وقد رضي الإمام مالك رحمه الله بهذا التواتر الفعليّ حجةً في الردّ على من أنكر مشروعيّة الوقف، مثل شريح بن الحارث القاضي، فقد رُوي عنه أنّه قال: "جاء محمد صلى الله عليه وسلم بمنع الحبس"(58) ، وفي رواية عنه قال: "لا حبسَ عن فرائض الله"(59) .
ووقع في مضمونِ ذلك كلامٌ بين الإمام مالك رحمه الله والإمام أبي يوسف صاحب أبي حنيفة، فقد أخرج البيهقي — بسنده — عن الإمام الشافعي رحمه الله قال:
اجتمع مالك وأبو يوسف عند أمير المؤمنين، فتكلّما في الوُقوف وما يحبسه الناس، فقال يعقوب: هذا باطل، قال شريح: جاء محمد صلى الله عليه وسلم بإطلاق الحبس. فقال مالك: إنّما جاء محمد صلى الله عليه وسلم بإطلاق ما كانوا يحبسونه لآلهتهم من البحيرة والسائبة، فأمّا الوقوف، فهذا وقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث استأذن النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "احبِسْ أصلَها وسبِّلْ ثمرتَها"، وهذا وقْفُ الزبير، فأعجبَ الخليفةَ ذلك منه(60) .
وقد نُقِلَت كلمةُ شريح هذه لمالك رحمه الله فيما يبدو أنّه مناسبةٌ أخرى، فقال: "تكلّم شريح ببلدِه، ولم يَرِدْ المدينةَ فيرى أحباسَ الصّحابة باقية، فينبغي للمرءِ ألّا يتكلّم إلّا فيما أحاطَ به خُبرًا"(61) .
فهي مسألة إجماع عمليّ، أكدها القرطبي بقوله: "المسألة إجماع من الصحابة،
