والتنموي.
وتتابع المسلمون في الوقف على أوجه البر؛ إذ كان سيّد الخلق صلوات الله وسلامه عليه أوّلَ الواقفين، ثمّ تبعه في ذلك ساداتُ أصحابه الخلفاءُ الرّاشدون من الآل والأصحاب، رضي الله عنهم فقد كانوا سبّاقين إلى التأسّي به في كلّ خير وفضيلة، وكذلك آل بيته، وكبار أصحابه وفضلاؤهم.. فلم يتأخروا عن تحرّي هذا الفضل العظيم، والمبادرة إليه.
ثمّ ذاعت وشاعت هذه المكرمة في سائر الأمّة إلى يومنا هذا؛ لكون الوقف من أفضل الطاعات وأعظم القربات وأجلّ الأعمال التي شرعها الله لعباده وندبهم إلى فعلها، وهو مما اختص به المسلمون.
وقد كانت الأوقاف الإسلامية في شتى أصنافها رافداً عظيماً لاستمرار حركة العلم والتعليم، من عهد الصحابة الكرام إلى عصرنا الحاضر وعبر العصور الإسلامية، فها هو الأزهر الشريف، وها هي جامعة الزيتونة، والنظامية، والجوزية، وكذا الفلاح، والصولتية، خير شاهد على تلك الأوقاف العلمية، ويكفي الناظر كتاب (الدارس في تاريخ المدارس) للإمام النعيمي (ت: 927ه) ليدرك ضخامة ما وُقف من المدارس الإسلامية في العصر المملوكي، والأوقاف التي كان ريعها لتلك المدارس، وما يصرف على العلماء وطلبة العلم من خلالها.
والوقف من أفضل أصناف الصدقة الجارية، فمن محاسنه ما ذكره شاه ولي الله الدهلوي رحمه الله: ومن التبرعات الوقف، وكان أهل الجاهلية لا يعرفونه؛ فاستنبطه النبي صلى الله عليه وسلم لمصالح لا توجد في سائر الصدقات؛ فإن الإنسان ربما يصرف في سبيل الله مالاً كثيراً ثم يفنى، فيحتاج أولئك الفقراء تارة أخرى، ويجيء أقوام آخرون من الفقراء فيبقون محرومين؛ فلا أحسن ولا أنفع للعامة من
