الصَّحَابَةُ وَالقَرَابَة
فِي القرآن الكريم
دراسة تحليلية موضوعية
عَمْرو الشَّرْقاوِي
مراجعة مركز البحوث والدراسات بالمبرة
لا يجتمع حُبُّ الأصحاب والآل، إلا في قلوب عقلاء الرجال ابن الوزير
فهرس الكتاب
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| مقدمة مبرة الآل والأصحاب | 13 |
|---|---|
| مقدمة | 17 |
| * الفصل الأول: التعريف بمفهوم الصحابة والقرابة | 23 |
| المبحث الأول: تعريف الصحابة | 23 |
| أولًا: الاشتقاق اللغوي | 23 |
| ثانيًا: التعريف الاصطلاحي | 27 |
| الأولى: طريقة أهل الحديث | 28 |
| الثانية: طريقة أهل الأصول | 34 |
| ثالثًا: يعرف الصحابي بأمور | 36 |
| رابعًا: طبقات الصحابة | 37 |
| خامسًا: الصحبة العامة والخاصة | 39 |
| المبحث الثاني: تعريف القرابة | 44 |
| مرادنا بالقرابة | 46 |
| الأولى: تعريف الآل في اللغة | 46 |
| الثانية: آل البيت في الاصطلاح | 52 |
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| * الفصل الثاني: أسباب النزول.. تعريفها.. أهميتها.. أهم مصادرها | 57 |
| المبحث الأول: تعريف سبب النزول | 60 |
| أولًا: تعريف السيوطي | 60 |
| ثانيًا: تعريف الدكتور خالد المزيني | 69 |
| المبحث الثاني: أهمية المعرفة بسبب النزول | 77 |
| لأسباب النزول عدة فوائد | 80 |
| 1 ــ الإعانة على فهم المراد من الآية | 80 |
| 2 ــ تصور أحوال من نزل فيهم القرآن | 87 |
| 3 ــ إبراز حكم التشريع الباهرة | 88 |
| 4 ــ الكشف عن الظرفين المكاني والزماني لنزول الآيَات | 89 |
| 5 ــ إزالة الإشكال الناشئ عن الجهل بسبب النزول | 90 |
| 6 ــ بيان أخصية السبب بالحكم | 91 |
| 7 ــ معرفة التاريخ | 91 |
| 8 ــ توسعة علم الشريعة بمعرفة الأحكام بأسبابها | 91 |
| 9 ــ التأسي والاقتداء بما وقع للسلف من حوادث في الصبر على المكاره واحتمال الأقدار المؤلمة | 91 |
| 10 ــ تعيين المبهم | 92 |
| كلام جامع لبعض الأئمة في أهمية العلم بسبب النزول | 92 |
| المبحث الثالث: أهم مصادر أسباب النزول | 94 |
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| * الفصل الثالث: المجتمع في عهد الرسول كما تصوره سورة التوبة | 99 |
| الصنف الأول: أهل الإشراك | 106 |
| 1 ــ أنهم لا يرقبون في مؤمن إلًا ولا ذمة | 106 |
| 2 ــ إظهار ما لا يضمرون | 107 |
| 3 ــ أنهم يشترون بآيات الله ثمنًا قليلًا | 108 |
| 4 ــ أنهم يمنعون أهل الإيمان من اتباع الحق | 109 |
| 5 ــ نقض العهود، والطعن في دين الإسلام (كراهية ما جاء به الرسول) | 109 |
| 6 ــ الاستهانة بحكم الله ورسوله، وعدم إقامة وزن له | 110 |
| 7 ــ كراهية الإسلام، والاجتماع على محاربة الدين | 114 |
| 8 ــ أكل أموال الناس بالباطل، وقبول الرشوة، وكنز الأموال، وترك النفقة في سبيل الله | 115 |
| الصنف الثاني: أهل الإيمان | 118 |
| 1 ــ المجاهدون في سبيل الله | 119 |
| 2 ــ الهجرة | 122 |
| 3 ــ لا عصمة لهم | 123 |
| 4 ــ نصرة النبي صلى الله عليه وسلم | 135 |
| 5 ــ طاعة الله ورسوله، والولاء لأهل الإسلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والجود بالمال، وإنفاقه في سبيل الله | 137 |
| 6 ــ الحزن على فوات الطاعة | 139 |
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| 7 ــ الاعتراف بالذنب، والتوبة منه | 140 |
| 8 ــ التطهر | 142 |
| 9 ــ الاستبشار والفرح بآيات الله | 146 |
| الصنف الثالث: الأعراب | 147 |
| 1 ــ أهل جفاء | 147 |
| 2 ــ أهل إيمان وبر | 150 |
| الصنف الرابع: أهل النفاق | 155 |
| 1 ــ التخلف عن نصرة الدين، وجهاد أعداء الله، وكثرة الاعتذار عن شهود مواقف الحق، والارتياب والشك | 159 |
| 2 ــ الكذب، واستباحة الإقسام عليه | 167 |
| 3 ــ الحرص على رضا الناس | 169 |
| 4 ــ اجتماعهم على إرادة الشر بأهل الإسلام، وموالاة أهل الكفر، وبث الفرقة بين المسلمين، ونشر الفساد في الأرض | 170 |
| 5 ــ الفرح بما يصيب أهل الإسلام من شدة، وتمني الهزيمة لهم | 176 |
| 6 ــ التكاسل عن الطاعات، وكراهيتها | 177 |
| 7 ــ الجبن | 178 |
| 8 ــ عدم الرضا وترك القناعة، مع البخل | 179 |
| 9 ــ أذية النبي صلى الله عليه وسلم ولمزه عياذًا بالله | 183 |
| 10 ــ الاستهزاء والسخرية بالإسلام، ورسوله، وأهل الإسلام، والخوف من أن يفضح أمرهم | 184 |
| 11 |
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| الخوف والحذر من آيات الله، والانصراف عن سماعها والعمل بها | 188 |
| الخلاصة | 193 |
| * الفصل الرابع: الآيَات التي نزلت في الصحابة والقرابة.. إجمالاً | 197 |
| المبحث الأول: الآيَات التي نزلت في تزكية الصحابة إجمالًا | 199 |
| أولًا: السابقون الأولون | 199 |
| ــ المهاجرون الأُوَل | 206 |
| ثانيًا: أهل بدر | 222 |
| ثالثًا: أهل أحد | 226 |
| ــ والله وليهما | 230 |
| ــ ليطهركم به | 231 |
| ــ الذين استجابوا لله والرسول | 234 |
| ــ شهداء أحد | 237 |
| ــ وربما صحت الأجسام بالعلل | 248 |
| رابعًا: المبايعون تحت الشجرة | 255 |
| خامسًا: أنهم خيار الناس وأعدلهم | 277 |
| سادسًا: محبتهم لله ومحبة الله لهم | 285 |
| سابعًا: الرحماء الأشداء | 289 |
| ثامنًا: ليستخلفنهم في الأرض | 295 |
| تاسعًا: وهم الرجال الصادقون المتحققون بالإيمان | 300 |
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| المبحث الثاني: الآيَات التي نزلت في تزكية القرابة إجمالًا | 316 |
| 1 ــ آيات سورة الأحزاب.. وفضل أزواج الرسول | 316 |
| ــ آية التطهير | 324 |
| 2 ــ الصلاة عليهم | 332 |
| 3 ــ آية المحاجة | 333 |
| 4 ــ آية المودة | 334 |
| 5 ــ الغنيمة | 338 |
| * تنبيه | 340 |
| * الفصل الخامس: الصحابة الذين نزلت فيهم آيات مخصوصة | 341 |
| المبحث الأول: الصديق الأكبر (أبو بكر) | 343 |
| 1 ــ الصاحب | 343 |
| 2 ــ الصديق | 352 |
| 3 ــ الصالح | 355 |
| 4 ــ الأتقى | 356 |
| 5 ــ الوقاف عند كتاب الله / ذا الفضل | 358 |
| 6 ــ آية معاتبة يشترك فيها عمر بن الخطاب رضي الله عنه | 360 |
| المبحث الثاني: سعد بن أبي وقاص، ويشترك معه جماعة من الصحابة، منهم: (ابن مسعود، وبلال، وصهيب، وعمار، وخباب، وغيرهم). | 362 |
| المبحث الثالث: الزبير بن العوام رضي الله عنه | 365 |
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| المبحث الرابع: عبد الله بن مسعود رضي الله عنه | 366 |
| المبحث الخامس: عمار بن ياسر رضي الله عنه | 367 |
| المبحث السادس: زيد بن حارثة رضي الله عنه | 368 |
| المبحث السابع: أبو طلحة زيد بن سهل الأنصاري رضي الله عنه | 370 |
| المبحث الثامن: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع رضي الله عنهما | 372 |
| المبحث التاسع: عبدالله بن أم مكتوم رضي الله عنه | 382 |
| المبحث العاشر: المجادِلة (خولة بنت ثعلبة) رضي الله عنها | 386 |
| المبحث الحادي عشر: رجل يقال له ضمرة من بني بكر رضي الله عنه | 388 |
| المبحث الثاني عشر: حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه | 389 |
| المبحث الثالث عشر: العرباض بن سارية رضي الله عنه | 392 |
| * الفصل السادس: القرابة الذين نزلت فيهم آيات مخصوصة | 393 |
| المبحث الأول: علي بن أبي طالب رضي الله عنه | 394 |
| المبحث الثاني: عائشة رضي الله عنها | 398 |
| الخاتمة | 408 |
| ملحق فيه: ما لا يثبت من فضائل الصحابة والقرابة | 415 |
| المبحث الأول: أبو بكر رضي الله عنه | 416 |
| المبحث الثاني: عمر بن الخطاب رضي الله عنه | 420 |
| المبحث الثالث: عثمان بن عفان رضي الله عنه | 421 |
| المبحث الرابع: علي بن أبي طالب رضي الله عنه | 425 |
| المبحث الخامس: أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه | 431 |
| المبحث السادس: حمزة رضي الله عنه | 432 |
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| المبحث السابع: عمار بن ياسر رضي الله عنه | 434 |
| المبحث الثامن: عبدالله بن مسعود رضي الله عنه | 436 |
| المبحث التاسع: سلمان الفارسي رضي الله عنه | 437 |
| المبحث العاشر: عبدالله بن سلام رضي الله عنه | 438 |
| المبحث الحادي عشر: صهيب رضي الله عنه | 440 |
| المبحث الثاني عشر: ثوبان رضي الله عنه مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم | 441 |
| المبحث الثالث عشر: عمير بن الحمام رضي الله عنه | 443 |
| المبحث الرابع عشر: أبو جندل رضي الله عنه | 444 |
| المبحث الخامس عشر: رفاعة القرظي رضي الله عنه | 445 |
| المبحث السادس عشر: معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه | 446 |
| المبحث السابع عشر: النجاشي رضي الله عنه | 447 |
| المبحث الثامن عشر: زينب بنت جحش رضي الله عنها | 449 |
| المبحث التاسع عشر: أم شريك رضي الله عنها | 451 |
| أهم مراجع البحث | 453 |
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة مبرة الآل والأصحاب
لا شك أن للصحابة والقرابة منزلةً خاصة عند المسلمين على مستويات عدَّة. فمن الناحية السلوكية التربوية؛ لا يستغني المسلمون في عمل يومهم وليلتهم، فضلًا عن المسلك العام والهدي الدائم؛ عن الأسوات والقُدى، التي على رأسها النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أتى خيرُ جيلٍ تمثّل الهديَ النبوي، وهم الصحابة رضوان الله عليهم، ومن ضمنهم الجيل الأول من أهل البيت الكرام، ثم مَنْ تَبِعهم من أئمَّة الهُدَى من سلف الأئمة المرضيين في القرون المفضلة وما بعدها، ومن ضمنهم أئمة السلف من أهل البيت. وكذلك من الناحية العلمية المعرفية؛ فلا ريب أن الصحابة ومن تبعهم من أئمة الهدى يمثلون المرجعية العلمية الصحيحة في فهم نصوص الكتاب والسنة، فيستقى من طريقتهم معرفةُ الأصول والفروع، وفاقًا وخلافًا.
ولمّا كان هذا الموضوع على ذلك القدر من الأهمية؛ فقد اهتمّ العلماء من جميع الاتجاهات والمدارس والعلوم؛ اهتمامًا كبيرًا بدارسة ذلك الموضوع، وأَوْلَوْهُ العنايةَ اللائقة به، على صُعُدٍ شتَّى، سواء
من ناحية التأسيس النظري لمفهوم الصحابة والقرابة، وما يتعلق بهم من صفاتٍ وخصائصَ مميزة، أم من ناحية التطبيق والتفريع، سواء في الاعتقاد أم الفقه أم الأصول أم التفسير أم الحديث أم السلوك، وغير ذلك، فجمعوا أقوالهم، وحرَّرُوا مبانيهم الاجتهادية، وبحثوا حُجَّيَّةَ اتفاقِهم واختلافِهم، وغير ذلك كثيرٌ مما يعلمه الباحثون وأهلُ العلم المطَّلِعون على ذلك الباب.
وفي خضمِّ ذلك التراث الواسع مترامي الأطراف، من أبحاث أهل العلم المتعلقة بموضوع الصحابة وأهل البيت؛ لاحظت مبرة الآل والأصحاب أنه من المطلوب أن يخوض العمل البحثيُّ الجادُّ، والوسطيُّ: ذلك المجالَ، بهدف مزيد الترشيد والتنقيح لتراثنا الزاخر حول هذه القضية. وارتأى مركز البحوث والدراسات في المبرة أن يسهم بتوجيه الطاقة البحثية، من خلال استكتاب أحد الباحثين الأكْفاء المتخصصين في التفسير والدراسات القرآنية؛ إلى الأساس النظري لقضية الصحابة وأهل البيت، الذي هو الجوهر الحقيقي لذلك الموضوع، وهو ما يتعلق بالصحابة والقرابة في بيئة النصِّ القرآني نفسِه، بحيث يكون الانطلاقُ في تأسيس الموضوع من القرآن الكريم، ثم ينبني عليه سائر الأبحاث، لا العكس بحيث يكون الانطلاق من الأبحاث ثم النظر فيما يدعمها من القرآن الكريم، كما يحدث في بعض الكتابات. فإن هذا في رأينا، بما يمثِّلُه القرآنُ الكريم من مرجعيةٍ متفقٍ عليها بين جميع أهل القبلة؛ سيجلّي كثيرًا من الحقائق، ويضيِّق مجالاتِ الخلاف التي تقع بين العلماء حول
قضايا الصحابة وأهل البيت.
لقد ورد في القرآن الكريم الكثيرُ من الآيَات المتعلقة بالصحابة، سواء بالعموم، أم في أصناف خاصة منهم، كالسابقين الأولين، أو أهل بيعة الرضوان، أو بدر، أو أحد، وكذلك وردت آيات متعلقة بأهل البيت، عمومًا، وخصوصًا كبعض أعيانهم وكأمهات المؤمنين. وذلك فضلًا عن الآيَات الأخرى التي تتعلق ببعض أصناف الناس الذين عاصروا النبيَّ صلى الله عليه وسلم، كالمنافقين والمشركين. تناولت الآيَات الكريمة منازل هؤلاء الأصناف جميعًا، وصفاتِهم، وأنواع سلوكهم، من الله عالم السر وأخفى، بصورة تبرز صفاتِهم البشرية والدينية على حد سواء، في صدقٍ وتوازن، وعدلٍ مطلق.
ومن هذا المنطلق: يتوخّى البحث الذي بين يديك أن ينظر نظرة فاحصة في تلك الحصيلة النصية الكبيرة من آيات القرآن الكريم، ويحللها بصورة موضوعية، معتمدًا على التفاسير المقبولة المعروفة، ويرجح ما يحتاج منها إلى ترجيح، ويبين الفهم الصحيح لها، ويردّ الدلالات الباطلة التي لا تحتملها الآيَات، ويناقش ما يحتمل فيها من وجوه، كما يعرض لأسباب نزول القرآن التي تتعلق بالصحابة وأهل البيت، باحثًا ثبوتَها، ودلالاتِها.
وقد خرج هذا الكتابُ حاويًا تلك المضامين، في توسُّطٍ بين الاختصار والتطويل، وبلغة رصينة، ومناقشات علمية جادة، تتجافى عن
الغلظة والتعنيف، وتترفّع عن الخطابة والتهويل، في محاولة جادة لقراءةٍ موضوعيةٍ قدرَ الطاقة لموضوع الصحابة وأهل البيت، من خلال القرآن، وانطلاقًا من القرآن، استهداءً بكتاب الله الذي لا يأتيه الباطلُ من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حميد مجيد. نسأل الله أن يوفقنا لما يحب ويرضى، وأن ينفع بهذا الكتاب.
ولأنه لم يشكر اللهَ مَن لمْ يشكر الناس، فإننا نود التوجه بالشكر والتقدير للإخوة الأعزاء في جمعية الشيخ عبد الله النوري الخيرية على تبنيهم طباعة هذا الكتاب، وتكفلهم بتكلفته المالية، فهذا ليس بأول مساعيهم الطيبة لنشر الدعوة الإسلامية الوسطية، والشيء من معدِنه لا يستغرب، وهذا مثالٌ حَسَنٌ على تعاون الجمعيات والمبرات الأهلية في مجال الدعوة ونشر الثقافة الإسلامية.
نرجو من الله عز وجل أن يوفقنا في مسعانا، وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وأن يجمع لنا الأجرين: أجر الاجتهاد وأجر الصواب، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
مبرة الآل والأصحاب
مقدمة
الحمد لله رب
العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فإن لصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقرابته الكرام من الفضائل ما سارت به الركبان، وصنفت فيه التصانيف، ولما كان أعظم الكتب عند أهل الإسلام كتاب الله الكريم، كان تتبع الآيَات التي نزلت في الصحابة والقرابة من العمل المبرور.
ومن هذا المنطلق؛ فقد أحببت أن أشارك في جمع هذه الآيَات، وتحليلها تحليلًا تفسيريًّا محررا، يجمع المباحث العقدية والأصولية التي تتضمنها، من جهة دلالتها على فضائل الصحابة والقرابة، ودفع التهم عنهم، بالخصوص، والتعمق في إيضاح نفس مفهوم (الصحابة والقرابة) وسماته وخصائصه وأحواله في التصوير القرآني، بالعموم.
وسيطرح هذا البحث بعنون: «الصحابة والقرابة في القرآن الكريم.. دراسة تحليلية موضوعية».
إجراءات البحث:
جعلت فصول البحث، وما أؤمل أن يصل إليه عبر التالي:
* الفصل الأول: التعريف بمفهوم الصحابة والقرابة.
وجاء هذا الفصل لبيان المفاهيم الأساسية عن مصطلحي «الصحابة»، و«القرابة»، وذلك عبر مبحثين:
المبحث الأول: مفهوم الصحابة.
المبحث الثاني: مفهوم القرابة.
وسأعرض لبحث المفهومين وفق الأدلة الشرعية المعتبرة، وكلام أهل العلم المحققين عليها، مع المقارنة والترجيح بينها وفق القواعد المعروفة في هذا المجال. جاعلًا ذلك الفصل بمثابة التقدمة النظرية، التي سيأتي بحث أسسها القرآنية تفصيلًا في موضوع البحث الأساسي.
* الفصل الثاني: أسباب النزول.. تعريفها.. أهميتها.. أهم مصادرها.
ويتعلق هذا الفصل تعلقًا جوهريًا بموضوع البحث؛ حيث إن أسباب النزول معينة على فهم النص القرآني بعموم، وما يتعلق منه بالصحابة والقرابة بخصوص.
فمن المعروف أن جل آيات الذكر الحكيم النازلة في أجناس معينة
من الناس في زمن الوحي؛ لا تخلو من سبب نزول معين مخصوص، ومن ثَمَّ ينبغي البحث في القيمة العلمية والمعرفية لأسباب النزول من الجهة التاريخية بعامة، ومن جهة العلم بالتفسير بخاصة، ثم من جهة موضوع البحث وهو الصحابة والقرابة، وعلاقات العموم والخصوص بين أسباب النزول والحوادث، والنص القرآني، وبيان وجه الصواب الأدق في كل حالة، قدر الإمكان.
وقسمت هذا الفصل إلى عدة مباحث:
المبحث الأول: تعريف أسباب النزول.
المبحث الثاني: أهمية أسباب النزول.
المبحث الثالث: التعريف بأهم مصادر أسباب النزول.
* الفصل الثالث: المجتمع في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم كما تصوره سورة التوبة.
وهو بمثابة التقدمة لما كان عليه حال المجتمع، وكيف كانت أقسامه آنذاك، لتتبين أصناف الناس وقتئذ، ويظهر تميز الصحابة رضي الله عنهم على غيرهم من سائر أصناف الناس.
* الفصل الرابع: الآيَات التي نزلت في الصحابة والقرابة (إجمالًا).
وهذا هو الفصل الجوهري الذي يمثل أطروحة هذا البحث، وفيها
يتم الانطلاق من النص القرآني بصورة مركزية باعتباره الأساس الاستدلالي والحجي لمفهوم الصحبة والصحابة. فنتناول فيه الآيَات العامة المتناولة للصحابة والقرابة، محاولين فيه الكشف عن أقرب الصور صحة وصدقا إلى المراد القرآني، ومن ثَمَّ محاكمة الأساس النظري لهذين المفهومين إلى ذلك التصور القرآني.
