ لحاكم أن يحكم بمعيَّن إلا بعد أن يتعيّن عنده بالحيازة، هذا ما لا اختلاف فيه ولا ارتياب في صحّته"(135)
وبناءً على هذا، فقد ثارت مسألةُ ما إذا وَقَفَ الإنسانُ على من في حَجْرِهِ وتحت ولايته، فهل يلزمُ أنْ يقبضَ نيابةً عنه ويصحُّ قبضُه؟ أم لا بدّ من إخراجه عن يده؟ وممّا ترتّب على ذلك أيضاً: ما إذا وَقَفَ على وجهٍ، ثمّ أرادَ أن ينتفع مع النّاسِ في ذلك الوجه، فهل يصحُّ ذلك؟ أم يكونُ ذلكَ إبطالاً منه للحيازةِ، وبالتالي: رجوعاً منه في الوقف؟ هذا الذي أشار إليه الحافظ، وهو الذي يقرّر ابن رشد وغيره صحّته، كما في قوله: «مسألة: قال مالك: من حبس دارًا في سبيل الله، أو سلاحًا، أو دابّةً، فأنفَذَ ذلك في تلك الوجوه زمانًا، ثم أراد أن ينتفع به مع الناس، قال: إنْ كان ذلك من حاجةٍ فلا أرى بذلك بأسًا.
قولُه: "ثم أراد أن ينتفع به مع الناس"، معناه: ينتفع به فيما سَبَّله فيه من السبيل، لا فيما سِوى ذلك من منافعه، فلهذا لم يَرَ بذلك بأسًا إذا فعل ذلك من حاجة؛ لأن الاختيار فيما جُعِلَ في السبيل ألا يعطى فيه إلَّا لأهل الحاجة إليه، فإذا احتاج إليه في السبيل فاستعمله فيه لم يكن ذلك رجوعًا منه فيما حبّسه، ولا عَوْدًا منه في صدقته، والله أعلم»(136) .
ووقف أنسٍ هذا، لم تكشف الروايةُ ما إذا كانت دارُه موقوفةً على ذرّيّته، أو لسُكْنى المحتاجين من أبناء السبيل، ونحو ذلك، فجهة الوقف مبهمة.
وقف جابر بن عبد الله رضي الله عنهما
قال الخصّاف: «حدّثنا محمد بن عمر الواقدي، قال: حدّثنا سالم مولى ثابت، عن عمر بن عبد الله العبسي، قال: دخلتُ على محمّد بن جابر بن عبد الله في بيتٍ له، فقلت: حائطُك الذي في موضع كذا وكذا، قال: ذلك حبسٌ من أبي جابر، لا يُباع ولا يُوهب ولا يُورَث»(137) .
ولم تكشف الروايةُ جهةَ الوقف، إلّا أنّ السائل قال لمحمّد بن جابر: "حائطك" بالإضافةِ إليه، يُشعر أنّه كان مختصًّا به كاختصاصِ المالكِ، وأنّه هو الذي يتولّى أمره، فالأقربُ أنّه وقفٌ من جابر رضي الله عنه على ذريّته، والله تعالى أعلم.
وقف حكيم بن حزام رضي الله عنه
قال ابن شبة: «واتّخذ حكيم بن حزام دارَه الشّارعةَ على البلاطِ إلى جنبِ دار مطيع بن الأسود، بينَهما وبين دار معاوية بن أبي سفيان، يحجز بينهما وبين دار معاوية الطريق، فوقَفَها، فهي بأيديهم اليوم. قال أبو غسان: حدّثنا الواقدي، عن عيسى بن محمد، مولى لفاطمة بنت عبيد، عن حكيم بن حزام: أنّه حبس دارَه، لا تُباع ولا توهب ولا تورَث»(138) .
وهذه الدّار ذكرها ابن شبّة في جملة دُوْر بني أسد التي بالمدينةِ(139) .
وقف خالد بن الوليد رضي الله عنه
امتدح رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد رضي الله عنه على وقفه أعتُدَه وأدراعه في سبيل الله تعالى.
عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصّدقة، فقيل: منع ابن جميل، وخالد بن الوليد، وعبّاس بن عبد المطّلب فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: « ما ينقم ابن جميل إلّا أنّه كان فقيرًا فأغناه الله ورسوله، وأمّا خالد: فإنّكم تظلمون خالدًا، قد احتبس أدْرَاعه وأعْتُدَه في سبيل الله، وأمّا العبّاس بن عبد المطّلب، فعمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهي عليه صدقةٌ ومثلُها معها(140) » .
الأَعْتُدُ: جمعُ عَتَدٍ، وأَعْتَادٌ جمعٌ للجمعِ (أعتُدِ)، وبه جاء لفظ مسلم، والمعنى: ما يُعدُّه الرجل من الدّوابّ والسّلاح، وقيل: هو الخيل خاصّة. يُقال: فرسٌ عتيدٌ: أي صَلْبٌ، أو مُعَدٌّ للركوب، أو سريع الوثوب(141) .
قال النّووي: «ومعنى الحديث: أنّهم طلبوا من خالد زكاة أعتاده ظنًّا منهم أنّها للتجارة، وأنّ الزكاة فيها واجبة، فقال لهم: لا زكاة لكم عليّ، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إنّ خالدًا منع الزكاة، فقال لهم: إنّكم تظلمونه لأنّه حبسها ووَقَفَها في سبيل الله قبل الحول عليها، فلا زكاة فيها، ويحتمل أنْ يكون المراد: لو وجبت عليه زكاة لأعطاها ولم يشحّ بها، لأنه قد وقف أمواله لله تعالى متبرّعًا، فكيف يشحُّ بواجبٍ عليه»(142) .
واستدل أهل العلم بهذا الحديث — من جملة ما استدلوا — على جواز وقف كلّ ما جاز بيعُه والانتفاعُ به مع بقاء عينه، وكان أصلاً يبقى بقاءً متصلاً؛ كالعقار، والحيوان، والسلاح، والأثاث، وأشباه ذلك(143) .
وفي الحديث بيان لفضيلة من فضائل خالد بن الوليد رضي الله عنه، أنْ دافع عنه النبي صلى الله عليه وسلم، وردّ ما قيل عنه، وامتدح وقْفَه لأدْرَاعِه وأعْتَادِه.
وعن عمرو بن عبد الله بن عنبسة قال: سمعت محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان يقول: «لم يزل خالد بن الوليد مع أبي عبيدة حتى توفي أبو عبيدة، واستخلف عياض بن غنم الفهري، فلم يزل خالد معه حتى مات عياض بن غنم، فاعتزل خالد إلى ثغر حمص فكان فيه ، وحبس خيلاً وسلاحاً، فلم يزل مقيماً مرابطاً بحمص حتى نزل به، فدخل عليه أبو الدرداء عائداً له، فقال خالد بن الوليد: إن خيلي التي حبست في الثغر وسلاحي هو على ما جعلتُه عليه عدة في سبيل الله قوة يُغزَى عليها، وتُعلف من مالي، وداري بالمدينة صدقة حبس لا تباع ولا تورث، وقد كنت أشهدت عليها عمر بن الخطاب ليالي قَدِمَ الجابية، وهو كان أمرني بها، ونعم العون هو على الإسلام»(144) .
وقف زيد بن ثابت رضي الله عنه
أخرج البيهقي بسنده عن الإمام مالك رضي الله عنه، أنّ زيد بن ثابت رضي الله عنه كان قد حبس دارَه التي في البقيع، ودارَه التي عند المسجد، وكتب في كتاب حبسه على ما حبس عمر بن الخطاب رضي الله عنه. قال مالك: وحَبْسُ زيد بن ثابت عندي.
قال: وكان زيد بن ثابت رضي الله عنه يسكن منزلًا في دارِه التي حبس عند المسجد حتى مات فيه(145)
وقول مالك رحمه الله: «وحَبْس زيد بن ثابت عندي»، يعني أنّ بين يديه كتاب الحَبْس، وقد اطّلع على ما كتبَ زيدٌ رضي الله عنه، فهي وِجَادةٌ(146) صحيحةٌ وإنْ لم يَلْقَ مالكٌ زيدًا ولا أدركَه، إذا صحّ السّند إلى مالك، وقد قدّمنا في مواضع سابقةٍ أنّ ثبوت الأوقافِ مبنيٌّ على شاهدَي التاريخ والحسّ والتّسامُع بالإضافةِ إلى الرواية المسندةِ على رسم المحدّثين.
وجهة وقفِ زيدٍ، مستفادةٌ من إحالتِه رضي الله عنه على وقفيّة عمر رضي الله عنه.
وقف أبي طلحة زيد بن سهل رضي الله عنه
أبو طلحة الأنصاري، هو زيد بن سهل بن الأسود رضي الله عنه، وهو من أكثر الأنصار مالاً، كانت له مزرعةٌ تسمّى (بَيْرُحاء) من أحبّ أموالِه إلى قلبِه، في أرضٍ ظاهرةٍ مقابلةٍ لمسجدِ النبيّ صلى الله عليه وسلم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشربُ من ماءٍ فيها عذْبِ المذاق.
تحرّكَ قلبُ أبي طلحةَ رضي الله عنه إلى بذلِ هذا المال في سبيلِ الله مع نَفاسَتِه،
مدفوعاً بقولِه تعالى: لَن تَنَالُواْ ٱلۡبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَۚ [آل عمران: 92].
عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالًا من نخلٍ، وكان أحبَّ أمواله إليه بَيْرُحَاء، وكانت مستقبلةَ المسجد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيّب. قال أنس: فلما أنزلت هذه الآية: ﴿ لَن تَنَالُواْ ٱلۡبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَۚ ﴾، قام أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إنّ الله تبارك وتعالى يقول: ﴿ لَن تَنَالُواْ ٱلۡبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَۚ ﴾، وإنّ أحبَّ أموالي إليّ بَيْرُحَاء، وإنّها صدقةٌ لله، أرجو بِرَّها وذُخْرَهَا عند الله، فضَعْهَا يا رسول الله حيث أراك الله. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « بخٍ، ذلك مالٌ رابحٌ، ذلك مالٌ رابحٌ، وقد سمعتُ ما قلتَ، وإنّي أرى أن تجعلها في الأقربين ». فقال أبو طلحة: أفعلُ يا رسول الله، فقَسَمَها أبو طلحة في أقاربِه وبني عمّه(147) .
وقال البخاري في «صحيحه»(148) : قال ثابت: عن أنس، قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي طلحة: « اجعلها لفقراء أقاربك »، فجعلها لحسّان، وأُبَيّ بن كعب وقال الأنصاريّ: حدثني أبي، عن ثمامة، عن أنس، مثل حديث ثابت، قال: « اجعلها لفقراء قرابتك »، قال أنس: فجعلها لحسان، وأُبَيّ بن كعب، وكانا أقربَ إليه منّي.
وقد بيّن الحافظُ أنّها لم تكن حكراً على حسّان وأُبَيّ رضي الله عنهما فقط، بل كان
معهما آخرون، قال: «وقد تمسّك به من قال: أقلّ من يُعطى من الأقارب إذا لم يكونوا منحصرين اثنان، وفيه نظر، لأنّه وقع في رواية الماجشون عن إسحاق: فجعلَها أبو طلحة في ذي رَحِمِه، وكان منهم حسّان وأُبَيّ بن كعب. فدلّ على أنّه أعطى غيرَهما معهما. ثم رأيت في مرسل أبي بكر بن حزم: فرَدَّه على أقاربه؛ أُبَيّ بن كعب، وحسّان بن ثابت، وأخيه أو ابن أخيه شدّاد بن أوس، ونَبِيْطِ بن جابر، فتقاوَموه، فباع حسّان حصّتَه من معاوية بمائة ألف درهم»(149)
وهذه الصدقةُ حملَها جماعةٌ من أهلِ العلمِ على الوقف، من غير أن ينتفي تماماً احتمالُ أن تكونَ صدقةَ تمليك.
قال الخطّابي: «وفي الحديث دليل على أنّ الوقف يصحّ وإنْ لم يذكر سُبُلَه ومصارفَ دخلِه».
وقال الحافظ: «واستُدِلّ به على مشروعية الحبس والوقف خلافًا لمن منع ذلك وأبطلَه، ولا حجّة فيه، لاحتمال أن تكون صدقةُ أبي طلحة تمليكًا»(150) .
وواضحٌ من كلامِ الحافظِ، أنّه يردُّ الاستدلالَ به على مشروعيّةِ الوقف لأجل تطرُّق الاحتمال، لا لأجلِ أنّه يجزمُ بأنّها صدقةُ تمليك.
ومن جميلِ ما أفادَه الحافظ من الحديث قولُه: «وفيه فضيلةٌ لأبي طلحة، لأنّ الآية تضمّنت الحثّ على الإنفاقِ من المحبوب، فترقّى هو إلى إنفاقِ أحَبِّ المحبوب، فصوّب صلى الله عليه وسلم رأيَه، وشكر عن ربّه فعلَه، ثمّ أمرَه أنْ يخصّ بها أهَله، وكَنَّى عن رضاه بذلك بقوله: بَخٍ!»(151) .
وقف سعد بن عبادة رضي الله عنه
أراد سعد بن عبادة رضي الله عنه أن يبرّ أمّه بعد وفاتها، فيرتّب لها صدقةً يجري عليها أجرُهَا وثوابُها، فاسترشدَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر، فأرشدَه إلى أن يكون (الماء) هو موضوعُ صدقتِه، فإنّه من أفضل الصدقة، لا سيما إذا انضمّ إلى ذلك أنْ يوافقَ التصدُّق بالماء حاجةَ النّاس عند شُحّ الماء، أو في البلدان الحارّة التي يكثُر الطّلب فيها عليه حتى مع توفُّره.
عن سعد بن عبادة رضي الله عنه، أنّه قال: يا رسول الله، إنّ أمّ سعدٍ ماتت، فأيُّ الصّدقةِ أفضل؟ قال: « الماء »، قال: فحفر بئرًا، وقال: هذه لأمّ سعد(152) .
ورواه الحسن رحمه الله بما يفيدُ أنّ تلك البئرَ كانت ماثلةً يستقي منها النّاسُ بعد ذلك، مشهورة معروفة، قال قتادة: سمعتُ الحسن يحدّث عن سعد بن عبادة أنّ أمّه ماتت، فقال: يا رسول الله، إنّ أمّي ماتت، أفأتصدّق عنها؟ قال: « نعم »، قال: فأي الصدقة أفضل؟ قال: « سَقْيُ الماء » . فتلك سِقَاية سعدٍ بالمدينة(153) ، وفي لفظ أحمد: «فتلك سقاية آل سعدٍ بالمدينةِ»(154) .
والحسنُ رحمه الله لم يَلْقَ سَعد بن عبادة ولم يسمع منه(155) فهو يحدّث عمّا رآه
مشهوراً في وقتِه منسوباً إلى سعد بن عبادة من الصّدقة.
وفي هذا الحديث فضيلةٌ لسعد، لحُسْن استجابتِه لما أُرشد إليه، ولحرصِه على برّ أمّه بما أجرى من الصدقةِ عنها بعد مماتها.
والمشهور أنّ سعدًا رضي الله عنه قد أوقَفَ عن أمّه حائطًا في الأصل، فعن ابن عبّاس رضي الله عنهما أنّ سعد بن عبادة أخا بني ساعدة توفّيت أمّه وهو غائبٌ عنها، فأتى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إنّ أمّي توفّيت وأنا غائبٌ عنها، فهل ينفعُها شيءٌ إن تصدَّقْتُ به عنها؟ قال: « نعم ». قال: فإنّي أُشهدك أنّ حائطي المخراف صدقةٌ عليها(156) .
قال الحافظ: «قوله: المخراف، بكسر أوّله وسكون المعجمة، وآخره فاء، أي: المكان المثمر، سُمّي بذلك لما يُخْرَفُ منه، أي: يُجْنَى من الثمرة، تقول: شجرةٌ مِخْرافٌ ومِثْمَارٌ، قاله الخطابي. ووقع في رواية عبد الرزاق: المِخْرَفُ — بغير ألف —، وهو اسمُ الحائط المذكور، والحائط: البستان»(157) .
وقف أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر رضي الله عنه
قال ابن شُبّة في وصفه لبعض دُوْر المدينة: «اتّخذ أبو هريرة الدوسيُّ، صاحبُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنه دارًا بالبلاط، بين الزّقاق الذي فيه دار عبد الرحمن ابن الحارث بن هشام، وبين خطّ البلاط الأعظم، فباعَها ولدُه من
عمر بن بزيع، وكان يسكنها موالي أبي هريرة فخرجوا منها وأرضاهم ابن بزيغ، وبناها اليوم، وقال الواقديُّ... عن نُعَيْم بن عبد الله قال: شهدت أبا هريرة رضي الله عنه تصدّق بدارِه حبيسًا»(158)
فإنْ كانت هذه الدار الموقوفةُ هي التي باعها ابنُه، فالظاهر أنّه كان وقَفَها رضي الله عنه على ذرّيّته ومواليه، واشترطَ أنّ أولادَه إنْ احتاجوا باعوها، فكان ذلك، والله أعلم.
وقف عبد الله بن عمر رضي الله عنهما
كان من خبر عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أنّه لا يعجبُه شيءٌ من ماله إلّا قدّمه لله.
عن نافع مولى ابن عمر، قال: «كان عبد الله بن عمر يشتري السّكّر، فيتصدّق به، فنقول له: يا أبا عبد الرحمن لو اشتريتَ لهم بثمنِه طعامًا كان أنفع لهم من هذا، فيقول: إنّي أعرف الذي تقولون، ولكني سمعت الله، يقول: ﴿لَن تَنَالُواْ ٱلۡبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَۚ﴾، وإنّ ابنَ عمر يحبّ السّكّر»(159) .
وفي مناسبةٍ أخرى، بلغ من سرعةِ استجابتِه ما رواه مجاهد، قال: «قرأ ابن عمر وهو يصلّي، فأتى هذه الآية: ﴿لَن تَنَالُواْ ٱلۡبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَۚ﴾. قال: فأعتق جاريةً له وهو يصلّي! أشار بيدِه إليها»(160) .
وهذه الجارية كانت جاريةً روميّةً له يحبّها حبًّا جمًّا،
وردت تسميتها في بعض الروايات رُمَيْثَة(161) وفي بعضها مرجانة(162)
وعلى هذا، فلم يكن ابن عمر لتفوته سنّة الوقف، فقد جعل ابنُ عمر نصيبَه من دار عمر سُكنى لذوي الحاجةِ من آل عبد الله(163) .
وقال ابن سعد — بسنده — عن نافع: «تصدّق ابن عمر بداره محبوسةً لا تباع ولا توهب، ومن سكنها من ولده لا يخرج منها، ثمّ سكنها ابن عمر»(164) .
وعلى هذا يكون وقْفُه على الذريّة، ومعنى أنّه سكنَهَا، أي سكَنَ جزءًا منها، كما تقدّم في صنيعِ زيدِ بن ثابت وأنس بن مالك، رضي الله عنهم جميعاً.
وقف عقبة بن عامر رضي الله عنه
أخرج الخصّاف — بسنده — عن أبي سعاد الجهني، قال: أشهَدَنِي عقبةُ بن عامر على دارٍ تصدّق بها حبسًا، لا تُباع ولا تُوهب ولا تُورث، على ولده وولد ولده، فإذا انقرضوا فعلى أقرب النّاس منّي، حتى يرث الله الأرضَ ومن عليها(165) .
وعلى هذا يكون وقْفُه رضي الله عنه على الذريّة.
وقف عمرو بن العاص رضي الله عنه
كان عمرو بن العاص رضي الله عنه يملك موضعًا شهيراً يقال له (الوَهْطُ)، وقد جعلَه وقْفًا.
والوَهْطُ: قريةٌ بالطّائف، فيها كَرْمٌ عظيمٌ لعمرو بن العاص رضي الله عنه، كان يُعَرَّشُ على ألفِ ألفِ خشبة! حتى إنّه لمّا جُمِعَ زَبيبُه في وسطه، وصادفَ ذلك الوقتُ مرورَ سليمان بن عبد الملك، ظنَّ لما نظرَ إليه سوادَ الزّبيبِ حَرَّةً في وسطِه(166) .
قال الحُمَيْدي: «وعمرو بن العاص(167) رضي الله عنه بالوهط من الطائف، وداره بمكة على ولده»(168) .
ووقَفَ عمرو أيضاً دارَه بالمدينة على ولدِه، قال ابن شبّة: «اتّخذ عمرو بن العاص رضي الله عنه دارَه التي بالبلاط، بين دار خالد بن الوليد، وبين الكُتَّاب الذي يقال له " كُتَّاب ابن الخصيب" فتصدّقَ بها على ولدِه، فهي بأيديهم صدقة. وقد كان بعضُ ولده عمَّرَ فيها، حدّث عبد الله بن عبيد الله بن عباس، عن ابن أبي فُدَيْكٍ، أنّها بأيدي ولدِه بالعِمَارةِ والنّفقة، صدقة من عمرو بن العاص»(169) .
وقد أوردَ عبد الرزاق نصّ وصيّة عمرو بن العاص التي وقفَ فيها الوَهْطَ،
فقال:
«وصيّة عمرو بن العاص: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما قضى عمرو بن العاص في الوَهْط.
قضى أنّه صدقةٌ في سبيل الصّدقةِ التي أمر الله بها، على سُنَّةِ صدقاتِ المسلمين، وتصدَّق بها ابتغاء وجه الله والدّار الآخرة، لا يباع ولا يوهب ولا يورث، حتى يرثه الله قائمًا على أصوله، ولا يرثه، ولا يجوز لأحد من الناس تغيير شيء من الذي قضيتُ فيه وعهدتُ، وأحرّمه بما حرّم الله أموالَ المسلمين وأنفسَهم وصدقاتِهم، ولا يُباع، ولا يورث، ولا يُهْلَك، ولا يغيَّر قضائي الذي قضيتُ فيه وتركتُه عليه، ولا يحلّ لمسلمٍ يعبد الله تبديلَ شيء منه، ولا تغييرَه عن عهدِه والذي جعلتُه له.
وهو إلى وليٍّ من آل عمرو بن العاص، ووليُّه منهم المصلح غير المفسد، والمتَّبِعُ فيه قضائي وعهدي، فمن أراد أنْ ينقصه أو يغيّر شيئًا منه فهو السّفيهُ المُبْطِلُ الذي لا قضاءَ له في صدقتِي ولا أمر، ولم أكتب كتابي هذا إلا خشية أنْ يلحق فيه سفيه... بقرابة، لا يعلم شأنَ صدقتي، والذي تركتُها عليه وعهِدْتُ فيها، فيحدّث نفسه بما لا يحلّ له ولا يجوز، لقِلَّةِ علمِه وسَفَهِ رأيِه، فليس لأحد من أولئك في صدقتي حقّ ولا أمر.
وأحرّج بالله على كلّ مسلم يعبد الله من ذي قرابة أو غيره، وإمامٍ ولّاه الله أمر المسلمين أنْ يغيّر صدقتي عن ما وصيت فيها أو قضيتُ وتركتها عليه.
طلحة بن عبيد الله، ومعبد بن معمر، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو جهم بن حذيفة، والحارث بن الحكم، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن مطيع، وجبير بن الحويرث، وأبو سفيان بن ماهد، ونافع بن
طريف، وكُتب لعشر ليالٍ خَلَوْنَ من المحرّم من سنةِ تسعٍ وعشرين»(170)
يدلُّ هذا إذن على أنّ عمروًا رضي الله عنه كان له وقفٌ على ذريّته، وهو دارُه بمكّة، ودارُه بالمدينةِ، ووقفٌ على مصالح المسلمين، لم نقف له على وجه أكثر تحديداً، وهو الوَهْطُ.
وقف معاذ بن جبل رضي الله عنه
قال الخصاف: حدّثنا محمد بن عمر الواقدي حدّثنا النعمان بن معن، عن عبد الرحمن بن عبدالله بن كعب بن مالك (ح)، قال: وحدّثنا يحيى بن عبد الله بن أبيّ عن أبيه قالا:
«كان معاذ بن جبل رضي الله عنه أوسع أنصاريّ بالمدينة رَبْعاً، فتصدّق بداره التي يقال لها: دار الأنصار اليوم، وكتب صدقته». قالا: ثم إنّ ابن أبي اليَسَرِ خاصمَ عبد الله بن أبي قتادة في الدّار، وقال: تتبع هي صدقتَه على من لا ندري أيكون أو لا يكون، وقد قضى أبو بكر وعمر رضي الله عنهما: لا صدقة حتى يقبض، فاختصموا إلى مروان بن الحكم، فجمع لهم مروان بن الحكم أصحابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأَوْا أنْ تنفّذ الصدقة على ما سبّل، ورأوا حَبْسَ ابنَ أبي اليَسَرِ ليكون له أدبًا، فحبَسَه أيّامًا، ثمّ كُلِّمَ فيه فخَلَّاه، فلقد كان الصبيان يضحكون به(171) .
وقف معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه
وَقَفَ معاويةُ بنُ أبي سفيان رضي الله عنهما أوقافاً كثيرةً على الحرم المكّي، خدمةً له
وتسهيلاً على زائريه والمجاورين فيه.
وقد أشار الأزرقيُّ إلى بعضِها، فقال: «ما جاء في العيون التي أُجْرِيَت في الحرم: كان معاوية بن أبي سفيان — رحمه الله — قد أجْرَى في الحرم عيونًا، واتّخذ لها أخيافًا(172) ، فكانت حوائطَ وفيها النّخل والزرع، منها حائط الحمّام، وله عينٌ، وهو من حمّام معاوية الذي بالمَعْلَاةِ إلى موضع بركةِ أمّ جعفر، وذلك الموضع الساعةَ يقال له حائط الحمّام، وإنّما سمّي حائط الحمّام لأنّ الحمّام كان في أسفلِه»(173) .
ثمّ عدَّدَ منها: خَيْفُ الأَرِين، وحائطُ عَوْفٍ، وحائطُ الصَّفِيِّ، وحائطُ مُوَرِّشٍ، وحائطُ خُرْمانَ، وحائطُ مُقَيْصِرَة، وحائطُ حراء، وحائطُ ابن طارق، وحائطُ فخّ، وحائطُ بَلْدَح.
وكلُّ هذه الحوائطِ لكلٍّ منها عينٌ، وفيه نخلٌ وزرعٌ، وهي مُشرَّعةٌ للنّاس يَرِدُونَها وينتفعون بها.
وقد درَسَتْ كثيرٌ من هذه العيون وغارَتْ بمرور الوقت، حتى أحيا أمير المؤمنين هارون الرشيد بعضَها، وأجرَى معها وفي مواضعِ بعضِها عيونًا أخرى(174) .
وتجدُرُ الإشارةُ هنا، إلى أنّ أوقافَ الأمراء والخلفاء، ومن لهم الولايةُ على الأموالِ العامّة، هي من جنس الأوقافِ لكنّها لا تتّخذ أحكام الأوقافِ على وجه التمام، وإنّما انفردت عند الفقهاء باسمِ (الإرصادِ)، وتنفردُ عن الأوقافِ التي يوقفُها الأفرادُ من أموالهم الخاصَّة ببعضِ الأحكام.
ف(الإرصاد)، هو: «تخصيص الإمام غلّةَ بعض أراضي بيت المال لبعضِ مصارفِه»(175) .
أو أن يقف الإمام أرضاً من بيت المال على مصلحة عامة كالمساجد والمستشفيات والمدارس والقناطر، أو يقفها على من لهم استحقاق في بيت المال(176) .
وقد اختلف الفقهاء أصلاً في عَدِّ هذا الإرصاد وقفاً، فذهب فريقٌ إلى تسويته بالوقف في الأحكام، وارتضَوْا تسميتَه وقفاً، إلّا أنّهم خصّوه باسم (الإرصاد) للدّلالة على أنّه من أوقاف الأمراء ووُلاة الأمر خاصّة، ومنع آخرُون تسميته وقفاً وإجراء أحكام الوقف عليه، مع إقرارهم بأنّ بينه وبين الوقف شَبَهًا واستواءً في بعض الأحكام، ومن ذلك خلافُهم في أنّ ما اشترطَه الأميرُ في مصرفِ ما وقَفَه من أموالٍ هي لبيت مال المسلمين، هل يجب أن يُراعَى كما تُراعى شُروط الواقفين عموماً؟ أم تختلف عنها في كون أمرها أسهل وأوسع؟
ذهب الحنفيّة في المُفتى به إلى أنّ الإرصاد ليس وقفاً.
قال الحصفكي: «والإرصادُ من السّلطان ليس بإيقافٍ ألبتّة»(177) .
