فيكون ذلك إرصادا لا وقفاً حقيقةً، أي أنّ ذلك السلطان الذي وَقَفَه أخرجَه من بيت المال وعيَّنَه لمستحقّيه من العلماء والطلبة ونحوهم، عوناً لهم على وصولهم إلى بعض حقّهم من بيت المال»(182)
والحاصل أنّ الحنفيّة أطلقوا الإرصاد على ما يُوقفه الأمراء أنفسهم، أو ما يُوقفه غيرهم من أموال بيت المال، إذا كانوا قد أُقْطِعُوها من قِبل الأمراء، وجعلوا الجميع إرصاداً، ولم يُلزموا بمراعاة الشرط في الصورتين، والعلّة في إخراج ذلك عن حقيقة الوقف هي عدم الملك في كليهما.
وقال المناوي من الشافعيّة: «للإمام أن يقف بعض أراضي بيت المال على جهةٍ على الأصحّ في المذهب، وقد نصّ الشافعيّ رضي الله عنه على ما يشهد له، وصرّح بصحّته القاضي، وابن أبي عصرون، والشاشي، وابن الصلاح، والنووي، وقال في «المطلب»: إنّه المذهب، وصرّح كلٌّ منهم بأنّه لا يجوز لمن يأتي بعده تغييره، والحاصل أنّ عدم التغيير متّفقٌ عليه... فالحاصل أنّ الوقف صحيحٌ ولا يجوز لأحد تغييره...»(183) .
وقد صحّح المالكيّة وقف السّلاطين في الجملة، وهو هذا الذي يسمّيه غيرهم الإرصاد، واشترطوا لصحّته أن يكون فيما تتحقّق به المصلحة فقط، دون ما لا حاجة فيه ولا مصلحة، كما نصّ بعضُهُم على أنّ الأَوْلى تجنُّبُه(184) والتّصحيح أشبه بمذهبهم أصلاً لأنّهم لا يشترطون امتلاك الواقف