كذلك نتناول في ذلك المبحث الآيَات العامة المتناول لشؤون مجتمع الصحابة، وصفاتهم السلوكية والعلمية، لرسم صورة شاملة وموضوعية لهذا المجتمع. مع الفحص عن آيات التعديل والتزكية لجنس الصحابة، لبيان الأساس النظرية والاستدلالي قرآنيا لعدالة الصحابة، وبيان دلالتها اللغوية والتفسيرية، وما يكشف عن معانيه من أسباب النزول والحوادث، وما يعرض لذلك المفهوم من توهمات وأخطاء مختلفة، إفراطًا وتفريطًا. والأمر نفسه فيما يتعلق بالآيَات المتناولة للقرابة، من حيث المفهوم والتحديد، والتعديل والتزكية، مع بيان دلالتها اللغوية والتفسيرية.
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: الآيَات التي نزلت في تزكية الصحابة إجمالًا.
المبحث الثاني: الآيَات التي نزلت في تزكية القرابة إجمالًا.
* الفصل الخامس: الصحابة الذين نزلت فيهم آيات مخصوصة.
وفيه نعرض للآيات التي ثبت نزولها في أعيان مخصوصة من الصحابة، وبيان جهة الفضل أو غير ذلك من الجهات؛ فيها؛ بيانا تحليليًّا.
* الفصل السادس: القرابة الذين نزلت فيهم آيات مخصوصة.
وفيه نعرض للآيات التي ثبت نزولها في أعيان مخصوصة من قرابة النبي صلى الله عليه وسلم، وبيان جهة الفضل أو غير ذلك من الجهات؛ فيها؛ بيانا تحليليًّا.
وسأقتصر في هذه المباحث على ما صح دون غيره، محاولًا تجنب ذكر الخلاف ما استطعت ليكون البحث صالحًا لعموم القراء، ولن أتعرض لذكر آيات الأحكام، وإن نزلت بسبب خاص.
الخاتمة
مراجع البحث
وألحقت بالبحث ما لا يثبت من فضائل الآل والأصحاب.
وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لإبراز دلالات القرآن على فضل هذه الثلة المباركة من الآل والأصحاب، وإبراز نقاط منهجية في حديث القرآن عنهم.
وفي ختام هذه المقدمة أحمد الله تعالى وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، فلله الحمد رب السماوات ورب الأرض رب العالمين أن وفقني لإتمام البحث، وأشكر من أعطاني الفكرة الأولى لهذا البحث، وهو الشيخ الفاضل، والأخ الكريم، الأستاذ/ عمرو بسيوني، وأسأل الله أن يجمعني وأهلي ومشايخي وإخواني في زمرة من رضي عنهم من أصحاب نبيه وآله، والحمد لله رب العالمين.
وكتبه
عمرو صبحي علي الشرقاوي
amr.alsharqawi@gmail.com
الفصل الأول : التَّعْرِيف بِمَفْهُومِ الصَّحَابَةِ وَالقَرَابَة
المبحث الأول : تعريف الصحابة
أولًا: الاشتقاق اللغوي:
الصحابة كلمة تدل في الأصل على مقارنة الشيء ومقاربته، يقال: «صَحِبَهُ يَصْحَبُهُ صُحْبَةً بالضم، وصَحابة، بالفتح.
وجمع الصاحِب صَحْبٌ مثل راكب وركب، وصحبة بالضم مثال فاره وفرهة، وصحاب مثل جائع وجياع....
والأصحاب: جمع صحب، مثل فرخ وأفراخ.
والصحابة بالفتح: الأصحاب، وهي في الأصل مصدرٌ.
وجمع الأصحابِ أصاحيبُ»(1) .
يقول الراغب: «الصَّاحِبُ: الملازم إنسانًا كان أو حيوانًا، أو مكانًا، أو زمانًا.
ولا فرق بين أن تكون مُصَاحَبَتُهُ بالبدن وهو الأصل والأكثر
أو بالعناية والهمَّة... ولا يقال في العرف إلا لمن كثرت ملازمته، ويقال للمالك للشيء: هو صاحبه، وكذلك لمن ملك التصرف فيه.
قال تعالى: {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ} [التوبة: 40]، {قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ} [الكهف: 34]، {أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ} [الكهف: 9]...
والْمُصَاحَبَةُ والِاصْطِحَابُ أبلغ من الاجتماع، لأجل أنَّ المصاحبة تقتضي طول لبثه، فكلّ اصْطِحَابٍ اجتماع، وليس كلّ اجتماع اصطحابا...»(2) .
ويقول ابن فارس: «الصاد والحاء والباء أصل واحد يدل على مقارنة شيء ومقاربته.
من ذلك الصاحب، والجمع: الصحب، كما يقال: راكب وركب.
ومن الباب: أصحب فلان، إذا انقاد.
وأصحب الرجل، إذا بلغ ابنه.
وكل شيء لاءم شيئا فقد استصحبه.
ويقال للأديم إذا ترك عليه شعره: مصحب.
ويقال: أصحب الماء، إذا علاه الطحلب»(3) .
وروى
الخطيب البغدادي عن أبي بكر الباقلاني أن الصحبة عند أهل اللغة جارية على كل من صحب غيره قليلة كانت الصحبة أو كثيرة، قال: «قال: لا خلاف بين أهل اللغة في أن القول: صحابي، مشتق من الصحبة، وأنه ليس بمشتق من قدر منها مخصوص، بل هو جار على كل من صحب غيره، قليلا كان أو كثيرا، كما أن القول مكلم ومخاطب وضارب مشتق من المكالمة والمخاطبة والضرب، وجار على كل من وقع منه ذلك، قليلا كان أو كثيرا، وكذلك جميع الأسماء المشتقة من الأفعال، وكذلك يقال: صحبت فلانًا حولًا ودهرًا وسنة وشهرًا ويومًا وساعة، فيوقع اسم المصاحبة بقليل ما يقع منها وكثيره، وذلك يوجب في حكم اللغة إجراء هذا على من صحب النبي صلى الله عليه وسلم ولو ساعة من نهار، هذا هو الأصل في اشتقاق الاسم، ومع ذلك فقد تقرر للأمة عرف في أنهم لا يستعملون هذه التسمية إلا فيمن كثرت صحبته واتصل لقاؤه، ولا يجرون ذلك على من لقي المرء ساعة، ومشى معه خطى، وسمع منه حديثًا، فوجب لذلك أن لا يجرى هذا الاسم في عرف الاستعمال إلا على من هذه حاله»(4)
ثانيًا: التعريف الاصطلاحي:
معرفة الصحابة فن جليل معتبر عند أهل الحديث والعلماء قاطبة، وقد صنف الأئمة عددًا من المصنفات في معرفة الصحابة، وفي ذلك
يقول الإمام العراقي: «هذا علم كبير قد ألف الناس فيه كتبا كثيرة، ومن أحلاها وأكثرها فوائد كتاب «الاستيعاب» لابن عبد البر، لولا ما شانه به من إيراده كثيرا مما شجر بين الصحابة، وحكاياته عن الأخباريين لا المحدثين، وغالب على الأخباريين الإكثار والتخليط فيما يروونه»(5)
ولتعلم أيها القاريء الكريم ان للعلماء طرقًا في تعريف الصحابة، ونحن نجملها لك في الآتي(6) :
* الأولى: طريقة أهل الحديث
ويعرفون الصحابي بأنه: «من رأى النبي صلى الله عليه وسلم مسلمًا»، يقول السخاوي: «وممن نص على الاكتفاء بها أحمد; فإنه قال: (من صحبه سنة أو شهرًا أو يومًا أو ساعة، أو رآه فهو من أصحابه).
وكذا قال ابن المديني: (من صحب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أو رآه ولو ساعة من نهار، فهو من أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم(7) ـ)، وتبعهما تلميذهما البخاري» .
قال الإمام البخاري: «ومن صحب النبي صلى الله عليه وسلم، أو رآه من المسلمين، فهو من أصحابه»(8) يقول ابن حجر شارحًا قول البخاري: «يعني: أن اسم
صحبة النبي صلى الله عليه وسلم مستحق لمن صحبه أقل ما يطلق عليه اسم صحبة لغة، وإن كان العرف يخص ذلك ببعض الملازمة، ويطلق أيضًا على من رآه رؤية ولو على بعد.
وهذا الذي ذكره البخاري هو الراجح....
والذي جزم به البخاري هو قول أحمد والجمهور من المحدثين.
وقول البخاري: (من المسلمين) قيد يخرج به من صحبه أو من رآه من الكفار.
فأما من أسلم بعد موته منهم؛ فإن كان قوله من المسلمين حالًا = خرج من هذه صفته، وهو المعتمد.
ويرد على التعريف من صحبه أو رآه مؤمنا به ثم ارتد بعد ذلك ولم يعد إلى الإسلام فإنه ليس صحابيًا اتفاقا، فينبغي أن يزاد فيه ومات على ذلك»(9)(10) )( .
قال ابن تيمية(11) «وهذا قول جماهير العلماء من الفقهاء وأهل الكلام وغيرهم: يعدون في أصحابه من قلت صحبته ومن كثرت، وفي ذلك خلاف ضعيف»، ثم ذكر عدة أدلة لقول الجمهور، منها حديث أبي سعيد رضي الله عنه: «يأتي على الناس زمان، يبعث منهم البعث فيقولون: انظروا هل تجدون فيكم أحدا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟ فيوجد الرجل، فيفتح لهم به، ثم يبعث البعث الثاني فيقولون: هل فيهم من رأى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟ فيفتح لهم به، ثم يبعث البعث الثالث فيقال: انظروا هل ترون فيهم من رأى من رأى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟ ثم يكون البعث الرابع فيقال: انظروا هل ترون فيهم أحدا رأى من رأى أحدا رأى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟
فيوجد الرجل فيفتح لهم به»(12) ثم قال: «ولفظ البخاري ثلاث مرات كالرواية الأولى؛ لكن لفظه: يأتي على الناس زمان يغزو فئام من الناس، وكذلك قال في الثانية والثالثة، وقال فيها كلها: (صحب)، واتفقت الروايات على ذكر الصحابة والتابعين وتابعيهم وهم القرون الثلاثة وأما القرن الرابع فهو في بعضها؛ وذكر القرن الثالث ثابت في المتفق عليه من غير وجه».
«ففي الحديث الأول: «هل فيكم من رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟»، ثم قال: «هل فيكم من رأى من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟»، فدل على أن الرائي هو الصاحب، وهكذا يقول في سائر الطبقات في السؤال: «هل فيكم من رأى من صحب من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟»، ثم يكون المراد بالصاحب الرائي.
وفي الرواية الثانية: «هل تجدون فيكم أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
ثم يقال في الثالثة: «هل فيكم من رأى من رأى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟».
ومعلوم إن كان الحكم لصاحب الصاحب معلقًا بالرؤية؛ ففي الذي صحب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بطريق الأولى والأحرى.
ولفظ البخاري قال فيها كلها: «صحب»، وهذه الألفاظ إن كانت كلها من ألفاظ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فهي نص في المسألة؛ وإن كان قد قال بعضها والراوي مثل أبي سعيد يروي اللفظ بالمعنى؛ فقد دل على أن معنى أحد اللفظين عندهم هو معنى الآخر، وهم أعلم بمعاني ما سمعوه من كلام رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ.
وأيضًا فإن كان لفظ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ (رأى) فقد حصل المقصود، وإن كان لفظه «صحب» في طبقة أو طبقات؛ فإن لم يرد به الرؤية لم يكن قد بين مراده؛ فإن الصحبة اسم جنس ليس لها حد في الشرع ولا في اللغة، والعرف فيها مختلف.
والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يقيد الصحبة بقيد ولا قدرها بقدر؛ بل علق الحكم بمطلقها، ولا مطلق لها إلا الرؤية.
وأيضًا فإنه يقال: صحبه ساعة، وصحبه سنة وشهرًا، فتقع على القليل والكثير، فإذا أطلقت من غير قيد لم يجز تقييدها بغير دليل؛ بل تحمل على المعنى المشترك بين سائر موارد الاستعمال.
ولا ريب أن مجرد رؤية الإنسان لغيره لا توجب أن يقال: قد صحبه، ولكن إذا رآه على وجه الاتباع له، والاقتداء به دون غيره، والاختصاص به، ولهذا لم يعتد برؤية من رأى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الكفار والمنافقين فإنهم لم يروه رؤية من قصده لأن يؤمن به، ويكون من أتباعه وأعوانه المصدقين له فيما أخبر، المطيعين له فيما أمر، الموالين له، المعادين لمن عاداه، الذي هو أحب إليهم من أنفسهم وأموالهم وكل شيء».
ثم أورد حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وفيه: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى المقبرة، فقال: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وددت أنا قد رأينا إخواننا» قالوا: أولسنا إخوانك؟ يا رسول الله قال: «أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد»(13) .
قال: «ومعلوم أن قوله: «إخواني» أراد به: إخواني الذين ليسوا بأصحابي، وأما أنتم فلكم مزية الصحبة، ثم قال: «قوم يأتون بعدي يؤمنون بي ولم يروني»؛ فجعل هذا حدًا فاصلاً بين إخوانه الذين ود أن يراهم وبين أصحابه؛ فدل على أن من آمن به ورآه، فهو من أصحابه لا من هؤلاء الإخوان الذين لم يرهم ولم يروه.
فإذا عرف أن الصحبة اسم جنس تعم قليل الصحبة وكثيرها، وأدناها أن يصحبه زمنًا قليلًا، فمعلوم أن الصديق في ذروة سنام الصحبة،
وأعلى مراتبها فإنه صحبه من حين بعثه الله إلى أن مات...».
* الثانية: طريقة أهل الأصول
وهم على خلاف في حد الصحبة، 1 ــ فاشترط بعضهم «طول الصحبة، وكثرة المجالسة(14) والرؤية» ، قال العلائي: «القول الثالث: إن الصحابي أنما يطلق على من رأى النبي صلى الله عليه وسلم واختص به اختصاص المصحوب، وطالت مدة صحبته، وإن لم يرو عنه.
حكاه هكذا الآمدي والأرموي عن جماعة ولم يسموهم(15) .
ونقله ابن الصلاح عن أبي المظفر بن السمعاني أنه ذكر أن اسم الصحابي من حيث اللغة.
والظاهر إنما يقع على من طالت صحبته للنبي صلى الله عليه وسلم وكثرت مجالسته له على طريق التتبع له والأخذ عنه.
قال: وهذا طريق الأصوليين»(16) .
وقد نسب هذا المذهب إلى سعيد بن المسيب، وهو مذهب عاصم الأحول، فإنه قال في عبد الله بن سرجس «إن عبد الله بن سرجس رأى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولم يكن له صحبة»، قال الذهبي: «فإنه أراد الصحبة التي يذهب إليها سعيد بن المسيب، وغيره من طول المصاحبة(17) ــ والله أعلم ــ» .
2 ــ لا بد مما يطلق عليه اسم الصحبة، ولو ساعة:
وقد عبر عنها العلائي بقوله: «والقول الثاني:... أنه لا يكتفي بمجرد الرؤية، لكن لا بد مما يطلق عليه اسم الصحبة ولو ساعة.
وهكذا قال الآمدي في الإحكام ناقلًا له عن أكثر أصحابنا:
«أن الصحابي من رأى النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه ولو ساعة، وإن لم يختص به اختصاص المصحوب، ولا روى عنه ولا طالت مدة صحبته»، وعبارة الشيخ صفي الدين الأرموي في نهاية الوصول نحو هذا، وهي أعم من قول الواقدي المتقدم آنفًا من جهة أن ذاك اشترط فيه البلوغ، ولم يقيد الآمدي والأرموي كلامهما بذلك، بل يدخل فيه أيضًا الصبي المميز كمحمود بن الربيع الذي عقل عن النبي صلى الله عليه وسلم
مجة مجها في وجهه وهو ابن خمس سنين، وعده البخاري وغيره من الصحابة لذلك، فيمكن لذلك أن يجعل الكلامان قولين متباينين، وأما ابن الحاجب فإنه اختار في مختصريه القول الذي نقلناه أولًا عن أحمد بن حنبل والجمهور من الاكتفاء بمجرد الرؤية»(18)
وثم أقوال أخرى في تعريف الصحابي، بعضها يرجع إلى ما ذكرناه، وبعضها لا نحتاج إلى حكايته إما لضعفه، وإما لأن المعول على غيره(19) .
ثالثًا: يعرف الصحابي بأمور(20) :
1 ــ التواتر أو الشهرة.
2 ــ الشهادة له بالصحبة من قبل بعض الصحابة.
3 ــ الإخبار عن نفسه مع ثبوت عدالته.
4 ــ صحة الإسناد إلى من قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
يقول العراقي: «ثم إن كون الواحد منهم صحابيًّا تارة يعرف بالتواتر، وتارة بالاستفاضة القاصرة عن التواتر، وتارة بأن
يروى عن آحاد الصحابة أنه صحابي، وتارة بقوله وإخباره عن نفسه بعد ثبوت عدالته بأنه صحابي، والله أعلم»(21)
رابعًا: طبقات الصحابة(22) :
إذا أمعنا النظر في الكتب التي ذكرت طبقات الصحابة وجدنا أن أصحاب تلك المصنفات قد سلكوا في ذكر طبقات الصحابة مسلكين، وكلا هذين المسلكين يحتمله معنى الطبقة في لغة العرب، وكذلك اصطلاح المحدثين:
المسلك الأول: جعلهم كلهم طبقة واحدة، وممن سلك هذا المسلك:
«خليفة بن خياط العُصفري (ت 240 هـ) في كتابه «الطبقات»، وأسلم بن سهل الواسطي المعروف ببحشل (ت 292 هـ) في كتابه «تاريخ واسط»، وأبي حاتم محمد بن حبان البستي (ت 354 هـ) في كتابه «الثقات»، وأبي عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري (ت 405هـ) في كتابه «تاريخ نيسابور»».
وقد راعى هؤلاء المصنفون في جعلهم الصحابة «طبقة واحدة» اشتراك الصحابة
في الصحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، واعتبار الطبقة في هذه المصنفات بمعنى «الجيل أو القرن».
المسلك الثاني: تقسيم الصحابة إلى عدة طبقات، وممن سلك هذا المسلك:
«محمد بن سعد كاتب الواقدي (ت 230 هـ) في كتابه «الطبقات الكبرى»، وأبي عبد الله الحاكم (ت 405 هـ) في كتابه «معرفة علوم الحديث»، وجمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي المعروف بابن الجوزي (ت 597 هـ) في كتابه «صفة الصفوة»».
وقد راعى هؤلاء المصنفون في تقسيمهم الصحابة إلى عدة طبقات معنى آخر يحتمله أيضًا معنى الطبقة في لغة العرب(23) ، وهو حال الصحابي ومنزلته في الإسلام من حيث فضله وسابقته في الإسلام.
وقد اختلفت اجتهادات هؤلاء المصنفين في عدد طبقات الصحابة بهذا الاعتبار، حيث جعلهم محمد بن سعد خمس طبقات في حين جعلهم الحاكم اثنتي عشرة طبقة، بينما قلد الحافظ أبو الفرج بن الجوزي ابن سعد في تقسيمه لهم إلى خمس طبقات.
خامسًا: الصحبة العامة والخاصة(24) :
قال ابن تيمية: «ومما يبين أن الصحبة فيها خصوص وعموم، كالولاية والمحبة والإيمان وغير ذلك من الصفات التي يتفاضل فيها الناس في قدرها ونوعها وصفتها ما أخرجاه في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما شيء فسبه خالد فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «لا تسبوا أحدًا من أصحابي؛ فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبًا ما أدرك مد أحدهم(25) ولا نصيفه» . انفرد مسلم بذكر خالد وعبد الرحمن دون البخاري، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول لخالد ونحوه: «لا تسبوا أصحابي»، يعني عبد الرحمن بن عوف وأمثاله؛ لأن عبد الرحمن ونحوه هم السابقون الأولون، وهم الذين أسلموا قبل الفتح وقاتلوا، وهم أهل بيعة الرضوان، فهؤلاء أفضل وأخص بصحبته ممن أسلم بعد بيعة الرضوان، وهم الذين أسلموا بعد الحديبية، وبعد مصالحة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أهل مكة ومنهم خالد وعمرو بن العاص وعثمان بن أبي طلحة وأمثالهم.
وهؤلاء أسبق من الذين تأخر إسلامهم إلى أن فتحت مكة، وسموا الطلقاء، مثل سهيل بن عمرو، والحارث بن هشام، وأبي سفيان بن حرب، وابنيه يزيد ومعاوية، وأبي سفيان بن الحارث، وعكرمة بن أبي جهل،
وصفوان بن أمية، وغيرهم، مع أنه قد يكون في هؤلاء من برز بعلمه على بعض من تقدمه كثيرًا كالحارث بن هشام، وأبي سفيان بن الحارث، وسهيل بن عمرو، وعلى بعض من أسلم قبلهم ممن أسلم قبل الفتح وقاتل وكما برز عمر بن الخطاب على أكثر الذين أسلموا قبله.
والمقصود هنا أنه نهى لمن صحبه آخرًا يسب من صحبه أولاً؛ لامتيازهم عنهم في الصحبة بما لا يمكن أن يشركهم فيه، حتى قال: «لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه».
فإذا كان هذا حال الذين أسلموا من بعد الفتح وقاتلوا، وهم من أصحابه التابعين للسابقين، مع من أسلم من قبل الفتح وقاتل، وهم أصحابه السابقون، فكيف يكون حال من ليس من أصحابه بحال مع أصحابه؟!».