وقال ابن عابدين — بعد بيان مادّة (رصد) ومعناها لغةً —:
«ومنه سمي إرصاد السّلطان بعض القرى والمزارع من بيت المال، على المساجد والمدارس ونحوها لمن يستحقّ من بيت المال كالقرّاء والأئمّة والمؤذّنين ونحوهم، كأنّ ما أرصَدَه قائمٌ على طريق حاجاتهم يراقبها».
ثمّ بيّن ابن عابدين أنّ العلّة في عدم اعتباره وقفاً هو مخالفتُه لاشتراط أن يكون الواقف مالكاً للعين الموقوفة، والسّلطان لا يملك ما في بيت المال.
قال: «وإنما لم يكن وقفًا حقيقةً لعدم ملك السلطان له، بل هو تعيينُ شيء من بيت المال على بعض مستحقّيه»(178) .
وقد بيّن ابن عابدين بالنّقل عن علماء المذهب أنّ العلّامة أبو السعود أفتى «بأنّ أوقافَ الملوك والأمراء لا يُراعى شرطُها لأنّها من بيت المال أو ترجع إليه(179) ، وإذا كان كذلك يجوز الإحداث إذا كان المقرَّر في الوظيفة أو المرتَّب من مصاريف بيت المال(180)(181) » .
قال ابن عابدين: «يعني إذا كانت لبيت المال، ولم يُعلم ملك الواقف لها،
فيكون ذلك إرصادا لا وقفاً حقيقةً، أي أنّ ذلك السلطان الذي وَقَفَه أخرجَه من بيت المال وعيَّنَه لمستحقّيه من العلماء والطلبة ونحوهم، عوناً لهم على وصولهم إلى بعض حقّهم من بيت المال»(182)
والحاصل أنّ الحنفيّة أطلقوا الإرصاد على ما يُوقفه الأمراء أنفسهم، أو ما يُوقفه غيرهم من أموال بيت المال، إذا كانوا قد أُقْطِعُوها من قِبل الأمراء، وجعلوا الجميع إرصاداً، ولم يُلزموا بمراعاة الشرط في الصورتين، والعلّة في إخراج ذلك عن حقيقة الوقف هي عدم الملك في كليهما.
وقال المناوي من الشافعيّة: «للإمام أن يقف بعض أراضي بيت المال على جهةٍ على الأصحّ في المذهب، وقد نصّ الشافعيّ رضي الله عنه على ما يشهد له، وصرّح بصحّته القاضي، وابن أبي عصرون، والشاشي، وابن الصلاح، والنووي، وقال في «المطلب»: إنّه المذهب، وصرّح كلٌّ منهم بأنّه لا يجوز لمن يأتي بعده تغييره، والحاصل أنّ عدم التغيير متّفقٌ عليه... فالحاصل أنّ الوقف صحيحٌ ولا يجوز لأحد تغييره...»(183) .
وقد صحّح المالكيّة وقف السّلاطين في الجملة، وهو هذا الذي يسمّيه غيرهم الإرصاد، واشترطوا لصحّته أن يكون فيما تتحقّق به المصلحة فقط، دون ما لا حاجة فيه ولا مصلحة، كما نصّ بعضُهُم على أنّ الأَوْلى تجنُّبُه(184) والتّصحيح أشبه بمذهبهم أصلاً لأنّهم لا يشترطون امتلاك الواقف
للعين الموقوفة، لكونهم يصحّحون وقف المنافع ولو دون الأعيان.
وذهب الحنابلة أيضاً إلى تصحيح الإرصاد مع التصريح بالتفريق بينه وبين الوقف(185) .
وأيًّا ما كان، فإنّ الإرصاد عند الفقهاء صحيحٌ منعقد(186) ، سواءً اعتُبر وقفاً أم لا، وقد اتفقت كلمة الفقهاء على أنّ الوليّ اللّاحق لا يجوز له أن ينقض ما أرصدَه سلفُه ولا إبطالُه، كما اتفقوا على أنّ شأن الشروط فيه أوسع منه في الأوقاف العاديّة، أمّا عند الحنفيّة فهذا ظاهرٌ لأنّهم لم يعدّوه وقفاً، وأمّا عند غيرهم، فإنّهم وإن نصّوا على أنّه لا يملك أحدٌ تغيير الشروط، إلّا أنّهم قيّدوا بانسجام الشروط مع المقاصد الشرعيّة، وهم لا يطلقون هذا إطلاقاً عامًّا في الأوقاف العاديّة، بل يبالغون في رعاية شروط الواقف حتى جعلوها كنصوص الشارع.
وهذه العيونُ والأخيافُ والحوائطُ بعضُها نصّ أهلُ التاريخ أنّها كانت لآل أبي سفيان ملكًا، ولم ينصّوا على بعضها الآخر، كما بيّن الأزرقيُّ ذلك في الأَرِينِ المذكورِ أوّلاً، وبعضُها الآخَرُ وهو الأكثرُ إنّما قيل إنّ معاويةَ رضي الله عنه اتّخذها وأجراها، فيُحتمَل إذن أن تكونَ إرصادًا، كما تحتملُ حقيقةَ الوقْف، إمّا بالملك أصالةً، أو بأنْ يكونَ أخذها من أصحابها مُثامنةً من حُرّ ماله، فالله تعالى أعلم بالذي كان.
وقف أبي أروى الدّوسي رضي الله عنه
أبو أروى الدَّوسيُّ صحابيٌّ معروفٌ، له روايةٌ، واشتهر بكنيته رضي الله عنه، أمّا
اسمُه فقيل: حُباب، وقيل: عبد الرحمن، وقيل: ربيعة، وقيل: عُبَيْد، وقيل: اسمُه كنيتُه(187)
أخرج الخصّاف بسنده إلى أبي مسورة، قال: «شَهِدْتُ أبا أروى الدَّوسيَّ رضي الله عنه، تصدّق بأرضٍ، لا تُباع ولا تُورث أبدًا»(188) .
وعلى هذا يكون هذا الوقف مجهولَ المصرفِ.
وقف أبي الدحداح رضي الله عنه
قصّة أبي الدّحداح من عجائبِ قصص البذل والنُّزولِ عن نفائسِ المال لوجه الله تعالى، وابتغاء الدّار الآخرة، وإنْ كانت ملتبسةَ الدّلالةِ على الوقف، لأنّها تحتملُ بوضوحٍ أن تكون صدقةَ تمليكٍ، فإنّنا نذكرها للإفادةِ وللاحتمالِ الظاهر، وفي سياق القصّة عند أصحابِ التراجم والتواريخ اختلافٌ كثير.
قال ابن عبد البَرّ: «وروى عُقَيْلٌ، عن ابن شهاب، أن يتيمًا خاصم أبا لبابة في نخلة، فقضى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي لبابة، فبكى الغلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي لبابة: أعطه نخلتك. فقال: لا. فَقال: أعطه إيّاها ولك بها عِذْقٌ في الجنة. فقال: لا. فسمع بذلك أبو الدّحداح، فقال لأبي لبابة: أتبيعُ عِذْقَكَ ذلك بحديقتي هذه؟ قال: نعم، فجاء أبو الدّحداحة رسولَ الله
صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، النّخلة التي سألتَ لليتيمِ، إن أعطيتُه إيّاها أَلِي بها عِذْقٌ فِي الجنة؟ قال: نعم.
ثم قُتل أَبُو الدّحداحة شهيدًا يوم أحد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رُبَّ عِذْقٍ مُذَلَّلٍ لأبي الدحداحةِ في الجنّة.
ولمّا نَزَلَتْ: ﴿مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقۡرِضُ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا﴾، كان أبو الدّحداح نازلًا في حائطٍ له هو وأهله، فجاء إلى امرأته، فقال: اخرجي يا أمّ الدّحداح، فقد أقرضتُه اللهَ عز وجل، فتصدّق بحائطِه على الفقراء والمساكين»(189) .
وقد جاء عن ابن مسعودٍ رضي الله عنه ما يوضّح موضعَ تفاعُل أبي الدحداح الإيمانيّ مع هذه الآية الكريمةِ، قال: «لمّا نَزَلَتْ: ﴿مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقۡرِضُ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا﴾، قال أبو الدّحداح: يا رسول الله، إنّ اللهَ يريدُ منّا القَرْضَ؟ قال: « نعم يا أبا الّدحداح ». قال أَرِنِي يَدَك، فناولَه يَدَه، قال: فإنّي قد أقرَضْتُ ربّي حائطي. وفي حائطِه ستّمائةِ نخلةٍ، ثمّ جاء إلى الحائط فقال: يا أمّ الدّحداح! — وهي في الحائط —. فقالت: لبّيك! فقال: اخرجي، فقد أَقْرَضْتُه ربّي عز وجل(190) » .
وفي رواية ابن عبد البرّ آنفةِ الذكر، قال: «فتصدّق بحائطِه على الفقراء والمساكين»، وهو محتمِلٌ، حملَه أهلُ العلمِ على صدقةِ التّمليك، أو القرض، فقد بوّب عليه قوّام السُّنَّة الأصبهاني: (باب: الترغيب في القرض)(191) ، إلّا أنّه يحتملُ أن يكونَ وقْفًا، والله تعالى أعلم بالصّواب.
وإنْ حُمِلَ على الوقْف، فهو وقْفٌ خيريٌّ، على الفقراء والمساكين.
وقف أبي معقل الأسدي رضي الله عنه
أبو معقل الأسدي من الصحابة الذين اشتهروا بالكُنية، وقيل إنّ اسمَه الهيثم(192) ، وقد وَقَفَ أبو معقلٍ رضي الله عنه بَكْرًا — أي: جملاً فتيًّا — في سبيلِ الله.
عن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن جدته أم معقل قالت: تجهّز رسول الله صلى الله عليه وسلم للحجّ، وأمرَ النّاس أنْ يتجهّزوا معه، قالت: وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج النّاس معه، فلما قَدِمَ جئتُه. فقال: «ما مَنَعَكِ أنْ تخرجي معنا في وجهنا هذا يا أم معقل؟». قلت: يا رسول الله! لقد تجهَّزْتُ، فأصابتنا هذه القُرْحَةُ، فهلك أبو معقل، وأصابني منها سَقَمٌ، وكان لنا جَمَلٌ نريد أن نخرج عليه، فأوصى به أبو معقل في سبيل الله. قال: «فهَلَّا خَرَجْتِ عليهِ؛ فإنّ الحَجَّ من سبيلِ الله»(193) .
والحديثُ اختُلف في سياقه بين الرّواة اختلافًا كثيراً، إلّا أنّ وقْف البَكْر ثابتٌ في جميعها(194) .
وقف صحابيّ لم يسمّ رضي الله عنه
عن أبي مسعود الأنصاري، قال: جاء رجل بناقةٍ مخطومةٍ، فقال: هذه في سبيل الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لك بها يوم القيامة سبعُ مائةِ ناقةٍ كلُّها
مخطومةٌ»(195)
قال النّووي: «معنى مخطومة، أي: فيها خِطَام، وهو قريبٌ من الزمام(196) ... قيل: يحتمل أنّ المراد: له أجرُ سبعمائة ناقة، ويحتمل أن يكون على ظاهره، ويكون له في الجنة بها سبعمائة، كل واحدة منهن مخطومة، يركبهنّ حيث شاء للتنزُّه، كما جاء في خيل الجنة ونُجُبِهَا؛ وهذا الاحتمال أظهر»(197) .
فمن احتبس فرسًا للجهاد في سبيل الله؛ إنْ أطعمَه وأشبَعَه، وإنْ سقَاه وأرْوَاه، وإنْ تحمّل رَوْثَه وبَوْلَه، فكلُّ هذا في ميزان حسنات من احتبسَه إلى يوم القيامة، لحديث أبي هريرة قال: قال النّبيُّ صلى الله عليه وسلم: « من احتبس فرسًا في سبيل الله، إيمانًا بالله، وتصديقًا بوعدِه، فإنّ شِبَعَه ورِيَّه ورَوْثَه وبَوْلَه في ميزانِه يوم القيامة(198) » .
قال الإمام الشوكاني رحمه الله: «فيه: دليلٌ على أنّه يجوز وقف الحيوان»(199) ، والحيوان من المملوك المنقول الذي تبقى عينه بعد الانتفاع به — غالباً —، ولو لم يجز وقفه لما رتّب عليه النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الأجر العظيم.
وفيه دلالة أيضاً على اتّساع مجالات الأوقاف في سبيل الله، وتنوُّع مصارفها، وتعدُّد أوجُه البِرِّ والإحسان فيها، مما يجعلها من أَوْلى ما يتسابق إليه المحسنون، وأهمّ ما يتنافس فيه المتنافسون.
وقف بني النجّار
قَدِمَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم المدينة، وكان ينوي أن يقيمَ مسجدَه في أوّل يفعلُ بدار هجرتِه — شرّفها الله —، فلمّا أرادَ أخوالُه من بني النّجّار أنْ يُنْزِلُوهُ عليهم، كان من الأمرِ ما استفاضَ في السّيرةِ من قولِه: «خَلُّوا سبيلَها فإنّها مأمورة»! يعني ناقتَه.
قال ابن هشام: «فخَلُّوا سبيلَها، فانطلقت حتّى إذا أتت دار بني مالك بن النجّار، بركَتْ على باب مسجده صلى الله عليه وسلم، وهو يومئذ مِرْبَدٌ لغلامَيْن يتيمَيْن من بني النجّار، ثمّ من بني مالك بن النجّار، وهما في حَجْر معاذ بن عفراء، سهل وسُهَيْل ابنا عمرو، فلمّا بَرَكَتْ ورسول الله صلى الله عليه وسلم عليها لم ينزل، وثَبَتْ فسارتْ غيرَ بعيدٍ، ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم واضعٌ لها زِمامَها لا يثنيها به، ثمّ التَفَتَتْ إلى خلفِها فرجعت إلى مَبْرِكِها أوَّلَ مرةٍ، فبَرَكَتْ فيه»(200) .
وفي سياقٍ مكمِّلٍ للصورة، قال أنس بن مالك رضي الله عنه: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة، فنزل في عُلْوِ المدينة، في حيٍّ يقال لهم بنو عمرو بن عوف، فأقام فيهم أربع عشرة ليلة، ثم إنّه أرسل إلى مَلَأ بني النجار، فجاءوا متقلّدين بسيوفِهم، قال: فكأنّي أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته، وأبو بكر رِدْفُهُ، وملأُ بني النجار حولَه، حتى ألقى بفناء أبي أيوب، قال: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلّي حيث أدركته الصلاة، ويصلي في مرابض الغنم، ثم إنّه أمر بالمسجدِ، قال فأرسلَ إلى ملأ بني النجار فجاءوا، فقال: « يا بني النجار، ثَامِنُونِي بحائِطِكُم هذا » . قالوا: لا، والله لا نطلب ثمنَه إلا إلى الله...(201) .
والمُثَامَنَةُ: هي البيعُ بالثّمن، قال الخطّابي: «ثامِنُونِي: أي: بيعونِيهِ بالثّمن»(202) ، وقال ابن هبيرة: «هو كِنايَةٌ عن بيعه وتقديرِ ثَمَنِه»(203) .
فكانت تلك البقعةُ من أرضِ بني النجّار وقْفًا قائمًا إلى أن يشاء الله، ماثلةً إلى اليوم، عليها أصلُ مسجدِ الرسول صلى الله عليه وسلم وبناؤه الأوّل، الذي انطلق منه الفاتحون، وما زال يشعّ نوراً إلى العالَم بأسرِه.
وهذه الصدقةُ ثوابُها لأهلها، جارٍ عليهم إلى يوم الدّين، تتضاعفُ كلّما صلّى المصلّون، وقرأَ القارؤون، واعتكف المعتكفون، وذكر فيه الذاكرون، فأيُّ بركةٍ وميزةٍ للوقف أعظم من هذه، فهنيئاً لبني النجّار هذا الأجر العظيم!
وقف أسماء بنت أبي بكر الصدّيق رضي الله عنهما
روى الخصّاف — بسنده —: «أنّ أسماء بنت أبي بكر تصدّقت بدارها صدقةَ حبسٍ؛ لا تُباع، ولا توهب، ولا تورث».
وفي الجملةِ فما من صحابيٍّ له مالٌ من ذكرٍ أو أنثى إلا وقد وقَفَ شيئًا من مالِه، كما أخرج الإمام الخصّاف عن محمّد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة أنه قال: «ما أعلمُ أحدًا من أصحابِ رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل بدر من المهاجرين والأنصار، إلّا وقد وقف من ماله حبساً لا يُشترى ولا يُورَث ولا يُوهَب، حتى يرث الله الأرض ومن عليها»(204) .
المبحث الثاني: مجالات الأوقاف وأنواعها ومصارفها في عهد الصحابة الكرام رضي الله عنهم
أولا: تعدد مجالات الوقف
من نِعم الله سبحانه وتعالى على عباده المؤمنين، أنْ هيّأ لهم أبواباً عديدة من البِرّ والخير والإحسان، يقوم بها العبد الموفّق في هذه الحياة، ويجري ثوابُها عليه بعد الممات.
فأهل القبور في قبورهم مرتهنون، وعن الأعمال منقطعون، وعلى ما قدموا في حياتهم محاسبون ومجزيّون، بينما هذا الموفَّق في قبره الحسناتُ عليه متوالية، والأجور والأفضال عليه متتالية، ينتقل من دار العمل، ولا ينقطع عنه الثواب، تزداد درجاته، وتتنامى حسناته، وتتضاعف أجوره وهو في قبره.
وجاء التشريع للأوقاف منذ أن وطئت قدما نبيّنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم أرض المدينة، وتنوّعت الأوقاف منذ القرن الأول.
وهذا ما أخبرنا به حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم، فقد أخبر أنّ أموراً سبعةً يجري ثوابُها على الإنسان في قبره بعد موته، وتفصيلها في الحديث الآتي: عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « سبعٌ يجري للعبد أجرهنّ من بعد موته، وهو في قبره؛ من علّم علمًا، أو كَرَى نهرًا، أو حفر بئرًا، أو غرس نخلًا، أو بنى مسجدًا، أو وَرَّثَ مصحفًا، أو ترك ولدًا يستغفر له بعد موته(205) » .
وقد
ورد في معنى هذا الحديث: ما رواه ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنّ ممّا يلحق المؤمنَ من عمله وحسناته بعد موته: علماً علّمَه ونشره، وولداً صالحاً تركه، ومصحفاً ورَّثَه، أو مسجداً بناه، أو بيتاً لابن السبيل بناه، أو نهراً أجراه، أو صدقةً أخرجها من ماله؛ في صحته وحياته؛ تلحقه من بعد موته(206)
والحديث جمع سبعاً من الأعمال التي تُعدُّ من مجالات الوقف الإسلامي، والتي تجري فيها الحسنات لصاحبها إلى ما بعد الممات، وتتنوع تلك الأعمال لتوسيع دائرة الاختيار، وهذا من فضل الله سبحانه وتعالى على عباده ورحمته بهم أن فتح لهم أبواباً من الخير يدوم فيها الأجر والمثوبة.
والتنوع في مجالات الوقف له صور عديدة؛ فقد يكون للحاجات المادية؛ كالمأكل والمشرب والملبس والعلاج، أو لتوفير الحاجات المعنوية؛ كالتعليم والتطوير، أو للحاجات النفسية؛ كإدخال السرور في النفوس، وتوفير الحياة التي تحفظ للإنسان كرامته.
فالوقف بشموله وتنوعه جَمَعَ خيري الدنيا والآخرة، ففي الأولى: كان وما زال الوقف داعماً رئيساً للتنمية والحضارة، وفي الآخرة: الثواب والأجر المستمر بفضل الله ومَنِّه على خلقه؛ لأنه وسيلة عظيمة بعد انقضاء الأجل لرفع الدرجات والتكفير عن السيئات.
ثانيا: بيان مفصّل لمجالات الوقف عند صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم
| م | الواقف | الوقف (الموقوف) | الموقوف عليه (مصارف الوقف) | نوع الوقف |
|---|---|---|---|---|
| 1 | أبو بكر الصديق | داره في مكة | أولاده | ذري |
| 2 | عمر بن الخطاب | أرض خيبر وداره في المدينة | الفقراء وذي القربى والرقاب وفي سبيل الله والضيف وابن السبيل | خيري |
| 3 | عثمان بن عفان | أرض لتوسعة المسجد النبوي وبئر رومة | للمسلمين جميعا | خيري |
| 4 | علي بن أبي طالب | أرض وعين ينبع | الفقراء والمساكين وفى سبيل الله وابن السَّيل الْقرِيب والبعيد | خيري |
| 5 | الزبير بن العوام | داره في مكة وداره في مصر وأمواله بالمدينة | صدقة على بنيه وللمردودة من بناته | ذري |
| 6 | سعد بن أبي وقاص | داره في المدينة وداره في مصر | أولاده وبناته، والأولويّة للمطلّقة من بناته | ذري |
| 7 | أنس بن مالك | داره في المدينة | له ولذريته | ذري |
| 8 | جابر بن عبد الله الأنصاري | بستانه بالمدينة | على ذريته على الأرجح | ذري على الأرجح |
| 9 | حكيم بن حزام | داره في المدينة المنورة | كانت بأيدي أولاده | ذري |
| 10 | خالد بن الوليد | داره في المدينة أدرعه وأعتاده | في سبيل الله | خيري |
| 11 | زيد بن ثابت الأنصاري | داره في البقيع وداره عند المسجد النبوي | سكن له في حياته ومن بعدها للمسلمين | مشترك |
| 12 | أبو طلحة زيد بن سهل الأنصاري | مزرعتُه بَيْرُحَاء | أقاربه وبني عمه | خيري على الأرجح |
| 13 | سعد بن عبادة | بستانُه المِخْراف، وبئرٌ فيه، ومالٌ من أمواله | في أبواب الخير | خيري |
| 14 | أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر | داره في المدينة | على أبواب الخير | خيري |
| 15 | عبد الله بن عمر | دارُه بالمدينة، ونصيبُه من دار أبيه | سكنى لذوي الحاجات من ولده | ذري |
| 16 | عقبة بن عامر | داره في المدينة المنورة | على ولده وولد ولده وأقرب الناس منه | مشترك |
| 17 | عمرو بن العاص | أرضُه المسمّاة الوَهْطَ، وداره |
| بالمدينة، وداره بمكة | على ولده وعلى مصالح المسلمين | مشترك | ||
| 18 | معاذ بن جبل | داره في المدينة وتسمى دار الأنصار | ||
| 19 | معاوية بن أبي سفيان | عشر عيون وبساتين فيها النخل والزرع | تحتمل الوقف، أو الإرصاد للحرم المكي | خيري |
| 20 | أبو أروى الدوسي | أرض في المدينة | ||
| 21 | أبو أروى الدوسي | أرض له بالمدينة | ||
| 22 | أبو الدحداح | بستانه في المدينة | يحتمل أن يكون وقفاً على الفقراء والمساكين | خيري |
| 23 | أبو معقل الأسدي | جَمَلٌ من جماله | في سبيل الله | خيري |
| 24 | صحابي لم يُسم | ناقة | في سبيل الله | خيري |
| 25 | وقف بني النجار | بستانهم الذي أقيم على أرضه المسجد النبوي | المسجد النبوي في المدينة المنورة | خيري |
| 26 | أسماء بنت أبي بكر الصديق | دارها في المدينة |
ثالثا: أنواع الأوقاف في عهد الصحابة الكرام رضي الله عنهم
مدخل:
اختلف أهلُ العلمِ فيما يصحُّ وقْفُه من الأعيانِ ابتداءً، ولهم في ذلك مسالكُ من النّظر، أَمْلاها اختلافُ نظرهم في النّصوص التي بَنَوْا عليها مشروعيّة الوقف، وفهمهم للمقصود الشرعيّ منه، واختلافُهُم في بعضِ شروطِه الشرعيّة، كالتأبيدِ أو عدمِه، واختلافُهُم كذلك في مآلِ العين الموقوفةِ، هل يكون لها ذمّةٌ مستقلَّةٌ تَبْرَأُ وتُشغَلُ وتستحقُّ ويُستحَقُّ عليها، أم تؤولُ ملكًا للموقوفِ عليه، أم تبقى على حكم ملك الواقفِ، أم يكونُ مالكُها هو الله عز وجل، في أقوالٍ معروفةٍ في مظانّها.
وقد سلكَ أهلُ العلمِ في العينِ الموقوفةِ على وجه مسلكَيْن على وجه الإجمال:
الأوّل: مسلك الحصر، وهو إحصاءُ ما دلَّت الأدلَّةُ على أنّه يصحُّ وقْفُه.
وقدْ تَمَرْحَلَ هذان المسلكان على مرور الوقت، فنجد الإحصاء والتّعداد هو الغالبُ على كلام الأئمّة المتقدّمين وأصحابهم، بينما يغلبُ النُّزُوعُ إلى الضّبطِ والتقعيدِ على كلامِ المتأخّرين من الفقهاء، وإنْ كان الضّبطُ في كلام المتقدّمين مستفادٌ من تعليلهم للفتاوى والأحكام دون التصريح به في الغالب.
الثاني: مسلك الضّبط، أي: إطلاقُ ضابطٍ للعين على رسم الضوابط الفقهيّة.
فممّن سلكَ مسلكَ العَدّ الإمام ابن حزم رحمه الله، قال: «الوقفُ جائز في الأصول من
الدُّوْر والأرضين بما فيها من الغراس والبناء إن كانت فيها، وفي الأرحاء(207) وفي المصاحف، والدفاتر، ويجوز أيضا في العبيد، والسّلاح، والخيل، في سبيل الله عز وجل في الجهاد فقط، لا في غير ذلك، ولا يجوز في شيء غيرِ ما ذكرنا أصلًا، ولا في بناءٍ دون القاعةِ»(208)
وقال اللّخمي من المالكية في سياق طويل: «باب ما يجوز حبسه وما يُمنع: الحبس ثلاثة: الأرض وما يتعلّق بها، كالدّيار والحوانيت والحوائط والمساجد والمصانع والآبار والقناطر والمقابر والطرق. والثاني: الحيوان كالعبيد والخيل وغيرها. والثالث: السلاح والدروع والثياب.
فيجوز تحبيس الصّنف الأوّل وهو الأرض، وما ذكر معها، واختُلف في الحيوان والثياب على أربعة أقوال... وأرى أن يجوز الحبس في جميع ذلك»(209) .
وأمّا عند الضّبط بالصّفةِ، فلأهل العلم قولان مشهوران:
الأوّل: يصحُّ وقْفُ كلّ عينٍ تصحّ عاريتها.
وهو قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، قال: «وأقربُ الحدودِ في الوقف أنّه كلُّ عينٍ تجوزُ عاريتُها»(210) .
الثاني: يصحُّ وقْفُ كلّ عينٍ يصحُّ بيعُها، ويجوز الانتفاعُ بها مع بقاء عينها.
وهو قول السواد الأعظم من الفقهاء، والجماهير من أهل العلم،
فإليه ذهب الحنفيّة(211) والمالكيّة(212) والشافعيّة(213) والحنابلة(214)
ويُعتبَرُ فعلُ الصحابةِ رضي الله عنهم، من أهمّ المستنداتِ التي ينبني عليها القولُ في هذه الميادين من الخلاف.
وبناءً على ما قدّمنا من النماذج، فيمكن إحصاءُ أنواع الوقف عند الصحابة الكرام رضي الله عنهم في:
أوّلاً: وقْف الدُّوْر والمساكن
لِمَا لمنفعةِ السُّكنى من الأهمّيّة والضرورة في حياة البشر، ووَقْفُها على الذريّة أو في سبيلِ الله هو أكثرُ ما وردَ، سواءً منفردةً أو مجموعةً مع غيرها من الأموالِ على حسب أحوال الواقفين، وقد ورد هذا كما قدّمنا عن الزبير، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر، وزيد بن ثابت، وآخرين، رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
ثانياً: وقْف البساتين والزروع
وهي الأراضي الزراعية التي تشتمل على أشجار مثمرة، كالنّخيل والعنب، ومن أشهر من وقع منه ذلك عمر بن الخطّاب رضي الله عنه، وعليّ بن أبي طالب، وعمرو بن العاص، وقد قدّمنا وصف الوَهْطِ الذي يبيّن عِظَمَ محصول هذا الوقف في ذلك الوقت، وكذا أبو طلحة الأنصاري عندما أوقفَ بَيْرُحَاء.
ثالثاً: وقف الآبار وعيون الماء والأسقية
وأشهرها بئر رُوْمة الذي وقفَه عثمان رضي الله عنه، وبئر سعد بن عبادة، وعيون البُغَيْبِغَات التي أوقَفَها عليٌّ رضي الله عنه بيَنْبُعَ وما حولَها.
رابعاً: وقْف أدواتِ الجهاد وعُدَد الحرب
وقد وردَ هذا في وقْف خالد بن الوليد رضي الله عنه، وحمده له النبيّ صلى الله عليه وسلم وجعله من فضائله.
