التمهيد
من رحمة الله بعباده أن شرع لهم الوقف؛ استثماراً للمال في دنياهم لآخرتهم، والموفَّق: من وُفِّق لهذا السيل العارم من الحسنات الجارية، والمحروم: من حُرم هذا الخير الجزيل.
فالوقف لا تُطوى معه صحائف الأعمال بانقضاء العمر وطيِّ صحائف الحياة، بل تزداد به الحسنات أضعافاً مضاعفة؛ فهو عمل يقدِّمه المسلم في حياته، ويستمر أجره إلى يوم الدين، فهو صاحب لا يمكر، ومعين لا يغدر، وصديق يلازم صاحبه في حياته، ولا يتخلَّى عنه عند موته، يلحق به في قبره، ويتبعه في يوم حشره ونشره، عمل صالح ممدود؛ لا يفارق المحسن، ولا ينقطع أجره ما دام نفعه.
وقد امتثل آل بيت النبي وأصحابه صلى الله عليه وسلم وصاياه، وطبقوها تطبيقاً عمليّاً؛ فأوقف الصحابة رضي الله عنهم الأوقاف ابتغاء مرضاة الله سبحانه وتعالى، واستمر المسلمون من بعدهم في إجراء أعمال الوقف وتعاهدها جيلاً بعد جيل، وقد سبق نقل إجماع الصحابة الفعليّ على الوقف، وبيان عنايتهم به عند الحديث عن "مكانة الوقف" عند الصحب والآل.
لقد أدرك الصحابة الكرام رضي الله عنهم أهمية الوصايا والتوجيهات النبويّة إلى فعل المعروف عامّة، والوقف خاصّة، فبادروا مستجيبين لنداء الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فأوقفوا الأراضي والحدائق والأسلحة والدروع، وهذه الأوقاف تنوعت أصولها،