فالصحابة رضي الله عنهم متفاوتون في الفضل، ومن أظهر الآيَات الدالة على هذا المعنى، قوله سبحانه وتعالى: {وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُواْ مِن بَعْدُ وَقَاتَلُواْ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [الحديد: 10].
قال الطبري: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي أن يقال: معنى ذلك لا يستوي منكم أيها الناس من أنفق في سبيل الله من قبل
فتح الحديبية للذي ذكرنا من الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي رويناه عن أبي سعيد الخدري عنه، وقاتل المشركين، بمن أنفق بعد ذلك، وقاتل، وترك ذكر من أنفق بعد ذلك، وقاتل استغناء بدلالة الكلام الذي ذكر عليه من ذكره {أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُواْ مِن بَعْدُ وَقَاتَلُواْ} [الحديد: 10] يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين أنفقوا في سبيل الله من قبل فتح الحديبية، وقاتلوا المشركين أعظم درجة في الجنة عند الله من الذين أنفقوا من بعد ذلك وقاتلوا.. وكل هؤلاء الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا، والذين أنفقوا من بعد وقاتلوا، وعد الله الجنة بإنفاقهم في سبيله، وقتالهم أعداءه»(26)
قال ابن تيمية: «ففضل المنفقين المقاتلين قبل الفتح، والمراد بالفتح هنا صلح الحديبية.. وهذه الآية نص في تفضيل المنفقين المقاتلين قبل الفتح على المنفقين المقاتلين بعده، ولهذا ذهب جمهور العلماء إلى أن السابقين في قوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ} [سورة التوبة: 100] هم هؤلاء الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا، وأهل بيعة الرضوان كلهم منهم، وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة»(27) .
وقال ابن تيمية: «وأما تفضيل أهل الصفة على العشرة وغيرهم فخطأ وضلال، بل خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر، كما تواتر
ذلك عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب موقوفًا ومرفوعًا، وكما دل على ذلك الكتاب والسنة، واتفق عليه سلف الأمة وأئمة العلم والسنة، وبعدهما عثمان وعلي، وكذلك سائر أهل الشورى، مثل طلحة، والزبير، وسعد، وعبد الرحمن بن عوف، وهؤلاء مع أبي عبيدة بن الجراح أمين هذه الأمة، ومع سعيد بن زيد هم العشرة المشهود لهم بالجنة، وقد قال الله تعالى في كتابه: {لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُواْ مِن بَعْدُ وَقَاتَلُواْ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى}، ففضل السابقين قبل فتح الحديبية إلى الجهاد بأنفسهم وأموالهم على التابعين بعدهم، وقال الله تعالى: {لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} وقال تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ}.
وقد ثبت في فضل البدريين ما تميزوا به على غيرهم، وهؤلاء الذين فضلهم الله ورسوله، فمنهم من هو من أهل الصفة، والعشرة لم يكن فيهم من هو من أهل الصفة إلا سعد بن أبي وقاص، فقد قيل إنه أقام بالصفة مرة، وأما أكابر المهاجرين والأنصار مثل الخلفاء الأربعة، ومثل سعد بن معاذ، وأسيد بن الحضير، وعباد بن بشر، وأبي أيوب الأنصاري، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، ونحوهم لم يكونوا من أهل الصفة، بل عامة أهل الصفة إنما كانوا من فقراء المهاجرين، والأنصار كانوا في ديارهم، ولم يكن أحد ينذر لأهل الصفة ولا لغيرهم»(28) .
وهذه الآية نص في تفضيل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم جملة، فإن الله وعد كلًّا من الفريقين الجنة.
المبحث الثاني : تعريف القرابة
«القرابة: القُربى في الرحم، وهو في الأصل مصدرٌ.
تقول: بيني وبينه قرابة، وقرب، وقربى ومَقْرُبَة ومَقْرِبَة، وقُرْبَة، وقُرُبَةٌ بضم الراء. وهو قريبي وذو قرابتي، وهم أقْرِبائي وأقاربي. والعامة تقول: هو قرابتي وهم قراباتي»(29) .
يقول ابن فارس: «القاف والراء والباء أصل صحيح يدل على خلاف البعد. يقال قرب يقرب قربًا. وفلان ذو قرابتي، وهو من يقرب منك رحمًا. وفلان قريبي، وذو قرابتي. والقربة والقربى: القرابة»(30) .
وعليه فإن أقارب الرجل، وأقربوه: عشيرته الأدنون، وقد جاء بهذا لسان الشرع، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزلت: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214]، صعد النبي صلى الله عليه وسلم على الصفا، فجعل ينادي: «يا بني فهر، يا بني عدي» لبطون قريش حتى اجتمعوا فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولاً لينظر ما هو، فجاء أبو لهب
وقريش، فقال: «أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقي؟» قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقًا، قال: «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد» فقال أبو لهب: تبًّا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟ فنزلت: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ} [المسد: 2](31)
وعن الزهري، قال: أخبرني سعيد بن المسيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة، قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزل الله: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214] قال: «يا معشر قريش ــ أو كلمة نحوها ــ اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئًا، ويا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئًا، ويا فاطمة بنت محمد سليني ما شئت من مالي، لا أغني عنك من(32) الله شيئًا» .
وعن أبي هريرة، قال: لما أنزلت هذه الآية {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214]، دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشًا، فاجتمعوا فعم وخص، فقال: «يا بني كعب بن لؤي، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مرة بن كعب، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد شمس، أنقذوا
أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب، أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة، أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لكم من الله شيئًا، غير أن لكم رحمًا سأبلها ببلالها»(33)
وعن عائشة، قالت: لما نزلت {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214] قام رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصفا، فقال: «يا فاطمة بنت محمد، يا صفية بنت عبد المطلب، يا بني عبد المطلب، لا أملك لكم من الله شيئًا، سلوني من مالي ما شئتم»(34) .
مرادنا بالقرابة:
إن مرادنا في هذا البحث بالقرابة هم آل النبي صلى الله عليه وسلم، وعليه: فلا بد لنا من التعريف بالآل، ونحن نسوق هذا في مسائل:
* الأولى: تعريف الآل في اللغة:
اختلف علماء اللغة في الآل، 1 فقال الراغب: «الآل: مقلوب من الأهل، ويصغّر على أهيل إلا أنّه خصّ بالإضافة إلى الأعلام الناطقين دون النكرات، ودون الأزمنة والأمكنة، يقال: آل فلان، ولا يقال: آل رجل ولا آل زمان كذا، أو موضع كذا، ولا يقال: آل الخياط بل
يضاف إلى الأشرف الأفضل، يقال: آل الله وآل السلطان.
والأهل يضاف إلى الكل، يقال: أهل الله وأهل الخياط، كما يقال: أهل زمن كذا وبلد كذا»(35) .
وقد ضعفه الإمام ابن القيم لأسباب كثيرة، ليس هذا موضع بسطها(36) .
يقول العلامة الفراهي: «هو صورة للأهل. ويطلق على العشيرة والقوم والأنصار.
قال النابغة الذبياني:
| وقفتُ فيها سَراةَ اليومِ أسألُها | عن آلِ نُعْمٍ أَمونًا عَبرَ أسفارِ |
|---|
وقال أيضًا:
| مِن آلِ مَيَّةَ رائحٌ أو مُغْتَدِ | عجلانَ ذَا زَادٍ وغَيرَ مُزَوَّدِ |
|---|
وقال تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} [الأعراف: 130]، وقبل ذلك: {إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِيْهِ} [الأعراف: 103]، و{قَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ} [الأعراف: 109] [127]، مرتين، ولم يذكر لفرعون أولادًا، والظاهر أنه لم يكن له ولد.
... الآل: للقوم، في سورة المؤمن: {وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ} [سورة المؤمن (غافر): 45].
وفي سورة الأعراف: {وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ...} {وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ} [الأعراف: 130 ــ 137].
وكل ما ذكر في هذه الآيَات من العذاب وقع على جميع قوم فرعون. ومثله قوله تعالى: {وَإِذْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ} [الأعراف: 140].
وأيضًا: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ} [البقرة: 248].
أي قوم موسى وقوم هارون عليهما السلام، وحين كلّمهم صموئيل النبي عليه السلام بهذا الكلام كان بنو إسرائيل فِرَقًا وأقوامًا، وكان قوم هارون عليه السلام مختصًا بخدمة البيت. فإن قلتَ: لِمَ لا تأخذه بمعنى أولاد موسى عليه السلام وأولاد هارون عليه السلام؟ قلتُ: آل موسى وآل هارون يحتوي موسى وهارون عليهما السلام أيضًا، كما أنه احتوى جميع بني إسرائيل. ولذلك جاء في الحديث: «أُعطِيَ مِزمارًا من مزامير آل داود»(37) .
فهذا يحتوي داود والمغنين معه.
أيضًا: {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُواْ خَاطِِٔينَ} [القصص: 8].
وفي التوراة أن بنت فرعون أرسلت أمتها، فأخذته، ودعت له بمرضعة ثم أخذته ابنًا.
وفي القرآن ــ ولَهُوَ الصحيحُ ــ أن هذه امرأة فرعون. فإن الآية المتصلة بالتي سبقت تبين ذلك. فقال تعالى: {وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ}(38) [القصص: 8]» .
2 ــ والراجح أن «آل» مشتقة من الأول، قال ابن فارس: «وآل يؤول، أي:(39) رجع» .
قال ابن تيمية: «لفظ «الآل» أصله أول، تحركت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا فقيل: آل ومثله باب وناب. وفي الأفعال قال وعاد ونحو ذلك.
ومن قال أصله أهل فقلبت الهاء ألفا فقد غلط؛ فإنه قال ما لا دليل عليه وادعى القلب الشاذ بغير حجة مع مخالفته للأصل.
وأيضًا فإن لفظ الأهل يضيفونه إلى الجماد وإلى غير المعظم كما يقولون: أهل البيت، وأهل المدينة، وأهل الفقير، وأهل المسكين، وأما الآل فإنما يضاف إلى معظم من شأنه أن يؤول غيره أو يسوسه فيكون مآله إليه.
ومنه الإيالة: وهي السياسة.
فآل الشخص هم من يؤوله ويؤول إليه ويرجع إليه، ونفسه هي أول وأولى من يسوسه ويؤول إليه؛ فلهذا كان لفظ آل فلان متناولًا له، ولا يقال هو مختص به، بل يتناوله ويتناول من يؤوله»(40) .
هذا هو التعريف اللغوي للفظ «آل» أما لفظ «أهل»، فذكر أهل اللغة أن: «أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه»(41) .
ــ والصحيح أن الآل والأهل يطلقان على معان مشتركة، ومن ذلك: أنهما يطلقان على الزوجة(42) والعيال ، فهما يطلقان على آل البيت، وأخص آل البيت نساء الرجل، يقول الفراهي: «أهل البيت عبارة عن النساء، الواحد والجمع فيه سواء.
ولكن الضمير الذي يرجع إليه يكون جمعًا ومذكّرًا اجتنابًا عن
التصريح، لأجل حرمة النساء.
وعلى ذلك آتيك بشهاداتٍ من القرآن وكلام العرب: {فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُواْ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ} [سورة القصص: 29].
... {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا} [سورة القصص: 12 ــ 13]... {قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ} [سورة هود: 73].
فترى في هذه الأمثلة أن المراد من كلمة «الأهل» امرأة واحدة ولكن استعمل لها صيغة الجمع المذكر، ومع ذلك ترى أن ضمير الجمع المذكر استعمل للمرأة الواحدة في {هَلْ أَدُلُّكُمْ}، {يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ} فإذا علمت أن هذا استعمال عامّ في كلام العرب تبيّن لك معنى هذا اللفظ في القرآن حيث استعمل في ذكر أزواج النبي عليهم الصلوات»(43)(44) )( .
* الثانية: آل البيت في الاصطلاح:
أما أهل البيت في لسان الشرع(45) ، فقال ابن القيم: «واختلف في آل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على أربعة أقوال:
فقيل: هم الذين حرمت عليهم الصدقة، وفيهم ثلاثة أقوال للعلماء:
أحدها: أنهم بنو هاشم، وبنو المطلب، وهذا مذهب الشافعي وأحمد في رواية عنه.
الثاني: أنهم بنو هاشم خاصة، وهذا مذهب أبي حنيفة ـ رحمه الله ـ ورواية عن أحمد ـ رحمه الله ـ، واختيار ابن القاسم صاحب مالك.
الثالث: أنهم بنو هاشم ومن فوقهم إلى غالب، فيدخل فيهم بنو المطلب، وبنو أمية، وبنو نوفل، ومن فوقهم إلى بني غالب، وهو اختيار أشهب من أصحاب مالك.. إلى أن قال: وهذا القول في الآل ــ أعني: أنهم الذين تحرم عليهم الصدقة ــ هو منصوص الشافعي ـ رحمه الله ـ وأحمد والأكثرين، وهو اختيار جمهور أصحاب أحمد والشافعي.
القول الثاني: أن آل النبي صلى الله عليه وسلم هم ذريته وأزواجه خاصة، حكاه ابن عبد البر في «التمهيد»: قال في باب عبد الله بن أبي بكر في شرح
حديث أبي حميد الساعدي: «استدل قوم بهذا الحديث على أن آل محمد هم أزواجه وذريته خاصة لقوله في حديث مالك عن نعيم المجمر، وفي حديث مالك(46) «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد»، وفي هذا الحديث يعني: حديث أبي حميد(47)
«اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته»، قالوا: فهذا يفسر ذلك الحديث ويبين أن آل محمد هم أزواجه وذريته».
القول الثالث: أن آله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أتباعه إلى يوم القيامة، حكاه ابن عبد البر عن بعض أهل العلم، وأقدم من روي عنه هذا القول جابر بن عبد الله.
القول الرابع: أن آله ـ صلى الله عليه وسلم ـ هم الأتقياء من أمته، حكاه القاضي حسين والراغب وجماعة».
ونحن إذا تأملنا قوله تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب: 33]، وجدنا هذه الآية ظاهرة
الدلالة على أن زوجاته صلى الله عليه وسلم من أهل بيته، ولهذا قال ابن كثير: «الذي لا يشك فيه من تدبر القرآن أن نساء النبي صلى الله عليه وسلم داخلات في قوله تعالى {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب: 33]؛ فإن سياق الكلام معهن، ولهذا قال تعالى بعد هذا كله: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا} [الأحزاب: 34]»(48) وروى الإمام مسلم في صحيحه(49) عن زيد بن أرقم قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا خطيبًا، وذكر الحديث وفيه: «أذكركم الله في أهل بيتي» ثلاثًا فقال حصين بن سبرة: «ومن أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟»، قال: «إن نساءه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده»، قال: «ومن هم؟»، قال: «هم آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل العباس»، قال: «أكل هؤلاء حرم الصدقة؟»، قال: «نعم».
وفي حديث كعب بن عجرة(50) قال: سألنا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقلنا: «يا رسول الله! كيف الصلاة عليكم أهل البيت؟»، قال: «قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد».
وعن أبي حميد الساعدي(51) أنهم قالوا: «يا رسول الله! كيف نصلي عليك؟»، فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قولوا: «اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته».
فهذا تفسير ذلك الحديث الذي قبله، ويبين أن آل محمد هم أزواجه وذريته(52) .
وروى البخاري(53) بإسناده إلى أنس بن مالك في قصة زواجه ـ عليه الصلاة والسلام ـ بزينب بنت جحش، وفيه: أنه خرج فانطلق إلى حجرة عائشة فقال: «السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله»، فقالت: «وعليك السلام ورحمة الله، كيف وجدت أهلك بارك الله لك؟»، فتقرى حجر نسائه كلهن يقول لهن كما يقول لعائشة، ويقلن له كما قالت عائشة.
وفي صحيح مسلم(54) أن عائشة رضي الله عنها قالت: «خرج النبي صلى الله عليه وسلم غداة، وعليه مرط مرحل من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب: 33]، قال القرطبي: «فهذه دعوة من النبي صلى الله عليه وسلم
لهم بعد نزول الآية، أحب أن يدخلهم في الآية التي خوطب بها الأزواج»(55)
فعلى هذا تشمل الآية الزوجات وأصحاب الكساء «فمن جعل الآية خاصة بأحد الفريقين فقد أعمل بعض ما يجب إعماله، وأهمل ما لا يجوز إهماله»(56) .
ــ فبتأمل هذه النصوص والجمع بين دلالاتها يتخرج أن مفهوم أهل البيت في لسان الشرع يصدق على ثلاثة فئات:
الأولى: زوجاته ــ رضوان الله عليهن ــ.
الثانية: أقاربه ممن تحرم عليهم الصدقة(57) .
الثالثة: ذريته ـ صلى الله عليه وسلم ـ.
قال الحافظ ابن حجر: «فبذلك يجمع بين الأحاديث»(58) .
الفصل الثاني : أَسْبَابُ النُّزُول .. تعريفها.. أهميتها.. أهم مصادرها
العلم بسبب النزول ضرب من ضروب علوم القرآن، وهو من أهم ضروبه، وعلى أهميته أطبق السلف والخلف، فأسباب النزول: «هي أوفى ما يجب الوقوف عليها، وأولى ما تصرف العناية إليها، لامتناع معرفة تفسير الآية وقصد سبيلها، دون الوقوف على قصتها وبيان نزولها.
ولا يحل القول في أسباب نزول الكتاب، إلا بالرواية والسماع ممن شاهدوا التنزيل، ووقفوا على الأسباب، وبحثوا عن علمها، وجدُّوا في الطلاب، وقد ورد الشرع بالوعيد للجاهل ذي العثار في العلم بالنار»(59) .
ونزول القرآن لا يخرج عن قسمين(60) :
الأول: أن لا يكون له سبب مباشر، بل ينزل حسب الحاجة والمصلحة.
الثاني: أن يقع حدث فينزل قرآن بشأنه، وهذا هو المراد بأسباب النزول.
وهذا الحدث يشمل كل قول أو فعل، أو سؤال وقع ممن عاصروا التنزيل، ونزل القرآن بسببهم.
وسنبدأ بتعريف سبب النزول كمدخل لأهميته، ومصادره..
المبحث الأول : تعريف سبب النزول
تعددت تعاريف العلماء لأسباب النزول، ونحن نذكر هنا ما يقوم به البيان لتصور ماهية أسباب النزول؛
أولاً: تعريف السيوطي:
يقول الإمام السيوطي في تعريف سبب النزول: «قلت: والذي يتحرر في سبب النزول: أنه ما نزلت الآية أيام وقوعه؛ ليخرج ما ذكره الواحدي في سورة الفيل من أن سببها قصة قدوم الحبشة به، فإن ذلك ليس من أسباب النزول في شيء، بل هو من باب الإخبار عن الوقائع الماضية؛ كذكر قصة قوم نوح وعاد وثمود وبناء البيت ونحو ذلك، وكذلك ذكره في قوله: {وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} [النساء: 125] سبب اتخاذه خليلاً ليس ذلك من أسباب نزول القرآن كما لا يخفى»(61) .
ومراد الإمام السيوطي أنه مما قد يلتبس بسبب النزول قصص القرآن، إذ الآيَات قد تكون قصة، وقد تكون بسبب قصة حدثت، لكن ليس لكل قصص القرآن
سبب نزول.
ومن أمثلة ما كان قصة في سبب النزول حادثة الإفك التي نزل بشأنها قرآن، لكن قصة آدم في سورة البقرة لم يكن لها سبب نزول مباشر كما هو الحال في قصة الإفك، فهي من قصص القرآن وليست من أسباب النزول.
وقد ذكر الواحدي (ت468هـ) في كتابه (أسباب النزول) في سورة الفيل ما نصه: «نزلت في قصة أصحاب الفيل، وقصدهم تخريب الكعبة، وما فعل الله تعالى بهم: من إهلاكهم وصرفهم عن البيت، وهي معروفة»(62) .
فاعترض عليه السيوطي كما سبق ونقلناه، لكن تعقبه العلامة الفراهي(63) ، فقال: «ليس المراد من سبب النزول ما لأجله نزل الوحي. إنما هو شأن الناس وأمرهم والحالات والواقعات التي بينها وبين ما نزل نسبة وهذا هو معنى السبب في الصحيح من كلام العرب. ولذلك كانت القدماء يذكرون كل ما يتعلق بمضمون الآية، ولكن المتأخرين لم يفهموا منه إلا معناه المولد فضاق عندهم فحواه».
ثم أورد عبارة السيوطي السابقة، وعلق عليها قائلًا: (فأراد السيوطي رحمه الله أن لا يذكر من الأسباب إلا ما لأجله نزل الوحي. وأراد
الواحدى أن يوسع السبب فيُدخلُ فيه كلَّ ما كان محلًا ومطمحًا للوحى.
وهذا الاختلاف إنما نشأ لاختلافهم في مراد لفظ السبب وإني أرى الصواب مع السلف؛ فإن المقصود من هذا العلم إنما هو فهم الكلام وتأويل مجمله، فإن القصة ربما لا تفصل تفصيلًا لعلم المخاطبين بها. فلا بد للمتأخرين أن يعلموا شيئًا من تفصيله، كما ترى في قصة أصحاب الفيل إنما ألمع إليها إلماعًا، وهذا كثير في القرآن. ثم لما غيَّر المتأخرون معنى السبب وقعوا في إشكال، فإنهم وجدوا الصحابة والتابعين كثُر اختلافهم في بيان أسباب النزول، ولا بأس به إذا كان المراد منه معناه الوسيع. ولكن المتأخرين لما وجدوهم يذكرون أمورا متباعدة في الزمان والمكان، والشيء الواحد لا يكون معلولا لعلل مختلفة لا سيما بهذا الاختلاف المتباعد لم يمكنهم الخروج عن الإشكال إلا بأحد الطريقين:
ــ إما بتعدد النزول.