خامساً: وقف الأراضي
والمقصودُ به وقْفُ رقبةِ الأرض ومساحتها للانتفاعِ بها نفسِها في وجوه الخير، كما صنع بنو النجّار بحائطهم الذي بُني عليه المسجدُ النبويُّ.
سادساً: وقْف الخيول والدّوابّ
وقد وثّقنا ذلك في وقْفٍ نُسِبَ إلى صحابيٍّ لم يُسَمَّ، وقَفَ ناقةً في سبيلِ الله، وكذا في وقف أبي معقل الأسدي.
رابعا: مصارف أوقاف الصحابة
تعدّدت مصارفُ أوقاف الصحابة رضوان الله عليهم، وهي في مجملها لا تخرج عن المصارف التالية:
أوّلاً: المجاهدون في سبيل الله.
ثانياً: الرقاب، أي: أغراض العتق وفكاك العبيد.
ثالثاً: ابن السبيل: هو المسافر الغريب؛ الذي انقطع عن ماله وأهله.
رابعاً: الفقراء والمساكين، وهما جنسٌ واحدٌ من ذوي الحاجات، إلّا أنّ الشرع فرّق بينهما، ورتّب على تمييز حدّ كلٍّ منهما أحكامًا في الزكاة والأوقاف وسائر أسباب الاستحقاق، قال أبو هلال العسكري: «لا خلاف في اشتراكهما في وصفٍ عَدَمِيٍّ هو عدم وفاء الكسب بالكليةِ، والمال لمؤنته، ومؤونة عياله، وإنّما الخلاف في أيّهما أسوأ حالاً»(215) ، وفي التفريق بينهما كلامٌ طويلٌ يُنظَر في مظانّه من كتب الفقه والتفسير وشروح الحديث.
خامساً: الضيف، وهو من نزل بقوم يريد القِرَى.
سادساً: ذوو القربى، والمراد بهم قراة الواقف.
سابعاً: المحروم، وهو ليس جنساً آخر غير الفقراء والمساكين، إلّا أنّ الظاهر من تسميته أنّ الملحوظَ في إعطاءه هو حاجةٌ معيّنةٌ معروفةٌ لديه، قد عجز عن تحقيقها فحُرم منفعتها، فهو ممنوعٌ من بلوغِ ما له فيه طَمَعٌ ورغبة(216) .
ثامناً: السّائل المتكفّف الذي له حقّ المسألة.
تاسعاً: سقاية للمسلمين كافّة، يشرب منها الغني والفقير، والمقيم وابن السبيل.
عاشراً: الوجه العامّ لكلّ أبواب الخير، وهو المعبَّر عنه عند الواقفين ب"سبيل الله".
الفصل الثالث: سبل حماية الأصول الوقفية عند الآل والأصحاب
* التمهيد:
* المبحث الأول: عناية الآل والأصحاب بتوثيق الأوقاف * المبحث الثاني: حجج ووثائق وقفية مختارة من أوقاف الآل والأصحاب.
تمهيد: التوثيق.. مفهومه وأهم طرقه
التوثيقُ: مصدرُ وثَّقَ يُوثِّقُ، وهي مادَّةٌ تدلُّ في أصلها على عَقْدٍ وإحكامٍ، يقال: وَثَّقْتُ الشّيءَ، بمعنى: أحكَمتُه، ومنه الميثاق، وهو العهدُ المُحكَم(217) .
والتوثيقُ، سواءً بالكتابةِ أو بغيرها، مطلبٌ شرعيٌّ في عامّة العقود، يختلفُ حكمُه باختلافِ أنواعِ العقود، والحكمةُ منه شرعًا حسم مادّة النّزاع بين النّاس.
وقد عُرّف التوثيقُ في اصطلاح العلماء بوصفه عِلْمًا يبحثُ في الوسائل والأدواتِ والطرائق التي يتّخذها المتعاقدون، أو القُضاةُ وكُتّاب العقود، فيضمنون بها إمكانيّة استيفاء الحقّ ممّن هو عليه، ولذا شاع التعبير عن علم التوثيق عند مصنّفي أنواع العلوم وتفاريعها بأنّه (علم السجلّات والشروط).
وتحت هذا الاسم، عرّفه حاجي خليفة بأنّه: «علمٌ باحثٌ عن كيفيّة ثبت الأحكام الثابتة عند القاضي في الكتب والسجلّات، على وجه يصحُّ الاحتجاج به عند انقضاء شهود الحال».
ثمّ قال: «وموضوعُه: تلك الأحكام من حيث الكتابةُ، وبعض مبادِيْه مأخوذٌ من الفقه، وبعضها من علم الإنشاء، وبعضها من الرُّسُوم والعادات والأمور الاستحسانية
وهو من فروع الفقه، من حيث كون ترتيب معانيه موافقًا لقوانين الشرع، وقد يُجعَل من فروع الأدب، باعتبار تحسين الألفاظ»(218)
وبنحو ذلك عرّفه القِنَّوجي(219) .
وهذا المعنى للتّوثيق مستعملٌ في عامّة العقود، وعلى هذا، قال الرُّوياني: «اعلمْ أنّ أصلَ الوثائقِ بالحقوقِ ثلاثٌ؛ رَهْنٌ، وضَمِينٌ، وشهادةٌ لا تختلف باختلافِ المكان، وكلُّ وثيقةٍ جازَتْ سفرًا، وكلُّ ما جازَ سفرًا جاز حضرًا، والإشهاد خوفَ التَّجَاحُدِ، والرَّهْنُ والضّمينُ خوفَ الإفلاسِ والمنع»(220) .
فالرّهن: «احتباسُ العينِ ليستوفي الحقّ من ثمنها، أو من ثمن منافعها عند تعذُّر أخذِه من الغريم»(221) .
والضّمان: «التزامُ حقٍّ ثابتٍ في ذِمَّةِ الغيرِ، أو إحضارُ من هو عليه»(222) .
والشهادة: «إخبارٌ عن ثبوتِ الحقِّ للغيرِ على الغيرِ في مجلسِ القضاء»(223) .
ولا ريب أنّ ألفاظ الفقهاء في تعريف كلّ واحدٍ من هذه المفاهيم فيها اختلافٌ تبعاً لما قرّره كلُّ مذهبٍ عن ماهيّتها الشرعيّة، غير أنّنا اكتفينا بهذا التعريف العام دون خوضٍ في التفاصيل، لأنّه هو المناسب للمقام.
وتبرز أهميّة هذا المبحث في كون حماية الأصول الموقوفة معلماً
أساسيًّا في فقه الآل والأصحاب رضوان الله عليهم، فمصلحة الوقف يُراعى فيها: مصلحة الموقوف، ومصلحة الموقوف عليه، والتزام شروط الواقف، وذلك لا يتحقق إلا برعاية أصل الوقف حفظًا ونماءً.
فالوقف: هو أصلٌ يُحبس في سبيل الله لتبقى عينُه ونفعُه للواقف وللموقوف عليه، ولهذا فإنّ المحافظة عليه، وضمان استمراره مطلب للواقف، ومصلحة للموقوف عليه، وحماية ورعاية للمجتمع، ومن أجل تحقيق تلك المقاصد وضع الشرع المطهّر للوقف ما يضمن استمراره وبقاء نفعه.
والوقف له في الجملة صيغتان ينعقد بهما:
الأولى الصيغة القوليّة.
الثانية: الصيغة الفعليّة.
* الصيغة القوليّة: هي أن يأتي الوقف بألفاظ دالّةٍ على إرادته وقفَ العين، والتصدُّق بمنفعتها.
وقد قسّم أهل العلم هذه الألفاظ إلى صريحةٍ وكِنائيَّةٍ، وهو تقسيمٌ شائعٌ في كلّ العقود على وجه التقريب.
ومن كلامهم في ذلك: قال الموفّق: «فصلٌ: وألفاظُ الوقف ستّةٌ؛ ثلاثة صريحةٌ، وثلاثة كناية، فالصريحة: وَقَفْتُ، وحَبَّسْتُ، وسَبَّلْتُ. متى أتى بواحدة من هذه الثلاث، صار وقفًا من غير انضمام أمر زائد؛ لأنّ هذه الألفاظ ثبت لها عُرْفُ الاستعمال بين النّاس، وانضم إلى ذلك عرف الشرع... وأمّا الكناية فهي: تَصَدَّقْتُ، وحَرَّمْتُ، وأَبَّدْتُ. فليست صريحة؛ لأنّ لفظة الصّدقةِ
والتّحريمِ مشتركة، فإنّ الصدقةَ تُستعمل في الزكاة والهِبَات، والتّحريم يستعمل في الظِّهار والأَيْمان»(224)
* الصيغة الفعليّة: وهي قيامُ الواقفِ بفعلٍ، يدلُّ به على إرادتِه الوَقْفَ، كأنْ يبني مسجدًا، وينادي للصلاةِ فيه، ويخلّي بين النّاسِ وبينَه.
وقد اختلفَ أهلُ العلمِ في اعتبارِ الفعلِ ممّا ينعقدُ به الوقفُ إذا تجرَّدَ تمامًا عن النُّطق، وذهب الجمهورُ إلى أنّ الوقف ينعقدُ بذلك، خلافاً للشافعيّة.
فقد ذهب إلى صحّة انعقاد الوقف بالفعل: المالكيّة والحنابلة في صريح المذهب(225) ، وأمّا الحنفيّة فقد قبلوا الانعقاد بالفعل من حيث المبدأ، على تضييقٍ في الأحكامِ التفصيليّة عندهم.
قال ابن الهمام عن وقف المسجد: «فإذا أذّن للصّلاة فيه فصلّى كما ذكرنا، قضى العُرْفُ في ذلك بخروجه عنه، ومقتضى هذا أمران: أحدُهما أنه لا يحتاج في جعله مسجدًا إلى قوله وَقَفْتُهُ ونحوَه، وهو كذلك، وبه قال مالك وأحمد»(226) .
وذهب الشافعيّة إلى اشتراط اللفظ، قال الشيرازي: «ولا يصحُّ الوقف إلا بالقول، فإنْ بنى مسجدًا وصلّى فيه، أو أذّن للنّاسِ بالصّلاة فيه لم يَصِرْ وقْفًا»(227) .
وممّا يمكن أن يُفرَّعَ على الفعلِ أو القولِ، لأنّه من جنسِهما معاً، أو يُفرَدَ بقسمٍ ثالثٍ لامتيازِه بجملةٍ من الأحكام:
الكتابة
فالكتابةُ تكون من فعل الواقفِ، أو من يُؤْمر بها من كُتّاب الصكوك، وهي ألفاظُ الواقفِ يعبِّرُ عنها بالقلمِ عِوضًا عن اللّسان، فالقلمُ أحدُ اللّسانَيْن كما تقول العرب.
والكتابةُ يمكن أن تُذكَر في سياق أحكامِ الوقف على محورين، الأوّل: بوصفها فعلَ التّوثيقِ وأداتَه، فلها حكمُها وأحكامُها وشروطُها من هذا الوجه. الثاني: البحثُ في أنّ الوقفَ الذي لم يُعرَف كونُه وقْفاً إلا من جهةِ الكتابةِ، فهل يكفي ذلك في الحكم بوقفيّته أم لا؟
وهذا المحور الثاني اختلف أهل العلم في النّظر إليه على أقوالٍ:
فذهب الحنفيّة إلى عدم الاعتداد بالكتابة في إثبات أصل الوقف. قال ابن نُجَيْم: «اشترى حانوتًا فوجد بعد القبض على بابه مكتوبًا وَقْفٌ على مسجدِ كذا، لا يردُّه؛ لأنّها علامة لا تبنى الأحكام عليها»(228) .
وذهب المالكيّة والحنابلة إلى اعتبار الكتابةِ، لكن ذلك مشروطٌ بأنْ ينضمّ إلى دلالةِ الكتابةِ عاضدٌ آخرُ يقوّي مدلولَ الكتابةِ.
قال الدّسوقي: «إذا وجد مكتوبًا على كتابٍ: وقف لله على طلبة العلم، فإنّه لا يثبت بذلك وقفيّةٌ حيث كانت وقفيّةً مطلقةً، فإنْ وجد مكتوبًا عليه: وقفٌ على طلبةِ العلمِ بالمدرسةِ الفلانيّة، أو وقف على طلبة العلم، ومقرُّه بالمدرسةِ الفلانيّة، فإنْ كانت مشهورةً بالكتب ثبتت وقفيّته، وإنْ لم تكن مشهورةً
بذلك لم تثبت وقفيّته»(229)
وقال الخرشي: «ويثبت أيضًا بالكتابة على أبوابِ المدارس، والرُّبُط، والأشجار القديمةِ، وعلى الحيوان»(230) .
وإلى نحو هذا ذهب الحنابلة(231) .
الشهادةُ
ممّا يثبتُ به الوقْفُ: الشّهادةُ، وهي هنا تُذكر — كما قلنا في الكتابةِ — في سياقَيْن متغايرَيْن في أحكام الوقف، فقد تُبْحَثُ في أحكامِ الشهود وشروطِهم، الذين يشهدون على كتابة صكّ الوقف، وهل هي أوصافُ شهودِ سائرِ العقودِ أم يمتازُ الوقْف بشيءٍ؟ كما قدُ تطلَقُ الشهادةُ في باب الوقف ويُرادُ بها "شهادةُ التّسامُع" خاصّة، وهي من بابِ إثباتِ الوقف بالاستنادِ إلى شُهرةِ وقفيّتِه بين النّاس، وتوارُثِهِم الإخبار بها.
قال الخرشي في شهادة السّماع، أو الشهادة على السماع، أو شهادة التّسامُع: «وقد حَدَّهَا ابنُ عَرَفَةَ بأنّها: "لَقَبٌ لما صَرَّحَ الشاهدُ فيه بإسنادِ شهادتِه لسماعٍ من غيرِ مُعَيَّنٍ"، فتخرج شهادة البَتِّ والنّقل، فالبَتُّ بقولِه: "بإسناد شهادتِه لسماعٍ"، والنّقل بقوله: "من غيرِ معيٍّن"، والمعنى أنّ شهادة السماع جائزة، وقد تجب، ولا بدّ أنْ يقول الشاهد: لم أَزَلْ أسمعُ من أهلِ العدلِ وغيرهم كذا، أي لا بدّ أنْ يجمع فيها بين الأمرَيْن
معًا»(232)
ومن سيرةِ الآل والأصحاب رضوان الله عليهم في البذل للوقَفْ: اختيار أجود مالٍ وأنفسِه وأحبّه إليهم، فكانوا إذا أحبُّوا شيئاً جعلوه لله سبحانه وتعالى، وحرصوا على ديمومتِه واستمرار نفعه برعايته في حياتهم، والعمل على حُسْنِ إدارتِه من بعدهم؛ باختيار النُّظَّار لأوقافهم، ومنهم: عمر وعلي رضي الله عنهما، فقد كانا ناظرَيْن لوقْفَيْهِما، أما عمر رضي الله عنه فولّى ابنتَه النظارة على وقفه حين تولّى الخلافة، وأما عليٌّ فقد تولّى وَقْفَه حتى وفاته، وقد سبق ذكر ذلك عنهما رضي الله عنهما.
وكذلك حرصهم على زيادة نفع الوقف بالوصول إلى أكبر عددٍ ممكنٍ من المستفيدين، كوقف النبي محمد صلى الله عليه وسلم وتعدد مصارفه (الموقوف عليهم)، ووقف عثمان رضي الله عنه لبئر رومة، ووقف علي رضي الله عنه لأرض ينبع، ووقف بني النجار حائطهم (بستانهم) لإقامة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها — كما مرّ —.
وحرصوا على حفظ أوقافهم من التعدي، سواء أكان تعدّيًا على العين الموقوفة، أم تعديًا على منفعتها؛ لأن حفظ الوقف وحمايته تدور حول الآتي: حفظ الموقوف، وحفظ شروط الواقف، وحفظ مقاصد تشريع الوقف، وحفظ المنافع للموقوف عليهم؛ لأنّ الأصل في الوقف عدم جواز بيعه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «تصدَّقْ بأصلِه لا يباع ولا يوهب ولا يورث»(233) ؛ ليدوم أصله ويعم نفعه.
فحماية الأصول الوقفية واجب شرعي، طبقًا للقاعدة الفقهية: «ما لا يتمّ الواجب إلا به فهو واجب»(234) فما كان وسيلة إلى واجب، ولا يمكن إيقاع
هذا الواجب إلا بهذه الوسيلة؛ فحكم هذه الوسيلة الوجوب، وأكَّد شيخ الإسلام ابن تيمية على ضرورة التولية على الوقف؛ بقوله: «وكذلك الأموالُ الموقوفُة، على ولاة الأمر من الإمام والحاكم ونحوِه إجراؤُها على الشروط الصحيحة الموافقة لكتاب الله، وإقامة العمّال على ما ليس عليه عاملٌ من جهة النّاظر. والعامل في عُرْفِ الشّرع يدخل فيه الذي يسمّى ناظرًا ويدخل فيه غيرُ النّاظر، لقبض المال ممّن هو عليه وصرفُه ودفعُه إلى من هو له؛ لقوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّواْ ٱلۡأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهۡلِهَا﴾. ونَصْبُ المُسْتَوْفِي الجامَع للعمّال المتفرّقين بحسب الحاجة والمصلحة، وقد يكون واجبًا إذا لم تتمّ مصلحة قبضِ المال وصَرْفِه إلا به، فإنّ ما لا يتمّ الواجب إلا به فهو واجب»(235)
المبحث الأول: عناية الآل والأصحاب بتوثيق الأوقاف
القسم الأوّل: التوثيقُ بالإشهاد
أوّلاً: الإشهادُ في فعلِ الآل والأصحاب
كان الإشهادُ من الممارساتِ الشائعةِ في فعل الآل والأصحاب، فوقفُ عمر رضي الله عنه لأرض خيبر ثبتَ بدايةً بالإشهاد في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك كتب عمر رضي الله عنه وثيقته، وأشهد عليها في وصيته التي كتبها في خلافته، ودعا نفراً من المهاجرين والأنصار؛ فأحضرهم لذلك، وأشهدهم عليه، فانتشر خبرها.
وعثمان رضي الله عنه أشهد النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة على وقفه عندما أعلن وقفه لبئر رومة سقايةً للمسلمين، وسمع ذلك النبيُّ صلى الله عليه وسلم وكلُّ من حضر من الصحابة، وذلك (إثبات بالشهادة)، وقد استند على هذا الثبوت السّابق في إبطالِه قولَ أهل الباطلِ الذين خرجوا عليه، عندما أعادَه على مسامعِ الجمعِ العظيمِ وهو محصورٌ في داره ظلمًا رضي الله عنه، فلم يستطيعوا أن يَفُوهوا بحرفٍ واحدٍ من الجحدِ والإنكار، لقوّة ثبوت تلك الفضائل.
وأمّا سعدُ بن عبادة، فقد جاء في حديثِ وَقْفِه حائطَه المِخْراف، أنّه قال للنبيّ صلى الله عليه وسلم: «فإنّي أُشهدك أنّ حائطي المخراف صدقةٌ عليها»(236) ، أي على أمّه.
وبوَّب البخاري رحمه الله على هذا الحديث بقوله: «باب: الإشهادُ في
الوقف والصدقة»، وقد ألحق الوقف بالصدقة؛ وذكر ابن حجر في إشهاد سعد أنّ قولَه: «أشهدك» يحتمل إرادة الإشهاد المعتبر، ويحتمل أن يكون معناه الإعلام(237)
وقال الحافظ: «واستدلّ المهلّب للإشهاد في الوقف بقوله تعالى: ﴿وَأَشۡهِدُوٓاْ إِذَا تَبَايَعۡتُمۡۚ﴾، قال: فإذا أُمر بالإشهاد في البيع وله عِوَضٌ، فلَأَنْ يُشرع في الوقف الذي لا عِوَضَ له أَوْلَى»(238) .
وملحظ الإمام البخاريّ رحمه الله في هذا التبويب، شرحه الإمام ابن المنيّر، فقال: «كأنّ البخاريَّ أرادَ دَفْعَ التّوهُّمِ عمّن يظنّ أنّ الوقف من أعمال البِرِّ فيُنْدَبُ إخفاؤُه! فبيّن أنّه يُشرع إظهارُه لأنّه بِصَدَدِ أنْ يُنازَعَ فيه، ولا سيما من الوَرَثة»(239) .
ثانياً: حكم الإشهادِ عند الآل والأصحاب
من خلال النّظر في الآثار والنّصوص التاريخيّة، فإنّنا لا نجد أنّ الصحابةَ الذين وقَفُوا قد صرَّحُوا بحكم الإشهادِ على الوقف خاصّة، وإنّما رُصِدَ ذلك وثبت من أفعالِهم، وعلى هذا فإنّ المأثور عنهم يندرجُ في عموم المشروعيّة الثابتةِ بنصوص القرآن والسُّنَّةِ، حيثُ إنّ الأصلَ أنّ الوقْفَ معدودٌ من عقود التبرُّعات، وإذا تمّ الإشهادُ عليه، فالأصلُ أنّ أحكامَ هذا الإشهادِ من حيث صفتُ وهيئتُه وأحكامُ الشهودِ القائمين به، هي ذاتُها أحكامُ الشّهودِ في باقي العقود.
ثالثاً: حكم الإشهادِ على الوقف
دلّ على مشروعية التوثيق بالشهادة: الكتاب، والسنة، والإجماع، وفعل الصحابة رضي الله
عنهم، وقد حرص صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم على إثبات الأوقاف بإشهارها والإشهاد عليها.
جاء في «الموسوعة الفقهية»: «إشهاد الشهود على التصرفات وسيلة لتوثيقها، واحتياط للمتعاملين عند التجاحد... والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم وغيرهم، لأن الحاجة داعية إلى الشهادة لحصول التجاحد بين الناس، فوجب الرجوع إليها»(240) .
وفي حكم الإشهاد؛ قال ابن هبيرة: «واتفقوا على أنّ الإشهاد مستحب، وليس بواجب»(241) ، وهذا يعمّ الإشهاد على العقود وغيرها؛ سواء كتبت أو لم تكتب.
وفي الفقه الإسلاميّ، لم يُشترط الإشهادُ على الوقف لصحّته، وإنّما كما تقدّم في التمهيدِ عند الحديث عن الصيغةِ، فإنّ الوقف ينعقدُ شرعًا بمجرّد صدور لفظٍ أو فعلٍ قرّر الفقهاءُ أنّه جُعل أَمَارةً شرعيّةً على انعقادِه.
هذا من حيث انعقادُه شرعًا ولُزومُه لذمّة الواقفِ، أمّا عند الاحتياجِ إلى الإلزامِ القضائيّ به، كما لو رجعَ الواقفُ عن الوقف بعد عَقْدِه ورفض تسليمَه لمن يتولّاه ويصرفُ غلَّتَه إلى أصحاب الحقّ، فإنّ القاضي لا يقضي إلّا بالبيّنةِ المعتبرةِ التي تُبِينُ الحقّ.
قال ابن رشد: «فمن شرطِ تمامِه القبضُ والحيازةُ، كالهبة والصدقة،
فإنْ لم يُقبض عنه ولا خرج عن يده حتى مات فهو باطلٌ، يكون موروثًا عنه، والعقدُ يصحّ ويلزم، وإنْ لم يقارنه القبض، وليس للمحبِّس الرجوع فيه، ويلزمه إقباضُه للمحبَّس عليه، فإنْ امتنع من ذلك، جُبر عليه»(242)
ومعلومٌ بالبداهةِ أنّه لا سبيلَ إلى جَبْرِهِ قضاءً، إلّا بإقامةِ بيِّنَةٍ تُخَوِّلُ القاضي بذلك، وهذه البيّنة إمّا أن تكونَ إقراره، أو شهودًا على إقراره أو على خطّه، على وَفْق ما هو مقرَّرٌ عند الفقهاء في أبواب الدّعاوى والبيّنات.
إلا أنّه في العهود المتأخّرة أدرجت بعض الدول الإسلامية(243) بنوداً قانونية لإثبات الوقف؛ كاشتراط صدور إشهاد رسمي ممن يملكه أمام الجهة المختصة بسماعه، وبناءً على ذلك، فقد اعتُبر الإشهاد شرطاً لصحة الوقف، واستُثني وقف المسجد؛ فهو لا يزال على حكمه الفقهي الذي اتفق فيه الفقهاء على صحة الوقف على المسجد وتوابعه؛ سواء تم الإشهاد أم لا.
وقبل قانون الأوقاف المصريّ المُشار إليه بوقتٍ غيرِ بعيد، كانت أصول التقعيدات القانونيّة مستمرّةً على عدم الإلزامِ بالإشهاد، ففي المادّة (152) من «ترتيب الصُّنوف»(244) «ينعقدُ
الوقف بصدورِ لفظٍ من الألفاظ الخاصّة به الصادرةٍ من أهلِه، مُضافً إلى محلٍّ قابلٍ لحكمِه، وهو المالُ المُتقَوَّمُ». اه
وفي بيان الشهادة التي تقبل في الوقف؛ قال الخصاف: «إن شهد الشهود أنّ فلاناً أقر عندنا أنه وقف هذه الأرض وقفاً صحيحاً وحددها، وأنه كان مالكها في وقت ما وقفها قضينا بأنها وقف من قبل الواقف وأخرجناها من يدَيِ الذي هي في يديه»(245) .
وفي شأن الوقوف التي تقادم عهدها، قال: «ما كان في أيدي القضاة منها وما كان لها رسوم في دواوين القضاة، أُجريت على الرسوم الموجودة في دواوينهم استحساناً إذا تنازع أهلها فيها، وما لم يكن لها رسوم في دواوينهم يُعمل عليها، فالقياس فيها إذا تنازع القوم فيها أن يُحملوا على التثبيت، فن ثبّت في ذلك شيئًا حُكم له به»(246) .
وممّا شاع في العهود الإسلامية أنّ الواقفين كانوا يتعمدون الإعلان عن أوقافهم؛ حتى يعرف الناس على اختلاف طبقاتهم بالوقف وشروطه، ومن الطرق التي نقلتها كتب التاريخ؛ زفُّ كتاب الوقف بالأناشيد والأشعار في شوارع القاهرة! فضلاً عن الحفلات التي تقام — عادة — عند افتتاح المنشآت الموقوفة؛ مثل المدرسة وغيرها(247) .
فالوقف بعد لزومه والحكم به مآله إلى الشيوع والاشتهار أصلاً، ولن يبقى مكتوماً كصلاة العبد بالليل أو صدقته على الفقير في خلوةٍ، فإنّ الصلاة لله
وحده، والصدقة على الفقير لا يضرّ صاحبها أنْ يجحدها الفقير بعد ذلك! أمّا الوقف ففي تعريضه لإمكان الجحد إضرارٌ به وبكلّ منتفعٍ به في شأن الدّنيا أو الآخرة، فإشاعته وإذاعة خبره أصلح من كتمانه، بل الإشهار من وسائل حماية الوقف المباشرة.
القسم الثاني: التوثيقُ بالكتابةِ
ربّما لا يقفُ المتتبّع للنّصوصِ والآثار الواردةِ في أوقافِ الآل والأصحاب، على أنّ واحدًا منهم رضي الله عنهم قد اكتفى بالتوثيقِ بالكتابةِ وحدَها، وإنّما في العادةِ، يُذكر الشّهودُ على المكتوبِ وتُكتَب أسماؤُهم، كما سيأتي في النماذج التي سنختارها من الوقفيّات إن شاء الله.
والكتابة أبقى من الشهادة؛ لذهاب أعيان المستشهَد بهم، ففيها حفظٌ للوقف من الضياع مع مرور الأيام، وتعاقب السنين، وقطع الأطماع الحاملة على الاستيلاء على الوقف وإنكار وقفيته، باعتبار أن التوثيق يُعَدُّ من الوسائل القوية في إثبات الحقوق عند التقاضي(248) .
وتوثيق الوقف — أي: كتابةً — هو: «تدوين ثبوت الوقف أو تسجيل إنشائه على وجه يحتج به شرعاً»(249) . وذلك دفعاً للارتياب والشكوك التي تحصل بمرور الزمان حول مصارف الوقف، والشروط الجعلية للواقف، وسائر ما يلزم مما هو موثق في صك الوقف ونحوه، مما يكون له عظيم الأثر على ضبط التصرفات من التغيير والأهواء.
فمن أعظم
أسباب حفظ الأوقاف واستمرارها توثيقها من بعد الإشهاد بالكتابة، أو بالكتابة والإشهاد عليها مباشرةً، مما يدفع أيدي المعتدين والطامعين فيها، وهو السبيل الذي يحقق مقاصد الواقفين في بقاء أوقافهم مع تعاقب السنين، والحفاظ عليها من الضياع والاندثار، والتقيد بمصارفها كما نص عليها الواقف، وضبطها من التغيير والأهواء.