ــ وإما بإجراء الجرح والتعديل في روايات صحيحة مسلمة.
وكلا الطريقين بادي الخلل، وفطن به بعض العلماء فاجتهد في إزاحة الاختلاف بقول متين يدل على دقة نظره وسلامة ذوقه. وهو الإمام بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي الشافعي رحمهم الله. فقال في كتابه المسمى بالبرهان في علوم القرآن كما نقله العلامة السيوطي رحمه الله في الإتقان: «قد عُرف من عادة الصحابة والتابعين أن أحدهم إذا قال: نزلت هذه الآية في كذا
فإنه يريد بذلك أنها تتضمن هذا الحكم، لا أن هذا كان السبب في نزولها. فهو من جنس الاستدلال على الحكم بالآية، لا من جنس النقل لما وقع»(64)
فرفع بهذا القول الاختلافَ فيما يذكرون من أسباب النزول. ولكنه رحمه الله لم يتعرض لما لا اختلاف فيه، والمسألة مهمة لأمر أرفع من ذلك، وهو فهم القرآن وتعيين مراده. ومداره على معرفة أسباب النزول، فإنها تبين المجمل، وتعين بعض المحتمل. ومن نظر في كتب التفسير علم أن كثيرا ممّا يذكرون في الأسباب يبدل المعنى الظاهر، فكأن أسباب النزول ملكت أزمة التأويل فتصرفه حيث تشاء.
والعاقل المتقي الذي يرى القرآن أوثق عراه ويفر إليه عما سواه يرجف فؤاده أن يعدل عن ظاهر الكتاب وواضح معناه، فيترك ما أقام الله به حجته وأبان محجته إلى أمر مشتبه وروايات ضعيفة. وقال الله تعالى: {إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَئًْا} [النجم: 28] فإن الحق أبلج والباطل لجلج.
فلزم الاعتناء البليغ بالبحث والتنقيب في هذا العلم العزيز، ووجب أن تؤسس أصوله وتشيد قواعده، فيجمع من الأسباب ما كان حقا ويبطل ما كان باطلًا.
فنقول أولا ما هو المراد من أسباب النزول، ونعود إلى تفسير معناها وتحديدها، لتتضح شدة الحاجة إليها.
* تعريف أسباب النزول:
1 ــ إنما أنزل الله القرآن نجما نجما ليطابق حالهم، فيكون أقرب إليهم فهما وأبلغ فيهم تأثيرا. فإن القول كالمطر والبذر له وقت وموسم. بل للقول مناسبة بالمخاطبين. فإن شئت فاسأل الحراث والخطباء وشاهد حالهم. وقد أخبرنا الله تعالى في كتابه أن هذا كتاب عنده مكتوب مجموع قديم في لوح محفوظ، وإنما نزله حسب مقتضيات الوقت. وقد حكى القرآن قيل الكفار: {لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً} [الفرقان: 32] فجاء جوابهم من الله تعالى: {كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ} [الفرقان: 32] فكما أن الشجر يسقى بالماء حينًا بعد حين ليثبت به أصله ويغلظ ويرسخ تحت الثرى فينمو وينتشر. فإن أكثر السقي فسد الأصل وربما يجعل الأرض رخصا فيسقط الشجر. وأي تعليم أو تربية تأتي جملة واحدة، فكذلك الأمر في الوحي للنبي وأمته التي تستقى بماء الوحي. وهذا مثل المطر للوحي جاء في القرآن والكتب المقدسة.
فمن آمن بأن هذا الكتاب قديم، كما قال تعالى: {وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ} [الزخرف: 4] وقال تعالى: {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ} [الإسراء: 106] وإنما نُزل حسب المواقع التمس المواقع وصورها في ذهنه
ليعلم المراد ووجهة القول.
ولذلك اعتنى العلماء بهذا العلم وسموه علم أسباب النزول، ولم يريدوا بالأسباب العلة فإنه معنى مولد، والسبب عند العرب ما يتعلق بالشيء ويهدى إليه ويتصل به. في سورة الكهف: {وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا فَأَتْبَعَ سَبَبًا} [84 ــ 85] وفي سورة المؤمن: {لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ} [36 ــ 37] وهذا كثير في كلام العرب.
فذكروا في هذا الفن كل ما يتعلق بالكلام.
وأشهر الكتب في أسباب النزول كتاب الشيخ الإمام أبى الحسن علي بن أحمد الواحدى المفسر المتوفى 468هـ وقد طبع، ورأيته. فقد جمع فيه الأقوال ولم يشدد في النقد وتركه للناظر فيه، وهذا أحوط للمؤرخ.
2 ولما أنه تتضح وجهة الكلام من علم موقعه ومحله وما ينطبق عليه جمع العلماء ما وصل إليهم من جماعة الصحابة الذين شاهدوا نزول القرآن من قولهم نزل كذا في كذا. أي هذا هو محل هذه الآية. وإذ قد اختلفت الروايات في هذا الباب اختلافا كثيرا أشكل على العلماء التوفيق بينها. وأكبر الإشكال أنه سبق إلى أكثر الظنون أن واقعة خاصة كانت علة لنزول آية خاصة، ويضيق في ذلك نطاق التوفيق. فبعض الروايات تذكر أمرا وقع بمكة وبعضها يذكر ما وقع بالمدينة بعد
زمان. فأزاح هذا الإشكال الإمام بدر الدين محمد بن عبدالله الزركشي الشافعي المتوفى 794هـ في كتابه: البرهان، فقال: «قد عرف من عادة الصحابة والتابعين أن أحدهم إذا قال نزلت هذه الآية في كذا، فإنه يريد بذلك أنها تتضمن هذا الحكم، لا أن هذا كان السبب في نزولها. فهو من جنس الاستدلال على الحكم بالآية لا من جنس النقل لما وقع».
فجلى بهذا البيان المحكم شبهات كثيرة نشأت من الظن بأن قولهم نزلت كذا في كذا نقل واقعة وشهادة حادثة لابد أن يقبلوا الرواية فيها. فتلقى العلماء هذا القول البين بالقبول وعولوا عليه عند اختلاف الروايات.
3 ــ كان في قول الزركشي كفاية للماهر، ولكن صاحب الإتقان أحب أن يفصل الأمر، فذكر سبعة وجوه لرفع الاختلاف في ذكر الأسباب. والآن نوردها، ثم نبحث عن مدار الأمر ومركزه:
1) كونها من جنس الاستدلال، وهو ما قال الزركشي رحمه الله.
2) ترجيح المصرح على المجمل. فإن الذي يصرح فعلمه أتم وأحفظ.
3) ترجيح الأصح على الأضعف صحة.
4) ترجيح ما كان راويه حاضر القصة أو نحو ذلك من وجوه الترجيح، وهذا علته كما ذكرنا في الوجه الثاني.
5) توفيق بين الأسباب بنزول الآية عقيبها، وذلك حين يحتمل قرب الأزمنة.
6) تعدد النزول إذا تباعدت أوقات الواقعات.
7) رد بعض الروايات إلى أن الراوي إنما سمع النبي أنه تلا وظن أنه نزل حينئذ.
وذكر صاحب الإتقان هذا الوجه السابع تحت تنبيه ولم يجعله وجها برأسه، لما أنه رحمه الله عول في ذلك على رواية ذكرت أنه تلا، ومثل هذه الرواية قليل جدًا. ولا يخفى عليك أنه حينئذ يدخل في التصريح. وجعل آخر الوجوه تعدد النزول، فإنه لبعده كما تعلم لا يصار إليه إلا بعد ما انسدت جميع الأبواب. فإن أمعنت النظر في الروايات كنت في مندوحة عن هذا أضعف الوجوه ورددته إلى وجوه أخر. والآن نذكر ما يدور عليه الأمر في هذا البحث.
4 فاعلم أن صاحب الإتقان نظر في هذه المسألة من جهة رفع الاختلاف إذا وقع في روايات سبب النزول. ولكن هذه المسألة في غاية الأهمية سواء وقع الاختلاف في سبب النزول أم لم يقع، لأن بيده زمام التأويل. ومعنى القرآن لابد أن يكون مأخوذا من مآخذ مسلمة وإلا كيف يصح الاعتصام به وكيف تتفق كلمة الأمة في مدار أمرهم. ألا ترى الناس لم يختلفوا في شيء كاختلافهم في تأويل القرآن،
أفليس هذا داءً عظيمًا. فإن كان داء فماذا دواؤه؟ ولا أرى ذلك إلا شدة الاحتياط في ذلك، فليكن الاعتماد على أصلين:
أ) لا يعتمد إلا على رواية صحيحة.
ب) يستخرج شأن النزول من سياق الكلام ونظمه...
وإذ قد علمنا أن الروايات في هذا الباب أكثرها من جنس الاستدلال رددنا الأمر إلى هذين الأصلين سواء كان هناك اختلاف في الروايات أو لم يكن، وسواء كان في الباب رواية أو لم يكن.
فإن قلت: كيف بك حين تجد التصريح بواقعة مع بيان أن الآية نزلت حينئذ؟
قلنا: إذا كانت الرواية ثابتة أخذنا بها، وهذا هو الأصل الأول وذلك لا يخالف الأصل الثاني أبدًا. وعلى فرض خلافه للأصل الثاني فإن وجد فذلك ربما يؤول إلى ظن من سمع النبي يتلو الآية فظن نزولها في ذلك الوقت، لما أنه سمعها أول مرة. وذلك هو الوجه السابع الذي ذكره السيوطي رحمه الله وعول فيه على الرواية. ولكنك إن تأملت في أكثر الأمثلة علمت أنها منه وإن لم تصرح به رواية...»(65) .
وقد ذكر ولي الله الدهلوي في كتابه الفوز الكبير كلامًا مهمًا نفيسا في هذا الجانب قريبًا مما ذكره الفراهي، حيث قال: «وقد ينقل المتقدمون
من المفسرين في مثل هذه المواضع أمثال هذه القصص والحوادث بغية استيعاب الآثار المناسبة الواردة حول تلك الآية، أو لبيان ما يصدق عليه العموم اللفظي من المعاني، وليس من الضروري ذكر هذه القصص والحوادث كأسباب النزول؛ لأن فهم معنى الآية لا يتوقف عليها.
وقد تحقق لدى الفقير أن الصحابة والتابعين رضي الله عنهم أجمعين كثيرا ما يقولون: نزلت الآية في كذا، ولا يكون غرضهم إلا تصوير ما تصدق عليه الآية من الأحداث والمعاني، وذكر بعض القصص والوقائع التي تشملها الآية الكريمة لعموم لفظها، سواء كانت القصة متقدمة على نزول الآية أو متأخرة عنها، إسرائيلية كانت أو جاهلية أو إسلامية، تنطبق على جميع قيود الآية أو بعضها.
وقد تبين من هنا أن للاجتهاد مدخلا في هذا القسم الثاني من أسباب النزول، وأنه يتسع لإيراد القصص المتعددة، فكل من يستحضر هذه النكتة، يستطيع أن يعالج اختلافات أسباب النزول بأدنى نظرة وتأمل»(66) .
ثانيًا: تعريف الدكتور خالد المزيني
يقول: «أما التعريف الذي خلصت إليه بعد التتبع والاستقراء فهو:
«كل قول أو فعل نزل بشأنه قرآن عند وقوعه».
وإنما اخترت التعبير عن السبب: بالقول والفعل لأن أعمال المكلفين لا تعدو ثلاثة: النية والقول والفعل.
فالنية المجردة عن معمولها لا يترتب عليها أثرها، ولهذا لا صلة لها بأسباب النزول ولا بغيرها من سائر الأحكام.
فلم يبق إلا الأقوال والأفعال، وهذان يتناولان جميع أحوال المرء الظاهرة، وعليها يترتب الأثر في الدنيا والآخرة.
وقولي: (كل قول): هذا يتناول السؤال، والدعاء، والتعجب، والعرض، والتمني والخبر، والطلب، وغير ذلك.
وسواء أكان ذلك من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أم من أصحابه أم من المنافقين، أم من اليهود، أم من المشركين.
ولم أرَ من نبّه إلى أن قول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أو قول الشهداء، أو قول الجن يكون سببًا لنزول الآية مع وجود الأدلة على ذلك.
بل من كتب في هذا إنما يذكر سؤالًا وجهه أحد الحاضرين إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فنزلت الآية مع أن الأسئلة لا تمثل إلا نسبة يسيرة من الأقوال.
وقولي: (أو فعلٍ) أي كل فعل، ويتناول ذلك الأفعال في العبادات والعادات والمعاملات في السفر والحضر، والسلم والحرب، والأمن والخوف.
وسواءٌ أكان ذلك من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أم من أصحابه أم من المنافقين، أم من اليهود، أم من المشركين.
وأول من وقفت على قوله في إشارة إلى أن فعل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد يكون سببًا للنزول هو الرومي حيث قال: (والحادثة التي ينزل القرآن لأجلها قد تكون من الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما حدث(67) في سبب نزول عبس...) .
وقولي: (نزل) احترازًا من المتلو والمقروءِ، فلو قرأ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الآية عند حدث ما، لما كان هذا من أسباب النزول، بل كان هذا من باب الاستشهاد بالآية على الحدث.
مثاله ما روى الشيخان عن علي بن أبي طالب أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ طرقه وفاطمةَ بنت النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ ليلةً، فقال: (ألا تصليان) فقلت: يا رسول الله، أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا، فانصرف حين قلنا ذلك، ولم يرجع إليَّ شيئًا، ثم سمعته وهو مولٍ، يضرب فخذه وهو يقول: {وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ(68) شَيْءٍ جَدَلًا} [الكهف: 54] .
وقولي: (بشأنه) أي بسببه ولأجله، وقد اقتضت حكمة الله البالغة ربط الأسباب بالمسبَبَات، ورتب على وجودها أثرها، فمن الآيَات ما لا ينزل من السماء حتى يقع السبب في الأرض، ومنها ما ليس له سبب
حاضر، فليس النزول موقوفًا على السبب دومًا، بل يكون أحيانًا به، وأحيانًا أخرى بغيره وهذا أكثر.
وقولي: (قرآن) هذا يتناول السورة وبعضها، والآية وبعضها، وسواءٌ أكان النازل مستقلًا بالمعنى، كما في أكثر الآيَات النازلة، أو لا يستقل بالمعنى كقوله تعالى: (مِنَ الْفَجْرِ) ضمن قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} وقوله تعالى: {غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ} ضمن قوله تعالى: {لَّا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}، فإن هذا يتناوله لفظ القرآن.
وقولي: (عند وقوعه) وجه التعبير بـ(عند) لأمرين:
الأول: أنها تدل على الزمن والدليل على هذا ما روى الشيخان عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي(69) يملك نفسه عند الغضب» .
ومثله ما روى البخاري عن عمرو بن الحارث ـ رضي الله عنه ـ قال: «ما ترك رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عند وفاته درهمًا، ولا دينارًا، ولا عبدًا، ولا أَمة ولا شيئًا إلا بغلته البيضاء،(70) وسلاحه، وأرضًا جعلها صدقة» .
الثاني: أنها تدل على المقاربة لما روى الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
«ما حقُّ امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده»(71)
ومثله ما روى البخاري عن أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: قال «ومن بلغت صدقتُه بنتَ لبون وليست عنده، وعنده بنت مخاض، فإنها تقبل منه بنت مخاض ويعطي معها(72) عشرين درهمًا أو شاتين» .
وبهذه الأمثلة تتبين دلالة (عند) على الزمن والمقاربة كما قاله ابن هشام(73) والذي دعاني لاستعمال الظرف الدال على المقاربة دون التحديد أن لديَّ سببين تأخر النزول فيهما وهما قصة الإفك في أم المؤمنين ـ رضي الله عنها ـ حيث تأخر نزول براءتها شهرًا، وقصة كعب بن مالك وصاحبيه ـ رضي الله عنهم ـ حيث تخلفوا عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في خروجه إلى غزوة تبوك فأرجأ الله التوبة عليهم خمسين ليلةً.
ولو عبرتُ بقولهم: زمن وقوعه، أو أيام وقوعه فربما فُهم من هذا المبادرة والمباشرة وهذا ما لا أُريده ولا أَعنيه.
فالمقاربة المستفادة من الظرف نسبية فمن الآيَات ما قرب نزوله من سببه كثيرًا ومنها ما بَعُدَ قليلًا ومنها ما بين ذلك.
وسأذكر بعض الأمثلة الدالة على التفاوت في زمن النزول على سبيل الاختصار.
فمن الآيَات التي نزلت مباشرة:
قوله تعالى: (غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ) فما فرغ ابن أم مكتوم من شكايته حتى نزل الوحي، وإن فخذ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على فخذ زيد بن ثابت ــ(74) رضي الله عنه .
ومن الآيَات التي تأخر نزولها يسيرًا:
قضية نزول الحجاب، ومكثهم في بيت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يتحدثون حتى أحرجوه فأنزل(75) الله الآية .
ومن الآيَات التي تأخر نزولها كثيرًا: قضية الإفك.
ومن الأسباب ما يكون زمن نزوله بين ذلك وفق ما تقتضيه الحكمة الإلهية والله أعلم»(76) .
ويرتكز سبب النزول على أربعة أركان ينضبط باجتماعها، ويختلُّ باختلالها أو بعضها وهي:
أولًا الحدث الجديد، فلا بد من تصورِ أمرٍ جديدٍ قد وقع سواءٌ أكان قولًا أم فعلًا، والغالب الكثير من الأسباب أن يقع ذلك بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم حتى إني لم أجد إلا ستة أسباب، كان الحدث فيها قبل
البعثة ومع هذا فقد أنزل الله بشأنها قرآنًا.
والسبب في ذلك، ــ والله أعلم ــ أنها كانت تتجدد بعد رسالته ـ صلى الله عليه وسلم ـ إما سنويًا، وإما أقل من ذلك، فلما كانت تتجدد أصبحت كالحدث الجديد، فالسبب المصطلح عليه ينقسم إلى قسمين من حيث النشأة:
الأول: أن ينشأ السبب سواء أكان فعلًا أم قولًا بعد الرسالة، وهذا الغالب.
الثاني: أن يكون السبب موجودًا قبل الرسالة لكنه يتجدد بعدها فيكون كالجديد أصلًا.
ثانيًا : الموافقة بين اللفظين، لفظ الآية، ولفظ الحديث فلا بد أن يكون بينهما قدر مشترك في الألفاظ والمعاني، ولهذا يقال: السؤال معاد في الجواب وذلك لما بينهما من الصلة، فالسؤال سبب الجواب، وكذلك الحديث سبب لنزول الآية، وإذا كان بينهما توافق في الألفاظ فلا بد أن يتوافقا في المعاني، وأسباب النزول مع الآيَات تشهد بهذا.
ثالثًا سياق الآيَات وأعني به الآيَات التي تسبق موضع النزول وتتبعه، فهذه الآيَات لا بد أن تكون في موضوعها وخطابها غير مخالفة للسبب في أصله وخطابه فلو كان سياق الآيَات في أهل الكتاب ما صح أن يكون السبب في آيةٍ منه نازلًا في المشركين وكذلك أصل الموضوع فلو كان السياق القرآني في موضوع يخالف موضوع السبب قطعنا
بأنه ليس بينهما صلة، وإن كان الحديث صحيحًا صريحًا في النزول.
رابعًا : مراعاة التاريخ بين السبب والنزول، وقد لاحظت من تتبعي للأسباب أن السبب لا يتأخر عن النزول إلا لحكمة إلهية وفي أمثلة معروفة، فإذا وقعت المباعدة بينهما علمنا أنها ليست مما نحن فيه، وسواءٌ أكانت المباعدة الزمنية بين مكي ومدني أو بين المدني المتقدم أوائل الهجرة والمدني النازل في أواخرها.
وثمَّ أمران آخران ليسا كهذه الأركان في المنزلة وإن كانا مؤثرين وهما: صحة الإسناد والتعبير بالنزول.
فأما صحة الحديث فهي قرينة قوية في صحة السبب وثبوته، ومع هذا فمراسيل التابعين الذين تلقوا التفسير عن كبار الصحابة كانت ولا زالت تحظى بالقبول من العلماء، والاحتجاج بها في المعاني والأسباب.
وأما التعبير بالنزول فلا ريب أنه ينفي التردد، ويجرئ القلب على الإقدام، والحكم بالسببية، فوجوده قرينة قوية في الدلالة على الأسباب، والله الموفق للصواب(77) .
المبحث الثاني : أهمية المعرفة بسبب النزول
لأسباب النزول أهمية كبيرة، وكان للسلف اهتمام كبير بشأنه، وتعلمه، فعن إبراهيم التيمي، قال خلا عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ، ذات يوم يحدث نفسه، فأرسل إلى ابن عباس، فقال: كيف تختلف هذه الأمة ونبيها واحد، وكتابها واحد، وقبلتها؟ فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين، إنا أنزل علينا القرآن، فقرأناه، وعلمنا فيم أنزل، وإنه سيكون بعدنا أقوام يقرأون القرآن، ولا يعرفون فيم نزل، فيكون لكل قوم فيه رأي، فإذا كان لكل قوم فيه رأي اختلفوا، فإذا اختلفوا(78) اقتتلوا، فزبره عمر وانتهره، فانصرف ابن عباس، ثم دعاه بعد، فعرف الذي قال، ثم قال: إيه(79) أعد علي» .
وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «والله الذي لا إله غيره، ما أنزلت سورة من كتاب الله إلا أنا أعلم أين أنزلت، ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا أنا أعلم فيم أنزلت، ولو أعلم أحدا أعلم مني بكتاب الله، تبلغه الإبل لركبت إليه»(80) .
وكان السلف يستخدمون سبب النزول لإزالة اللبس والإشكال عن السائل، فعن الزهري، قال عروة: سألت عائشة رضي الله عنها فقلت لها: أرأيت قول الله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة: 158]، فوالله ما على أحد جناح أن لا يطوف بالصفا والمروة، قالت: بئس ما قلت يا ابن أختي، إن هذه لو كانت كما أولتها عليه، كانت: لا جناح عليه أن لا يتطوف بهما، ولكنها أنزلت في الأنصار، كانوا قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية، التي كانوا يعبدونها عند المشلل، فكان من أهل يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة، فلما أسلموا، سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، قالوا: يا رسول الله، إنا كنا نتحرج أن نطوف بين الصفا والمروة، فأنزل الله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة: 158]. الآية قالت عائشة رضي الله عنها: «وقد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما»، ثم أخبرت أبا بكر بن عبد الرحمن فقال: إن هذا لعلم ما كنت سمعته، ولقد سمعت رجالا من أهل العلم يذكرون: أن الناس، إلا من ذكرت عائشة ممن كان يهل بمناة، كانوا يطوفون كلهم بالصفا والمروة، فلما ذكر الله تعالى الطواف بالبيت، ولم يذكر الصفا والمروة في القرآن، قالوا: يا رسول الله، كنا نطوف بالصفا والمروة وإن الله أنزل الطواف بالبيت فلم يذكر الصفا، فهل علينا من حرج أن نطوف بالصفا والمروة؟ فأنزل الله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة: 158] الآية
قال أبو بكر: «فأسمع هذه الآية نزلت في الفريقين كليهما، في الذين كانوا يتحرجون أن يطوفوا بالجاهلية بالصفا والمروة، والذين يطوفون ثم تحرجوا أن يطوفوا بهما في الإسلام، من أجل أن الله تعالى أمر بالطواف بالبيت، ولم يذكر الصفا، حتى ذكر ذلك، بعد ما ذكر الطواف بالبيت»(81)
وعن أسلم أبي عمران التجيبي، قال: «كنا بمدينة الروم، فأخرجوا إلينا صفا عظيما من الروم، فخرج إليهم من المسلمين مثلهم أو أكثر، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى الجماعة فضالة بن عبيد، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم، فصاح الناس وقالوا: سبحان الله يلقي بيديه إلى التهلكة. فقام أبو أيوب الأنصاري فقال: يا أيها الناس إنكم لتؤولون هذه الآية هذا التأويل، وإنما أنزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه، فقال بعضنا لبعض سرا دون رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا، فأصلحنا ما ضاع منها. فأنزل الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم يرد علينا ما قلنا: {وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}، فكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها، وتركنا الغزو فما زال أبو أيوب، شاخصا في سبيل الله حتى دفن بأرض الروم»(82) .
وكانت لهذا العلم أصوله عن النبي صلى الله عليه وسلم، عن عبد الله بن مسعود، قال:
جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله إني عالجت امرأة في أقصى المدينة، وإني أصبت منها ما دون أن أمسها، فأنا هذا، فاقض في ما شئت، فقال له عمر: لقد سترك الله، لو سترت نفسك، قال: فلم يرد النبي صلى الله عليه وسلم شيئا، فقام الرجل فانطلق، فأتبعه النبي صلى الله عليه وسلم رجلا دعاه، وتلا عليه هذه الآية: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ الَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّآتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ} [هود: 114] فقال رجل من القوم: يا نبي الله هذا له خاصة؟ قال: «بل للناس كافة»(83)
يقول الإمام الواحدي في سبب تأليفه لكتاب أسباب النزول: «... وذلك الذي حدا بي إلى إملاء هذا الكتاب الجامع للأسباب، لينتهي إليه طالبوا هذا الشأن والمتكلمون في نزول القرآن، فيعرفوا الصدق ويستغنوا عن التمويه والكذب ويجدوا في تحفظه بعد السماع والطلب»(84) .
ولأسباب النزول عدة فوائد
ويمكن إبرازها في النقاط الآتية(85) :
1 ــ الإعانة على فهم المراد من الآية:
إن سبب النزول يعين على معرفة المراد وتعيينه(86) ، إذ قد ترد عليه احتمالات صحيحة من حيث هي، لكن سبب النزول يحدد أحد هذه المعاني، ويكون هو المراد دون غيره.
وقد نقل السيوطي بعض أقوال العلماء في أهمية أسباب النزول، منها: «قال ابن دقيق العيد: بيان سبب النزول طريق قوي في فهم معاني القرآن.
وقال ابن تيمية: معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية؛ فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب»(87) .
وقد أفاض الشاطبي في هذا المعنى، فقال: «وجاء رجل إلى ابن مسعود فقال: تركت في المسجد رجلا يفسر القرآن برأيه؛ يفسر هذه الآية: {يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ} [الدخان: 10] قال: يأتي الناس يوم القيامة دخان فيأخذ بأنفاسهم حتى يأخذهم منه كهيئة الزكام.
فقال ابن مسعود: من علم علما فليقل به، ومن لم يعلم، فليقل: الله أعلم، فإن من فقه الرجل أن يقول لما لا علم له به: الله أعلم.
إنما كان هذا لأن قريشا استعصوا على النبي صلى الله عليه وسلم، دعا عليهم بسنين كسني يوسف، فأصابهم قحط وجهد حتى أكلوا العظام، فجعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد، فأنزل الله: {فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ} [الدخان: 10] الآية
إلى آخر القصة(88)
وهذا شأن أسباب النزول في التعريف بمعاني المنزل بحيث لو فقد ذكر السبب لم يعرف من المنزل معناه على الخصوص دون تطرق الاحتمالات وتوجه الإشكالات وقد قال صلى الله عليه وسلم: «خذوا القرآن من أربعة» وذكر منهم عبد الله بن مسعود رضي الله عنه(89) .
وقد قال في خطبة خطبها: «والله لقد علم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إني من أعلمهم بكتاب الله»(90) .
وقال في حديث آخر: «والذي لا إله غيره ما أنزلت سورة من كتاب الله إلا أنا أعلم أين أنزلت، ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيمن أنزلت ولو أعلم أحدا أعلم بكتاب الله مني تبلغه الإبل لركبت إليه»(91) .
وهذا يشير إلى أن علم الأسباب من العلوم التي يكون العالم بها عالما بالقرآن.
وعن الحسن أنه قال: «ما أنزل الله آية إلا وهو يحب أن يعلم فيم
أنزلت وما أراد بها».
وهو نص في الموضوع مشير إلى التحريض على تعلم علم الأسباب.
وعن ابن سيرين قال: سألت عبيدة عن شيء من القرآن فقال: «اتق الله وعليك بالسداد؛ فقد ذهب الذين يعلمون فيم أنزل القرآن.
وعلى الجملة، فهو ظاهر بالمزاولة لعلم التفسير»(92) .
وهذا الأمر ظاهر لا يحتاج إلى تقرير، لكن أضرب لك مثالا في ذلك:
ما رواه البخاري بسنده عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء رضي الله عنه يقول: «نزلت هذه الآية فينا، كانت الأنصار إذا حجوا فجاؤوا لم يدخلوا من قبل أبواب بيوتهم، ولكن من ظهورها، فجاء رجل من الأنصار، فدخل من قبل بابه، فكأنه عير بذلك فنزلت: {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا} [البقرة: 189]»(93) .
وكون البيوت في الآية هي البيوت المسكونة مما أجمع عليه السلف، وإن اختلفوا في سبب النزول على أقوال، قول البراء هو أصوبها؛ لأنه قول صحابي شاهد التنزيل، وهو عارف بعادات قومه التي نزل القرآن بشأنها.
وقد ذهب بعض المتأخرين بتفسير هذه الجملة إلى مذاهب عجيبة تخالف سبب النزول ولا تتناسب مع سياق الآية، فمنهم من قال: «أي اطلبوا البر من أهله ووجهه، ولا تطلبوه عند الجهلة المشركين»(94) .
وهذا القول مخالف لسبب النزول، وإن كان جائزا من جهة الاحتمال اللغوي، فالقائل به ربط هذا المقطع بالسؤال عن الأهلة في قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [البقرة: 189]، وجعل أن السؤال عن الأهلة إنما هو سؤال عن سبب بدوها هلالا حتى تصير بدرا، وأن الله أرشدهم إلى ما هو أهم من مسألتهم، وهو بيان الفائدة المتعلقة بالشرع بالنسبة للأهلة، وهذا التخريج فيه نظر؛ لأنهم إنما سألوا عن علاقتها بالشرع، فجاء الجواب مطابقا: {هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ}.
وذهب آخر إلى أن البيوت كناية عن النساء، ويكون المعنى: وأتوا النساء من حيث أمركم الله، والعرب تسمي المرأة بيتا، قال الشاعر:
| ما لي إذا أنزعها صأيت | أكبر غيرني أم بيت |
|---|
أراد بالبيت المرأة(95) .
وهذا
التفسير مخالف للسياق، فالسياق لا علاقة له بكيفية إتيان النساء، ولو حملت الآية عليه لكان في النظم تفككا ملحوظا ينبو عنه نظم القرآن المعجز، إذ يكون المعنى: «يسألونك عن فائدة الأهلة لهم، قل هي مواقيت يوقتون بها عددهم من بلوغ الدين والإجارة وغيرها، ومواقيت للحج الذي هو من أركان الإسلام، وليس البر بأن تأتوا النساء من أدبارهن، ولكن البر من اتقى وأتاهن من قبلهن». وهذا التفسير فيه تفكيك للنظم لا يحتاج الأمر فيه إلى خبير، والله المستعان.
وكل هذا إنما أوقع فيه الجهل بسبب النزول الذي حدد المراد بالبيوت، ولم يدع للاحتمال مجالا، والله أعلم.
فالاعتماد على اللغة وحدها لا يكفي في معرفة المعنى، بل لا بد من معرفة أسباب النزول، «والمقصود أن المفسر إذا جهل سبب النزول، فإنه قد يحمل الآية على محتمل لغوي، ويكون المعنى اللغوي الذي فسر به غير مقصود، ودليل عدم قصده سبب النزول، أو قصة الآية. ومن أمثلة ذلك:
ما ورد في تفسير تثبيت الأقدام من قول الله تعالى: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ} [الأنفال: 11]، قال أبو عبيدة: «مجازه: يفرغ عليهم الصبر، وينزله عليهم، فيثبتون لعدوهم»(96) .
وقصة نزول الآية تدل على أن المعنى اللغوي الذي ذكره غير مراد، وأن المراد: يثبت أقدامهم التي يمشون بها على الرمل كي لا تسوخ فيه، كما وردت بذلك الرواية عن السلف، منها ما قال ابن عباس: «وذلك أن المشركين من قريش لما خرجوا لينصروا العير ويقاتلوا عنها، نزلوا على الماء يوم بدر، فغلبوا المؤمنين عليه فأصاب المؤمنين الظمأ، فجعلوا يصلون مجنبين محدثين، حتى تعاظم ذلك في صدور أصحاب رسول صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله من السماء ماء حتى سال الوادي، فشرب المسلمون، وملأوا الأسقية، وسقوا الركاب، واغتسلوا من الجنابة، فجعل الله في ذلك طهورا، وثبت الأقدام وذلك أنه كانت بينهم وبين القوم رملة، فبعث الله عليها مطرا، فضربها حتى اشتدت، وثبتت عليها الأقدام»(97) .
قال الطبري: «وقد زعم بعض أهل العلم بالغريب من أهل البصرة، أن مجاز قوله: {وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ}: ويفرغ عليهم الصبر، وينزله عليهم، فيثبتون لعدوهم. وذلك قول خلاف لقول جميع أهل التأويل من الصحابة والتابعين، وحسب قول خطأ أن يكون خلافا لقول من ذكرنا. وقد بينا أقوالهم فيه، وأن معناه: ويثبت أقدام المؤمنين بتلبيد المطر الرمل حتى لا تسوخ فيه أقدامهم وحوافر دوابهم»(98)(99) ») .
2 ــ تصور أحوال من نزل فيهم القرآن:
أسباب النزول في غالبها حكايات وقصص، منها ما هو مختصر ومنها ما هو طويل مبسوط، وهذه القصص تصور العصر الإسلامي الأول، وتصور واقع الذين كانت تتنزل عليهم الآيَات القرآنية لتعليمهم، وتوجيههم، وتربيتهم، وتصور بيئتهم العامة، ومفاهيمهم التي كانت سائدة بينهم، من الأمور التي تقدم نفعًا جليلًا في فهم المعنى، إذ هي تبصرة بالمناخ الذي نزل فيه النص، وكثيرًا ما يقع المفسِّر في الخطأ؛ لأنه فهم النص وهو يضع في اعتباره واقع المجتمع الذي يعيش فيه، لا واقع البيئة والمجتمع الذي نزل النص لمعالجته بالتعليم والتوجيه والتربية.
وإذا أردت أن تتحقق من هذا فانظر في قصة الإفك مثلًا فإنها تصوِّر لك البيئة العامة، والخاصة، وتكشف لك الأنماط السائدة ذلك الوقت.
كما أن أسباب النزول تبين الحال النفسية والفكرية والاجتماعية التي كان عليها الذين أُنزلت عليهم الآيَات، وهذا يفيد المفسر في فهم المعنى، أو في استنباط الفوائد من الآيَات.
ويدخل في ذلك تصور حالات السلم والحرب، والأمن والخوف، وسعة الرزق والجوع، والنصر والهزيمة، والإيمان والكفر والنفاق ونحو ذلك من الأحوال النفسية التي يستدعي كلٌ منها ما يلائمه من التعليم
والتوجيه والتربية.
ويدخل في ذلك تصور الحالات الاجتماعية كالبداوة والتحضر، والرفعة والضعة والقوة والضعف، والقيادة والانقياد وغيرها من الأحوال التي تتطلب ما يلائمها من البيان.
وكل هذا إنما ينكشف ويتبين بمعرفة أسباب النزول.
3 ــ إبراز حكم التشريع الباهرة:
ومما يبرز أهمية أسباب النزول ومكانتها احتواؤها على حِكم التشريع البالغة وأسرارها الباهرة التي هي من أكبر الشواهد على كمال علم الرب تعالى، وحكمته، ورحمته وبره بعباده، ولطفه بهم، وما اشتملت عليه من بيان مصالح الدارين والإرشاد إليها، وبيان مفاسد الدارين والنهي عنها، وأنه سبحانه لم يرحمهم في الدنيا برحمة. ولم يحسن إليهم إحسانًا أعظم من إحسانه إليهم بهذا الدين القيم وهذه الشريعة الكاملة.
وليس يخفى على كل منصف أن العلم بالحكمة الداعية إلى التشريع، يزيد الإيمان واليقين في قلوب المكلفين، وتطمئن به نفوسهم، وتقر به عيونهم.
يقول الزركشي: «وأخطأ من زعم أنه لا طائل تحته
لجريانه مجرى التاريخ وليس كذلك بل له فوائد:
منها: وجه الحكمة الباعثة على تشريع الحكم»(100) .
قال الزرقاني مبينًا فائدة العلم بحكمة التشريع: «وفي ذلك نفع للمؤمن وغير المؤمن. أما المؤمن فيزداد إيمانًا على إيمانه، ويحرص كل الحرص على تنفيذ أحكام الله، والعمل بكتابه لما يتجلى له من المصالح والمزايا التي نيطت بهذه الأحكام، ومن أجلها جاء هذا التنزيل، وأما الكافر فتسوقه تلك الحكم الباهرة إلى الإيمان إن كان منصفًا حين يعلم أن هذا التشريع الإسلامي قام على رعاية مصالح الإنسان، لا على الاستبداد، والتحكم، والطغيان؛ خصوصًا إذا لاحظ سيرَ ذلك التشريع وتدرجه في موضوع واحد. وحسبك شاهدًا على هذا تحريم الخمر وما نزل فيه»(101) .
4 ــ الكشف عن الظرفين المكاني والزماني لنزول الآيَات:
وهذا يقدم للمفسر نفعًا جليلًا، ويهديه إلى مفهوم أدق وأقرب إلى المراد، وذلك أن من الآيَات ما يلائم ظرفًا من الظروف في حين أنه قد لا يلائم ظرفًا آخر، إذ ما يلائم في مواسم الأعياد قد لا يلائم في أوقات التحريض على الجهاد، وما يلائم حال المناسك قد لا يلائم في
مواضع البيع والشراء.
5 ــ إزالة الإشكال الناشئ عن الجهل بسبب النزول:
ومن الآثار الحسنة لأسباب النزول، والتي تظهر فيها مكانتها وتسمو بها منزلتها إزالتها للإشكالات التي قد تنشأ عند بعض الناس من فهم غير سديد لآيات القرآن فيفهم منها ما لا يُفهم، ويظن فيها ما لا يُظن، وما ذاك إلا لخفاء أسباب نزول الآيَات على أولئك، وعدم علمهم بها، ولو علموا هذه الأسباب وفيما كانت، لتحولت أفهامهم، واستقامت على الصواب نظرتهم وإذا كانت المعاني القرآنية قد تشكل على بعض الصحابة كما وقع لقدامة بن مظعون ـ رضي الله عنه ـ حين ظن أن شرب الخمر جائز واستدل على ذلك بالكتاب، حتى بيّن له عمر وابن عبَّاسٍ ـ رضي الله عنهما ـ أن الآية التي استدل بها هي حجة عليه، وعذرًا لمن مات من الصحابة ـ رضي الله عنهم(102) ـ وهم يشربون الخمر قبل تحريمها .
فإذا كانت هذه الإشكالات تقع من هؤلاء الأكابر مع رسوخهم في الدين والعلم، فكيف الظن بمن بعدهم من الذين لم يدركوا ما أدرك هؤلاء السابقون من الخير والدين، ولم تسعفهم علومهم في فهم شيء من أسباب النزول بتة، ولم تنطلق ألسنتهم بلغة القرآن والسنة(103) ؟.
6 ــ بيان أخصية السبب بالحكم:
قال الطوفي: «أي أن السبب أخص بالحكم من غيره من صوره لأن اللفظ ورد بيانًا لحكم السبب فكان مقطوعًا به فيه فيمتنع تخصيصه بالاجتهاد»(104) .
7 ــ معرفة التاريخ:
قال الطوفي: «معرفة تاريخ الحكم بمعرفة سببه، مثل أن يقال: قذف هلال بن أمية امرأته في سنة كذا فنزلت آية اللعان فيعرف تاريخها بذلك، وفي معرفة التاريخ فائدة معرفة الناسخ من المنسوخ»(105) .
8 ــ توسعة علم الشريعة بمعرفة الأحكام بأسبابها:
قال الطوفي: «ومنها توسعة علم الشريعة بمعرفة الأحكام بأسبابها، فيكثر ثواب المصنفين، كالذين صنفوا أسباب نزول القرآن، والمجتهدين بسعة محل اجتهادهم»(106) .
9 ــ التأسي والاقتداء بما وقع للسلف من حوادث في الصبر على المكاره واحتمال الأقدار المؤلمة:
قال الطوفي: «ومنها: التأسي بوقائع السلف وما جرى لهم،
فيخف حكم المكاره على الناس، كمن زنت زوجته فلاعنها، فهو يتأسى بما جرى لهلال بن أُمية، وعويمر العجلاني في ذلك، ويقول: هؤلاء خير مني، وقد جرى لهم هذا فلي أُسوة بهم»(107)
10 ــ تعيين المبهم:
قال السيوطي: «ومنها معرفة اسم النازل فيه الآية وتعيين المبهم فيها»(108) .
ونختم هنا بذكر كلام جامع لبعض الأئمة في أهمية العلم بسبب النزول:
يقول ابن تيمية: «ومعرفة «سبب النزول» يعين على فهم الآية فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب»(109) .
وقال الإمام الشاطبي في الموافقات: «معرفة أسباب التنزيل لازمة لمن أراد علم القرآن، والدليل على ذلك
أمران:
أحدهما: أن علم المعاني والبيان الذي يعرف به إعجاز نظم القرآن فضلا عن معرفة مقاصد كلام العرب؛ إنما مداره على معرفة مقتضيات الأحوال: حال الخطاب من جهة نفس الخطاب، أو المخاطب، أو المخاطب، أو الجميع؛ إذ الكلام الواحد يختلف فهمه بحسب حالين، وبحسب مخاطبين، وبحسب غير ذلك؛ كالاستفهام، لفظه واحد، ويدخله معان أخر من تقرير وتوبيخ وغير ذلك وكالأمر يدخله معنى الإباحة والتهديد والتعجيز وأشباهها ولا يدل على معناها المراد إلا الأمور الخارجة، وعمدتها مقتضيات الأحوال، وليس كل حال ينقل ولا كل قرينة تقترن بنفس الكلام المنقول، وإذا فات نقل بعض القرائن الدالة؛ فات فهم الكلام جملة، أو فهم شيء منه، ومعرفة الأسباب رافعة لكل مشكل في هذا النمط؛ فهي من المهمات في فهم الكتاب بلا بد، ومعنى معرفة السبب هو معنى معرفة مقتضى الحال، وينشأ عن هذا الوجه:
الوجه الثاني: وهو أن الجهل بأسباب التنزيل موقع في الشبه والإشكالات، ومورد للنصوص الظاهرة مورد الإجمال حتى يقع الاختلاف، وذلك مظنة وقوع النزاع»(110) .
المبحث الثالث : أهم مصادر أسباب النزول(111)
كانت أسباب النزول ــ ولا زالت ــ مبثوثة في كتب الحديث الجوامع، وفي كتب التفسير كذلك، وفي كتب علوم القرآن، ولكنها ــ مع ذلك ــ أفردت بالتصنيف، وسأذكر المؤلفات التي أفردت أسباب النزول بشكل مستقل حسب الوفاة، وهي على النحو التالي:
1 ــ (تفصيل لأسباب التنزيل) عن ميمون بن مهران ت (117 هـ) مخطوط.
2 ــ (أسباب النزول) لعلي بن المديني ت (234 هـ).
3 ــ (القصص والأسباب التي نزل من أجلها القرآن) للمحدث القاضي عبد الرحمن بن محمد بن عيسى بن فطيس ت (402 هـ) في نحو مائة جزء ونيف.
4 ــ (أسباب النزول) لأبي الحسن علي بن أحمد الواحدي ت (468 هـ).
5 (أسباب النزول والقصص الفرقانية) لأبي المظفر محمد بن
أسعد العراقي الحنفي الحكيمي ت (567 هـ) وهو كتاب يخلو من الأسانيد تمامًا.
6 ــ (الأسباب والنزول على مذهب آل الرسول) لأبي جعفر محمد بن علي بن شهر آشوب الطبري الشيعي ت (588 هـ).
7 ــ (أسباب النزول) لأبي الفرج ابن الجوزي ت (597 هـ).
8 ــ (أسباب نزول الآي) للأرتقي ت (619 هـ). وهو مختصر كتاب الواحدي.
9 ــ (عجائب النقول في أسباب النزول) لأبي إسحاق إبراهيم بن عمر الجعبري ت (732 هـ) ذكر السيوطي أنه اختصره من كتاب الواحدي، فحذف أسانيده ولم يزد عليه شيئًا.
10 ــ (سبب النزول في تبليغ الرسول) لابن الفصيح: فخر الدين أحمد بن علي بن أحمد الكوفي ت (755 هـ).
11 ــ (رسالة في أسباب النزول) لعلي بن شهاب الدين حسن بن محمد الهمذاني ت (786 هـ).
12 ــ (العجاب في بيان الأسباب) للحافظ ابن حجر العسقلاني ت (852 هـ).
13 (مدد الرحمن في أسباب نزول القرآن) للقاضي زين الدين عبد الرحمن بن علي
بن إسحاق التميمي الداري الخليلي المقدسي الشافعي ت (876 هـ).
14 ــ (لباب النقول في أسباب النزول) للحافظ جلال الدين السيوطي ت (911 هـ).
15 ــ (إرشاد الرحمن لأسباب النزول والنسخ المتشابه وتجويد القرآن) لعطية الله بن عطية البرهاني الشافعي الأجهوري ت (1190 هـ).
16 ــ (أسباب التنزيل) لأحمد بن علي بن أحمد بن محمود الحنفي (مجهول الوفاة).
17 ــ (أسباب النزول) لعبد الجليل النقشبندي.
أما الكتب الحديثة التي تناولت أسباب النزول فمنها:
1 ــ (أسباب النزول عن الصحابة والمفسرين) تأليف عبد الفتاح القاضي.
2 ــ (الصحيح المسند من أسباب النزول) للشيخ مقبل الوادعي.
3 ــ (أسباب النزول القرآني) للدكتور غازي عناية.
4 ــ (أسباب نزول القرآن) للدكتور حماد عبد الخالق حلوة.
5 ــ (أسباب النزول وأثرها في بيان النصوص) للدكتور عماد الدين محمد الرشيد.
6
(تسهيل الوصول إلى معرفة أسباب النزول) الجامع بين روايات الطبري والنيسابوري وابن الجوزي، والقرطبي وابن كثير والسيوطي، تصنيف الشيخ خالد عبد الرحمن العك.
7 ــ (أسباب النزول وأثرها في التفسير) رسالة جامعية لم تطبع بعد للدكتور عصام الحميدان.
8 ــ (أسباب النزول) للدكتور الشيخ جمعة سهل. رسالة جامعية لم تطبع بعد.
9 ــ المحرر في أسباب النزول، للدكتور خالد بن سليمان المزيني، رسالة جامعية، وهي من أنفس ما كتب في أسباب النزول.
10 ــ الاستيعاب في بيان الأسباب، سليم بن عيد الهلالي ــ محمد بن موسى آل نصر.
الفصل الثالث : المجتمع في عهد الرسول كما تصوره سورة التوبة
لقد ذكر الله أصناف الناس في عهد الرسول صلوات الله وسلامه عليه، ولكل صنف صفات تميزه عن غيره، ومعرفة هذه الأصناف مهم لتمييز أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام عن غيرهم من الأصناف التي كانت تشاركهم الوجود في هذه الحقبة الزمنية.
وقد وقع اختيارنا لسورة التوبة لكونها من السور المدنية باتفاق(112) المتأخرة في النزول(113) وهي إحدى السور التي قيل عنها: إنها آخر سورة نزلت في المدينة(114) ولها عدة أسماء تدل
على مكانتها، قال الزمخشري: «لها عدة أسماء: براءة، التوبة، المقشقشة، المبعثرة، المشردة، المخزية، الفاضحة، المثيرة، الحافرة، المنكلة، المدمدمة، سورة العذاب، لأنَّ فيها التوبة على المؤمنين، وهي تقشقش من النفاق أى تبرئ منه، وتبعثر عن أسرار المنافقين تبحث عنها، وتثيرها، وتحفر عنها، وتفضحهم، وتنكلهم، وتشرد بهم، وتخزيهم، وتدمدم عليهم»(115) وعن سعيد بن جبير، قال: قلت لابن عباس: سورة التوبة، قال: «التوبة هي الفاضحة، ما زالت تنزل، ومنهم ومنهم، حتى ظنوا أنها لن تبقي أحدا منهم إلا ذكر فيها»(116)
ونحن إذا تأملنا الكتاب العزيز، بان لنا أن الناس أصناف ثلاثة، لا يخرج واحد عن كونه أحد هذه الأصناف:
* الصنف الأول: أهل الإيمان.
الصنف الثاني: أهل الإشراك والكفر، ويشمل: «أهل الكتاب
عبدة الأصنام من مشركي العرب وغيرهم».
* الصنف الثالث: أهل النفاق.
وهذه الأصناف هي المذكور أيضًا في فواتح سورة البقرة، وقد أخرج الطبري عن مجاهد، قوله: «أربع آيات من سورة البقرة في نعت المؤمنين وآيتان في نعت الكافرين وثلاث عشرة في المنافقين»(117) .
قال الطبري: «لما جمع لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم أمره في دار هجرته واستقر بها قراره وأظهر الله بها كلمته، وفشا في دور أهلها الإسلام، وقهر بها المسلمون من فيها من أهل الشرك من عبدة الأوثان، وذل بها من فيها من أهل الكتاب؛ أظهر أحبار يهودها لرسول الله صلى الله عليه وسلم الضغائن وأبدوا له العداوة والشنآن حسدا وبغيا إلا نفرا منهم، هداهم الله للإسلام فأسلموا، كما قال الله جل ثناؤه: {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} [البقرة: 109] وطابقهم سرا على معاداة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وبغيهم الغوائل قوم من أراهط الأنصار الذين آووا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونصروه وكانوا قد عتوا في شركهم وجاهليتهم قد سموا لنا بأسمائهم، كرهنا تطويل الكتاب بذكر أسمائهم وأنسابهم. وظاهروهم على ذلك في خفاء غير جهار حذار القتل على أنفسهم والسباء من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وركونا إلى اليهود، لما هم عليه من الشرك وسوء البصيرة بالإسلام.
فكانوا إذا لقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل الإيمان به من أصحابه، قالوا لهم حذارا على أنفسهم: إنا مؤمنون بالله وبرسوله وبالبعث، وأعطوهم بألسنتهم كلمة الحق ليدرءوا عن أنفسهم حكم الله فيمن اعتقد ما هم عليه مقيمون من الشرك لو أظهروا بألسنتهم ما هم معتقدوه من شركهم، وإذا لقوا إخوانهم من اليهود وأهل الشرك والتكذيب بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به فخلوا بهم، قالوا: {إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ} فإياهم عنى جل ذكره بقوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْأخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 8]»(118)
وقال ابن تيمية: «وذلك أن الله تعالى منذ بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم وأعزه بالهجرة والنصرة صار الناس ثلاثة أقسام:
قسمًا مؤمنين وهم الذين آمنوا به ظاهرًا وباطنًا.
وقسمًا كفارا وهم الذين أظهروا الكفر به.
وقسمًا منافقين وهم الذين آمنوا ظاهرا لا باطنًا.
ولهذا افتتح «سورة البقرة» بأربع آيات في صفة المؤمنين، وآيتين في صفة الكافرين، وثلاث عشرة آية في صفة المنافقين.
وكل واحد من الإيمان والكفر والنفاق له دعائم وشعب»(119) .
وقال
ابن كثير في كلام نفيس له: فإذا تقرر هذا صار الناس أقسامًا:
مؤمنون خلص، وهم الموصوفون بالآيَات الأربع في أول البقرة.
وكفار خلص، وهم الموصوفون بالآيتين بعدها.
ومنافقون، وهم قسمان: خلص، وهم المضروب لهم المثل الناري، ومنافقون يترددون، تارة يظهر لهم لمع من الإيمان وتارة يخبو وهم أصحاب المثل المائي، وهم أخف حالا من الذين قبلهم.
وهذا المقام يشبه من بعض الوجوه ما ذكر في سورة النور، من ضرب مثل المؤمن وما جعل الله في قلبه من الهدى والنور، بالمصباح في الزجاجة التي كأنها كوكب دري، وهي قلب المؤمن المفطور على الإيمان واستمداده من الشريعة الخالصة الصافية الواصلة إليه من غير كدر ولا تخليط....
ثم ضرب مثل العباد من الكفار، الذين يعتقدون أنهم على شيء، وليسوا على شيء، وهم أصحاب الجهل المركب، في قوله: {وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابِ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَئًْا} الآية [النور: 39].
ثم ضرب مثل الكفار الجهال الجهل البسيط، وهم الذين قال الله فيهم: {أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْج مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتُ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ} [النور: 40]،
فقسم الكفار هاهنا إلى قسمين: داعية ومقلد، كما ذكرهما في أول سورة الحج: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ} [الحج: 3] وقال بعده: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ} [الحج: 8].
وقد قسم الله المؤمنين في أول الواقعة وآخرها، وفي سورة الإنسان، إلى قسمين: سابقون وهم المقربون، وأصحاب يمين وهم الأبرار.
فتلخص من مجموع هذه الآيَات الكريمات:
أن المؤمنين صنفان: مقربون وأبرار.
وأن الكافرين صنفان: دعاة ومقلدون، وأن المنافقين ــ أيضًا ــ صنفان: منافق خالص، ومنافق فيه شعبة(120) من نفاق» .
وهذه الأصناف ــ كما قدمنا ــ أصناف عامة تتناول البشر جميعًا، غير أن سورة التوبة فصلت هذه الأصناف، وذكرت من نعوتهم ما يتميزون به، وهذه الأصناف على الإجمال، وسيأتيك التفصيل بعد، هي:
1 ــ المشركون.
2 ــ أهل الإيمان.
3 ــ الأعراب.
4 ــ المنافقون.
وبغية التعرف عن كثب على هذه الأصناف، سأفرد كل صنف من هذه الأصناف بما ورد في نعته في هذه السورة الكريمة.
الصنف الأول: أهل الإشراك
بدأ الله سبحانه بذكر هذا الصنف، وذكر براءته منهم، وذكر أن رسوله كذلك بريء منهم، فتعين على كل مسلم أن يبرأ منهم كذلك.
وذكر الله من صفاتهم:
1 ــ أنهم لا يرقبون في مؤمن إلًا ولا ذمة.
كما قال الله تعالى: {كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ اشْتَرَوْاْ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَات لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [سورة: التوبة: 7 ــ 11].
أي: لا يراعون الله سبحانه، ولا يحافظون على عهد ولا قرابة(121)
قال ابن كثير: «يقول تعالى محرضا للمؤمنين على معاداة المشركين والتبري منهم، ومبينا أنهم لا يستحقون أن يكون لهم عهد لشركهم بالله وكفرهم برسول الله ولو أنهم إذ ظهروا على المسلمين وأديلوا عليهم، لم يبقوا ولم يذروا، ولا راقبوا فيهم إلا ولا ذمة»(122)
ومن الصفات المذكورة أيضًا في هذه الآيَات الكريمة:
2 ــ إظهار ما لا يضمرون:
قال الرازي: «أما قوله: {يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ} أي: يقولون بألسنتهم كلامًا حلوًا طيبًا، والذي في قلوبهم بخلاف ذلك، فإنهم لا يضمرون إلا الشر والإيذاء إن قدروا عليه»(123) .
يقول السعدي: «{كَيْفَ} يكون للمشركين عند الله عهد وميثاق {و} الحال أنهم {وَإِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ} بالقدرة والسلطة، لا يرحموكم، و{لَا يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً} أي: لا ذمة ولا قرابة، ولا يخافون الله فيكم، بل يسومونكم سوء العذاب، فهذه حالكم معهم لو ظهروا.
ولا يغرنكم منهم ما يعاملونكم به وقت الخوف منكم، فإنهم {يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ} الميل والمحبة لكم، بل هم الأعداء
حقا، المبغضون لكم صدقا، {وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ} لا ديانة لهم ولا مروءة»(124)
3 ــ أنهم يشترون بآيات الله ثمنًا قليلًا.
يعني: أنهم اعتاضوا عن اتباع آيات الله بما التهوا به من أمور الدنيا الخسيسة(125) .
يقول الطاهر: «وهذه الآية وصف القرآن فيها المشركين بمثل ما وصف به أهل الكتاب في سورة البقرة(126) من الاشتراء بآيات الله ثمنا قليلًا، ثم لم يوصفوا بمثل هذا في آية أخرى نزلت بعدها لأن نزولها كان في آخر عهد المشركين بالشرك إذ لم تطل مدة حتى دخلوا في دين الله أفواجًا، سنة الوفود وما بعدها، وفيها دلالة على هؤلاء الذين بقوا على الشرك من العرب، بعد فتح مكة وظهور الإسلام على معظم بلاد العرب، ليس لهم افتراء في صحة الإسلام ونهوض حجته، ولكنه بقوا على الشرك لمنافع يجتنونها من عوائد قومهم: من غارات يشنها بعضهم على بعض، ومحبة الأحوال الجاهلية من خمر وميسر وزنى، وغير ذلك من
المذمات واللذات الفائدة، وذلك شيء قليل آثروه على الهدى والنجاة في الآخرة، فلكون آيات صدق القرآن أصبحت ثابتة عندهم جعلت مثل مال بأيديهم، بذلوه وفرطوا فيه لأجل اقتناء منافع قليلة، فلذلك مثل حالهم بحال من اشترى شيئًا بشيء....
والمراد بـ«الآيَات» الدلائل، وهي دلائل الدعوة إلى الإسلام، وأعظمها القرآن لما اشتمل عليه من البراهين والحجاج والإعجاز»(127) .
4 ــ أنهم يمنعون أهل الإيمان من اتباع الحق.
يقول الطاهر: «وجملة: {فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ} مفرعة على جملة {اشْتَرَوْاْ بِآيَاتِ اللَّهِ} لأن إيثارهم البقاء على كفرهم يتسبب عليه أن يصدوا الناس عن اتباع الإسلام، فمثل حالهم بحال من يصد الناس عن السير في طريق تبلغ إلى المقصود.
ومفعول {فَصَدُّواْ} محذوف لقصد العموم، أي: صدوا كل قاصد»(128) .
5 ــ نقض العهود، والطعن في دين الإسلام (كراهية ما جاء به الرسول).
كما قال تعالى: {وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}
[سورة: التوبة: 12 13].
«يقول تعالى ذكره: فإن نقض هؤلاء المشركون الذين عاهدتموهم من قريش عهودهم من بعد ما عاقدوكم، أن لا يقاتلوكم ولا يظاهروا عليكم أحدا من أعدائكم {وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ} [التوبة: 12] يقول: وقدحوا في دينكم الإسلام، فثلموه وعابوه. {فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ} [التوبة: 12] يقول: فقاتلوا رؤساء الكفر بالله. {إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ} [التوبة: 12] يقول: إن رؤساء الكفر لا عهد لهم. {لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ}
[التوبة: 12] لكي ينتهوا عن الطعن في دينكم والمظاهرة عليكم»(129)
«وهذه [الآيَات] نزلت في كفار مكة لما صالحهم النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية، ثم نقضوا العهد بإعانة بني بكر على خزاعة»(130) .
6 ــ الاستهانة بحكم الله ورسوله، وعدم إقامة وزن له.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ قَاتِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْأخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهُِٔونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ إِلَاهًا وَاحِدًا لَّا إِلَاهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [سورة: التوبة: 28 ــ 31]، وقال تعالى: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطُِٔواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [سورة: التوبة: 37].
فهذه الآية تعم جميع الكفار، فتشمل:
1 ــ أهل الشرك من عباد الأصنام.
2 ــ أهل الكتاب، فإن حكم الشرك يعمهم.
وقد اتفقوا على الشرك بالله تعالى، وأنهم لا يدينون دين الحق الذي هو الإسلام، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله، وهم مع ذلك يعظمون البشر، ويعبدونهم من دون الله رب العالمين.
«فلفظ الشرك في مثل قوله: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} [التوبة: 28]،
يدخل فيه جميع الكفار، أهل الكتاب وغيرهم عند عامة العلماء لأنه أفرده وجرده، وإن كانوا إذا قرن بأهل الكتاب كانا صنفين»(131) «والمقصود: أن الشرك لما كان أظلم الظلم، وأقبح القبائح، وأنكر المنكرات، كان أبغض الأشياء إلى الله تعالى وأكرهها له، وأشدها مقتا لديه.
ورتب عليه من عقوبات الدنيا والآخرة ما لم يرتبه على ذنب سواه، وأخبر أنه لا يغفره، وأن أهله نجس، ومنعهم من قربان حرمه، وحرم ذبائحهم ومناكحتهم، وقطع الموالاة بينهم وبين المؤمنين، وجعلهم أعداء له سبحانه ولملائكته ورسله وللمؤمنين، وأباح لأهل التوحيد أموالهم ونساءهم وأبناءهم، وأن يتخذوهم عبيدًا، وهذا لأن الشرك هضم لحق الربوبية، وتنقيص لعظمة الإلهية، وسوء ظن برب العالمين، كما قال تعالى: {وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [الفتح: 6].
فلم يجمع على أحد من الوعيد والعقوبة ما جمع على أهل الإشراك، فإنهم ظنوا به ظن السوء، حتى أشركوا به، ولو أحسنوا به الظن لوحّدوه حق توحيده، ولهذا أخبر سبحانه عن المشركين أنهم ما قدروه حق قدره في ثلاثة مواضع من كتابه وكيف يقدره حق قدره من جعل له عدلًا وندا، يحبه، ويخافه، ويرجوه، ويذل له، ويخضع له، ويهرب من سخطه، ويؤثر مرضاته؟ قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ} [البقرة: 165].
وقال تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ
وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} [الأنعام: 1].
أي يجعلون له عَدْلا في العبادة والمحبة والتعظيم، وهذه هي التسوية التي أثبتها المشركون بين الله وبين آلهتهم، وعرفوا، وهم في النار، أنها كانت ضلالًا وباطلًا، فيقولون لآلهتهم وهم في النار معهم: {تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 97 ــ(132) 98]» .
وأما اتخاذهم الأحبار والرهبان أربابًا من دون الله، فمعناه: اتخاذهم سادة لهم من دون الله يطيعونهم في معاصي الله، فيحلون ما أحلوه لهم مما قد حرمه الله عليهم، ويحرمون ما يحرمونه عليهم مما قد أحله الله لهم، وفي حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه، قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب. فقال: «يا عدي اطرح عنك هذا الوثن»، وسمعته يقرأ في سورة براءة: {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ} [التوبة: 31]، قال: «أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئا حرموه»(133) .
7 ــ كراهية الإسلام، والاجتماع على محاربة الدين.
قال تعالى: {يُرِيدُونَ أَن يُطْفُِٔواْ نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [سورة: التوبة: 32].
«يقول تعالى: يريد هؤلاء الكفار من المشركين وأهل الكتاب {أَن يُطْفُِٔواْ نُورَ اللَّهِ} أي: ما بعث به رسوله من الهدى ودين الحق، بمجرد جدالهم وافترائهم، فمثلهم في ذلك كمثل من يريد أن يطفئ شعاع الشمس، أو نور القمر بنفخه، وهذا لا سبيل إليه، فكذلك ما أرسل الله به رسوله لا بد أن يتم ويظهر؛ ولهذا قال تعالى مقابلًا لهم فيما راموه وأرادوه: {وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}»(134) .