وممّن وثّق وَقْفَه بالكتابةِ بعد الإشهاد: عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ويُعَدُّ كتاب وقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه هو أول وثيقة وقفيّة في الإسلام، وقد استند كل من كتب كتابَ وَقفِه من الصحابة رضي الله عنهم على ما جاء في كتاب عمر رضي الله عنه، وعلى منوالهم سار التابعون وأتباعُهُم.
وتعتبر هذه الوثيقة العظيمة من أجلِّ ما وصل إلينا بطرق صحيحة، ضمن الوثائق الوقفية التي رويت عن الصحابة الكرام والتي تلقي الأضواء على تاريخ التوثيق في عصر الصحابة رضي الله عنهم، ولذلك حظيت بالعنايةِ، وتوارثَها الفقهاء والمحدّثون وتَنَاسَخُوها.
قال الحافظ: «وقد أخرج أبو داود صفةَ كتاب وَقْفِ عمر من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري قال: نَسَخَهَا لي عبد الله بن عبد الحميد بن عبد الله بن عمر...»(250) .
وقد توفي يحيى بن سعيد الأنصاري سنة
(143ه)(251)
وسيأتي نَصُّ الوقفيّة ضمن النماذج المختارة في المبحث الذي بعد هذا إن شاء الله.
ولا شك أن هذه الوثائق والحجج تدل على حرص الصحابة رضوان الله عليهم على كتابة صكوك الأوقاف؛ لأن الأوقاف تبقى أزمنة عديدة ولا تحفظ حقوقها إلا بالصكوك الشرعية.
والواقفون من الآل والأصحاب حرصوا على تأكيد الوقف وتأبيده(252) ولزومه(253) ؛ فتضمَّنت وثائق الوقف تلك العبارات، فقد جاء في جُلِّ الأوقاف من بعدهم عبارة: «وقفًا صحيحًا شرعيًّا مؤبدًا، وحبسًا صريحًا، حبَّسه وسبَّله للّه تعالى، دائما أبدًا حتى يرث الله الأرض ومن عليها»(254) .
ومن المستحب تفصيلُ الواقف وقفه في وثيقته؛ لقطع احتمال المنازعةِ وإزالة اللّبس عينه وحدوده وشروطه ومصارفه، ومن يتولّى نظارتَه.
وقد اتفق العلماء على أن شروط الواقف في الجملة مصانة في الشريعة، وأنّ العمل بها واجب، وعبَّر ابن القيم رحمه الله عن هذا المعنى بقوله: «الواقف لم يُخرج مالَه إلا على وجه
معين؛ فلزم اتّباع ما عيّنه في الوقف من ذلك الوجه»(255)
وأهل العلم رفعوها إلى منزلة النصوص الشرعية؛ من حيث لزومها ووجوب العمل بها، فقالوا: «إن شرط الواقف كنص الشارع»(256) . ولكن هذه الشروط لا تكون بهذه المنزلة إلا إذا كانت محققة لمصلحة شرعية، أو موافقة للمقاصد العامة للشريعة، وهي المتمثلة في: حفظ الدين والنفس والعقل والعرض والمال.
ومع ورود التنصيص على أنّ شرط الواقف كنصِّ الشارع عن جمعٍ كبير من أهل العلم، إلا أنّهم اختلفوا في تفسير وجه الشَّبه ومدى التطابُق بين (شرط الواقف) و(نَصِّ الشارع)، ونُوْرِدُ هنا نموذجَيْن من كلامِهِم:
قال ابن نُجيم: «شرطُ الواقف يجب اتّباعُه لقولهم: شرطُ الواقف كنَصِّ الشارع، أي: في وجوب العمل به، وفي المفهوم والدَّلالة ... إلّا في مسائل:
الأولى: شرَطَ أنَّ القاضي لا يعزلُ النّاظر، فله عزل غير الأهل.
الثانية: شرَطَ أنْ لا يُؤَجَّر وقفُه أكثر من سنةٍ، والنّاس لا يرغبون في استئجاره سنةً، أو كان في الزيادة نفعٌ للفقراء، فللقاضي المخالفة دون النّاظر.
الثالثة: لو شَرَطَ أنْ يُقْرَأَ على قبره! فالتعيينُ باطل.
الرابعة: شَرَطَ أنْ يُتَصَدّقَ بفاضلِ الغَلَّة على من يسأل في مسجدِ كذا كلَّ يومٍ، لم يُرَاعَ شرطُه، فللقيِّم التصدُّق على سائلِ غيرِ ذلك المسجدِ، أو خارجَ المسجد، أو على من
لا يسأل.
الخامسة: لو شَرَطَ للمستحقِّين خُبزًا أو لحمًا معيَّنًا كلَّ يومٍ، فللقيِّم أن يدفعَ القيمةَ من النقدِ، وفي موضعٍ آخر لهم طلبُ العَيْن وأخذُ القيمة.
السادسة: تجوز الزيادة من القاضي على معلومِ الإمامِ إذا كان لا يكفيه، وكان عالماً تقيًّا.
السابعة: شَرَطَ الواقفُ عدم الاستبدال، فللقاضي الاستبدالُ إذا كان أصلح»(257) .
ونحن نلاحظُ في المستثنيات التي تجوزُ فيها مخالفةُ شرطِ الواقفِ أنّه يجمعها معنىً واحدٌ تقريباً، وهو أنّ شرط الواقف غير واجب الاتّباع إذا كان ضارًّا بمصلحة الوقف أو الموقوف عليهم، أو فيه تضييق عليهم، أو كان يُفضي إلى التحكُّم في غلّة الوقف على نحوٍ عبثيٍّ، يعطِّل المصلحة العامّة ويقتُل منافع المال المحترم شرعًا، بحيث لو تصرَّف الإنسانُ في مالِه من غير وقْفٍ على ذلك النَّحو، لكان اتِّجاه الشّرع في الغالب أن يمنعه من ذلك التصرُّف، دفعاً للضّرر، وحفظاً لمصلحته.
بينما نجد شيخ الإسلام ابن تيميّة يحمل العبارةَ على أنّ وجه الشبه هو الدَّلالةُ والمفهوم، دون وجوب العمل بالضَّرورة .
جاء عنه — رحمه الله — في «الاختيارات الفقهيّة» للبعلي:
«ولا يلزمُ الوفاءُ بشرط الواقف إلا إذا كان مستحبًّا خاصّة،
وهو ظاهر المذهب أخذاً من قول أحمد في اعتبار القُربة في أصلِ الجِهَة الموقوفِ عليها...
ويجوز تغييرُ شرطِ الواقفِ إلى ما هو أصلحُ منه، وإنْ اختلف ذلك باختلاف الزمان والمكان، حتى لو وقف على الفقهاء والصوفيّة، واحتاج النّاس إلى الجهاد، صُرِفَ إلى الجُنْدِ...
وقول الفقهاء: نصوصُ الواقفِ كنصوصِ الشّارعِ، يعني في الفهم والدَّلَالةِ، لا في وجوب العمل.
مع أنَّ التحقيقَ أنَّ لفظ الواقفِ والمُوصي والنَّاذِرِ والحالفِ وكلِّ عاقِدٍ يُحمل على مذهبِه وعادتِه في خطابِه ولغتِه التي يتكلّم بها، وافقَ لغة العرب أو لغةَ الشارع أو لا، والعادة المستمرَّة والُعرف المستقِرُّ في الوقفِ يدلُّ على شرطِ الواقفِ أكثرَ ممّا يدلُّ لفظُ الاستفاضة».
قال البعلي: «وظاهر كلام أبي العبّاس في موضع آخر خلاف ذلك، وإنْ نُزِّلَ تنزيلاً شرعيًّا لم يجُز صرفُه بلا مُوجبٍ شرعيّ.
وكلُّ متصرِّفٍ بولاية إذا قيل له: افعل ما تشاء فإنّما هو لمصلحة شرعية، حتى لو صرَّحَ الواقفُ بفعلِ ما يهواهُ أو ما يراهُ مطلقاً؛ فهو شرطٌ باطل لمخالفتِه الشرعَ، وغايتُه أن يكون شرطاً مباحاً، وهو باطلٌ على الصحيح المشهور، حتى لو تساوى فِعْلَانِ عُمِلَ بالقُرْعَةِ، وإذا قيل هنا بالتخيير فله وجهٌ»(258) .
ويشرح الإمام ابن القيّم — رحمه الله — هذه المسألة بقوله:
«وأمّا ما قد لهج به بعضهم من قوله: «شروطُ الواقفِ كنصوص الشارع»، فهذا يرادُ به معنىً صحيحٌ ومعنى
باطلٌ.
فإن أُريد أنها كنصوص الشارع في الفهم والدَّلالة، وتقييد مطلقها بمقَيَّدِها، وتقديمِ خاصِّهَا على عامِّها، والأخذ فيها بعمومِ اللَّفظ لا بخصوص السبب، فهذا حقٌّ من حيث الجملةُ.
وإنْ أُريد أنها كنصوص الشارع في وجوب مراعاتها والتزامها وتنفيذها، فهذا من أبطل الباطل! بل يبطُل منها ما لم يكن طاعة للَّه ورسوله، وما غيره أحبُّ إلى الله وأرضى له ولرسوله منه، ويُنَفَّذُ منها ما كان قُرْبَةً وطاعةً»(259) .
والذي يظهر أنّ هذا الضّابط الذي أبرزناهُ في المنقول عن شيخ الإسلام ابن تيميّة سابقًا يمثِّل نقطة الالتقاء، والضابطَ الذي يجب الانطلاق منه عند وضع الحدِّ الفاصل بين ما تجب مراعاته وما لا تجب مراعاته من شروط الواقف، لأنّ الذين أطلقوا وُجوب مراعاة شروط الواقف، استثنَوْا من ذلك الإطلاق صوراً، فدلّ على أنّ الإطلاق ليس على ظاهره عند الجميع.
ولا ريب أنّ الأصل في المسألة هو ما عبَّر عنه أهل العلم بقولهم: «يلزم مراعاةُ الشرط بقدر الإمكان»(260) .
قال العلّامة أحمد الزّرقا:
«ومراعاتُه بالوفاء به... والمراد بالشرط هنا: المُقَيَّدُ به، المُعَرَّفُ بأنَّه: التزامُ أمرٍ لم يوجَد، في أمرٍ وُجِدَ بصيغةٍ مخصوصةٍ، لا المعلَّق عليه...
والفرق بين المعَلَّقِ بالشّرط والمُقَيَّدِ بالشّرط: أنّ المعلَّق بالشرط عدمٌ قبل وجود الشرط، لأنّ ما توقَّفَ حصولُه على حصول شيءٍ يتأخَّر بالطَّبع عنه، بخلافِ المقيَّد بالشرط، فإنَّ تقييدَه لا يوجب تأخُّرَه في الوجود على القيد، بل سبْقَه عليه كما هو ظاهرٌ.
ثم تقييد الشرط ب«الجائز»(261) لإخراج غيرِه، فإنّ الشرط ثلاثةُ أنواع:
شرطٌ جائزٌ، وهو ما يقتضيه العقد أي: يجب بدون شرطٍ، كاشتراط حبس المبيع بالثمن، أو يلائمه وذلك بأن يكون راجعاً إلى صِفَة المُبْدَلِ ككون الفرس مثلاً أصلُه كذا، أو إلى صفة البَدَلِ كدراهم بِيْض أو معجّلة أو مؤجّلة... أو إلى التوثُّق به، كاشتراط رهنٍ بالثّمن المعلوم... أو لا يقتضيه ولا يلائمه، لكن جرى العُرف به كشراءِ نعلٍ على أن يُشَرِّكَها البائع، أو ورد الشرع به بجوازِه، كاشتراط خيار الشرط ونحوه من الخيارات، فإنّ الشرط في جميع ذلك تلزم مراعاتُه. شرطٌ فاسدٌ، وهو ما كان بخلاف ذلك، وفيه نفعٌ مشروطٌ في صُلب العقد من أحد المتعاقدَيْن للآخر غير معطوفٍ بالواو، كشراء ثوب على أن يصبغه له البائع، أو الدابة على أن يركبها البائع شهراً مثلاً أو فيه نفع لمبيع من أهل الاستحقاق، كشراء العبد على أنْ يعتقه المشتري، أو على أن لا يخرجه عن ملكه... فإن كلَّ ذلك مفسدٌ للعقد. شرطُ لَغْوٍ، وهو ما كان بخلاف ذَيْنِك
الشرطَيْن...
ثم إنّ المعاملات الشرعية بالنسبة إلى التقييد بالشرط الفاسد تنقسم إلى قسمين:
قسمٌ منها يفسُدُ بالشرط الفاسدِ، وهو المُبَادَلاتُ الماليّة، وهي البيع والقسمة والإجارة والصلح عن مال بمال من خلاف جنس المُدَّعَى به، والمُساقاة والمزارعة، فإنّها كلها تفسُدُ بالشرط الفاسدِ... وقسمٌ منها لا يفسُد بالشرط الفاسد، وهي كلُّ ما ليس من المعاوضات الماليّة، سواء كان من المعاوضات غير الماليّة، كالنِّكَاح والطّلاق على مالٍ، والخُلع كذلك، والصُّلح عن دمٍ عمداً، وعن جِراحَةٍ فيها قَوَدٌ... أو لم يكن من المعاوضات أصلاً، كالإبراءِ عن الدَّيْن، وكالهبةِ، والصدقةِ، والقَرض، والإيصاءِ، والوصيةِ، وتولية القضاء، والإذن، والتجارة، والطلاق، والعتاق، والوكالة، والشركة، والمضاربة، والرَّهْن، والكفالة... فإنّ جميع ذلك لا يفسد بالشرط الفاسد، بل يصحُّ، ويَلْغُو الشرط»(262) .
وبعد نقل هذا التلخيص النّفيس بطُوله، يتضح لنا أنّ من الشائع جدًّا أن يختلف أهل العلم في تقييم الشرط والحكم عليه إن كان فاسداً أو لا، لأنّ الجميع ينظرون إلى الشروط من الزاوية التي يبيّنها الإمام ابن القيِّم — رحمه الله — بقوله:
«فالصواب الذي لا تسوِّغ الشريعة غيرَه عرضُ شروط الواقِفِين على كتاب الله سبحانه وعلى شرطِه، فما وافق كتابَه وشرطَه فهو صحيح، وما خالفَه كان شرطًا باطلًا مردودًا، ولو كان مئة شرطٍ، وليس ذلك بأعظمَ من ردِّ حُكْمِ الحاكم إذا خالف حُكْمَ الله ورسولِه، ومن ردِّ فتوى المفتي، وقد نص الله سبحانه على ردِّ وصية الجَانفِ في وصيَّتِه والآثمِ فيها، مع أنّ الوصيّة تصحُّ في غيرِ قُرْبَةٍ، وهي أوسع من الوقف! وقد صرَّحَ
صاحبُ الشرع بردِّ كلِّ عملٍ ليس عليه أمرُه، فهذا الشرطُ مردودٌ بنَصِّ رسول الله فلا يحلُّ لأحدٍ أن يقبلَه ويعتبرَه ويصحِّحَه»(263)
والحقُّ أنّ الإمام ابن القيِّم — رحمه الله — لمحَ في مسألة الشروط عموماً، وفي شروط الواقفين خصوصاً، أهميَّةً خاصّة، لكون القول فيها يتفرّع عن أصولٍ مذهبيّة اتّسمت بجُمودٍ وخُلُوٍّ عن روح الشريعة، اختصّ هو وشيخه شيخُ الإسلام ابن تيميّة بنَقدها ومحاولة تقويمها.
لذا فإنِّي — وقد أطلتُ في شرح هذه المسألة — سأنقُلُ عن الإمام ابن القيِّم نَصَّيْن آخرَيْن يتمُّ بهما المقصودُ إن شاء الله.
قال — رحمه الله :
«إذا سُئل عن مسألةٍ فيها شرطُ واقفٍ، لم يحلَّ له أن يُلْزِمَ بالعمل به، بل ولا يسوِّغَه على الإطلاقِ حتى ينظر في ذلك الشرط، فإن كان يخالف حكم الله ورسولِه فلا حُرمةَ له، ولا يحلُّ له تنفيذه، ولا يسوِّغَ تنفيذَه.
وإن لم يخالف حكم الله ورسولِه، فلْينظُرْ، هل فيه قُرْبَةٌ أو رُجْحانٌ عند الشارع أم لا؟
فإن لم يكن فيه قُرْبَةٌ ولا رُجْحانٌ لم يجب التزامُه، ولم يَحْرُم، فلا تضرُّ مخالفَتُه.
وإنْ كان فيه قُرْبَةٌ وهو راجحٌ على خلافِه، فلْينظُرْ، هل يفوت
بالتزامِه والتقييدِ به ما هو أحبُّ إلى الله ورسولِه وأرضى له، وأنفعُ للمكلَّف، وأعظمُ تحصيلًا لمقصودِ الواقف من الأجر؟ فإن فات ذلك بالتزامِه لم يجب التزامُه ولا التّقييدُ به قطعًا، وجاز العُدُول بل يُستحبُّ إلى ما هو أحبُّ إلى الله ورسولِه، وأنفعُ للمُكَلَّف، وأكثرُ تحصيلًا لمقصود الواقفِ...
وإن كان فيه قُرْبَةٌ وطاعةٌ، ولم يَفُتْ بالتزامِه ما هو أحبُّ إلى الله ورسولِه منه، وتساوى هو وغيره في تلك القُرْبَةِ، ويحصِّلُ غرض الواقف بحيث يكون هو وغيره طريقَيْن موصلَيْن إلى مقصودِه ومقصودِ الشارع من كل وجهٍ، لم يتعيَّن عليه التزامُ الشرط، بل له العدول عنه إلى ما هو أسهلُ عليه وأرفقُ به، وإن ترجَّح موجَب الشرط، وكان قصد القُرْبَةِ والطاعةِ فيه أظهرُ، وجب التزامُه.
فهذا هو القول الكليُّ في شروط الواقفين، وما يجب التزامُه منها، وما يسوغ، وما لا يجب، ومن سلك غير هذا المسلك تناقض أظهرَ تناقُض، ولم يثبت له قدمٌ يعتمد عليه»(264) .
وقال: «وبالجملة فشروط الواقفين أربعةُ أقسام:
شروط محرَّمة في الشرع.
وشروط مكروهة للَّه تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم.
وشروط تتضمّن ترك ما هو أحب إلى الله ورسوله.
وشروط تتضمن فعل ما هو أحب إلى الله تعالى ورسوله.
فالأقسام الثلاثةُ الأُوَل لا حُرْمَةَ لها ولا اعتبار، والقسم الرابع هو الشرط المتبع الواجبُ الاعتبار، وبالله التوفيق»(265) .
وإذا تقرَّرت لنا — والحمد لله — دَلالَةُ شُروطِ الواقفِ، فإنّنا نشير الآن إلى أنّه بالنّظر في وقفيّات الآل والأصحاب، يمكن استخلاصُ أنّ الوقفيّة يجب أن تحتوي على العناصر الآتية حتى يتحقّق منها مقصودُها:
المقدمة أو الاستهلال: تتضمن البسملة والحمدلة والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر بعض الآيات والأحاديث الشريفة الدالّة على عمل الخير. التوثيق: إثبات اسم القاضي الشرعي، واسم الواقف، وتاريخ تحرير الحجة، واسم المحكمة الشرعية. الشهود: وهم الجماعة الذين حضروا واقعة تحرير الحجة لغرض التعريف بالواقف. صيغة الوقف: الصيغة التي تحدد الممتلكات الموقوفة وتعينها. أغراض الوقف ومصارفه: تحديد المنتفعين من الوقف. شروط الواقف: المتعلقة بالنظارة، وإجراءات صرف الغلّة أو العائد. الخاتمة: يذكر فيها لزوم الوقف ويحذّر من الاعتداء عليه أو انتهاك حرمته، وتحتوي أيضا على ختم القاضي وتوقيع الواقف والشهود والتاريخ ومحرِّر الحجّة أو الصّكّ، وما يتعلّق بذلك.
المبحث الثاني: حجج ووثائق وقفية مختارة من أوقاف الآل والأصحاب(266)
أهم نصّ صحيح من وقفيّات الصحابة — وصل إلينا هو:
* نصُّ وقفيّة الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقد نص بعض العلماء أنها من إملاء النبي صلى الله عليه وسلم وإرشاده(267) ، وهذا نصها:
« بسم الله الرحمن الرحيم
هذا ما أوصى به عبد الله: عمر بن الخطاب — أمير المؤمنين —؛ إن حدث به حدث: أن ثَمْغًا وصِرْمَةَ بن الأكوع والعبد الذي فيه، والمائة سهم التي بخيبر، ورقيقه الذي فيه، والمائة التي أطعمه محمد صلى الله عليه وسلم بالوادي: تليه حفصة ما عاشت، ثم ذو الرأي من أهلها، ولا يباع، ولا يشترى، ينفقه حيث رأى؛ من السائل والمحروم وذوي القربى، ولا حرج على من وليه إن أكل أو آكل، أو اشترى رقيقاً منه»(268) . وفي أوّل الرواية أنّه جاء فيها: «وكتب معيقب، وشهد عبد الله بن الأرقم».
وتُعَدُّ هذه الوثيقة، مع بعض الزيادات التي رُويت على نصّها في المصادر المسنَدة، من أشهر الوثائق التي تثبت مشروعيّة الوقف ووقوعَه في زمن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وقد درسها بعض المعاصرين دراسة مفصّلةً، فيُكتفى بالإحالة عليه(269) .
نص وقفية صدقة عثمان بن عفان رضي الله عنه على ابنه أبان
« بسم الله الرحمن الرحيم
هذا ما تصدق بها عثمان في حياته: تصدق بماله الذي بخيبر، يدعى: (مال ابن أبي الحقيق)، على ابنه أبان بن عثمان صدقة، بَتَّةً بَتْلَةً(270) ، لا يشترى أصله أبداً، ولا يوهب، ولا يورث. شهد علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد»(271) .
وروى الخصّاف: أنّ عثمان تصدّق من أمواله على صدقة عمر بن الخطاب، وكان النّاظر لأوقاف عثمان رضي الله عنه ابنُه أبان بن عثمان(272) .
وواضحٌ، أنّ هذه الشّذرة المختصرة المتمثّلة في هذا النّصّ، لا تحتوي على تفاصيل كثيرة منطوقة، إلّا أنّها تكتنز معنىً مكثّفاً بالإحالةِ على وقفيّة عمر رضي الله عنه.
والذي يظهرُ أنّ الإحالةَ على وقفيّة عمر رضي الله عنه لا يُرادُ بها المطابقة من كلّ وجه، إذ ينصّ عثمان رضي الله عنه هنا على أنّه قد وقفَ مالَه على ابنِه، فتكون الإحالةُ على الأرجح، في الجهةِ التي وقفَ عليها عمرُ ليُصرفَ إليها الوقْفُ بعد وفاةِ الولد.
يحتوي هذا النّصُّ أيضاً على التوكيد والقَطْع بالوقْف، في قوله: «لا يُشترى أصله أبداً، ولا يوهب، ولا يورث»، كما يحتوي على ذكر الشهود، وهم
اثنان.
أما نظارة هذا الوقف، فقد وصلَ إلينا الخبر عن الواقع، وهو أنّ الذي تولّاه هو الموقوف عليه أبان بن عثمان، وهذا طبيعيٌّ لأنّه هو الوحيدُ الذي ذُكر بوصف الموقوف عليه.
نص وقفية علي بن أبي طالب رضي الله عنه
أَوْفَى نصٍّ يجمع ما تناثر من شذراتِ وقفيّة عليٍّ رضي الله عنه، ما أَوْرَدَهُ عمر بن شُبّة، وقد أسنَدَه وبيَّنَ الطريقَ والصّفةَ التي انتهى إليه بها النّصّ، قال:
«قال أبو غسان: وهذه نسخةُ كتاب صدقة عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه حرفًا بحرفٍ، نَسَخْتُهَا على نقصانِ هجائِها وصورة كتابِها، أخذتها من أبي، أخَذَهَا من حسن بن زيد.
بسم الله الرحمن الرحيم
هذا ما أمر به وقضى به في ماله عبد الله عليٌّ أميرُ المؤمنين، ابتغاءَ وجه الله، ليُوْلِجَنِي الله به الجنّة، ويصرفني عن النّار، ويصرف النّار عني، يوم تبيضّ وجوه وتسودّ وجوه.
أنّ ما كان لي بِيَنْبُعَ من ماءٍ يُعرف لي فيها وما حوله صدقة، ورقيقُها، غير أنّ رَبَاًحا وأبا نَيْزَرَ وجُبَيْرَ أعتَقْنَاهُم، ليس لأحدٍ عليهم سبيل، وهم مَوَالِيَّ يعملون في الماء خمس حِجَجٍ، وفيه نفقَتُهُم
ورزقهم ورزق أهليهم.
ومع ذلك ما كان بوادي القرى، ثلثه مالُ ابْنِي قَطِيعَةٌ، ورقيقُها صدقة، وما كان لي بواد ترعة وأهلها صدقة، غير أنَّ زُرَيْقًا له مثلُ ما كتبتُ لأصحابه.
وما كان لي بإذْنِبَةَ وأهلِها صدقة، والفقير لي كما قد علمتم صدقةٌ في سبيل الله.
وأنّ الذي كتبت من أموالي هذه صدقة وجب فعله حيًّا أنا أو ميّتًا يُنْفَقُ في كلّ نفقةٍ ابْتُغِيَ به وجه الله، من سبيل الله ووجهه، وذوي الرحم من بني هاشم، وبني المطلب والقريب والبعيد، وأنّه يقوم على ذلك حسن بن علي، يأكل منه بالمعروف وينفق حيث يريه الله في حل محلل لا حرج عليه فيه، وإن أراد أن يندمل من الصدقة مكان ما فاتَه يفعل إن شاء الله، لا حرج عليه فيه، وإنْ أراد أن يبيع من الماء فيقضي به الدَّيْنَ فليفعل إنْ شاء لا حرج عليه فيه، وإن شاء جعله يسير إلى ملك.
وإنَّ ولد عليّ وما لهم إلى حسن بن علي، وإن كان دار حسن غير دار الصدقة فبدا له أنْ يبيعها، فإنّه يبيع إنْ شاء لا حرج عليه فيه، فإنْ يَبِعْ فإنّه يقسّم منها ثلاثةَ أثلاثٍ، فيجعل ثلثه في سبيل الله، ويجعل ثلثه في بني هاشم وبني المطلب، ويجعل ثلثه في آل أبي طالب، وأنّه يضعه منهم حيث يريه الله.
وإنْ حدث بحسنٍ حَدَثٌ وحُسَيْنٌ حَيٌّ، فإنّه إلى حسين بن علي، وأنّ حسين بن عليّ يفعل فيه مثل الذي أمرتُ به حَسَنًا، له منها مثل الذي كتبت لحسن منها، وعليه فيها مثل الذي على حسن.
وإنّ لبني فاطمة من صدقة عليّ مثل الذي لبني عليّ، وإنّي إنّما جعلت الذي جعلت إلى ابْنَيْ فاطمةَ ابتغاء وجه الله، وتكريمَ حرمة محمّدٍ وتعظيمًا وتشريفًا ورجاء بهما، فإنْ حدث لحسن أو حسين حدث، فإنّ الآخر منهما ينظر في بني عليّ، فإنْ وُجِدَ فيهم من يرضى بهديه وإسلامه وأمانته فإنّه يجعله إنْ شاء، وإنْ لم ير فيهم بعضَ الذي يريد، فإنّه يجعله إلى رجل من ولد أبي طالب يرضاه، فإنْ وُجد آلُ أبي طالب يومئذ قد ذهب كبيرهم وذوو رأيهم
وذوو أمرهم، فإنّه يجعله إلى رجل يرضاه من بني هاشم، وإنّه يشترط على الذي يجعله إليه أنْ يُنْزِلَ الماء على أصوله، ينفق تمره حيث أمر به من سبيل الله ووجهه، وذوي الرحم من بني هاشم، وبني المطلب، والقريب والبعيد لا يبع منه شيء ولا يوهب ولا يورث.
وإنّ مال محمّد على ناحية، ومال ابْنَيْ فاطمةَ ومال فاطمة إلى ابْنَيْ فاطمة.
وإنّ رقيقي الذين في صحيفة حمزة الذي كتب لي عتقاء، فهذا ما قضى عبد الله عليٌّ أمير المؤمنين في أمواله هذه، الغد من يوم قدم مكر، أبتغي وجه الله والدار الآخرة، والله المستعان على كل حال.
ولا يحلّ لامرئٍ مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقول في شيء قبضته في مال، ولا يخالف فيه عن أمري الذي أمرت به عن قريب ولا بعيد.