ومن كراهيتهم للإسلام أيضًا؛ إخراج الرسول من مكة، والتآمر حوله، كما قال سبحانه: {إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 40].
8 ــ أكل أموال الناس بالباطل، وقبول الرشوة، وكنز الأموال، وترك النفقة في سبيل الله.
يقول تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ} [سورة: التوبة: 34 ــ 35].
يقول الطبري: «يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله وأقروا بوحدانية ربهم، إن كثيرا من العلماء والقراء من بني إسرائيل من اليهود والنصارى {لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ} [التوبة: 34] يقول: يأخذون الرشى في أحكامهم، ويحرفون كتاب الله، ويكتبون بأيديهم كتبا ثم يقولون: هذه من عند الله، ويأخذون بها ثمنا قليلا من سفلتهم. {وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} [الأنفال: 47] يقول: ويمنعون من أراد الدخول في الإسلام الدخول فيه بينهم إياهم عنه»(135) .
وقال السعدي: «هذا تحذير من الله تعالى لعباده المؤمنين عن كثير من الأحبار والرهبان، أي: العلماء والعباد الذين يأكلون أموال الناس بالباطل، أي: بغير حق، ويصدون عن سبيل الله، فإنهم إذا كانت لهم رواتب من أموال الناس، أو بذل الناس لهم من أموالهم فإنه لأجل علمهم
وعبادتهم، ولأجل هداهم وهدايتهم، وهؤلاء يأخذونها ويصدون الناس عن سبيل الله، فيكون أخذهم لها على هذا الوجه سحتا وظلما، فإن الناس ما بذلوا لهم من أموالهم إلا ليدلوهم إلى الطريق المستقيم.
ومن أخذهم لأموال الناس بغير حق، أن يعطوهم ليفتوهم أو يحكموا لهم بغير ما أنزل الله، فهؤلاء الأحبار والرهبان، ليحذر منهم هاتان الحالتان: أخذهم لأموال الناس بغير حق، وصدهم الناس عن سبيل الله.
{وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ} أي: يمسكونها {وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} أي: طرق الخير الموصلة إلى الله، وهذا هو الكنز المحرم، أن يمسكها عن النفقة الواجبة، كأن يمنع منها الزكاة أو النفقات الواجبة للزوجات، أو الأقارب، أو النفقة في سبيل الله إذا وجبت.
{فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} ثم فسره بقوله: {يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا} أي: على أموالهم، {فِي نَارِ جَهَنَّمَ} فيحمى كل دينار أو درهم على حدته.
{فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ} في يوم القيامة كلما بردت أعيدت في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ويقال لهم توبيخا ولوما: {هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ} فما ظلمكم ولكنكم ظلمتم أنفسكم وعذبتموها بهذا الكنز.
وذكر الله في هاتين الآيتين، انحراف الإنسان في ماله، وذلك بأحد أمرين:
إما أن ينفقه في الباطل الذي لا يجدي عليه نفعًا، بل لا يناله منه إلا الضرر المحض، وذلك كإخراج الأموال في المعاصي والشهوات التي لا تعين على طاعة الله، وإخراجها للصد عن سبيل الله.
وإما أن يمسك ماله عن إخراجه في الواجبات، و«النهي عن الشيء، أمر بضده»»(136) .
الصنف الثاني: أهل الإيمان
أما أهل الإيمان فقد ذكر الله أنهم عمار المساجد المؤمنون بالله واليوم الآخر، المجاهدون في سبيل الله، الموالون أولياء الله، المعادون لأعداء الله، وقد ذكر الله تعالى جملة من صفاتهم في هذه السورة الكريمة في سياق واحد، فقال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْأمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [سورة: التوبة: 111 ــ(137) 112] .
ونحن نذكر شيئًا من التفصيل في صفاتهم بعد الوصف العام (الإيمان):
1 ــ المجاهدون في سبيل الله.
قال تعالى: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْأخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُنَ عِندَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ} [التوبة: 19 ــ 21].
وسبب نزول الآية الكريمة(138) ما رواه مسلم عن النعمان بن بشير، قال: كنت عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رجل: ما أبالي أن لا أعمل عملا بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج، وقال آخر: ما أبالي أن لا أعمل عملا بعد الإسلام إلا أن أعمر المسجد الحرام، وقال آخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم، فزجرهم عمر، وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يوم الجمعة، ولكن إذا صليت الجمعة دخلت فاستفتيته فيما اختلفتم فيه، فأنزل الله عز وجل: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْأخِرِ} [التوبة:
19] الآية إلى آخرها(139)
قال ابن عاشور: «ظاهر هذه الآية يقتضي أنها خطاب لقوم سووا بين سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام، وبين الجهاد والهجرة، في أن كل ذلك من عمل البر، فتؤذن بأنها خطاب لقوم مؤمنين قعدوا عن الهجرة والجهاد، بعلة اجتزائهم بالسقاية والعمارة.
ومناسبتها للآيات التي قبلها: أنه لما وقع الكلام على أن المؤمنين هم الأحقاء بعمارة المسجد الحرام من المشركين دل ذلك الكلام على أن المسجد الحرام لا يحق لغير المسلم أن يباشر فيه عملا من الأعمال الخاصة به، فكان ذلك مثار ظن بأن القيام بشعائر المسجد الحرام مساو للقيام بأفضل أعمال الإسلام.
وأحسن ما روي في سبب نزول هذه الآية..»(140) ، وساق الحديث الذي أوردناه.
قال ابن القيم: «فأخبر سبحانه وتعالى أنه لا يستوي عنده عمار المسجد الحرام، وهم عماره بالاعتكاف والطواف والصلاة، هذه هي عمارة مساجده المذكورة في القرآن، وأهل سقاية الحاج لا يستوون هم وأهل الجهاد في سبيل الله، وأخبر أن المؤمنين المجاهدين أعظم درجة عنده وأنهم
هم الفائزون، وأنهم أهل البشارة بالرحمة والرضوان والجنات فنفى التسوية بين المجاهدين وعمار المسجد الحرام مع أنواع العبادة مع ثنائه على عمارة [المساجد] بقوله تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْأخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ} [التوبة: 18]، فهؤلاءِ هم عمار المساجد، ومع هذا فأهل الجهاد أرفع درجة عند الله منهم.
وقال تعالى: {لَّا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [النساء: 95 ــ 96]، فنفى سبحانه وتعالى التسوية بين المؤمنين القاعدين عن الجهاد وبين المجاهدين، ثم أخبر عن تفضيل المجاهدين على القاعدين درجة ثم أخبر عن تفضيلهم عليهم(141) درجات» .
وقد أمرهم الله بالنفير وترك التثاقل، فقال سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْأخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْأخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ إِلَّا تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَئًْا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [التوبة: 38 ــ 39].
وقال سبحانه: {لَا يَسْتَْٔذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْأخِرِ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمُ بِالْمُتَّقِينَ} [التوبة: 44].
وقال سبحانه في مدحهم بهذه الصفة، {لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ جَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 88 ــ 89].
وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 111].
ومن صفاتهم المذكورة في الآيَات الكريمة:
2 ــ الهجرة.
قال ابن عطية: «لما حكم الله تعالى في الآية المتقدمة بأن الصنفين لا يستوون بيَّن ذلك في هذه الآية الأخيرة وأوضحه، فعدد الإيمان والهجرة والجهاد بالمال والنفس، وحكم أن أهل هذه الخصال أعظم درجة عند الله من جميع الخلق، ثم حكم لهم بالفوز برحمته ورضوانه، والفوز بلوغ البغية إما في نيل رغبته أو نجاة من مهلكة، وينظر
إلى معنى هذه الآية الحديث الذي جاء «دعوا لي أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم، ولا نصيفه»(142)
قال القاضي أبو محمد: لأن أصحاب هذه الخصال على سيوفهم انبنى الإسلام وهم ردوا الناس إلى الشرع»(143) .
والهجرة ثابتة لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فهذه الآية نص في فضلهم.
3 ــ لا عصمة لهم (3) .
(144)فقد عاتبهم الله تعالى على نسيانهم التوكل على الله في النصر،
واعتمادهم على كثرتهم، فقال الله تعالى: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَئًْا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ} [التوبة: 25 26].
قال ابن كثير: «يذكر تعالى للمؤمنين فضله عليهم وإحسانه لديهم في نصره إياهم في مواطن كثيرة من غزواتهم مع رسوله وأن ذلك من عنده تعالى، وبتأييده وتقديره، لا بعددهم ولا بعددهم ونبههم على أن النصر من عنده، سواء قل الجمع أو كثر، فإن يوم حنين أعجبتهم كثرتهم، ومع هذا ما أجدى ذلك عنهم شيئا فولوا مدبرين إلا القليل منهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أنزل
الله نصره وتأييده على رسوله وعلى المؤمنين الذين معه، كما سنبينه إن شاء الله تعالى مفصلًا ليعلمهم أن النصر من عنده تعالى وحده وبإمداده وإن قل الجمع، فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، والله مع الصابرين»(145)
وقال ابن عاشور: «وتخصيص يوم حنين بالذكر من بين أيام الحروب: لأن المسلمين انهزموا في أثناء النصر ثم عاد إليهم النصر، فتخصيصه بالذكر لما فيه من العبرة بحصول النصر عند امتثال أمر الله ورسوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ وحصول الهزيمة عند إيثار الحظوظ العاجلة على الامتثال، ففيه مثل وشاهد لحالتي الإيثارين المذكورين آنفا في قوله تعالى: {أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ} [التوبة: 24]، ليتنبهوا إلى أن هذا الإيثار قد يعرض في أثناء إيثار آخر، فهم لما خرجوا إلى غزوة حنين كانوا قد آثروا محبة الجهاد على محبة أسبابهم وعلاقاتهم، ثم هم في أثناء الجهاد قد عاودهم إيثار الحظوظ العاجلة على امتثال أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم الذي هو من آثار إيثار محبتها، وهي عبرة دقيقة حصل فيها الضدان ولذلك كان موقع قوله: {إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ} بديعًا لأنه تنبيه على خطئهم في الأدب مع الله المناسب لمقامهم أي: ما كان ينبغي لكم أن تعتمدوا على كثرتكم.
وحنين اسم واد بين مكة والطائف قرب ذي المجاز، كانت فيه
وقعة عظيمة عقب فتح مكة بين المسلمين مع النبيء صلى الله عليه وسلم، وكانوا اثني عشر ألفا، وبين هوازن وثقيف وألفافهما، إذ نهضوا لقتال النبيء صلى الله عليه وسلم حمية وغضبا لهزيمة قريش ولفتح مكة، وكان على هوازن مالك بن عوف، أخو بني نصر، وعلى ثقيف عبد ياليل بن عمرو الثقفي، وكانوا في عدد كثير وساروا إلى مكة فخرج إليهم النبيء صلى الله عليه وسلم حتى اجتمعوا بحنين فقال المسلمون: لن نغلب اليوم من قلة، ووثقوا بالنصر لقوتهم، فحصلت لهم هزيمة عند أول اللقاء كانت عتابًا إلهيًا على نسيانهم التوكل على الله في النصر، واعتمادهم على كثرتهم»(146)
ومع هذا العتاب الكريم، إلا أن الله تعالى أثبت لهم الإيمان، وسماهم المؤمنين(147) .
وقال الله تعالى: {لَّقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [التوبة: 117 ــ 118].
قال الطبري: «يقول تعالى ذكره: لقد رزق الله الإنابة إلى أمره وطاعته نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم، والمهاجرين ديارهم وعشيرتهم إلى دار الإسلام، وأنصار رسوله في الله، الذين اتبعوا رسول الله في ساعة العسرة منهم من النفقة والظهر والزاد والماء {مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ} [التوبة: 117] يقول: من بعد ما كاد يميل قلوب بعضهم عن الحق ويشك في دينه ويرتاب بالذي ناله من المشقة والشدة في سفره وغزوه {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 117] يقول: ثم رزقهم جل ثناؤه الإنابة والرجوع إلى الثبات على دينه وإبصار الحق الذي كان قد كاد يلتبس عليهم {إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} يقول: إن ربكم بالذين خالط قلوبهم ذلك لما نالهم في سفرهم من الشدة والمشقة، {رَءُوفٌ} بهم، {رَّحِيمٌ} [التوبة: 117] أن يهلكهم، فينزع منهم الإيمان بعد ما قد أبلوا في الله ما أبلوا مع رسوله وصبروا عليه من البأساء والضراء».. والثلاثة الذين خلفوا: رهط منهم: كعب بن مالك، وهو أحد بني سلمة، ومرارة بن ربيعة، وهو أحد بني عمرو بن عوف، وهلال بن أمية، وهو من بني واقف. وكانوا تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الغزوة في بضعة وثمانين رجلا؛ فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، صدقه أولئك
حديثهم واعترفوا بذنوبهم، وكذب سائرهم، فحلفوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما حبسهم إلا العذر، فقبل منهم رسول الله وبايعهم، ووكلهم في سرائرهم إلى الله. ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلام الذين خلفوا، وقال لهم حين حدثوه حديثهم واعترفوا بذنوبهم: «قد صدقتم فقوموا حتى يقضي الله فيكم» فلما أنزل الله القرآن تاب على الثلاثة(148)
وسنذكر قصة كعب بتمامها في موضعها بإذن الله تعالى.
ووصف المهاجرين والأنصار في هذه الآية يشمل أهل المدينة جميعًا، كما قال ابن عاشور: «والمهاجرون والأنصار: هم مجموع أهل المدينة، وكان جيش العسرة منهم ومن غيرهم من القبائل التي حول المدينة ومكة، ولكنهم خصوا بالثناء لأنهم لم يترددوا ولم يتثاقلوا ولا شحوا بأموالهم، فكانوا أسوة لمن اتسى بهم من غيرهم من القبائل»(149) .
وقد عاتب القرآن الصحابة في غير موضع، وبين أنهم لا عصمة لهم، لكنهم يرجعون للحق، ويعملون به، ومن الآيَات التي نزلت في عتابهم، قوله تعالى: {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُواْ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا} [النساء: 88]، عن مجاهد: {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ} [النساء: 88] قال: «قوم خرجوا من مكة حتى أتوا المدينة يزعمون أنهم مهاجرون، ثم
ارتدوا بعد ذلك، فاستأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة ليأتوا ببضائع لهم يتجرون فيها. فاختلف فيهم المؤمنون، فقائل يقول: هم منافقون، وقائل يقول: هم مؤمنون. فبين الله نفاقهم، فأمر بقتالهم»(150)
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: في قوله تعالى: {وَلَا تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا} [النساء: 94] قال: قال ابن عباس: «كان رجل في غنيمة له فلحقه المسلمون، فقال: السلام عليكم، فقتلوه وأخذوا غنيمته، فأنزل الله في ذلك إلى قوله: {تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَواةِ الدُّنْيَا} [النساء: 94] تلك الغنيمة»(151) .
وقال سبحانه: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْأخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُنَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمَّا بِغَمٍّ لِّكَيْلَا تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرُ بِمَا تَعْمَلُونَ}
[آل عمران: 152 153]، عن الضحاك؛ قال: «إن نبي الله أمر يوم أحد طائفة من المسلمين؛ فقال: كونوا مسلحة للناس بمنزلة أمرهم أن يثبتوا بها، وأمرهم أن لا يبرحوا مكانهم حتى يأذن لهم، فلما لقي نبي الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد أبا سفيان ومن معه من المشركين؛ هزمهم نبي الله صلى الله عليه وسلم فلما رأى المسلحة أن الله عز وجل هزم المشركين؛ انطلق بعضهم وهم يتنادون: الغنيمة الغنيمة! لا تفتكم، وثبت بعضهم مكانهم، وقالوا: لا نريم موضعنا؛ حتى يأذن لنا نبي الله صلى الله عليه وسلم ففي ذلك نزل: {مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْأخِرَةَ} [آل عمران: 152]، فكان ابن مسعود يقول: ما شعرت أن أحدًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان يريد الدنيا وعرضها حتى كان يوم أحد»(152)
وقال تعالى: {وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّواْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [الجمعة: 11]، قال ابن كثير: «يعاتب تبارك وتعالى على ما كان وقع من الانصراف عن الخطبة يوم
الجمعة إلى التجارة التي قدمت المدينة يومئذ، فقال تعالى: {وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّواْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} أي: على المنبر تخطب. هكذا ذكره غير واحد من التابعين، منهم: أبو العالية، والحسن، وزيد بن أسلم، وقتادة.
وزعم مقاتل بن حيان: أن التجارة كانت لدحية بن خليفة قبل أن يسلم، وكان معها طبل، فانصرفوا إليها وتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما على المنبر إلا القليل منهم»(153) .
وعن جابر بن عبد الله، «أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يخطب قائما يوم الجمعة، فجاءت عير من الشام، فانفتل الناس إليها، حتى لم يبق إلا اثنا عشر رجلا، فأنزلت هذه الآية التي في الجمعة: {وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّواْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} [الجمعة: 11]»(154)(155) )( .
ومع عدم ثبوت العصمة لهم إلا أنه قد ثبت أنهم أسرع الناس فيئة للحق، وتوبة إلى الله تعالى وإنابة إليه كما يعرفه المطالع لسيرتهم، بل كما أثبته الله تعالى كما سيأتي معنا.
4 ـــ نصرة النبي صلى الله عليه وسلم .
وذلك كما قال الله سبحانه: {إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 40].
وهذه الآية في فضل صاحب النبي صلى الله عليه وسلم الصديق الأكبر، وهو أبو بكر رضي الله عنه باتفاق المسلمين، قال الطبري: «وهذا إعلام من الله أصحاب رسوله صلى الله عليه وسلم أنه المتوكل بنصر رسوله على أعداء دينه وإظهاره عليهم دونهم، أعانوه أو لم يعينوه، وتذكير منه لهم فعل ذلك به، وهو من العدد في قلة والعدو في كثرة، فكيف به وهو من العدد في كثرة والعدو في قلة؟ يقول لهم جل ثناؤه: إلا تنفروا أيها المؤمنون مع رسولي إذا استنفركم فتنصروه، فالله ناصره ومعينه على عدوه ومغنيه عنكم وعن معونتكم ونصرتكم، كما نصره إذ أخرجه الذين كفروا بالله من قريش من وطنه وداره وإنما عنى جل ثناؤه بقوله: {ثَانِيَ اثْنَيْنِ} رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر رضي الله عنه؛ لأنهما كانا اللذين خرجا هاربين من قريش؛ إذ هموا بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم واختفيا في الغار. وقوله: {إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ} يقول إذ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رحمة الله عليه في الغار، والغار: النقب العظيم يكون في الجبل.
{إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ} يقول: إذ يقول رسول الله لصاحبه أبي بكر: {لَا تَحْزَنْ} وذلك أنه خاف من الطلب أن يعلموا بمكانهما، فجزع من ذلك، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تحزن لأن الله معنا، والله ناصرنا، فلن يعلم المشركون بنا، ولن يصلوا إلينا» يقول جل ثناؤه: فقد نصره الله على عدوه وهو بهذه الحال من الخوف وقلة العدد، فكيف يخذله ويحوجه إليكم وقد كثر الله أنصاره، وعدد جنوده؟»(156) .
5 ــــ طاعة الله ورسوله، والولاء لأهل الإسلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والجود بالمال، وإنفاقه في سبيل الله.
يقول ربنا سبحانه: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 71].
يقول تعالى ذكره: وأما المؤمنون والمؤمنات، وهم المصدقون بالله ورسوله وآيات كتابه، فإن صفتهم أن بعضهم أنصار بعض وأعوانهم. {يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ} يقول: يأمرون الناس بالإيمان بالله ورسوله، وبما جاء به من عند الله. {وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ} يقول: ويؤدون الصلاة المفروضة {وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} يقول: ويعطون الزكاة المفروضة أهلها. {وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} فيأتمرون لأمر الله ورسوله وينتهون عما نهيناهم عنه. {أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ} يقول: هؤلاء الذين هذه صفتهم الذين سيرحمهم الله، فينقذهم ممن عذابه ويدخلهم جنته، لا أهل النفاق والتكذيب بالله ورسوله، الناهون عن المعروف، الآمرون بالمنكر، القابضون أيديهم عن أداء حق الله من أموالهم. {إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} يقول: إن الله ذو عزة في انتقامه ممن انتقم من خلقه على معصيته وكفره به، لا يمنعه من الانتقام منه مانع ولا ينصره منه ناصر، حكيم في انتقامه منهم في جميع أفعاله(157) .
قال الواحدي: «وقال بعض أهل المعاني: ذكر الله المنافقين، فقال: {بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ} وذكر المؤمنين فقال: {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} وذلك أن المعنى في المنافقين: أن بعضهم يضاف إلى بعض بالاجتماع على النفاق، ولا يكون بينهم موالاة؛ لأن قلوبهم تكون مختلفة، ولا تكون كقلوب المؤمنين في التواد والتعاطف»(158) .