أمّا بعدي، فإنّ وَلَائِدِي اللّاتي أطوفُ عليهنّ السبع عشرة، منهنّ أمّهات أولادٍ أحياء معهنّ، ومنهنّ من لا ولد لها، فقضائي فيهنّ إنْ حدث لي حَدَث؛ أنّ من كان منهنّ ليس لها ولد، وليست بحبلى، فهي عتيقة لوجه الله، ليس لأحد عليها سبيل، ومن كان منهنّ ليس لها ولد وهي حبلى، فتمسك على ولدها وهي من حظّه، وأنّ من مات ولدها وهي حيّةٌ فهي عتيقة، ليس لأحد عليها سبيل، فهذا ما قضى به عبد الله علي أمير المؤمنين من ماله، الغد من يوم مكر.
شهد أبو شمر بن أبرهة، وصعصعة بن صوحان، ويزيد بن قيس، وهياج بن أبي هياج.
وكتب
عبد الله علي أمير المؤمنين بيده لعشرة خلون من جمادى الأولى سنة تسع وثلاثين.
حدّثنا ابن أبي خداش الموصلي قال، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو قال: لم تكن في صدقة علي إلا "شهد أبو هياج، وعبيد الله (2) بن أبي رافع، وكتب...(273) "» .
يُلاحَظ على هذا النّصّ عدّة أمور بخصوص مضمونه، نُجمل المهمّ منها في الآتي:
أنّ هذا النَّصَّ ثابتٌ بالوِجادةِ الصحيحة، وقد سبق تعريفُها وبيانُ معناها عند المحدّثين. بيان الغاية الأخرويّة من الوقف، وهي ابتغاء وجه الله، والنجاة من النار. تفصيلُ الأموال الموقوفة، مع ما يلزمُ من محترزاتٍ تقي من سوء الفهم الذي قد يقع فيه السامع أو القارئ، فإنّ العادة لمّا كانت أن يُعامَل الرّقيق معاملةَ المال، وكان له بعض الرقيق الذين يعملون في الأراضي الموقوفة قد أعتقَهم، بيّن ذلك بياناً كافيًا، لئلّا يقع عليهم حَيْفٌ بوقفهم مع الأرض وهم أحرار. تفصيل الجهة التي وُقِفَ عليها بوضوح. ترتيب النّظارةِ، بمن تبدأ وإلى من تؤول، وقد عُيِّنَ فيها النّاظر بالتّعيين فيما يمكن تعيينُه، وهو الذي أرادَه الواقفُ حالَ الوقْف، وهو هنا الحسن بن علي رضي الله عنهما، ولم تطرّق الواقفُ إلى المستقبل المجهول أبرأ
ذمّته بتعيين الواقف بالوصف لا بالعين، فقال: «فإنْ وُجد آلُ أبي طالب يومئذ قد ذهب كبيرهم وذوو رأيهم وذوو أمرهم، فإنّه يجعله إلى رجل يرضاه من بني هاشم...»، وأمضى على هذا المجهولِ المتوقَّع ذات الشروطِ التي اشترطَها على النّاظر الذي سمّاه، وحدَّ له نفسَ الحدود. النَّصُّ على الوقف هنا، جاء ضمن وثيقةٍ شاملةٍ تبيّن ما قضاه عليٌّ رضي الله عنه في ماله عموماً، فالملاحَظ أنّ الوثيقةَ فيها كلامٌ عن الوقف وغيرِه، ففيها بعضُ تفصيلٍ حول الميراث، ومصير العبيد والولائد. جاءت تسمية الشهود بوضوح، وإن كانت الرواية اختلفت بين التعدُّد والتثنية، وأقلُّ ما رُوي فيها شاهدان، وهو حدٌّ معتبَرٌ شرعاً في عامّة العقود كما هو معلوم. جاء ذكر تاريخ التوثيق على نحو واضح.
نصُّ وقفيّة عمرو بن العاص رضي الله عنه :
«وصيّة عمرو بن العاص: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما قضى عمرو بن العاص في الوَهْط.
قضى أنّه صدقةٌ في سبيل الصّدقةِ التي أمر الله بها، على سُنَّةِ صدقاتِ المسلمين، وتصدَّق بها ابتغاء وجه الله والدّار الآخرة، لا يباع ولا يوهب ولا يورث، حتى يرثه الله قائمًا على أصوله، ولا يرثه، ولا يجوز لأحد من الناس تغيير شيء من الذي قضيتُ فيه وعهدتُ، وأحرّمه بما حرّم الله أموالَ المسلمين وأنفسَهم وصدقاتِهم،
ولا يُباع، ولا يورث، ولا يُهْلَك، ولا يغيَّر قضائي الذي قضيتُ فيه وتركتُه عليه، ولا يحلّ لمسلمٍ يعبد الله تبديلَ شيء منه، ولا تغييرَه عن عهدِه والذي جعلتُه له.
وهو إلى وليٍّ من آل عمرو بن العاص، ووليُّه منهم المصلح غير المفسد، والمتَّبِعُ فيه قضائي وعهدي، فمن أراد أنْ ينقصه أو يغيّر شيئًا منه فهو السّفيهُ المُبْطِلُ الذي لا قضاءَ له في صدقتِي ولا أمر، ولم أكتب كتابي هذا إلا خشية أنْ يلحق فيه سفيه... بقرابة، لا يعلم شأنَ صدقتي، والذي تركتُها عليه وعهِدْتُ فيها، فيحدّث نفسه بما لا يحلّ له ولا يجوز، لقِلَّةِ علمِه وسَفَهِ رأيِه، فليس لأحد من أولئك في صدقتي حقّ ولا أمر.
وأحرّج بالله على كلّ مسلم يعبد الله من ذي قرابة أو غيره، وإمامٍ ولّاه الله أمر المسلمين أنْ يغيّر صدقتي عن ما وصيت فيها أو قضيتُ وتركتها عليه.
طلحة بن عبيد الله، ومعبد بن معمر، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو جهم بن حذيفة، والحارث بن الحكم، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن مطيع، وجبير بن الحويرث، وأبو سفيان بن ماهد، ونافع بن طريف، وكُتب لعشر ليالٍ خَلَوْنَ من المحرّم من سنةِ تسعٍ وعشرين»(274) .
وهذه الوصية عن عمرو بن العاص، لم أقف عليها إلا عند عبد الرزّاق، وقد أوردها ضمن وصايا بعض الصحابة بغير إسناد، لذا فإنّني سأكتفي بإيراد نصّها لغرض الاستئناس، عسى أن ييسّر الله إفرادَ وقْف عمرو بن العاص رضي الله عنه بدراسة، أو ما شابه ذلك.
وبحسب ما انتهى إليه بحثُنا، فإنّ هذه النّماذج من أَوْفَى ما وَقَفْنَا عليه
من وقفيّات الصحابةِ، ممّا يحوي جُلَّ العناصرِ التي من المرغوبِ والمستحبِّ أن تحتوي عليها الوقفيّة، وهي نماذجُ متشابهةٌ موزَّعةٌ بين الآل والأصحابِ رضي الله عنهم جميعاً.
وممّن رُوي — كما سبق — أنّه كتب بوقْفِه كتاباً دون أنْ يُروى لنا من مضمونِ كتابِه إلى شذراتٌ يسيرةٌ: أم المؤمنين عائشةُ بنت أبي بكر، وزيد بن صابت الأنصاريّ، رضي الله عنهم جميعاً(275) .
الفصل الرابع: دور تراث الآل والأصحاب في تحفيز حركة الوقف الإسلامي
مدخل:
الوقف.. الرافد الحضاري
* المبحث الأوّل: أهميّة أوقاف الآل والأصحاب في تنامي الأوقاف في عصرهم وما بعده * المبحث الثاني: تنوُّع أوقاف الآل والأصحاب وأهميّته في انتشار الأوقاف في العهود الإسلاميّة
مدخل: الوقف.. الرافد الحضاري
ربما لم يوجد بابٌ من أبواب الفقه الإسلاميّ، يُعَدُّ ذا مسائلَ محدودةِ العدد في أصولها مقارنةً بغيرِه من الأبوابِ، لكنّه من أعظم أبواب الفقه أثراً في المشروع الحضاريّ الإسلاميّ، وأظهرها في الحياة الاجتماعيّة لكلّ القاطنين في كنف الدّولة الإسلاميّة من مسلمين وغيرهم، مثل باب الوقف، وهذا يفسّر كثرةَ ما أُفْرِدَ في باب الوقف من التصانيف التي تُعنى بأحكامه العمليّة التطبيقيّة، من كتب الفتاوى والحوادث والنوازل والمستجدّات.
فالوقف معدودٌ بحقّ، من بدائعِ التشريع الإسلاميّ، وروائعِ حضارةِ الإسلام، ومن أهمّ أبواب العمل التي حقّقت من خلالها الأمّة خيريّتها، وحملت رسالتَها الإنسانيّة إلى البشر كافّة، بل إلى الطيور في جوّ السماء، وإلى البهائمِ والحيوانات.
ومنذ القرن الأوّل من عمر الإسلام، وعطاءُ المسلمين من خلال الوقف في أغزر ما يكون، وما من عهد من العهود الإسلامية إلا عُرف بأوقاف تفي بحاجات وضرورات لازمة لذلك العهد، أوقاف قدّمت رسالتها الحضارية، وبلغت في تلبية حاجات الفرد والوفاء بمتطلّبات المجتمع مبلغًا لم يُعرف له مثيل بين الأمم، حفاظًا على عقيدة المسلمين وتوحيدهم وعلومهم، وكرامةِ البشر وسموِّ
أخلاقهم، وهناء حياتهم، وحمايتهم من كل ما يضرّهم، وتوفير احتياجاتهم.
واهتمت الشريعة الإسلامية بالعمل الصالح وفعل الخيرات، وأتاحت للناس ذلك، فكان الوقف الإسلامي الرافد لإطعام الجائع، وسقاية الظمآن، وكسوة العريان، وإيواء الغريب، وتعليم الجاهل، ودفن الميت، وكفالة اليتيم، وإعانة المحروم، ولكل غرض إنساني يحفظ الكرامة؛ فهو الباب الذي كفل أهل الحاجة وأعانهم، وبسببه انتشرت المدارس وازدهرت الحركة العلمية ونشأت المساجد، وبه تأسَّست مستشفيات للعلاج المجاني، وصيدليات لتقديم الدواء بلا مقابل، وشُيّدت في المدن وحولها قلاع وحصون لتوفير الأمن، والتكايا والملاجئ لإيواء من لا مأوى لهم، وإطعامهم وكسوتهم وعلاجهم وتعليم من هو في سن التعليم منهم.
كما شُيّدت في القرى "مضايف" لاستقبال الغرباء و"منازل" لإقامة عابري السبيل والمسافرين، وفي المدن والقرى — بدرجة أقل — بُنيت أسبلةُ مياه الشرب، ومقابر الصدقة، ووُزِّعت "خيرات" على الفقراء والمساكين والأيتام وذوي الخصاصة، لإعاشتهم وللترويح عنهم في مناسباتهم الخاصة، وفي المواسم والأعياد، وزُوّد المجاهدون بالمؤن، والصائمون بالفطور والسحور، وحجاج بيت الله الحرام بما يبلغهم مقصدهم، ويساعدهم على قضاء مناسكهم(276) .
يقول الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله بعد أن عدد مجالات الوقف «فهذه ثلاثون نوعاً من المؤسسات الخيرية التي قامت في ظل حضارتنا فهل تجد لها مثيلاً في أمة من الأمم السابقة؟ بل هل تجد لكثير منها مثيلاً في ظل الحضارة الراهنة؟.. اللهم إنه سبيل الخلود تفرَّدْنا به وحدنا يوم كانت الدنيا كلها في غفلة وجهل وتظالم، اللهم إنه سبيل الخلود كشفنا به عن الإنسانية المعذَّبة أوصابها
وآلامها.. فما هو سبيلنا اليوم؟ أين تلك الأيادي التي تمسح عبرة اليتيم، وتأسوا جراح الكليم، وتجعل من مجتمعنا مجتمعاً متراصاً، ينعم فيه الناس جميعاً بالأمن والخير والكرامة والسلام؟»(277)
فتعتبر الأوقاف إحدى الصفحات الناصعة في سجل دولة الإسلام الأولى في عهد النبوة والخلافة الراشدة وما تلاها في العهود الإسلامية؛ لتنتج حضارية إسلامية، عملت على إيجاد واستمرار منظومة من المؤسسات المتكاملة في كافة الميادين الحيوية للمجتمع؛ من تعبدية وتعليمية وجهادية وصحية واجتماعية وغيرها، وتأمين مصادر الدعم السخي لها لضمان استمرارها.
كما تظهر أهمية الأوقاف ومخرجاتها باعتبارها إحدى الدعامات الكبرى؛ للنهوض بالمجتمع وذلك من خلال رعاية أفراده وتوفير مختلف الخدمات التعليمية والصحية والاجتماعية، بحيث لم تكن هذه الرعاية مسؤولية الدولة والحكام بقدر ما كانت مسؤولية كل قادر من أفراد المجتمع؛ حيث ارتبط كل وقف بحجة شرعية توضح أركانه والغرض منه وحجمه وكيفية الاستفادة من ريعه، ونوعية المستفيدين وعدد الموظفين والخدم القائمين على رعاية شؤون المؤسسة، وغير ذلك من الجوانب التي توضح الإطار العام لنظام الوقف(278) .
الوقف.. حارس نهضة الأمّة
كان للأوقاف دورٌ هامٌّ في مقوم أساس
من مقومات الحضارة ألا وهو التعليم، سواء في الكتاتيب أو المدارس، فالأوقاف هي التي ثبتت أركان المدرسة، ودعمت نظامها، ومكنتها من القيام برسالتها، وكان الريع الذي تُغِلُّهُ المصادر الموقوفة على المدرسة شهرياً أو سنوياً، نقداً أو عيناً، هو الضمان لاستمرار العمل بالمدرسة، حيث تدفع منه مرتبات أرباب الوظائف بالمدرسة والطلبة حسب شروط الواقف(279)
ومن أبرز ما يميز مسيرة الوقف الإسلامي عبر العهود الإسلامية البقاء والاستمرار للمشاريع والمؤسسات دون أن تتوقف عن أداء رسالتها عقب وفاة مؤسسيها؛ وذلك بفضل الله تعالى، ثم بنظام الوقف الذي ازدهر مع ازدهار هذه الحضارة.
لقد ظل الوقف قيد التطبيق لمئات السنين، وبقي نظامًا قويًا وثابتًا لإدارة الثروات؛ نظراً لسهولة تطبيقه ومرونة المقاصد الشرعية التي ينطلق منها ويعمل في خدمتها. ورغم الاختلافات الجغرافية والسكانية داخل الدول الإسلامية إلا أن نظام الوقف ظل قابلاً للتطبيق دون أية عقبات في مختلف مناطق العالم الإسلامي، وحتى في غير بلدان العالم الإسلامي؛ فأندونيسيا والهند مثلاً يختلفان اختلافاً جذرياً من حيث الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لكل منهما؛ بل وفي عاداتهما الخاصة في توزيع الثروات بين العائلات، إلا أن نظام الوقف جرى تطبيقه في كلٍ منهما دون عوائق كبيرة(280) .
وبقي هذا النظام شديد الارتباط بمختلف جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية إلى جانب ارتباطه الوثيق بالجوانب الروحية والأخلاقية. لذلك فالوقف الإسلامي
نظام يعدُّ أحد أهم النظم التي أسهمت في تحقيق المقاصد العامة للشريعة الإسلامية.
المبحث الأول: دور أوقاف الآل والأصحاب في تنامي الأوقاف في عصرهم وما بعده
إنَّ البُعْد التحفيزيّ في أوقاف كبار الآل والأصحابِ رضي الله عنهم، يكمُن في كونِهِم محلَّ الأسوةِ البشريّة لكلّ من هو دونَهم من الصحابة صغاراً وكباراً، ومن أدركَهم واعتنى بفقههم من التابعين فمن بعدَهم.
إنّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقول: « إنّه من يَعِشْ منكم بعدي فسيرى اختلاًفا كثيرًا، فعليكم بسنّتي وسُنَّة الخلفاء المهديّين الراشدين، تمسّكوا بها وعَضُّوا عليها بالنّواجذ، وإيّاكم ومحدثات الأمور، فإنّ كلَّ محدثةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضلالة(281) » .
ونعلمُ أنّ الخلفاء المهديّين الراشدين من الصّحب والآلِ جميعاً، كما نعلمُ محلّ هذه الوصيّة النبويّة العظيم ومنزلتها في نفوس المسلمين، لا سيما في القرون الأولى، التي رسَتْ فيها مفاهيمُ الإسلام، وتكوَّنَتْ فيها تصوُّرات أجيال البُنَاةِ من المسلمين، من العلماء والسَّاسَةِ والمجاهدين.
فليس من الغريب إذن، أن يكون الوَقْف، بوصفه واحدًا من الأبوابِ التي اعتنى بها الخلفاء الراشدون وهم أكبر الصحابةِ قَدْرًا، وأمّهات المؤمنين بما لهنّ من القَدْرِ في نفوس المسلمين جميعاً،
هو أحد الممارسات والأعمال الصالحةِ التي وَرِثَهَا المسلمون عن كبارهم وأئمّتهم الذين هم محلُّ الأسوةِ.
وقد كانت أوقافُ الصحابةِ رضي الله عنهم، هي الدليلُ الماثلُ والشاهدُ المحسوسُ على مشروعيّة الوقف، وما دُوِّنَ منها في وثائقَ صار مادَّةً وأساساً لِما هو أبعد من ذلك من التفاصيل والأحكام والتعليلات الفقهيّة.
وقد قدّمنا أنّ مالكًا رضي الله عنه لم يَحْتَجْ في ردّ قولِ شُريح بعدم مشروعيّة الوقف، إلا إلى أن يُشيرَ بيده إلى أوقافِ الصحابةِ المنتشرةِ في طولِ المدينةِ وعرضها، وكذل وقع مع أبي يوسف صاحب أبي حنيفة.
قال ابن الشِّحْنة: «وكان أبو يوسف رحمه الله يقول أوّلًا بقول أبي حنيفة رحمه الله، لكنه لما حجّ مع هارون الرشيد ورأى أوقاف الصحابة بالمدينة ونواحيها، رجع وأفتى بلزوم الوقف، وقال: بَلَغَنِي حديثُ عمر...»(282) .
وأمّا بئر رُوْمَةَ، فماؤُها باقٍ مُشاهدٌ إلى اليوم، أي: بعد أربعة عشر قرنًا من الزمن، تُلهم كلّ الراغبين في الخير، وتبحث عن المتشكّكين في فضل الوقف لتمثُلَ أمامَهم جواباً محسوساً لشكوكهم!
وبعضُ الأوقافِ قاربت عشرةَ قرونٍ، وربما جاوزت، فقد ذكر ابن العماد في وَفَيَات سنة (946ه)، وأرّخ فيها ل«شهاب الدّين، أحمد بن بركات بن الكيّال الدّمشقي الشافعيّ الفاضل، خطيب الصّابونيّة بعد أخيه، وناظر أوقاف سيّدي سعد
بن عبادة رضي الله عنه!»(283)
وابن العماد متوفّى في سنة (1089ه)!
ولنُطِلَّ بشيءٍ من النظر الفاحص على أنموذجَيْن من أوقاف الصّحب والآل:
الأوّل: وقْفُ أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب رضي الله عنه .
سبقَ أنّ عمر رضي الله عنه قد كتب وقفيّته، واشتهرت بعد ذلك شهرةً عظيمةً جدًّا، وصارت أصلاً لما زامَنَهَا وما تَلَاها من أوقاف الصحابة، ويمكن أنْ يُرْصَدَ تأثيرُهَا في غيرها من خلال مظهرَيْن:
أوّلاً: ما انبنى عليها من أحكامٍ فقهيّةٍ.
ثانيًا: من تأسّى بها من المعاصرين واللاحِقِين.
فممّا استُفيدَ من أحكامِ الوقْفِ من وقفيّة عمر خاصّة، وهو من بركاتِ التدوين والكتابةِ التي تنبّهت لها الأمّة مبكّراً، ما أَوْرَدَه الحافظُ ابن حجر رحمه الله(284) :
جوازُ إسناد الوصيّة والنّظر على الوقف للمرأةِ، وتقديمِها على من هو من أقرانها من الرجال. جوازُ إسناد النّظر إلى مَنْ لم يُسَمَّ إذا وُصِفَ بصفةٍ معيّنةٍ تميّزه. أنّ الواقف يَلِي النَّظَرَ على وَقْفِه إذا لم يُسْنِدْهُ لغيرِه. استشارةُ أهلِ العلمِ والدّين والفضل في طرق الخير، سواء كانت دينيّةً أو دنيويّةً، وأنّ المشير يشير بأحسن
ما يظهر له في جميع الأمور. فضيلةٌ ظاهرةٌ لعمر، لرغبته في امتثال قوله تعالى لَن تَنَالُواْ ٱلۡبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَۚ فضلُ الصدقة الجارية. صحّة شروط الواقف واتّباعُه فيها. أنّه لا يشترط تعيين المصرف لفظًا. أنّ الوقف لا يكون إلا فيما له أصلٌ يدوم الانتفاعُ به، فلا يصحّ وقفُ ما لا يدوم الانتفاع به كالطعام. أنّه لا يكفي في الوقف لفظُ الصّدقةِ، سواء قال: تصدّقتُ بكذا، أو جعلتُه صدقةً، حتى يضيف إليها شيئًا آخر، لتَرَدُّدِ الصّدقةِ بين أنْ تكونَ تمليكَ الرقبةِ أو وَقْفَ المنفعةِ، فإذا أضاف إليها ما يميّز أحد المحتملَيْن صحَّ. جواز الوقف على الأغنياء، لأنّ ذوي القربى والضيف لم يقيَّدْ بالحاجة. أنّ للواقف أن يشترط لنفسه جزءًا من ريع الموقوف. استُدِلَّ به على أنّ الواقف إذا شَرَطَ للنّاظر شيئًا أخذَه، وإنْ لم يشترطه له لم يَجُزْ، إلّا إْن دخل في صِفَةِ أهلِ الوقف، كالفقراء والمساكين. استُدِلَّ به على أنّ تعليق الوقف لا يصحّ، لأنّ قولَه: «حَبِّسْ الأصلَ» يناقض تأقيتَه. استُدِلَّ بقولِه: «لا تُباعُ» على أنّ الوقف لا يُنَاقَلُ به. استُدِلَّ به على وقفِ المُشَاع، لأنّ الماْئةَ
سهمٍ التي كانت لعمر بخَيْبَرَ لم تكن منقسمةً. أنّه لا سِرَايَةَ في الأرضِ الموقوفةِ بخلاف العِتْقِ، ولم يُنْقَلْ أنّ الوقف سرى من حصّةِ عمر إلى غيرها من باقي الأرض.
وهذا كما يُقَالُ بحقٍّ: غَيْضٌ من فَيْضٍ، ولا ريب أنّ جُلَّ هذه الفوائدِ قد يُنازَعُ فيها من أَوْرَدَها، وإنّما المقصودُ أنّ الفضل في لفت النّظر إلى هذه المباحث وإثارة هذا الكمّ من المسائلِ والأحكام، يرجعُ الفضلُ فيه بعد الله إلى هذه الهمّة العمريَّةِ السّبَّاقَةِ إلى الخير والبَذْل، وإلى التنبُّه لأهميّة التوثيق والكتابة.
وأمّا من حيث التأسّي والتأثير المباشِر في الغَيْر، فقد كان لهذا الفعل تأثير عجيب في نشر الأوقاف في أهل المدينة المنورة وغيرها من الأمصار، حيث قام عمر رضي الله عنه في خلافته بإحضار نفر من المهاجرين والأنصار؛ فأحضرهم كتابة وقفه وأشهدهم عليه، هذا ما رواه لنا الإمام الخصاف بسنده عن بشر — مولى المازنين —: قال: «سمعتُ جابر بن عبد الله يقول: لما كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه صدقته، في خلافته؛ دعا نفراً من المهاجرين والأنصار، فأحضرهم وأشهدهم على ذلك، فانتشر خبرها، قال جابر: فما أعلم أحداً ذا مقدرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار إلا حبس مالاً من ماله صدقة موقوفة، لا تشترى، ولا تورث، ولا توهب»(285) .
وقد سبقَ في وَقْف زيد بن ثابت الأنصاريّ رضي
الله عنه، أنّه قد حبسَ دارَه على ما حبسَ عليه عمر بن الخطّاب رضي الله عنه(286)
بل قد تولّى عمرُ بشخصِه الدّلالةَ على الوقْف ومحاسنِه، وانتفعَ من مشورتِه بذلك كبارُ الصحابةِ ممّن أَبْلَوْا أحسنَ البلاء في تاريخ الإسلام، مثل خالد بن الوليد، فقد سبقَه أنَّه قال عندما أكَّدَ وَقْفَه لدارِه: «وقَدْ كنتُ أشهَدْتُ عليها عمر بن الخطّاب ليالي قَدِمَ الجابية، وهو كان أمرني بها، ونعم العَوْنُ هو على الإسلام»(287) ، فرضي الله عن الجميع.
الثاني: وقف عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه .
قدّمنا النّصّ الكامل الذي رواه ابن شبّة لوقفيّة عليّ ضي الله عنه، التي ذكر فيها ما كان اختاره في كلّ أمواله، وهو نصٌّ يمتازُ بالشمول وكثرة التفاصيل، والشروط، والأُذُونِ، وترتيب النُّظَّار، والتعرُّض لاحتمالات تغيُّر الظروف التي تدفعُ النّاظر على الوقف إلى ألوانٍ من التصرُّف، إلى غير ذلك.
وقد اعتمد الإمامُ الشافعيُّ على ما انتهى إليه من وثائق وأخبار وروايات ومُشاهداتٍ له حول أوقاف عليّ بن أبي طالب، لا سيما وهو نفسُه من قرابته وأبناء عمومته، وقد عاصرَ بعضَ أحفاد عليّ الذين كان لهم دورٌ في القيام على الأوقاف، وأغلب الظنّ، أنّ الإمام الشافعيَّ رحمه الله قد استحضر وقفيّة أمير المؤمنين عليّ، عندما صاغ نموذجًا للوقفيّة في كتابه، فقد اطّلع الشافعيُّ على هذه الوثيقةِ أو بعضِها، وصلت إليه من طريقِ والي المدينةِ في وقته، وهذا الوالي هو الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن
أبي طالب(288)
قال الشافعيّ: «وأخرجَ إليَّ والي المدينةِ صدقةَ علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأخبرني أنّه أخذها من آل أبي رافع، وأنّها كانت عندهم، فأمر بها فقُرِئَتْ عَلَيّ»(289) .
وإذ أَوْرَدَ الإمام الشافعيُّ ما يمكن أن نسميه نموذجًا مقترحًا لمن أراد أن يوقف شيئًا من ماله، فالمظنونُ أنْ يكونَ قد استحضرَ أسلوبَ أمي المؤمنين عليّ في صياغتها واشتمالها على المسائل التي ذكرها فيها، وغنيٌّ عن التعريف مدى انتشار فقه الإمام الشافعيّ، واعتماد النّاس عليه.
واحتجّ المالكيّة ببعض تصرُّفات نُظّار أوقاف عليّ من ذرّيّته، كما احتجّ ابن أبي زيد القيروانيُّ بصنيع عليّ بن الحسين عندما باع بعضَ الصّدقةِ الموقوفةِ لأجلِ مصلحتها(290) .
ولقد ظلّت حُرْمَةُ الوقف، وسوءُ الاعتداءِ عليه، تتجدّد بتقديرِ الله تعالى بسبب هذه الأموالِ العظيمةِ التي تصدّق بها عليٌّ رضي الله عنه وقْفًا في سبيل الله، بسبب ما تعلّق بها من الخصومات والمُنازعات بعد ذلك، فوُصِمَ بعضُ الأشخاصِ بوصمةِ العار لاعتدائهم عليها، ونالَ بعضُ القضاة والوُلاة شرفَ الدّفاع عن حُرمَتِهَا وصيانتها واستعادتها ممّن كان انتزعها من أهلها ظلمًا، حتى كانت، لربّما أكثر الصدقات تردُّدًا وذكرًا في كتب التاريخ(291) .
المبحث الثاني: تنوُّع أوقاف الآل والأصحاب وأهميّته في انتشار الأوقاف في العهود الإسلاميّة
إنّ الفائدة التي يمكن أنْ تُجْمَلَ في عبارةٍ واحدةٍ لحقيقةِ التنوُّعِ التي توصَفُ بها أوقافُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابُه، هي: أنّ التنوُّع قدّم مستندًا تشريعيًّا لا شكّ فيه، لكون مجالات الوقف مفتوحةً لكلّ أبواب الخير، على قاعدة: لا إسرافَ في الخير، وعلى قاعدة: أنّ العبادةُ اسمٌ يجمع كلّ ما يحبّه الله ويرضاه.
ويمكننا رصدُ مظاهرِ التنوُّع في أوقاف عصر النبوَّةِ في المجالات الآتية:
أوّلاً: التنوُّع في الواقفين، فقد وقَفَ الرجالُ والنّساء.
ثانياً: التنوُّع في الأعيانِ الموقوفةِ، فقد وُقفت العقارات، والمنقولات، على حالاتٍ وصورَ وتَقاليبَ تشملُ كلَّ وجوه الانتفاعِ الممكنِ بتلك الأعيان.
ثالثًا: التنوُّع في جهات الوقف (الموقوف عليهم)، وهي على ثلاثة أنحاء كما سبق (خيري، وذريّ، ومشترك)، والخيريّ يشملُ وجوهًا متعدّدة؛ كالفقراء، والمساكين، وأبناء السبيل، والضيوف، وغير ذلك.
رابعاً: التنوُّع في الشروط، ما بين تضييق وتوسيع، كما تنوّعت الشروط ما بين التقليل والتكثير في الحالات المحتملةِ والصور المتوقّعة التي يتعرّض لها الواقف، ويعالجُ محاذيرَها باشتراطاتٍ مسبقة، يحدّدها
أو يترك فيها مجالاً للاجتهاد والمرونة.
خامساً: التنوُّع في أشكال الولاية والنّظارةِ على الوقف، فمن متولٍّ بنفسِه، ومن عاهدٍ بها إلى غيره.
إنّ المتأمّل لهذه الحقيقةِ، يدرك أنّ صنيعَ الصحابةِ رضي الله عنهم، وحرصهم على الخير، وهمّتهم العالية في تناوُل أبواب الخير، ونُزوعَهُم إلى طلب الأجر والثواب بالقليلِ والكثير من أموالهم، وعلى اختلافِ ظروفهم وأحوالهم من فقرٍ وغنًى، وصحّة وسقَم، وسفر وإقامةٍ، يدرك كيف أنّ ما قدّموه قد شكّل أعظمَ حافزٍ لكلّ الأمّة الإسلاميّة من بعده.
حافزٌ للعلماء والفقهاء في ميدان الاستنباط والتقعيدِ والتفقُّه، وحافزٌ للعامّة في ميدان التأسي والاتّباع والاقتداءِ والعمل.
وإمعانًا في الإجمالِ وجَمْعِ المعنى وضَمِّ المفهوم إلى بعضِه، فيمكنُ رصدُ تأثيرِ هذا التنوُّع على مسارَيْن اثنَيْن:
الأوّل: التنوُّعُ في الواقفين، وفي جهات الوقف، وفي الأعيان الموقوفة، كان حافزًا لاختراعِ صور جديدةٍ، لا سيما على صعيد جهات الوقف.
الثاني: التنوُّع في الشروط، وأشكال النّظارة والولاية وتراتيبهما، كان حافزًا لحركة التقنينِ والتقعيد التي انبثقت في مطوّلات الفقه ودواوينه، هذا بالطبع، بالإضافةِ إلى ما يتقدَّمُ آثار الصحابة من عمومات نصوص القرآن والسُّنَّة التي تتناوَل باب الوقف باعتباره باباً من أبواب المعاملات، وعَقْدًا من العقود، يشترك مع
غيره في جملةٍ من الأحكام.
وأسوقُ هنا بعض الأمثلةِ، لمجالاتٍ لم تكن معروفةً عند الصحابةِ رضي الله عنهم، لكنّنا نجزمُ من خلال النّظر في التاريخ بأنّ صنيعَ الصحابةِ هو الذي ألهمَ من جاءَ بعدَهُم مثل هذا الإبداع.
أوّلاً: مجال التعليم
التعليمُ في تاريخِ الدّولةِ الإسلاميّة الواحدةِ، أي: في عصر ما قبل الدّولة الوطنيّة الحديثةِ، كان مسؤوليّةً اجتماعيّةً محضة، يتولّاها المجتمعُ المسلمُ، وأداتُه الشرعيَّةُ في إقامةِ هذا المَعْلَمِ الحضاريّ هي حصراً: الوقف.
لقد تحوَّلَ التعليمُ، باعتباره ثمرةً من ثمراتِ نظامِ الوقف الإسلاميّ، إلى عالَمٍ كاملٍ تامّ الأركان والشروط، مستوفٍ لكلّ ما يجب توفُّرُه في نظامٍ تعليميٍّ يُرادُ له أن ينهضَ بأُمَّةٍ.
ولقد أحصى النُّعَيْمِي (927ه) في كتابه «الدّارس في تاريخ المدارس» نحو مائةٍ وخمسين مدرسةً وقفيّةً في دمشق وما حولها فقط!
وكيف لا يكون ذلك، والضّحّاك بن مزاحم البلخي وهو متوفّى مبكّراً في (105ه)، كان في كُتَّابِه من الأطفال نحو ثلاثة آلاف! حتى كان يحتاج إلى حمارٍ ليطوف عليهم(292) .
ولا شكّ أنّ المدارس النّظاميّة، والمكتبات، والكتاتيب ذات التراتيب الخاصّة، والشروط التي تنظّم من يدخلُ في الموقوف عليهم ومن يخرج، كلُّها من التطوُّرات التي انفجرت في
الذهنيّة الإسلاميّة بإلهامِ صنيعِ المؤسّسين الأوائل لنظام الوقف من كبار الصحب والآل، الذين بدورهم اندفعوا إلى ذلك استجابةً للترغيب النبويّ في الدار الآخرة.
ثانياً: مجال الصحّة
انتشرت المستشفيات أو (البيمارستانات) في طول العالم الإسلاميّ وعرضِه، فكان منها:
في مصر:
بيمارستان المعافر، والبيمارستان العتيق، والبيمارستان الأسفل، وبيمارستان القشّاشين، وبيمارستان السقطيّين، والبيمارستان الصّلاحي، نسبةً إلى صلاح الدّين، والبيمارستان المنصوري الكبير أو (دار الشفاء)، نسبةً إلى المنصور قلاوون، والبيمارستان المؤيّدي، وغير ذلك.
وهذه الصورة مكرَّرةٌ في الشام، والحجاز، والعراق، حتى سجّلت المستشرقة الألمانيّة زيغريد هونكَهْ انبهارها، إذ إنّ نفقات البيمارستان المنصوري كانت تبلغُ في السنة نحو مليون درهم!
تقول: «ترى من أين كان يؤتى بكلّ هذه الأموال؟ ألم يكن ثمّة من خطر، أن يزداد المصروف على المؤسسات الطبيّة فيتعدّى حدود المعقول؟»... ثم
تجيب: «كانت هذه الأموال تُحصَّل من الأوقاف التي كانت تخصص للمستشفيات لدى تأسيسها»(293)
ولم تكن المدارس الوقفيّة أصلاً مدارسَ لتعليم القرآن والحديثِ والفقه فقط، بل كانت ثمّةَ مدارس موقوفةٌ على تعليم الطّبّ! أو الطّبّ من ضمن علومها الأساسيّة، ومنها:
* المدرسة الدخواريّة: وَقَفَها مهذّب الدّين عبد الرحيم بن علي بن حامد الدّمشقي (628ه) المدرسةَ التي بالصَّاغَةِ العتيقةِ في دمشقَ على الأطبّاء، وكان هو نفسًه من شيوخ الطّبّ(294) .
* المدرسة الدُّنَيْسِرِيَّة: وقَفَهَا الطّبيب الفقيه عماد الدّين محمد بن عبّاس بن أحمد الرَّبَعي الدُّنَيْسِري (ت 686ه)، وهي بدمشق(295) .
* المدرسة النّجمية اللّبوديّة: وقَفَهَا نجم الدّين يحيى بن محمّد بن اللّبوديّ (ت621ه)، من الأطباء الحاذقين(296) .
وإذا كانت هذه لمحةٌ عن تأثير الوقف على المجال الصحيّ في القرن السابع الهجري، ففي النّصف الأوّل من القرن الرابع، عُقِدَ امتحانٌ شاملٌ لأطبّاء بغداد فقط! على أثر خطأٍ طبيٍّ واحدٍ ارتُكب فأَوْدَى بحياةِ إنسانٍ، فلمّا جُمعوا لكبير الأطبّاء سنان بن ثابت ليختبرهم، «بلغَ عددُهُم في جانبَيْ بغداد: ثمانمائةِ رجلٍ ونيّفًا وستّين رجلًا، سِوى من استغنى عن محنتِه باشتهاره بالتّقدُّمِ في صناعتِه،
وسِوى من كان في خدمة السّلطان»(297)
تعلّق زيغريد هونْكَهْ على هذا المشهد الباهرِ بقولها: «في الوقت الذي لم يكن في كلّ مقاطعات الرّايْنْ(298) طبيبٌ واحد»(299) .
وإجمالاً فإنّ يصحُّ القول بلا تردُّد، إنّ الوقف في العهود الإسلاميّة كان حاضراً في حياة الإنسان من مهده إلى لحده! سواء كان فقيراً أم غنياً، فالوقف ملازمٌ لحياةِ المسلم، لا فكاك من مَسِّهِ جزءاً منها منذ ولادته إلى وفاته!
يولد المولود في منزل وقفي (رباط مخصص للولادة)، على يد القابلة — الدّاية — التي تتقاضى راتباً من أموال الوقف، أو أنّ القابلة التي تتولى ولادة المولود — في بيت والديه — هي واقفةٌ لجهدها لله تعالى تساعد الأمّهات على الولادة.
وينام المولود في مَهْدٍ وقفيّ، ويأكل ويشرب من أموال الوقف — إن كان من أهل الحاجة —، وعندما يبلغ بضع سنين، يلتحق بالكتاتيب التي هي أوقاف، ويتقاضى شيخُه ومعلّمه راتبه من أموال الوقف.
ويلتحق الطالب بعد ذلك بالمدارس الوقفيّة، والتعليم كان كلُّه وقفًا، ويصرف لتشغيله من أموال الوقف، ولا تدفع الخلافة أيَّ قَدْرٍ ماليٍّ على التّعليم، وعندما يقرأ، كانت الكتب الموقوفة والتابعة للأوقاف هي المتوافرة بين يديه، ويكتب في ورق الأوقاف، والحبر يُصرف من وقف خُصّص لذلك.
وخلال مسيرة حياته يصلّي الفتى في بيوت الله المساجد التي هي أوقافٌ لله تعالى، ويكون مأموماً وراء إمام يتقاضى
مخصّصاته وتكاليف معيشته من أموال الوقف، ويسمع الدروس والخطب في المساجد من أهل العلم والفقه، الذين تكفّل برعايتهم الوقف.
وحينما يشتدّ عوده ويكون مهيّأً للعمل؛ فالمؤسسات الوقفيّة والمشاريع التنمويّة الوقفيّة تقدّم فرص العمل وتكون حاضرةً أمامَه، حيث كان ما يقارب ال30% وفي بعض الأحيان تصل النسبة إلى 50% من القوى البشرية تعمل في المجال الوقفيّ ودائرة الوقف.
وعندما يمرض فإنّ المشافي (البيمارستانات) الوقفيّة هي التي تعالج المرضى وتوفّر لهم الدّواء بالمجّان، والطبيب المعالج والكادر الذي يتبعه يتقاضون راتبهم من ريع الأوقاف التي خُصّص ريعها لتشغيل تلك المستشفيات.
ويشرب في ذهابه وإيابه في يوميّاته المعتادةِ أحياناً كثيرة من أسبلة موقوفة، ويتوضأ من موضآت في المساجد والميادين، أوقفها الواقفون طلباً للأجر من الله تعالى، ونفعاً للآخرين.
وعندما تحدُث له ضائقةٌ ماليّةٌ، فإنّ من الأوقاف ما خُصّص لتفريج الكُروب وسَدِّ الدّيون، وحفظ كرامة الإنسان.
وإذا تنقّلَ بين المدن والقرى، أو قَصَدَ الحَجَّ إلى بيت الله الحرام؛ فإنّ (التكايا) والاستراحات والآبار الوقفيّة، موزّعةٌ في الطرق وأماكن تجمّع المسافرين وسُبُلِهِم المطروقة، وما زال بعضُها قائمًا إلى اليوم، ينتفع بها الناس.
وعندما يحين أجله ويتوفّاه الله تعالى، فإنّه يُنقل من بيته إلى المغسلة بعربات وقفية، وإلى مغسلةٍ حبست لله تعالى، ويغسله المغسّل الذي يتكفّل
بمعيشته الوقف، ويُحمل ويوضع في تابوت وقفيّ، ويكفّن بكفنٍ من أموالِ الوقف، ويوارى في التراب في مقبرةٍ وقفيّة، كلُّ من يعمل فيها يتقاضى راتبه من الأوقاف.
هذا مشهدٌ حقيقيٌّ، كان للنّاس حياةً مَعِيشةً ملموسةً يتفيّؤون ظلالها لقرون طويلةٍ ممتدّةٍ، اخترتُ سَبْكَه على هذا النّحو معرضاً — عن قصدٍ — عن عزوِ تفاصيله وتكثير حواشيه(300) .
الفصل الخامس: مقاصد شرعية وفوائد فقهية من أوقاف النبي صلى الله عليه وسلم وأوقاف آله وصحبه
مدخل
* المبحث الأول: المقاصد الشرعية التي حققها الوقف في العهد النبوي وعهد الصحابة. * المبحث الثاني: فوائد فقهية من أوقاف النبي صلى الله عليه وسلم وأوقاف آله وصحبه.
مدخل
قال العلّامة الطّاهر بن عاشور:
«لا يمتَرِي أحدٌ في أنّ كلَّ شريعةٍ شُرعت للنّاس، أنّ أحكامها ترمي إلى مقاصدَ مُرادةٍ لمشرّعها الحكيم تعالى، إذ قد ثبت بالأدلة القطعيّة أنّ الله لا يفعل الأشياء عبثاً، دلّ على ذلك صنعه في الخلقة كما أنبأ عنه قوله: ﴿وَمَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا لَٰعِبِينَ٣٨ مَا خَلَقۡنَٰهُمَآ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ﴾، وقوله: ﴿أَفَحَسِبۡتُمۡ أَنَّمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ عَبَثٗا﴾.
ومن أعظم ما اشتمل عليه خلق الإنسان خلقُ قَبُولِه التَّمَدُّنَ، الذي أعظمُه وضع الشرائع له.
وما أرسل الله تعالى الرُّسُلَ وأنزل الشرائعِ إلا لإقامة نظامِ البشر، كما قال تعالى: ﴿لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلَنَا بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَنزَلۡنَا مَعَهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلۡقِسۡطِۖ﴾، وشريعة الإسلام هي أعظم الشرائع وأقومها، كما دلّ عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلۡإِسۡلَٰمُۗ﴾، بصيغة الحصر المستعمل في المبالغة...
فالشّرائع كلُّها وبخاصّة شريعة الإسلام، جاءت لما فيه صلاح البشر في العاجل والآجل، أي في حاضر الأمور وعواقبها. وليس المراد بالآجل أمورَ الآخرة، لأنّ الشرائع لا تحدّد للناس سَيْرهم في الآخرة، ولكن الآخرة جعلها الله جزاءً على الأحوال التي كانوا عليها في الدنيا. وإنما نريد أنّ
من التكاليف الشرعية ما قد يبدو فيه حرج وإضرار للمكلّفين، وتفويتَ مصالحَ عليهم، كتحريم شرب الخمر وتحريم بيعها. ولكن المتدبّر إذا تدبّر في تلك التشريعات ظهرت له مصالحها في عواقب الأمور.
واستقراءُ أدلّةٍ كثيرةٍ من القرآن والسُّنَّةِ الصحيحة، يُوجِبُ لنا اليقينَ بأنّ أحكامَ الشريعةِ الإسلاميّة منوطةٌ بحكمٍ وعللٍ راجعة للصّلاح العامّ للمجتمع والأفراد»(301) .
وقد اتفق الأصوليُّون على مقاصدَ خمسةٍ، انتثرَت الأحكامُ الشرعيّة التفصيليّة في كلّ جوانبِ الحياةِ من أجل رعايتها وصيانتها وحفظها وتحقيقها، ظهرت للأصوليّين والمقاصديّين من خلال تتبُّع العلل والحِكَم الملحوظةِ في الأحكام الجزئيّة، وجرّدوا منها كليّاتٍ هي المقاصدُ الأساسيّة للشريعةِ الإسلاميّة، وظهرت لهم منها خصائصُ ما يجب أن يُعدَّ مقصدًا للشريعة.
قال الغزاليّ رحمه الله: «ومقصودُ الشّرع من الخَلْقِ خمسةٌ: وهو أنْ يحفظ عليهم دينَهم ونَفْسَهُم وعَقْلَهُم ونَسْلَهُم ومالَهم، فكُّل ما يتضمّن حفظَ هذه الأصولِ الخمسةِ فهو مصلحة، وكلُّ ما يفوّت هذه الأصولَ فهو مفسدةٌ، ودفعُها مصلحة»(302) .
إذا اتّضح هذا، فإنّه يمكننا الآن النّظر في نظام الوقف، ورسم علاقته بمقاصد الشريعة الإسلاميّة ودوره في تحقيقها.
المبحث الأول: المقاصد الشرعية التي حققها الوقف في العهد النبويّ والصحابة
الوقف ثبتت مشروعيّته في الإسلام بظاهر القرآن والسُّنَّةِ وإجماع الصّحابة، ونظامه يُعَدُّ أحدَ أهمّ النُّظُمِ المؤسّسيّةِ التي أسهمت في تحقيق المقاصد العامة للشريعة الإسلامية، فإنّ فاعليّته أصلاً كانت تُقاس عند الفقهاء في تقعيدهم لأحكامه بمدى اقترابه من تلك المقاصد من جهة، وبقدرة المجتمع على توظيفه في مجالات تستوعب مقاصد الشريعة بأولوياتها وبمستوياتها المختلفة: الضروريات، والحاجيات، والتحسينات.
وبالعَوْدَةِ إلى ما أَوْرَدْنا من صور الوقف وأشكاله في العصر النبويّ وعصر الصحابة، ثمّ العصور المتأخرةِ إلى ما قبل عصر انتكاسةِ الثقافة الوقفيّة في العصر الحاضر، نجد الآتي:
أنّ الثابتَ من أوقافِ الصحابةِ رضي الله عنهم، كانت أكثر لُصوقًا بالحاجاتِ المباشرةِ والآنيّة والرّاهنةِ للمجتمع المسلم، أو الحاجاتِ الخاصّة بالواقفِ، والتي تمثّلت تحديداً وحَصْرًا في مظهرين: الوقف على الذرّيّة، واستبقاءِ شيءٍ من منفعةِ الوقف لشخصِ الواقف، ولم يوجد هذا كثيراً، إنّما رُصِدَ في أوقاف أنس بن مالك، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم جميعاً.
أمّا القسمُ الخيريُّ أو المشتركُ من هذه الأوقاف فهو على ما ذكرنا، في كفايةِ فقيرٍ طعامًا أو شراباً أو كسوةً، أو على ابن السبيلِ والضّيف، أو
على الجهادِ في سبيلِ الله، ويمكن أن يُختَصَرَ ذلك في القول: بأنّ أوقافَ الصّحبِ والآل كانت على الرسالةِ الإسلاميّة في شِقَّيْهَا الدَّعَوِيِّ والأخلاقيّ.
وأعرضُ في الفقراتِ الآتيةِ الصّلةَ بين الوقْفِ في صوره التي وُجِدَتْ في زمن الصحابةِ، وما تولَّدَ عنها من إبداعاتٍ بعد ذلك، وبين الضروريّات الخمس التي تمثّل قُبَّةَ المقاصدِ الشرعيَّةِ، وما على القارئِ إلّا أن ينظُر في وقْفِ كلِّ صحابيٍّ أَوْرَدْنَاهُ، ليتّضحَ له أيَّ هذه الضروريَّاتِ كان يخدمُ.
على صعيد حفظ الدّين
انتشرت الأوقافُ المتعلّقة بذلك، بدءاً من المساجد نفسها، وما يُوقَف عليها لصيانتها وتوفير الدّخل الضروريّ لنفقاتها التشغيليّة، من رواتب الإمام والخطيب والمؤذّن والخادم، والسُّرُجِ والسّجّاد والبُسُط والسّقاءات وأماكن الوضوء والطّيب والبخور، وغير ذلك، وتنبع أهميّة هذا القطاع من الأوقاف للدّين، من أهميّة المساجد نفسِها، بوصفها العلامة الفارقة لدار الإسلام، ومواضع الأذان، ومجتمع المسلمين في الجُمَع، حيث تظهر الشّوكة وتتجدّد الأخوّة وتُبَثُّ الهموم، ويُفتقَدُ الغائبُ، ويُلْحَظُ المحتاج، ويقصدُها الباحثون عن النّور والهدى من الزائرين والوفود والمستفتين والمسترشدين.
وأمّا القطاعات الأخرى المتصلة بالدّين، فكالمكتبات، والكتاتيب، والمدارس الشرعيّة التي تخرّج منها جُلُّ أئمّة الإسلام وعُقُولُه الكبيرةُ من كبار الفقهاء والعلماء والأطبّاء، الذين أذعنت لهم الدنيا بالذكاء والفطنةِ والعبقريّة.
وثمّة أوقافٌ أخرى على
شعائر أخرى تعبُّديَّةٍ، مثل الوقف على إفطار الصائمين، أو لرَفْدِ الراغبين في الحجّ والعمرة والزيارة بالنّفقةِ، وللإنفاقِ على المجاوِرين في الحرمَيْن الشريفين والمسجد الأقصى، وعلى المنقطعين للتعبُّد والخَلْوَةِ والتحقُّقِ بالمقامات القلبيّة العليا من الصوفيّة والمتزهّدين.
ومن أهمّ ذلك وأَوْلاه: ما كان يُوقَفُ على المجاهدين في سبيل الله، والمرابطين على الثّغور، وعُدَدِ الجهادِ والحربِ من الخيل والسيوف والرماح والدّروع، ومعلومٌ أنّ مقصدَ الجهادِ الأعظم هو حتى ﴿وَيَكُونَ ٱلدِّينُ لِلَّهِۖ﴾.
بل إنّ بعض البلدان التي كانت من ثغور المسلمين، قد جرى فيه العُرْفُ على أنّ ما أطلقَه الواقفُ من الأوقاف ولم يعيّن له مصرفاً، بل قال: في سبيلِ الله، حُمِلَ فيها على الجهادِ خاصّة، لأنّه حاجةُ المكانِ وخصيصته.
قال ابن القاسم: «وقد سُئل مالك عن رجلٍ أوصى بوصيّةٍ، فأوصى فيها بأمور، وكان فيما أوصى به أنْ قال: داري حبسٌ، ولم يجعل لها مخرجًا، ولم يُدْرَ أكان ذلك منه نسيانًا، أو جهل الشهود أن يذكّروه ذلك، فقال مالك: أراها حبسًا في الفقراء والمساكين. فقيل له: فإنّها بالإسكندريّة، وجُلّ ما يحبس الناس بها في سبيل الله؟ قال: يُنظر في ذلك ويُجتهد فيه فيما يرى الوالي، وأرجو أن يكون له سعة في ذلك إنْ شاء الله»(303) .
وقال ابن أبي زيد نقلاً عن ابن القاسم: «قال: وإنْ لم يسمّ فلانًا، ولا أحدًا، ولكن قال: داري حبسٌ، كانت حبسًا أبداً على الفقراء والمساكين؛ إلا أنْ يكون في موضع جهادٍ ورباط، فيكون في سبيل
الله أبدًا»(304)
وفي عصر الصحابةِ يقعُ في هذا النّطاقِ على سبيلِ المثال: وقْف بني النجّار، ووقف خالد بن الوليد.
وعلى صعيد حفظ النّفس
فإنّ الأوقافَ على حاجاتِ ذوي الحاجات المختلفة، من الفقراء والمساكين وأبناء السبيل، في حدود الطعام والشراب والكسوةِ، تصبُّ في هذا المقصد مباشرةً.
وكذلك أصحاب الحاجات الأكثر خصوصيّةً، كالمرضى والزَّمْنَى وأصحاب العاهات، فقد قامت لكلّ شريحةٍ منهم دُورٌ خاصَّةٌ ترعاهم، وأهمّها وأبرزها البيمارستانات التي كانت علامةً فارقةً في تاريخ الدّنيا بأسرها، لا سيما ما كان منها بالأندلس.
ومن أهمّ ما يُذكَر في هذا السياق، أنّ حفظ النّفس بالوقف لم يتوقّف على حفظها من الضرر اللّاحقِ بالبدن فقط، من الآفات والأمراضِ التي تصحبُها الأوجاعُ الماديّة، بل لبّت الأوقافُ الحاجاتِ المعنويّة للنّفس، بل ضروريّاتها غير المنفكّة عن آدميّة الإنسان، من كفّ أسباب الخجل والحرج الاجتماعيّ، وللقارئ أن يتخيّل ما الذي يعنيه وجودُ وَقْفٍ لإعارةِ الحُليّ والثياب للعروسِ التي لم يستطع زوجُها أنْ يجهّزها بالمظهر التي تشتهي أن تظهر به بين قريناتها، بل وُجِدَ ما هو أعمق من ذلك في الصيانة والرعاية، إذ يُنسَبُ وقفٌ إلى الأمير حُمَيْد بن عبد الحميد الطوسيّ (ت210ه) أحد قادة المأمون، وقَفَه على أهل البيوتات وذوي الهيئات الاجتماعيّة الذين يعيشون على مستويات خاصّة من الرفاهيّة والسّعة، وجهةُ الوقْف، على
أنّ من تعرّض منهم إلى جائحةٍ في مالِه، أو خسارةٍ كبيرةٍ في تجارتِه تُلْجِئُه إلى السؤال والاحتياج إلى غيره، يُكْفى من هذا لوقف، لعدم اعتيادِ مثلِه على السؤال والاقتراض، فالشأن المعتادُ أنّ مثلَه تأبى نفسُه عليه السؤال وإظهار الاحتياج، فيحرّج ذلك عليه!(305)
وأين وُجِدَ على وجه الارضِ مثلُ هذا في صيانةِ النّفس الإنسانيّة في أدقّ احتياجاتها وأشدّها خفاءً؟!
ونعلمُ أنَّ أوقاف عمر بن الخطّاب، وعليّ بن أبي طالب، وعمرو بن العاص، كلُّها تشملُ أنواع الاحتياجِ الشائعةِ، فهي تُصلِحُ هذا الجانب وتصونه.
وعلى صعيدِ حفظ العقل
فحولَ مقصد حفظ العقل ملاحظتان:
الأولى: أنّ العقلَ داخلٌ في النّفسِ، فكلُّ ما يحفظُها يحفظُهُ بالتّبع، إذ ليس للعقل كيانٌ مستقلٌّ، بل هو من صفات النّفس(306) .
الثانية: أنّ مُفسدات العقل على ضربَيْن: حسيّةٌ ومعنويّة.
فمن الحسّيّة: شُرب الخمر، وما يُلحقُ بها ممّا يُذهِبُ العقلَ من الموادّ التي يتعاطاها الإنسان، أو الأفعالِ التي يفعلُها باختيارِه وهي يدري أنّ عاقبتها زوالُ عقلِه، ولو مؤقّتًا.
ومن المعنويّة: وهي ما يَعْرِضُ للعقل من تصوُّراتٍ
فاسدةٍ عن الوجود، وأوّل ذلك: الضّلال في الدّين، وفقدان الرُّشد وطُروءُ السَّفَه في شأن الدّنيا، والانحرافُ في النّظرة إلى شئون الاجتماع البشريّ، والسياسة، وما يتداخَل فيها من حقوقٍ وواجباتٍ وآدابٍ، من فارقَها جُملةً صُنِّفَ في جملةِ الشواذّ، ولم يُرَ على سواءٍ من أمره(307)
وإذا كان الأمر كذلك، فإنّ علاجَ هذه الآفاتِ العقليّةِ يكونُ بما يقابلها من:
أوّلاً: توفيرُ الطّعامِ والشّراب المباح، وحفظ الكرامةِ، ورفع مستوى المعيشةِ الحلال، والإعانةُ على هدوء البال، بحيث تتحسَّسُ النُّفوسُ النّعمةَ، وتغتبطُ بالعافيةِ، فلا تتطلّع إلى ما وراء ذلك ممّا يُغضِبُ اللهَ ويرفعُ نِعَمَه ويُحِلُّ سَخَطَه.
ثانيًا: التعليم والترشيد، وإنارةُ البصائر، وطرحُ المباحثِ المعرفيّة أمام العقول، وإثراءُ ميادين العلم والثقافة، وتَعْلِيَةُ أقْدَارِ المُنتَمِين إليها اجتماعيًّا لتكون ميادينَ جاذبةً للنّاشئةِ وعُموم الخَلْق.
ولا ريب أنّ الوقْفَ حاضرٌ بكلّ قوَّةٍ في توفير هذه العلاجات والوِقايات، إذ إنّ ما يحفظُ العقلَ يرجعُ في المآلِ إلى ما يحفظُ النّفسَ وما يحفظُ الدّين، وعلى وجه الخصوص: ما يقوّي جبهة الإنسانِ المعرفيّة ويحصّنه أمام الملاهي والسفاسف والمغريات، بإشْغالِه بالعلمِ النّافع، فقد جاءَ في حديث ابن مسعودٍ مرفوعًا: الاستحياءُ من اللهِ حقَّ الحياء؛ أنْ تحفظَ الرأسَ وما وَعَى، والبَطْنَ وما
حَوَى، ولْتَذْكُرِ الموتَ والبِلَى(308)
ولأوقافِ الصحابةِ على الفقراءِ والمساكين حضورٌ في هذه المساحة بلا شك.
وعلى صعيد حفظ النّسل
عبَّر الأصوليّون عن هذه الضّروريّة تارةً ب(النّسل)، وتارةً بالنَّسَب، وتارةً بالبُضْعِ، وتارةً بالفَرْجِ، والكلامُ في المآلِ يرجعُ إلى منع الشريعةِ التزاحُم والاشتراكَ في الأبضاعِ، لِمَا يترتّبُ على ذلك من ضياعِ الأنسابِ واختلاطِها(309) .
ومن أشهر ما يُمثَّلُ به من التشريعاتِ الإسلاميّة لحفظِ النَّسَب: تحريم الزّنا، والزجر عن التلبُّس بدواعيه ومقدّماتِه من النّظر والخَلْوَةِ، وشرعُ العقوبةِ الزاجرةِ عنه والرّادعةِ عن اقترافِه، وهي الحدُّ؛ الجلد أو الرجم.
ومن أهمّ الوقايات الشرعيّة عن الوقوع في الزّنا: الزواجُ الشرعيُّ، المؤدّي إلى إعفاف الزوجَيْن، والذي يوفّر الدّاعي لاستمرار النّوع الإنسانيّ عن طريقِ جمع الذكر والأنثى في إطارٍ من الحقوق والواجبات المتبادَلة، ويرشّد الاتصال الغريزيّ بينهما لأجل استمتاعهما المباح.
إذا عُرِفَ هذا، فإنّ تيسيرَ شئون الزواج والارتباط الشرعيّ، هو حفظٌ للنّسبِ بالضرورةِ لقَطْعِهِ الطّريقَ أمام كلّ الفواحشِ والشّذوذات السلوكيّة التي تؤدّي إلى تضييع النّسَب، وكم من وَقْفٍ وَقَفَه المسلمون على هذا السبيل؟ إنّها حرفيًّا: لا تُعَدُّ ولا تُحصى!
ذكر ابن بطوطة في رحلته ما رآه بدمشق من أوقافٍ على
تيسير الزواج والترغيب فيه، قال: «والأوقافُ بدمشق لا تحصر أنواعها ومصارفها لكثرتها... ومنها أوقافٌ على تجهيز البنات إلى أزواجهنّ، وهنّ اللّواتي لا قُدْرَةَ لأهلهنّ على تجهيزهنّ»(310)
ودار الدُّقَّةِ بمرّاكش، كانت تستقبلُ النّساءَ اللّاتي تضطرُّهُنَّ مُغاضَبَةُ الزّوجِ وسوءُ معاملَتِه إلى الخروج من البيت، فيأوينَ إليها! لهُنَّ ما يكفيهنّ من حقّ المبيت والطعام والشراب حتى تزولَ عنهنّ سَوْرَةُ الغضب ووَحْشَةُ الإيذاءِ!(311) ولو لم يكن كذلك، ف«النّساءُ لَحْمٌ على وَضَمٍ(312) ، كلُّ أحدٍ يشتهيهنّ، وهُنَّ لا مَدْفَعَ عندهنّ» كما قال أبو بكر ابن العربي(313) ، ومعلومٌ أنّ المرأةَ في مثل هذه الحالةِ من أيسرِ تكونُ حالاً على ضِعافِ النّفوسِ ليستضعفوها ويُراودوها ويهتكوا حُرمَتَهَا.
ولا ريب أنّه على الجانب الآخر، كلُّ الأوقافِ على الفقراء والمساكين، تُثمر تماسُك الأسرةِ، وتُبقي البيوتَ قائمةً، لأنّها قد تنفكّ وتنهار بالفقر والعجز والعوز، أي: تُبْقِي على ثمرات الزواج متحقّقةً حاصلة، ومنها العفاف وتوريث الفضيلةِ إلى الأبناء.
وعلى صعيد حفظ المال
فإنّ الأوقافَ بَذْلٌ للمال، ونَقْلٌ
له مُضاعفًا إلى دارٍ أخرى، هي الدّار الآخرة، فهو استثمارٌ ضمن الرؤية الإيمانيّة الكليّة التي ينظر بها المؤمنُ إلى الوجود.
إلّا أنّه من جهةِ الموقوفِ عليهم، يوفّر لهم كلّ ما يحتاجونه من المال لتلبية حاجاتهم المهنويّة والنفسيّة، على اختلاف فئاتهم واختلاف الهيئة التي ينتفعون بها من الوقف، فأيًّا ما كان ريعُ الوقف الذي يُعطَى للموقوف عليه، طعامًا وشراباً، أو نَقْدًا، أو خدمةً كالتعليمِ، أو منفعةَ عينٍ كسُكْنى الدّار، فإنّ هذه جميعاً متقوّمةٌ شرعاً، أي: يمكنُ تقويمُها بالمال.
المبحث الثاني: فوائد فقهية من أوقاف النبي صلى الله عليه وسلم وأوقاف آله وصحبه
جاء تشريع الأوقاف منذ أن وطئت قدما نبينا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم أرض المدينة، وتنوعت الأوقاف منذ القرن الأوّل، وتفرّعت وتنوّعت المسائل والأحكام المتعلقة بها؛ ما دفع فقهاء الأمّة إلى تخصيص بابٍ للوقف في مجمل كتبهم، فأضحى موضوعاً مستقلًّا، وصُنّفت كتبٌ أخرى اختصّت به، وعنيت بجمع مسائله وموضوعاته القديمة والمستحدثة.
وما زال العلماء والفقهاء والباحثون يستنبطون ويستخرجون من فعل النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وسنته الصحيحة، وآثار آل بيته وصحابته رضوان الله عليهم، المسائل والأحكام إلى يومنا هذا، فلا يخلو كتاب من كتب الفقه الإسلامي إلا وللوقف فيه باب خاص(314) .
وقد وردت في الوقفِ جملةُ أحاديث، من أهمّها حديثُ عمر بن الخطّاب رضي الله عنه، وحديث عثمان بن عفّان في وقْفه بئر رُومة، وحديث سعد بن عبادة ووَقْفِه المِخراف، وكذلك حديثُ أبي طلحةَ الأنصاريّ ووقْفِه بَيْرُحاء، وقد تقدَّمَت كلُّها وأُحيلَ عليها مراراً، ومن مجموعِ ما وردَ،
يمكن للنّاظر أن يخلُصَ إلى أنّ الأوقافَ في عصر النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابِه تُفضي بنا إلى اعتبارِ هذه المعالِم:
الوقْف سُنَّةٌ قائمةٌ عمل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، واتّبعه آل بيتِه وأصحابُه رضوان الله عليهم، ثمّ التّابعون والمسلمون من بعدهم؛ فهو نظام إسلاميٌّ شُرع بالكتاب والسُّنَّةِ وإجماع الصّحابة. الصّدقة الجارية والوقف، كان يُطلَقُ عليه في عهد الصحابة مسمّى: (الصّدقة)، والصّدقة الجاريةُ إحدى الصّدقات بلا شكّ، لكنها جُعلت في عين تحبس ليستمرّ نفعها وأجرها، وسمّيت وقفاً، والوقف والتحبيس والتسبيل بمعنى واحد، وهو: المنع من التصرف. الوقف لا يكون إلا فيما له أصل يدوم الانتفاع به، وتبقى عينه، فأمّا الذي يُستهلَكُ بالانتفاع به فهو صدقة، وليس وقفاً؛ فلا يصحّ وقف ما لا يدوم الانتفاع به كالطعام. متى ثبت الوقف فإنّ العين لا يجوز أنْ تباع، ولا أنْ توهب، ولا أنْ تورَث. يُستحبُّ أنْ يكون المال المعطى صدقةً أو وقفًا من أجود وأنفس مال المتصدّق وأحبّه إليه، وهذا فِعل الصحابة والسلف؛ إذا أحبّوا شيئاً جعلوه لله سبحانه وتعالى. الصّدقة تصل إلى الميّت وتجري عليه الحسنات إلى ما بعد الممات، وفي هذا إجماع الأمة، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثةٍ: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له(315) والصدقة الجارية عمادُها
الوقف. التصدُّق للوالدين باب من أبواب برّهما حتى بعد موتهما، وهي من الأعمال التي يصل ثوابها للميت، وهذا عمل سعد بن عبادة رضي الله عنه، حيث بلغ به بر أمّه أنّه وقف لها وقفاً ينال به الأجر عند الله، ويجري لأُمِّه به الأجرُ بعد الممات، فالوقف من أعمال الأحياء المالية التي ينتفع بها الميت. يستحب لصاحب الوقف إذا أراد وَقفه: أن يستشير العلماء والصالحين وغيرهم من ذوي الخبرة والمعرفة، فعمر رضي الله عنه استشار النبي صلى الله عليه وسلم في أنفس مال ملكه كيف يتصدق به، وعثمان رضي الله عنه عندما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بتحقيق طلبه بشراء بئر رُوْمَةَ من خالص ماله؛ أرشده إلى أن يجعلها سقاية للمسلمين كافّة في كلّ عصر؛ يشرب منها الغني والفقير، والمقيم وابن السبيل. العلم الذي يُعَدُّ صدقةً جاريةً ويجري للعبد فيه الأجر بعد مماته هو: العلم الذي يُنتفع به، أما العلم الذي لا نفع فيه، أو العلم الذي فيه مضرة، والعلوم المفسدة للدين والأخلاق؛ فلا تدخل في الحديث، وليست من الصدقة الجارية. للواقف أنْ يشترط لنفسه جزءاً من ريع الموقوف؛ لأنّ عمر شرط لمن ولي وقفه أن يأكل منه بالمعروف، ولم يستثن إن كان هو الناظر أو غيره، فدلّ على صحّة الشّرط، ويُستنبَط كذلك منه صحّة الوقْف على النفس. من مقاصد الوقف: الوصول إلى أكبر عدد ممكن من المستفيدين، كوقف النبي محمد صلى الله عليه وسلم وتعدُّد مصارفه (الموقوف عليهم)، وكذلك وقف عثمان رضي الله عنه لبئر رُوْمَة، ووقف علي رضي الله عنه لأرض ينبع، ووقف بني النجار حائطهم لإقامة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها. الوقف صدقة ليست بواجبة، وإنما يتطوّع بها المسلم ويبذلها لوجه الله سبحانه وتعالى، فالوقف سنة مستحبة؛ مسنونة مشروعة، لا سيما مع
حاجة الناس إليها، وقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه إن شئت حبست أصلها(316) من باب الخيار، فالوقف سنة مستحبة. خبر وقف علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وإقطاع عمر بن الخطاب لعليِّ بن أبي طالب رضي الله عنهما أرضاً بينبع؛ فيه دلالة على حُسن إكرام عمر رضي الله عنه لآل رسول الله صلى الله عليه وسلم، والعلاقة الإيمانية بين الآل والأصحاب، وكذلك جواز وقف العطايا. وقف علي بن أبي طالب رضي الله عنه أرضه بينبع على ستة أصناف، وهم: الفقراء، والمساكين، وفي سبيل الله، وابن السبيل، والقريب، والبعيد؛ فيه جواز تعدد أصناف الموقوف عليهم من وقف واحد. حرص الصحابة الكرام على الإنفاق في سبيل الله، فيه حرصُهُم على نشر الإسلام وعزّ المسلمين، وحفظ كرامتهم وأوطانهم. الصحابة رضوان الله عليهم وثّقوا جميع وقفياتهم بالكتابة أو بالإشهار أو بكلَيْهِمَا؛ كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وغيره من الصحابة، وكثير من الصحابة رضوان الله عليهم كتب كتابه وفق ما ورد في وقفية عمر بن الخطاب رضي الله عنه. حرص الصحابة رضي الله عنهم على رعاية أوقافهم، بأنْ توَلَّوْا نظارتَها في حياتهم، ومنهم: عمر وعلي رضي الله عنهما، فقد كانا ناظرين لوقفَيْهِما. تدوين الوقفية كان له الأثر العظيم في حفظ
الوقف، فقد يقع النزاع فيه بعد موت الواقف، وقد تنازع بعض أبناء الصحابة رضي الله عنهم؛ فلجؤوا إلى الأمراء وبأيديهم الصكوك الوقفية والشهود؛ فحُكم بما في الصكوك الشرعية. الوقف في حال الصحّة والقوّة أفضل من التعليق بالموت أو الوصيّة حال المرض والاحتضار؛ كما في قوله صلى الله عليه وسلم في بيان أعظم الصّدقةِ: أنْ تصدَّق وأنت صحيحٌ شحيحٌ، تخشى الفقر وتأمل الغنى، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقومَ قلت: لفلان كذا ولفلان كذا، وقد كان لفلان(317) جواز التصدق من الحيّ في غير مرض الموت بأكثر من ثلث ماله، لأنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يستفصل أبا طلحة عن قدر ما تصدق به وما بقي له من المال والممتلكات. في أنواع الوقف وأقسامه: لم يكن المتقدمون يفرّقون في التسمية بين ما وُقف على الذرية، وما وُقف على غيرهم من جهات البرّ، بل الكل يسمى عندهم: وقفاً، أو حبساً، أو صدقة. فالوقف سواء كان على الأهل، أو على سائر جهات البر فيه معنى الخير، والإحسان، والصدقة. الصحابة رضي الله عنهم عرفوا نوعَي الوقف؛ الخيري والذُّرّيَّ، وهذا واضح من خلال النصوص الوقفية التي كتبوها في وقفياتهم، وأشهدوا الناس عليها. جواز وقف الخيل للمدافعة عن المسلمين، ويستنبط منه: جواز وقف الحيوان، وما ينتفع به المسلمون من أنواع المركوبات اليوم من
السيارات والطائرات والسُّفُن والزّوارق، وسائر الآليّات من وسائل النقل الحديثة، ويجري على واقفها الأجر العظيم. جواز التصريح بالوقف وإشهاره وإعلانه، والجهر بطلب أجر ذلك العمل من الله سبحانه وتعالى، وجواز تحدث الرجل بمناقبه عند الاحتياج إلى ذلك؛ لدفع مضرة، أو تحصيل منفعة، وإنما يكره ذلك عند المفاخرة، والمكاثرة، والعجب؛ كما فعل عثمان رضي الله عنه مع الخارجين عليه. صحة وقف المشاع الذي ينتفع به، والأرض المشاع يصح وقفها؛ كما فعل بنو النجار، وأقرهم النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك؛ وانعقاد الوقف قبل البناء، فيؤخذ منه: أنّ من وقف أرضاً على أنْ يبنيها مسجداً؛ انعقد الوقف قبل البناء. جواز انتفاع الواقف بوقفه، مثل ما فعل عثمان بن عفان رضي الله عنه في وقفه بئراً في المدينة المنورة؛ حيث أوقفها على المسلمين وجعل دلوه كأحد دلاء المسلمين، ووقف أنس داراً له في المدينة فكان إذا حج مرّ بالمدينة فنزل داره، فمن وقف مسجداً يكون هو وأولاده من جملة المصلين، ولمن وقف معهداً أو مدرسة تحفيظ للقرآن الكريم أن يكون أولاده من جملة الدارسين من الطلبة. جواز نظارة المرأة على الوقف إذا تحلّت بالكفاءة اللازمة للقيام بشؤون النظارة، وتقديمها على أقرانها من الرجال، فتخصيص حفصة أم المؤمنين دون إخوتها وأخواتها في النظارة على وقف عمر رضي الله عنهما دليل على رجاحة عقلها وحسن إدارتها. استحباب التفصيل في حجج ووثائق الوقف لحفظ
الوقف واستمراره، وإزالة اللبس في أعيانه وحدوده وشروطه ومصارفه، ومن يتولاه في النظارة. للواقف أن يشترط في وقفه ما يريد، بشرط ألَّا ينافي حكم الوقف، ولا يضر بالموقوف، ولا بمصلحة الموقوف عليهم، ولا يخالف شرع الله، ولا تصح مخالفته، وهو الذي قال فيه الفقهاء: «شرط الواقف كنص الشارع»، أي: في الفهم والدلالة والتزام العمل به. تولّى الخلفاء الراشدون النظر في بعض أموال النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، والبعض الآخر آلت نظارته إلى آل علي بن أبي طالب رضي الله عنه حتى استقل به آل العباس في خلافتهم ثم انقطع أخبارها بعد ذلك، ترى ذلك في بعض ما أحلْنَا عليه من المصادر عند الحديث عن وقف عليّ رضي الله عنه. جواز الوقف على أناس لا يحصون، كثيري العدد، والدليل على ذلك: قول عثمان رضي الله عنه: «فجعلتها سقاية للمسلمين». صحة وقف المنقول؛ لوَقْف خالد بن الوليد أعتادَه وأدراعه في سبيل الله، وهي من المنقولات غير التابعةِ لشيءٍ، بل وقَفَهَا استقلالاً في الوجه الذي يناسبُها. من مجمل أحاديث الوقف نخلص إلى أنّ كلّ وقف صدقة جارية، وليس كل صدقة جارية وقْفاً، فالوقف ما حبس لأصله وسبلت منفعته، أما الصدقة الجارية قد تكون علماً منشوراً، أو ولداً صالحاً فتلك من أعمال الصدقة الجارية وليست أوقافاً.
الخاتمة
أولاً: النتائج
في ختام هذا البحث الذي جمعنا فيه أوقاف آل بيت النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأوقاف صحابته الكرام رضوان الله عليهم، وأصولها ومجالاتها أود أن ألخص نتائج الجمع بالآتي:
الوقف سنة ثابتة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، فعلَها، ورغّب فيها، وتابعه عليها أصحابه الكرام رضي الله عنهم. الوقف ثابتٌ عن كلّ شرائح الصحابة رضي الله عنهم، من آل البيت وسائر الصحابة، ومن المهاجرين والأنصار، ومن الصغار والكبار، ومن المشاهير والسادات والفقهاء، وكذا من غير المشهورين الذين لم يشتهروا بفتوى ولا قضاء ولا ولاية ولا رواية. الوقف ثابت عن الآل والأصحاب على أنواعه الثلاثة التي عُرفت في تقسيم العلماء لاحقًا؛ الخيري، والذُّرّي، والمشترك. وقف الصّحب والآل كلَّ أنواع الأموالِ المعروفة تقريباً: الأراضي، والدُّور، والينابيع، والآبار، والأشجار المثمرة، والحيوانات من الخيل والنُّوق والجمال، وعتاد الحرب من السلاح والدُّروع. الصحب والآل رضي الله عنهم جميعاً، يحملون في سُنَّة الوقف اتجاهات متشابهة، بل متطابقة، يظهر ذلك من خلال الروايات والآثار ووثائق
الوقف الثابتة عنهم. من محاسن هذا الباب، أنّ أشهر أوقاف الآل وأثراها هو وقف أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، والقسمُ الأكبر منه هو في أصله إقطاعٌ من أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب رضي الله عنه، ثمّ أضاف إليه عليٌّ رضي الله عنه ما ملكَه بالشراء وبإحياء المَوات، فكان بذلك من خير الأمثلةِ على ما بين الصحب والآل من الودّ والتآخي ورعاية الحقّ والرَّحِم الموصولة. وظّف الصحابة رضي الله عنهم، وآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وهم منهم، أسلوب الإشهاد على الوقف، أو توثيقه بالكتابة، وكثيراً ما جمعوا بينهما. التراث الوقفيُّ للآل والأصحاب، كان هو الحاضنة العلميّة والمحسوسة التي مثّلت حجَّةً شرعيَّةً وواقعيَّةً لمشروعيَّة الوقف، وردًّا على المتشكّكين في مشروعيّته، واكتفى بعض الأئمّة في بعض الأحيان بالإشارة إلى ما كان قائمًا من أوقاف الصحابة في وقتهم للبرهنة على مشروعيّة الوقف. مثّلت أوقاف الصحب والآل، بتوزيعها الجغرافيّ، في أمصار العالم الإسلاميّ الكبرى من الحجاز والعراق والشام ومصر، أعظم إلهامٍ وحافزٍ للتابعين وأتباعهم وسائر الأمة من بعدهم، لإحياء سُنَّة الوقف والعمل بها ورعايتها وتطويرها وإدخالها إلى نطاقات ومجالات خدميّة أخرى، لم تكن عُرفت في جيل السّلف الأوّل، ولم تبرُز الحاجة إليها إلا لاحقًا. بعض الصحابة رضي الله عنهم، عمّرت أوقافُهم قُرونًا طويلةً جدًّا، فمنها ما عمّر إلى القرن العاشر كوقف سعد بن عبادة الأنصاري، ومنها ما هو باقٍ إلى اليوم، كوقف عثمان بن عفّان بالمدينة.
ثبتت عن جماعةٍ من الصحابةِ نصوصٌ وقفيَّةٌ مكتوبة، رُويت بالوجادة، واطّلع رُواتُها الأوّلون عليها مخطوطةً، وهي ذات مادّة تأريخيّة تستحقّ العناية الخاصّة بجمعها ودراستها. توزّعت أوقاف الصحب والآل رضي الله عنهم في مجموعها على كلّ أبواب البرّ، من الفقراء والمساكين والضّيف وابن السبيل، وعلى الجهاد في سبيل الله، بل احتوى بعضُها على النّصّ على إدخال الأغنياء في الوقف إحياءً لفضيلةِ الصّلةِ والتحبُّب إلى المسلمين، بالإضافة إلى الوقف على الذّريّة، ممّا جعلها باستقراء تأثيرها مراعيّةً لمقاصد الشريعة على وجه الاستيعاب النّوعيّ، وإنْ كانت في الكمّ مناسبةً لحاجات المرحلةِ وإمكانيّاتها. الوقف كان وما زال مصدر قوة للأمة، وفي بعض اللّحظات عُدَّ فضيلةً كبيرةً لا تُضاهى لمن بادر إليه، كما حدث مع عثمان رضي الله عنه عندما استجاب لترغيب النبيّ صلى الله عليه وسلم في تسبيل بئر رُوْمَةَ لمصالح المسلمين العامّة، فإنّ أهميّة هذا الحدث استدعَت أنْ يذكرَه النبيُّ صلى الله عليه وسلم بخصوصِه، ويثني على فاعله، ولم يكن هذا إلّا وقْفًا شديد الخصوصيّة والأهميّة. الوقف وصدقةُ التمليك كان يطلق عليهما في عهد الصحابة اسم الصدقة، على اعتبار أنّ الوقف من جنس الصدقة، لكنه يختصّ بالتصدُّق بالثمرة وحبس الأصل كما هو في تعريفه، أمّا اسمُ الوقف والحبس فقد شاع بعد ذلك.
ثانياً: التوصيات
العمل على نشر تراث الآل والأصحاب الدالّ على العمل المشترك والرؤية المشتركة، مع إبراز ثقافة الاتفاق التي تُعَدُّ السّمة البارزة لتراثهم
الوقفيّ. إعداد مذكّرةٍ دراسيَّةٍ تشملُ مبادئ فقه الوقف وأحكامه، وجوهره الحضاريّ، ونماذج من تراث الأمّة الإسلاميّة الوقفيّ من مجالات متعدّدة، كالتعليم والصّحّة والعلاقات الاجتماعيّة، بهدف تدريسها في الدورات التثقيفيّة والإداريّة، وعلى هامش الدّروس النّظاميّة في المدارس والجامعات، تمهيداً لإدخال ما يليق بهذا التشريع العظيم في المناهج الدّراسيّة النّظاميّة. الاستفادة من تراث الآل والأصحاب في الوقف بتوظيفه عاملاً روحانيًّا في سبيل إحياء سُنَّة الوقف. تبنّي المزيد من الدّراسات التوثيقية والتاريخيّة لأوقاف الصحب والآل رضي الله عنهم، في سبيل الكشف عن حقيقة ما آلت إليه مع سيرورة الزمن، بُغيَةَ رصد تأثيرها وتقييم ثمارها المحسوسة والتربويّة الإيمانيّة على مرّ الأجيال. الاستنادُ على تراث الآل والأصحاب في صناعة جيلٍ من أبناء المسلمين، مقبلٍ على العمل، مُقِلٍّ من الكلام، باحثٍ عن مساحات اللقاء والوِفاق، مجتنبٍ لكلّ ما لا طائل تحتَه من القضايا والأطروحات الخاوية من أي منفعة للإسلام والمسلمين.
وختامًا: أسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن ينفع بهذه الرسالة ويجعلها أجراً لجامعها يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلبٍ سليم، وبابًا لنشر العلم الذي تستمر به الحسنات في الحياة وبعد الممات.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
المصادر والمراجع
القرآن الكريم.
الإبانة في اللغة العربية. العَوْتَبي، سلمة بن مسلم، تحقيق: عبد الكريم خليفة وآخرين، وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان، ط1، 1999م. أبجد العلوم. القنّوجي، أبو الطيّب، محمّد صدّيق خان بن حسن، دار ابن حزم، ط1، 2002م. الأحباس الإسلامية في المملكة المغربية. الناصري، محمد المكي، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المملكة المغربية، بدون طبعة ولا تاريخ. أحكام الأوقاف. الخصّاف، أبو بكر، أحمد بن عمرو، تحقيق: محمد عبد السلام شاهين، دار الكتب العلمية، ط1، 1999م. الأحكام السلطانية. الماوردي، علي بن محمد، دار الحديث القاهرة، بدون طبعة ولا تاريخ. الإحكام في أصول الأحكام. الآمدي، علي بن أبي علي بن محمد، تحقيق: عبد الرزاق عفيفي، المكتب الإسلامي، بدون طبعة ولا تاريخ. أحكام القرآن. المعافري، محمد بن عبد الله ابن العربي، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، ط3، 2003م. أحكام الوصايا والأوقاف. شلبي، محمد مصطفى، الدار الجامعية بيروت، ط4، 1982م. أحكام الوقف. الكبيسي، محمد عبيد، مطبعة الإرشاد بغداد، بدون طبعة، 1977م. أحكام الوقف. البصري، هلال بن يحيى بن سلمة الرأي، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية حيدر آباد الدكن، ط1، 1355ه.
أحكام الوقف، دراسة قانونية فقهية مقارنة بين الشريعة والقانون. القضاة، منذر عبد الكريم، دار الثقافة، ط1، 2011م. الأخبار العلمية من الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية مع تعليقات الشيخ محمد بن صالح العثيمين. البعلي، علاء الدين، علي بن محمد، تحقيق: أحمد الخليل، دار العاصمة، بدون طبعة ولا تاريخ. أخبار القضاة. الضّبي، وكيع، محمد بن خلف بن حيّان، تحقيق: عبد العزيز المراغي، المكتبة التجارية الكبرى مصر، ط1، 1947م. أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه. الفاكهي، محمد بن إسحاق، تحقيق: عبد الملك دهيش، دار خضر بيروت، ط2، 1414ه. أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار. الأزرقي، محمد بن عبد الله، تحقيق: رشدي الصالح ملحس، دار الأندلس، بدون طبعة ولا تاريخ. إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل. الألباني، محمد ناصر الدين، المكتب الإسلامي، ط2، 1985م. الاستغناء في معرفة المشهورين من حملة العلم بالكنى. النمري، ابن عبد البر، يوسف بن عبد الله، تحقيق: عبد الله السوالمة، دار ابن تيمية المملكة العربية السعودية، ط1، 1985م. الاستيعاب في معرفة الأصحاب. النمري، ابن عبد البر، يوسف بن عبد الله، تحقيق: علي البجاوي، دار الجيل، ط1، 1992م. أسماء من يعرف بكنيته. الأزدي، أبو الفتح، محمد بن الحسين، تحقيق: أبو عبد الرحمن إقبال، الدار السلفية الهند، ط1، 1989م. الأشباه والنظائر. ابن نجيم، زين الدين بن إبراهيم بن محمد، تحقيق: زكريا عميرات، دار الكتب العلمية، ط1، 1999م. الأشباه والنظائر. السبكي، تاج الدين، عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي، تحقيق: عادل عبد الموجود، وعلي معوّض، دار الكتب العلمية، ط1، 1991م.
الإصابة في تمييز الصحابة. العسقلاني، أحمد بن علي بن حجر، تحقيق: عبد الله التركي وآخرين، دار هجر، بدون طبعة ولا تاريخ. أعلام الحديث. الخطّابي، أبو سليمان، حمد بن محمد، تحقيق: محمد بن سعد آل سعود، مركز البحوث العلمية وإحياء التراث الإسلامي بجامعة أم القرى، ط1، 1988م. إعلام الموقّعين عن ربّ العالمين. ابن قيم الجوزية، محمد بن أبي بكر بن أيوب، تحقيق: مشهور حسن سلمان، دار ابن الجوزي، ط1، 1423ه. الإفصاح عن معاني الصحاح. الذّهلي، يحيى بن هبيرة، تحقيق: فؤاد أحمد، دار الوطن، بدون طبعة، 1417ه. الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل. الحجّاوي، أبو النّجا، موسى بن أحمد، تحقيق: عبد اللطيف السبكي، دار المعرفة، بدون طبعة ولا تاريخ. إكمال المعلم بفوائد مسلم. السبتي، عياض بن موسى بن عياض، تحقيق: يحيى إسماعيل، دار الوفاء مصر، ط1، 1998م. الأم. الشافعي، محمد بن إدريس، تحقيق: رفعت فوزي عبد المطلب، دار الوفاء مصر، ط1، 2001م. الأماكن، أو ما اتفق لفظُه وافترق مسمّاه. الحازمي، أبو بكر، محمد بن موسى بن عثمان، تحقيق: حمد الجاسر، دار اليمامة، بدون طبعة، 1415ه. أنساب الأشراف. البلاذري، أحمد بن يحيى بن جابر، تحقيق: سهيل زكار ورياض الزركلي، دار الفكر، ط1، 1996م. الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف. المرداوي، علي بن سليمان، دار إحياء التراث العربي، ط2، بدون تاريخ. أنوار البروق في أنواء الفروق مع حاشية ابن الشاط. القرافي، شهاب الدّين، أحمد بن إدريس، عالم الكتب، بدون طبعة ولا تاريخ. الأوقاف الإسلامية في فلسطين في العصر المملوكي، الخطيب، محمد
عثمان، أطروحة دكتوراة، بدون ناشر ولا طبعة ولا تاريخ. الأوقاف النبوية وأوقاف الخلفاء الراشدين. الحجيلي، عبد الله بن محمد، دار الكتب العلمية، ط1، 2011م. الأوقاف والحياة الاجتماعية في مصر. أمين، محمد محمد، مطبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، بدون طبعة، 2014م. الأوقاف والمجتمع والسياسة في مصر. غانم، إبراهيم البيومي، دار الشروق، ط1، 1998م. البحر الرائق شرح كنز الدقائق. ابن نجيم، زين الدين بن إبراهيم بن محمد، دار الكتاب الإسلامي، ط2، بدون تاريخ. بحر المذهب. الروياني، عبد الواحد بن إسماعيل، تحقيق: طارق السيد، دار الكتب العلمية، ط1، 2009م. بداية المحتاج في شرح المنهاج. ابن قاضي شهبة، بدر الدين، محمد بن أبي بكر، عني به: أنور الداغستاني، دار المنهاج للنشر والتوزيع جدّة، ط1، 2011م. البلدان. ابن الفقيه، أحمد بن محمد بن إسحاق، تحقيق: يوسف الهادي، عالم الكتب، ط1، 1996م. بلغة السالك لأقرب المسالك. الصاوي، أحمد بن محمد، دار المعرفة، بدون طبعة ولا تاريخ. البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل للمسائل المستخرجة. ابن رشد، أبو الوليد، محمد بن أحمد، تحقيق: محمد حجي وآخرين، دار الغرب الإسلامي، ط2، 1988م. تاج العروس من جواهر القاموس. الزبيدي، محمد مرتضى، تحقيق: مجموعة من المحققين، دار الهداية، بدون طبعة ولا تاريخ. تاريخ دمشق. ابن عساكر، أبو القاسم، علي بن الحسن، تحقيق: عمرو العمروي، دار الفكر، بدون طبعة، 1995م.
تاريخ المدينة. النميري، عمر بن شبّة، تحقيق: فهيم شلتوت، دار الفكر إيران، بدون طبعة، 1386ه. التبصرة. اللخمي، علي بن محمد، تحقيق: أحمد عبد الكريم نجيب، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية قطر، ط1، 2011م. تجديد الوعي بنظام الوقف الإسلامي. غانم، إبراهيم البيّومي، دار البشير للثقافة والعلوم، ط1، 2016م. التحبير شرح التحرير. المرداوي، علي بن سليمان، تحقيق: عبد الرحمن الجبرين وآخرين، مكتبة الرشد السعودية، ط1، 2000م. التحجيل في تخريج ما لم يخرج من الأحاديث والآثار في إرواء الغليل. الطريفي، عبد العزيز بن مرزوق، مكتبة الرشد الرياض، ط1، 2001م. تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة. البيضاوي، عبد الله بن عمر، تحقيق: لجنة مختصة بإشراف نور الدين طالب، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية الكويت، بدون طبعة، 2012م. تحفة الأريب بما في القرآن من الغريب. الأندلسي، أبو حيّان، محمد بن يوسف بن علي، تحقيق: سمير المجذوب، المكتب الإسلامي، ط1، 1983م. تحفة الحبيب على شرح الخطيب. البجيرمي، سليمان بن محمد بن عمر، بدون طبعة، 1995م. تحفة النّظّار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار. ابن بطوطة، محمد بن عبد الله، أكاديمية المملكة المغربية الرباط، بدون طبعة، 1417ه. تحفة المحتاج في شرح المنهاج. الهيتمي، أحمد بن حجر، تحقيق: لجنة من العلماء، المطبعة التجارية الكبرى بمصر، بدون طبعة، 1983م. تخريج أحاديث مشكلة الفقر وكيف عالجها الإسلام. الألباني، محمد ناصر الدّين، المكتب الإسلامي، ط1، 1984م. ترتيب الصنوف في أحكام الوقوف، حيدر، علي، ترجمة وتعليق: أكرم عبد الجبار،
محمد العمر، تحقيق: حسن الطّيلوش، مؤسسة الريّان ناشرون، المكتبة المكيّة، بدون طبعة ولا تاريخ. التربية الوقفية الأمانة العامة للأوقاف نموذجاً د. عبدالمحسن الجارالله الخرافي و د. عيسى صوفان القدومي وآخرون، الأمانة العامة للأوقاف، الكويت، ٢٠١٣م. ترتيب اللآلي في سلك الأمالي. ناظر زاده، محمد بن سليمان، تحقيق: خالد آل سليمان، مكتبة الرشد، ط1، 2004. الترغيب والترهيب. الأصبهاني، قوّام السّنّة، إسماعيل بن محمد بن الفضل، تحقيق: أيمن صالح شعبان، دار الحديث القاهرة، ط1، 1993م. التعريفات. الجرجاني، علي بن محمد بن علي، تحقيق: جماعة من العلماء بإشراف الناشر، دار الكتب العلمية، ط1، 1983م. التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان. الألباني، محمد ناصر الدّين، دار باوزير للنشر والتوزيع جدّة، ط1، 2003م. تفسير القرآن. النيسابوري، ابن المنذر، محمد بن إبراهيم، تحقيق: سعد السعد، دار المآثر، ط1، 2002م. التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير. العسقلاني، أحمد بن علي بن حجر، دار الكتب العلمية، ط1، 1989م. التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد. النّمري، يوسف بن عبد الله ابن عبد البرّ، تحقيق: مصطفى العلوي، ومحمد عبد الكبير، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغرب، 1387ه، بدون تاريخ. التنوير شرح الجامع الصغير. الصنعاني، الأمير، محمد بن إسماعيل، تحقيق: محمد إبراهيم، مكتبة دار السلام الرياض، ط1، 2011م. تهذيب التهذيب. العسقلاني، أحمد بن علي بن حجر، مطبعة دائرة المعارف النظامية الهند، ط1، 1326ه. تيسير الوقوف على غوامض أحكام الوقوف. المناوي، محمد عبد الرؤوف، تحقيق:
مركز البحوث والدراسات بمكتبة نزار مصطفى الباز، مكتبة نزار مصطفى الباز، ط1، 1998م. الجامع لأحكام القرآن. القرطبي، أبو عبد الله، محمد بن أحمد، تحقيق: أحمد البردوني، وإبراهيم اطفيش، دار الكتب المصرية القاهرة، ط2، 1964م. الجامع لمسائل المدوّنة. الصقلّي، محمد بن عبد الله بن يونس، تحقيق: مجموعة باحثين، معهد البحوث العلمية وإحياء التراث الإسلامي بجامعة أم القرى، دار الفكر للطباعة والنشر، ط1، 2013م. الجبال والأمكنة والمياه. الزمخشري، محمود بن عمر، تحقيق: أحمد عبد التواب عوض، دار الفضيلة، بدون طبعة، 1999م. جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على خير الأنام. ابن قيم الجوزية، محمد بن أبي بكر بن أيوب، تحقيق: زائد بن أحمد النّشيري، مطبوعات مجمع الفقه الإسلامي، دار عالم الفوائد، ط1، 1425ه. جمهرة اللغة. ابن دريد، أبو بكر، محمد بن الحسن، تحقيق: بعلبكي، رمزي منير، دار العلم للملايين بيروت، ط1، 1987م. حاشية الدّسوق على الشرح الكبير. الدسوقي، محمد بن أحمد بن عرفة، دار الفكر، بدون طبعة ولا تاريخ. حجّة الله البالغة. الدّهلوي، أحمد بن عبد الرحيم، وليّ الله، تحقيق: السيد سابق، دار الجيل، ط1، بيروت لبنان، 2005م. الحضارة العربية الإسلامية وموجز عن الحضارات السابقة. أبو خليل، شوقي، دار الفكر المعاصر بيروت، دار الفكر دمشق، ط1، 1994م. حلية الأولياء وطبقات الأصفياء. الأصبهاني، أبو نعيم، أحمد بن عبد الله بن أحمد، دار السعادة مصر، بدون طبعة، 1974م. الدارس في تاريخ المدارس. النعيمي، عبد القادر بن محمد، تحقيق: إبراهيم شمس الدّين، دار الكتب العلمية، ط1، 1990م.
دراسة وثائقية وقفية في الإسلام. الحجيلي، عبد الله بن محمد، مجلة أوقاف، العدد (3)، الكويت، 2002م. الدرر السنية في الأجوبة النجدية. علماء نجد الأعلام، جمع وتحقيق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، ط6، 1996م. ديوان الأحكام الكبرى. الجيّاني، أبو الأصبغ، عيسى بن سهل، تحقيق: يحيى مراد، دار الحديث القاهرة، بدون طبعة، 2007م. الذخيرة. القرافي، شهاب الدين، أحمد بن إدريس، تحقيق: محمد حجي وآخرين، دار الغرب الإسلامي، ط1، 1994م. رد المحتار على الدر المختار. ابن عابدين، محمد أمين بن عمر، دار الفكر، ط2، 1992م. روضة الطالبين وعمدة المفتين. النووي، يحيى بن شرف، تحقيق: زهير الشاويش، المكتب الإسلامي، ط3، 1991م. زاد المعاد في هدي خير العباد. ابن قيم الجوزية، محمد بن أبي بكر بن أيوب، مؤسسة الرسالة بيروت، مكتبة المنار الإسلامية الكويت، ط27، 1994م. زبدة كشف الممالك وبيان الطرق والمسالك. الظاهري، غرس الدّين، خليل بن شاهين، تحقيق: بولس راويس، المطبعة الجمهورية باريس، 1893م. الزهد. السجستاني، أبو داود، سليمان بن الأشعث، تحقيق: ياسر بن إبراهيم وغنيم عباس، دار المشكاة، ط1، 1993م. سنن ابن ماجه. القزويني، محمد بن يزيد، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء الكتب العربية، بدون طبعة ولا تاريخ. سنن أبي داود. السجستاني، سليمان بن الأشعث، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية لبنان، بدون طبعة ولا تاريخ. سنن الترمذي. الترمذي، محمد بن عيسى بن سورة، تحقيق: أحمد شاكر وآخرين، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، ط2، 1975م.
سنن الدارقطني. الدارقطني، علي بن عمر، تحقيق: شعيب الأرنؤوط وآخرين، مؤسسة الرسالة، ط1، 2004م. سنن الدارمي. الدارمي، السمرقندي، عبد الله بن عبد الرحمن، تحقيق: حسين سليم أسد، دار المغني للنشر والتوزيع، ط1، 2000م. سنن سعيد بن منصور. الجوزجاني، أبو عثمان، سعيد بن منصور بن شعبة، تحقيق: سعد آل حميّد، دار العصيمي، ط1، 1414ه. السنن الكبرى. البيهقي، أحمد بن الحسين، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، مكتبة دار الباز مكة المكرمة، بدون طبعة، 1994م. سنن النّسائي. النسائي، أحمد بن شعيب، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة، مكتب المطبوعات الإسلامية حلب، ط2، 1986م. سير أعلام النبلاء. الذهبي، شمس الدين، محمد بن أحمد بن قايماز، تحقيق: مجموعة من المحققين، مؤسسة الرسالة، ط3، 1985م. السيرة النبوية. المعافري، عبد الملك بن هشام، تحقيق: طه عبد الرؤوف سعد، دار الجيل، ط1، 1411ه. شذرات الذهب في أخبار من ذهب. ابن العماد، عبد الحي بن أحمد، تحقيق: محمود الأرنؤوط، عبد القادر الأرنؤوط، دار ابن كثير، ط1، 1986م. شرح صحيح البخاري. ابن بطّال، علي بن خلف بن عبد الملك، تحقيق: ياسر بن إبراهيم، مكتبة الرشد الرياض، ط2، 2003م. شرح القواعد الفقهية. الزرقا، أحمد محمد، تحقيق: مصطفى الزرقا، دار القلم دمشق، ط2، 1989م. شرح مختصر خليل. الخرشي، محمد بن عبد الله، دار الفكر بيروت، بدون طبعة ولا تاريخ. شرح مختصر خليل. الزّرقاني، عبد الباقي بن محمد، تحقيق: عبد السلام أمين، دار الكتب العلمية، ط1، 2002م.
شمس العرب تسطع على الغرب. هونْكَه، زيغريد، ترجمه: فاروق بيضون وكمال دسوقي، راجعه: مارون الخوري، دار الجيل، دار الآفاق الجديدة، ط8، 1993م. شمس العلوم ودواء العرب من الكلوم. الحميري، نشوان بن سعيد، تحقيق: حسين العمري وآخرين، دار الفكر المعاصر بيروت، دار الفكر، دمشق، ط1، 1999م. الصّحاح، تاج اللغة وصحاح العربيّة. الجوهري، إسماعيل بن حماد، تحقيق: حمد عبد الغفور عطار، دار العلم للملايين بيروت، ط4، 1987م. صحيح البخاري. البخاري، محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة، ط1، 1422ه. صحيح ابن خزيمة. ابن خزيمة، محمد بن إسحاق، تحقيق: محمد مصطفى الأعظمي، المكتب الإسلامي، ط3، 2003م. صحيح الترغيب والترهيب. الألباني، محمد ناصر الدّين، مكتبة المعارف الرياض، ط1، 2000م. صحيح الجامع الصغير وزياداته. الألباني، محمد ناصر الدين، المكتب الإسلامي، بدون طبعة ولا تاريخ. صحيح مسلم. النيسابوري، مسلم بن الحجّاج، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بدون طبعة ولا تاريخ. الطبقات الكبرى. ابن سعد، محمد بن سعد بن منيع، تحقيق: إحسان عبّاس، دار صادر، ط1، 1968م. العدّة في أصول الفقه. الفرّاء، أبو يعلى، محمد بن الحسين بن محمد، تحقيق: أحمد علي سير المباركي، بدون ناشر، ط2، 1990م. العزيز شرح الوجيز. الرافعي، عبد الكريم بن محمد، تحقيق: عادل عبد الموجود، وعلي معوّض، دار الكتب العلمية، ط1، 1997م. عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة. ابن شاس، جلال الدين، عبد الله بن نجم، تحقيق: حميد لحمر، دار الغرب الإسلامي، ط1، 2003م.
عيون الأنباء في طبقات الأطباء. الخزرجي، ابن أبي أصيبعة، أحمد بن القاسم، تحقيق: نزار رضا، دار مكتبة الحياة بيروت، بدون طبعة ولا تاريخ. غريب الحديث. الحربي، إبراهيم بن إسحاق، تحقيق: سليمان العايد، جامعة أم القرى، ط1، 1405ه. غمز عيون البصائر بشرح الأشباه والنظائر. الحموي، شهاب الدّين، أحمد بن محمد مكي، دار الكتب العلمية، ط1، 1985م. الفتاوى المهدية في الوقائع المصرية. العباسي، محمد، المطبعة الأزهرية المصرية، ط1، 1301ه. فتح الباري شرح صحيح البخاري. العسقلاني، أحمد بن علي بن حجر، دار المعرفة بيروت، 1379ه. فتح القدير. ابن الهمام، كمال الدين، محمد بن عبد الواحد، دار الفكر، بدون طبعة ولا تاريخ. فتح المغيث بشرح ألفية الحديث. السخاوي، محمد بن عبد الرحمن، تحقيق: علي حسين علي، مكتبة السنة مصر، ط1، 2003م. الفروق اللغويّة. العسكري، أبو هلال، الحسن بن عبد الله، تحقيق: بيت الله بيات وآخرين، مؤسسة النشر الإسلامي قُم، ط1، 1412ه. الفقه الإسلامي وأدلته. الزحيلي، وهبة، دار الفكر دمشق، ط4، بدون تاريخ. القاموس المحيط. الفيروز آبادي، محمد بن يعقوب، تحقيق: مكتب تحقيق التراث في مؤسسة الرسالة بإشراف نعيم العرقسوسي، مؤسسة الرسالة، ط8، 2005م. الكاشف عن حقائق السنن. الطّيبي، شرف الدين، الحسين بن عبد الله، تحقيق: عبد الحميد هنداوي، مكتبة نزار الباز، ط1، 1997م. الكامل في اللغة والأدب. المبرد، أبو العباس، محمد بن يزيد، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار الفكر العربي القاهرة، ط3، 1997م. كتاب الوقف. عشوب، عبد الجليل عبد الرحمن، دار الآفاق الغربية، ط1، 2000م.
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون. كاتب جلبي، مصطفى بن عبد الله، مكتبة المثنى بغداد، بدون طبعة، 1941م. كشف المشكل من حديث الصحيحين. ابن الجوزي، أبو الفرج، عبد الرحمن بن علي، تحقيق: علي حسين البوّاب، دار الوطن، بدون طبعة ولا تاريخ. كشاف القناع عن متن الإقناع. البهوتي، منصور بن يونس، دار الكتب العلمية، بدون طبعة ولا تاريخ. كشف الأستار عن زوائد البزار. الهيثمي، نور الدّين، علي بن أبي بكر، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، مؤسسة الرسالة، ط1، 1979م. كفاية النبيه في شرح التنبيه. ابن الرفعة، نجم الدّين، أحمد بن محمد بن علي، تحقيق: مجدي باسلوم، دار الكتب العلمية، ط1، 2009م. لسان الحكام في معرفة الأحكام. ابن الشّحنة، أحمد بن محمد، البابي الحلبي، ط2، 1973م. لسان العرب. الإفريقي، محمد بن مكرم بن علي ابن منظور، دار صادر، ط3، 1414ه. المبسوط. السرخسي، محمد بن أحمد بن أبي سهل، دار المعرفة بيروت، بدون طبعة، 1993م. المجالسة وجواهر العلم. الدّينوري، أحمد بن مروان، تحقيق: مشهور حسن سلمان، جمعية التربية الإسلامية البحرين، دار ابن حزم لبنان، بدون طبعة، 1419ه. مجلة الأحكام العدلية. لجنة من العلماء في الدولة العثمانية، تحقيق: نجيب هواويني، نور محمد كارخانه تجارت كتب، آرام باغ كراتشي، بدون طبعة ولا تاريخ. المجموع شرح المهذب. النووي، يحيى بن شرف، دار الفكر، بدون طبعة ولا تاريخ.
مجموع الفتاوى. الحرّاني، أحمد بن عبد الحليم ابن تيميّة، تحقيق: عبد الرحمن بن قاسم، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، بدون طبعة، 1995م. محاضرات في الوقف. أبو زهرة، محمد، دار الفكر العربي، ط2، بدون تاريخ. المحلّى بالآثار. الأندلسي، علي بن سعيد ابن حزم، دار الفكر بيروت، بدون طبعة ولا تاريخ. مختار الصّحاح. الرازي، محمد بن أبي بكر بن عبد القادر، تحقيق: محمود خاطر، مكتبة لبنان ناشرون بيروت، ط1، 1995م. المختصر الفقهي. التونسي، ابن عرفة، محمد بن محمد، تحقيق: حافظ خير، مؤسسة خلف الحبتور للأعمال الخيرية، ط1، 2014م. مدخل إلى مقاصد الشريعة الإسلامية. الريسوني، أحمد، دار الكلمة للنشر والتوزيع، ط1، 2010م. المدوّنة. الأصبحي، مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر، دار الكتب العلمية، ط1، 1994م. المراسيل. الرازي، ابن أبي حاتم، عبد الرحمن بن محمد، تحقيق: شكر الله قوجاني، مؤسسة الرسالة بيروت، ط1، 1379ه. مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع. الحنبلي، صفيّ الدين، عبد المؤمن بن عبد الحق، دار الجيل بيروت، ط1، 1412م. مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح. القاري، علي بن سلطان، دار الفكر لبنان، ط1، 2002م. مسائل أبي الوليد ابن رشد. ابن رشد، أبو الوليد، محمد بن أحمد، تحقيق: محمد التجكاني، دار الجيل لبنان، دار الآفاق الجديدة المغرب، ط2، 1993م. المستصفى. الغزالي، أبو حامد، محمد بن محمد، تحقيق: محمد عبد الشافي، دار الكتب العلمية، ط1، 1993م. مسند أبي يعلى. الموصلي، أبو يعلى، أحمد بن علي بن المثنّى، تحقيق: حسين
سليم أسد، دار المأمون، ط1، 1984م. مسند أحمد بن حنبل. الشيباني، أحمد بن محمد بن حنبل، دار قرطبة، بدون طبعة ولا تاريخ. مسند البزّار. البزّار، أحمد بن عمرو بن عبد الخالق، تحقيق: محفوظ الرحمن زين الله وآخرين، مكتبة العلوم والحكم المدينة المنورة، ط1، 2009م. المشيّدات الوقفية والخيرية في بلاد الشام أبان العصر المملوكي، دراسة تاريخية حضارية. الجبوري، عبد السلام شبيب، دار الكتاب الثقافي، بدون طبعة، 2014م. المصباح المنير في غريب الشرح الكبير. الفيومي، أحمد بن محمد بن علي، المكتبة العلمية بيروت، بدون طبعة ولا تاريخ. المصطلحات الوقفية، الأمانة العامة للأوقاف. المصنف. ابن أبي شيبة، أبو بكر، عبد الله بن محمد، تحقيق: كمال الحوت، مكتبة الرشد الرياض، ط1، 1409ه. المصنف. الصنعاني، عبد الرزاق بن همام، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، المجلس العلمي الهند، ط2، 1403ه. مطالب أولي النهى بشرح غاية المنتهى. الرحيباني، مصطفى بن سعد، المكتب الإسلامي، ط2، 1994م. مطالع الأنوار على صحاح الآثار. الوهراني، ابن قرقول، إبراهيم بن يوسف بن أدهم، تحقيق: دار الفلاح للبحث العلمي وتحقيق التراث، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية قطر، ط1، 2012م. معجم البلدان. الحموي، ياقوت بن عبد الله، دار صادر، ط2، 1995م. المعجم الكبير. الطبراني، سليمان بن أحمد، تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي، مكتبة ابن تيمية القاهرة، ط2، بدون تاريخ. معرفة أنواع علوم الحديث. الشهرزوري، ابن الصلاح، عثمان بن عبد الرحمن،
تحقيق: نور الدين عتر، دار الفكر سورية، دار الفكر المعاصر لبنان، بدون طبعة، 1986م. معرفة السنن والآثار. البيهقي، أحمد بن الحسين، تحقيق: عبد المعطي قلعجي، جامعة الدراسات الإسلامية باكستان، دار قتيبة (دمشق بيروت)، دار الوعي سورية، دار الوفاء مصر، ط1، 1991م. معرفة الصحابة. الأصبهاني، أبو نعيم، أحمد بن عبد الله، تحقيق: عادل العزازي، دار الوطن الرياض، ط1، 1998م. المغني. المقدسي، عبد الله بن أحمد ابن قدامة، مكتبة القاهرة، بدون طبعة، 1968م. مفاهيم حول الآل والأصحاب. العليمي، راشد سعد، وأحمد، سيد أحمد، مبرّة الآل والأصحاب، ط1، 2009م. المفردات في غريب القرآن. الأصفهاني، الراغب، الحسين بن محمد، تحقيق: صفوان الداوودي، دار القلم، الدار الشامية، ط1، 1412ه. مقاصد الشريعة الإسلامية وعلاقتها بالأدلّة الشرعيّة. اليوبي، محمد سعد، دار الهجرة للنشر والتوزيع، ط1، 1998م. مقاييس اللغة. القزويني، أحمد بن فارس بن زكرياء، تحقيق: عبد السلام هارون، دار الفكر، بدون طبعة، 1979م. المقدمات الممهدات. ابن رشد، أبو الوليد، محمد بن أحمد، تحقيق: محمد حجي، دار الغرب الإسلامي، ط1، 1988م. المقنع في فقه الإمام أحمد بن حنبل. المقدسي، عبد الله بن أحمد ابن قدامة، تحقيق: محمود الأرؤوط، وياسين الخطيب، مكتبة السوادي للتوزيع جدّة، ط1، 2000م. من روائع حضارتنا. السباعي، مصطفى، دار الورّاق، ط1، 1999م. منح الجليل شرح مختصر خليل. المالكي، محمد بن أحمد بن محمد علّيش، دار الفكر بيروت،
بدون طبعة، 1989م. المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج. النووي، يحيى بن شرف، دار إحياء التراث العربي بيروت، ط2، 1392ه. منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدّين. السّعدي، عبد الرحمن بن ناصر، قدّم له: عبد الله بن عبد العزيز العقيل، دار الوطن، ط2، 2002م. المهذب في فقه الإمام الشافعي. الشيرازي، أبو إسحاق، إبراهيم بن علي بن يوسف، دار الكتب العلمية، بدون طبعة ولا تاريخ. الموسوعة الفقهية الكويتية، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية الكويت. موسوعة القواعد الفقهية. البورنو، محمد صدقي، مؤسسة الرسالة، ط1، 2003م. نسب قريش. الزبيري، مصعب بن عبد الله بن مصعب، تحقيق: ليفي بروفنسال، دار المعارف القاهرة، ط3، بدون تاريخ. نفائس الأصول في شرح المحصول. القرافي، أحمد بن إدريس، عادل عبد الموجود، وعلي معوّض، مكتبة نزار مصطفى الباز، ط1، 1995م. النوادر والزيادات على ما في المدوّنة من غيرها من الأمّهات. القيرواني، ابن أبي زيد، عبد الله بن عبد الرحمن، تحقيق: عبد الفتاح الحلو وآخرين، دار الغرب الإسلامي، ط1، 1999م. النهاية في غريب الأثر. الجزري، ابن الأثير، محمد بن محمد، تحقيق: طاهر الزاوي، ومحمود الطناحي، المكتبة العلمية بيروت، بدون طبعة، 1979م. نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار من أحاديث سيّد الأخيار. الشوكاني، محمد بن علي، تحقيق: عصام الدّين الصبابطي، دار الحديث، ط1، 1993م. الوصايا والأوقاف والمواريث في الشريعة الإسلامية. السّريتي، عبد الودود محمد، دار النهضة العربية، بدون طبعة، 1997م. الوصايا والوقف في الفقه الإسلامي. الزحيلي، وهبة، دار الفكر دمشق، ط1، 1998م.
وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى. السمهودي، علي بن عبد الله، دار الكتب العلمية، ط1، 1419ه. الوقف الإسلامي بين النظرية والتطبيق. صبري، عكرمة سعيد، دار النفائس الأردن، ط2، 2011م. الوقف في الشريعة الإسلامية وأثره في تنمية المجتمع. الصالح، محمد بن أحمد، بدون ناشر، ط1، 2001م. الوقف وبنية المكتبة العربية. ساعاتي، يحيى محمود، مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، ط2، 1996م. الوقف وأثره في تشييد بنية الحضارة الإسلامية. المزيني، إبراهيم محمد، ندوة المكتبات الوقفية في المملكة العربية السعودية، وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، بدون طبعة ولا تاريخ.