وقال الرازي: «اعلم أنه تعالى لما بالغ في وصف المنافقين بالأعمال الفاسدة والأفعال الخبيثة، ثم ذكر عقيبه أنواع الوعيد في حقهم في الدنيا والآخرة، ذكر بعده في هذه الآية كون المؤمنين موصوفين بصفات الخير وأعمال البر، على ضد صفات المنافقين، ثم ذكر بعده في هذه الآية أنواع ما أعد الله لهم من الثواب الدائم والنعيم المقيم»(159) .
وقال: «واعلم أنه تعالى لما وصف المؤمنين بكون بعضهم أولياء بعض، ذكر بعده ما يجري مجرى التفسير والشرح له فقال: يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، ويطيعون الله ورسوله، فذكر هذه الأمور الخمسة التي بها يتميز المؤمن من المنافق، فالمنافق على ما وصفه الله تعالى في الآية المتقدمة يأمر بالمنكر، وينهى عن المعروف، والمؤمن بالضد منه.
والمنافق لا يقوم إلى الصلاة إلا مع نوع من الكسل والمؤمن بالضد منه.
والمنافق يبخل بالزكاة وسائر الواجبات كما قال: {وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ} والمؤمنون {وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ}.
والمنافق إذا أمره الله ورسوله بالمسارعة إلى الجهاد فإنه يتخلف بنفسه ويثبط غيره كما وصفه الله بذلك، والمؤمنون بالضد منهم»(160) .
6 ــــ الحزن على فوات الطاعة.
قال الله تعالى: {لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ} [التوبة: 91 ــ 92].
وفي الآية، دليل على قوة رغبة الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ في الأعمال الصالحة الموجبة للدرجات العلى والنعيم المقيم، فكانوا يحزنون على العجز عن شيءٍ مما يقدر عليه غيرهم(161) من ذلك .
«فلم يمدحوا على نفس الحزن، وإنما مدحوا على ما دل عليه الحزن من قوة إيمانهم، حيث تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعجزهم عن
النفقة، ففيه تعريض بالمنافقين الذين لم يحزنوا على تخلفهم، بل غبطوا نفوسهم به»(162)
7 ــــ الاعتراف بالذنب، والتوبة منه.
قال الله تعالى: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: 102].
قال ابن كثير: «لما بين تعالى حال المنافقين المتخلفين عن الغزاة رغبة عنها وتكذيبا وشكا، شرع في بيان حال المذنبين الذين تأخروا عن الجهاد كسلا وميلا إلى الراحة، مع إيمانهم وتصديقهم بالحق، فقال: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ} أي: أقروا بها واعترفوا فيما بينهم وبين ربهم، ولهم أعمال أخر صالحة، خلطوا هذه بتلك، فهؤلاء تحت عفو الله وغفرانه.
وهذه الآية ــ وإن كانت نزلت في أناس معينين ــ إلا أنها عامة في كل المذنبين الخاطئين(163) المخلصين المتلوثين» .
قال الطبري بعد أن أورد عدة آثار في أسماء الذين اعترفوا بذنبهم(164)
وهو التخلف عن غزوة تبوك، «وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك قول من قال: نزلت هذه الآية في المعترفين بخطأ فعلهم في تخلفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركهم الجهاد معه والخروج لغزو الروم حين شخص إلى تبوك، وأن الذين نزل ذلك فيهم جماعة أحدهم أبو لبابة وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب في ذلك، لأن الله جل ثناؤه قال: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ} فأخبر عن اعتراف جماعة بذنوبهم، ولم يكن المعترف بذنبه الموثق نفسه بالسارية في حصار قريظة غير أبي لبابة وحده. فإذ كان ذلك كذلك، وكان الله تبارك وتعالى قد وصف في قوله: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ} بالاعتراف بذنوبهم جماعة، علم أن الجماعة الذين وصفهم بذلك السبب غير الواحد، فقد تبين بذلك أن هذه الصفة إذا لم تكن إلا لجماعة، وكان لا جماعة فعلت ذلك فيما نقله أهل السير والأخبار، وأجمع عليه أهل التأويل إلا جماعة من المتخلفين عن غزوة تبوك؛ صح ما قلنا في ذلك، وقلنا: كان منهم أبو لبابة لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك»(165)
وقال سبحانه: وقال الله تعالى: {لَّقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيم} [التوبة: 117 ــ 118]، وقد سبق بيان معناها.
8 ــــ التطهر.
قال تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقَا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْاْ رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 107 ــ 110].
ومعنى هذه الآيَات الكريمة: «والذين ابتنوا مسجدا ضرارا لمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكفرا بالله لمحادتهم بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ويفرقوا به المؤمنين ليصلي فيه بعضهم دون مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعضهم في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيختلفوا بسبب ذلك ويفترقوا. {وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ} يقول: وإعدادا له، لأبي عامر الكافر الذي خالف الله ورسوله، وكفر بهما وقاتل رسول الله. {مِن قَبْلُ} يعني من قبل بنائهم ذلك المسجد.
وذلك أن أبا عامر هو الذي كان حزب الأحزاب، يعني حزب الأحزاب لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما خذله الله، لحق بالروم يطلب النصر من ملكهم على نبي الله، وكتب إلى أهل مسجد الضرار يأمرهم ببناء المسجد الذي كانوا بنوه فيما ذكر عنه ليصلي فيه فيما يزعم إذا رجع إليهم؛ ففعلوا ذلك، وهذا معنى قول الله جل ثناؤه: {وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى} يقول جل ثناؤه: وليحلفن بانوه إن أردنا إلا الحسنى ببنائنا إلا الرفق بالمسلمين والمنفعة والتوسعة على أهل الضعف والعلة ومن عجز عن المسير إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة فيه. وتلك هي الفعلة الحسنة. {وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} في حلفهم ذلك، وقيلهم ما بنيناه إلا ونحن نريد الحسنى،
ولكنهم بنوه يريدون ببنائه السوأى ضرارا لمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكفرا بالله وتفريقا بين المؤمنين، وإرصادا لأبي عامر الفاسق»(166)
ثم نهى الله نبيه عن القيام في هذا المسجد، وأن أحق مسجد بالقيام فيه هو المسجد الذي أسس على تقوى الله وطاعته، وسعيًا في مرضاته، واختلف أهل العلم في هذا المسجد، فقال بعضهم: هو مسجد قباء، وقال كثير منهم: هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم(167)(168) وذكر الله
أوصاف الرجال الذين يقومون بحق هذا المسجد، وأنهم يحبون الطهارة، فقد مدحوا، لأنهم كانوا يستنجون بالماء من الغائط والبول، لا خلاف في هذا التفسير بين أهل التفسير(169)
ثم عقدت المقارنة بين الفريقين، أي هؤلاء الذين بنوا المساجد خير أيها الناس عندكم، الذين ابتدءوا بناء مسجدهم على اتقاء الله بطاعتهم في بنائه، وأداء فرائضه ورضا من الله لبنائهم ما بنوه من ذلك، وفعلهم ما فعلوه خير، أم الذين ابتدءوا بناء مسجدهم على شفا جرف هار يعني بقوله: {عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ} على حرف، أي: شفير، {جُرُفٍ} والجرف: ما ينجرف بالسيول من الأودية، وهو جانبها الذي ينحفر بالماء أصله، فيبقى واهيًا، لا يثبت، وينهار بصاحبه في نار جهنم.
«أي: انهار البنيان بالباني {فِي نَارِ جَهَنَّمَ}؛ لأنه معصية وفعل لما كرهه الله من الضرار والكفر والتفريق بين المؤمنين، وهذه الآية بيان عما يوجبه تأسيس البنيان على التقوى من الله والرضوان من أن صاحبه هو الأفضل، مما يجب له من ثواب الله وكرامته، خلاف من أسسه على الفساد، فكان كمن بني على شفير النار»(170) .
أي هذين الفريقين خير، وأي هذين البناءين أثبت، أمن ابتدأ أساس بنائه على طاعة الله وعلم منه بأن بناءه لله طاعة والله به راض، أم من ابتدأه بنفاق وضلال وعلى غير بصيرة منه بصواب فعله من خطئه، فهو لا يدري متى يتبين له خطأ فعله وعظيم ذنبه فيهدمه.
وقوله تعالى: {لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْاْ رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة:
110] يقول تعالى ذكره: لا يزال بنيان هؤلاء الذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا {رِيبَةً} يقول: لا يزال مسجدهم الذي بنوه ريبة في قلوبهم، يعني شكا ونفاقا في قلوبهم، يحسبون أنهم كانوا في بنائه محسنين. {إِلَّا أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ} يعني إلا أن تتصدع قلوبهم فيموتوا، والله عليم بما عليه هؤلاء المنافقون الذين بنوا مسجد الضرار من شكهم في دينهم وما قصدوا في بنائهم وأرادوه وما إليه صائر أمرهم في الآخر وفي الحياة ما عاشوا، وبغير ذلك من أمرهم وأمر غيرهم، حكيم في تدبيره إياهم وتدبير جميع خلقه.
9 ــــ الاستبشار والفرح بآيات الله.
قال تعالى: {وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَاذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [التوبة: 124].
{فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا} بالعلم بها، وفهمها، واعتقادها، والعمل بها، والرغبة في فعل الخير، والانكفاف عن فعل الشر.
{وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} أي: يبشر بعضهم بعضا بما من الله عليهم من آياته، والتوفيق لفهمها والعمل بها. وهذا دال على انشراح صدورهم لآيات الله، وطمأنينة قلوبهم، وسرعة انقيادهم لما تحثهم عليه(171) .
الصنف الثالث: الأعراب
لفظ: (الأعراب) هو في الأصل: «اسم لبادية العرب، فإن كل أمة لها حاضرة وبادية، فبادية العرب: الأعراب، ويقال: إن بادية الروم: الأرمن ونحوهم، وبادية الفرس: الأكراد ونحوهم، وبادية الترك التتار.
والتحقيق: أن سائر سكان البوادي لهم حكم الأعراب، سواء دخلوا في لفظ الأعراب أو لم يدخلوا، فهذا الأصل يوجب أن يكون جنس الحاضرة أفضل من جنس البادية، وإن كان بعض أعيان البادية أفضل من أكثر الحاضرة، مثلًا»(172) .
ولا بد أن يعلم أن نفس الأعرابية والأعجمية ليست مذمومة في نفسها عند الله تعالى وعند رسوله وعند عباده المؤمنين، بل الأعراب منقسمون(173) :
1 ــ أهل جفاء
قال الله فيهم: {الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(174) [التوبة: 97
98](175)
يقول الطبري: «الأعراب أشد جحودا لتوحيد الله، وأشد نفاقا من أهل الحضر في القرى والأمصار، وإنما وصفهم جل ثناؤه بذلك لجفائهم وقسوة قلوبهم وقلة مشاهدتهم لأهل الخير، فهم لذلك أقسى قلوبا وأقل علما بحقوق الله»(176) .
وقال: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ} [التوبة: 101](177) .
وقال: {سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللَّهِ شَئًْا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعَا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرَا بَلْ ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْمَا بُورًا} [الفتح: 11 ــ(178) 12] .
2 ــ أهل إيمان وبر
قال الله فيهم: {وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْأخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: 98].
وقد كان في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن وفد عليه ومن غيرهم من الأعراب، من هو أفضل من كثير من القرويين.
فهذا كتاب الله يحمد بعض الأعراب، ويذم بعضهم، وكذلك فعل بأهل الأمصار، فقال سبحانه: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ} [التوبة: 101] فبين أن المنافقين في الأعراب وذوي القرى، وعامة سورة التوبة فيها الذم للمنافقين من أهل المدينة ومن الأعراب، كما فيها الثناء على السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، وعلى الأعراب الذين يتخذون ما ينفقون قربات عند الله وصلوات الرسول.
يقول ابن تيمية: «وإنما وجه النهي عن مشابهة الأعراب والأعاجم
مع ما ذكرناه من الفضل فيهم، وعدم العبرة بالنسب والمكان مبني على أصل، وذلك: أن الله سبحانه وتعالى جعل سكنى القرى يقتضي من كمال الإنسان في العلم والدين، ورقة القلوب، ما لا يقتضيه سكنى البادية، كما أن البادية توجب من صلابة البدن والخلق، ومتانة الكلام ما لا يكون في القرى، هذا هو الأصل.
وإن جاز تخلف هذا المقتضى لمانع، وكانت البادية أحيانا أنفع من القرى، وكذلك جعل الله الرسل من أهل القرى، فقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَى} [يوسف: 109] وذلك لأن الرسل لهم الكمال في عامة الأمور، حتى في النسب، ولهذا قال الله سبحانه: {الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ} [التوبة: 97] ذكر هذا بعد قوله: {إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَْٔذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُل لَّا تَعْتَذِرُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءَ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 93 ــ 97].
فلما ذكر الله المنافقين الذين استأذنوه في التخلف عن الجهاد في غزوة تبوك، وذمهم وهؤلاء كانوا من أهل المدينة، قال سبحانه: {الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ} [التوبة: 97] فإن الخير كله ــ أصله وفصله ــ منحصر في العلم والإيمان كما قال سبحانه: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة: 11] وقال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ} [الروم: 56].
وضد الإيمان: إما الكفر الظاهر، أو النفاق الباطن، ونقيض العلم: عدمه.
فقال سبحانه عن الأعراب: إنهم أشد كفرا ونفاقا من أهل المدينة وأحرى منهم أن لا يعلموا حدود الكتاب والسنة، والحدود: هي حدود الأسماء المذكورة، فيما أنزل الله من الكتاب والحكمة، مثل: حدود الصلاة والزكاة والصوم والحج، والمؤمن والكافر، والزاني والسارق والشارب، وغير ذلك حتى يعرف من الذي يستحق ذلك الاسم الشرعي ممن لا يستحقه، وما تستحقه مسميات تلك الأسماء: من الأحكام»(179) .
فتبين من هذه النصوص، أن الأعراب قوم يتميزون عن غيرهم من الأصناف بسمات وخصائص، وهي: (الجهل، مع الغلظة والجفاء)، ومع ذلك فإن منهم قومًا من أهل الإيمان.
فأخبر تعالى أن في الأعراب كفارا ومنافقين ومؤمنين، وأن كفرهم
ونفاقهم أعظم من غيرهم وأشد، وأجدر، أي: أحرى ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله(180)
قال الطاهر: «وازديادهم في الكفر والنفاق هو بالنسبة لكفار ومنافقي المدينة، ومنافقوهم أشد نفاقا من منافقي المدينة، وهذا الازدياد راجع إلى تمكن الوصفين من نفوسهم، أي كفرهم أمكن في النفوس من كفر كفار المدينة، ونفاقهم أمكن من نفوسهم كذلك، أي أمكن في جانب الكفر منه والبعد عن الإقلاع عنه وظهور بوادر الشر منهم، وذلك أن غلظ القلوب وجلافة الطبع تزيد النفوس السيئة وحشة ونفورا... فإن الأعراب لنشأتهم في البادية كانوا بعداء عن مخالطة أهل العقول المستقيمة وكانت أذهانهم أبعد عن معرفة الحقائق وأملأ بالأوهام، وهم لبعدهم عن مشاهدة أنوار النبيء صلى الله عليه وسلم وأخلاقه وآدابه وعن تلقي الهدى صباح مساء أجهل بأمور الديانة وما به تهذيب النفوس، وهم لتوارثهم أخلاق أسلافهم وبعدهم عن التطورات المدنية التي تؤثر سموا في النفوس البشرية، وإتقانا في وضع الأشياء في مواضعها، وحكمة تقليدية تتدرج بالأزمان، يكونون أقرب سيرة بالتوحش وأكثر غلظة في المعاملة وأضيع للتراث العلمي والخلقي....
فأما في الأخلاق التي تحمد فيها الخشونة والغلظة والاستخفاف بالعظائم مثل الشجاعة والصراحة وإباء الضيم والكرم فإنها تكون أقوى في الأعراب بالجبلة،
ولذلك يكونون أقرب إلى الخير إذا اعتقدوه وآمنوا به»(181)
هذا، وقد وفى الله المؤمنين من الأعراب حقهم في الثناء، وهو العليم الحكيم.
الصنف الرابع: أهل النفاق
«وأما النفاق: فالداء العضال الباطن، الذي يكون الرجل ممتلئًا منه، وهو لا يشعر، فإنه أمر خفي على الناس، وكثيرا ما يخفى على من تلبس به، فيزعم أنه مصلح وهو مفسد.
وهو نوعان: أكبر، وأصغر.
فالأكبر يوجب الخلود في النار في دركها الأسفل، وهو أن يظهر للمسلمين إيمانه بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وهو في الباطن منسلخ من ذلك كله مكذب به، لا يؤمن بأن الله تكلم بكلام أنزله على بشر جعله رسولًا للناس، يهديهم بإذنه، وينذرهم بأسه، ويخوفهم عقابه.
وقد هتك الله سبحانه أستار المنافقين، وكشف أسرارهم في القرآن، وجلى لعباده أمورهم، ليكونوا منها ومن أهلها على حذر، وذكر طوائف العالم الثلاثة في أول سورة البقرة: المؤمنين، والكفار، والمنافقين، فذكر في المؤمنين أربع آيات، وفي الكفار آيتين، وفي المنافقين ثلاث عشرة آية، لكثرتهم وعموم الابتلاء بهم، وشدة فتنتهم على الإسلام وأهله، فإن بلية الإسلام بهم شديدة جدا، لأنهم منسوبون إليه،
وإلى نصرته وموالاته، وهم أعداؤه في الحقيقة، يخرجون عداوته في كل قالب يظن الجاهل أنه علم وإصلاح، وهو غاية الجهل والإفساد.
فلله كم من معقل للإسلام قد هدموه؟! وكم من حصن له قد قلعوا أساسه وخربوه؟! وكم من علم له قد طمسوه؟! وكم من لواء له مرفوع قد وضعوه؟! وكم ضربوا بمعاول الشبه في أصول غراسه ليقلعوها؟! وكم عموا عيون موارده بآرائهم ليدفنوها ويقطعوها؟!.
فلا يزال الإسلام وأهله منهم في محنة وبلية، ولا يزال يطرقه من شبههم سرية بعد سرية، ويزعمون أنهم بذلك مصلحون {أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لَّا يَشْعُرُونَ} [البقرة: 12]، {يُرِيدُونَ لِيُطْفُِٔواْ نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [الصف: 8].
اتفقوا على مفارقة الوحي، فهم على ترك الاهتداء به مجتمعون {فَتَقَطَّعُواْ أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبِ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [المؤمنون: 53]، {يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} [الأنعام: 112] ولأجل ذلك {اتَّخَذُواْ هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} [الفرقان: 30].
درست معالم الإيمان في قلوبهم فليسوا يعرفونها، ودثرت معاهده عندهم فليسوا يعمرونها، وأفلت كواكبه النيرة من قلوبهم فليسوا يحبونها، وكسفت شمسه عند اجتماع ظلم آرائهم وأفكارهم فليسوا يبصرونها، لم يقبلوا هدى الله الذي أرسل به رسوله، ولم يرفعوا به
رأسا، ولم يروا بالإعراض عنه إلى آرائهم وأفكارهم بأسا...
لبسوا ثياب أهل الإيمان على قلوب أهل الزيغ والخسران، والغل والكفران، فالظواهر ظواهر الأنصار، والبواطن قد تحيزت إلى الكفار، فألسنتهم ألسنة المسالمين، وقلوبهم قلوب المحاربين، ويقولون {آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْأخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 8].
رأس مالهم الخديعة والمكر، وبضاعتهم الكذب والختر، وعندهم العقل المعيشي أن الفريقين عنهم راضون، وهم بينهم آمنون {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} [البقرة: 9].
قد نهكت أمراض الشبهات والشهوات قلوبهم فأهلكتها، وغلبت القصود السيئة على إراداتهم ونياتهم فأفسدتها، ففسادهم قد ترامى إلى الهلاك، فعجز عنه الأطباء العارفون {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمُ بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ} [البقرة: 10].
من علقت مخالب شكوكهم بأديم إيمانه مزقته كل تمزيق، ومن تعلق شرر فتنتهم بقلبه ألقاه في عذاب الحريق، ومن دخلت شبهات تلبيسهم في مسامعه حال بين قلبه وبين التصديق، ففسادهم في الأرض كثير، وأكثر الناس عنه غافلون {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُواْ فِي الْأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لَّا يَشْعُرُونَ} [البقرة: 11 ــ 12].
لكل منهم وجهان، وجه يلقى به المؤمنين، ووجه ينقلب به إلى
إخوانه من الملحدين، وله لسانان: أحدهما يقبله بظاهره المسلمون، والآخر يترجم به عن سره المكنون {وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ} [البقرة: 14]»(182)
وقد سبق بيان كون هذه السورة هي الفاضحة لأهل النفاق، فقد بينت أوصافهم أيما بيان، ونحن نذكر من ذلك ما هو ظاهر لمن تأمل السورة الكريمة، فمن أوصافهم(183) :
1 ــ التخلف عن نصرة الدين، وجهاد أعداء الله، وكثرة الاعتذار عن شهود مواقف الحق، والارتياب والشك.
فقد بين الله تعالى أن غاية المنافق إنما هي الدنيا، لا يرفع للآخرة رأسًا، ولا يقيم لها وزنًا، فهو في أمور الدنيا مسارع، وفي أمر الآخرة قاعد، قال تعالى: {لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَّاتَّبَعُوكَ وَلَكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ لَا يَسْتَْٔذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْأخِرِ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمُ بِالْمُتَّقِينَ إِنَّمَا يَسْتَْٔذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْأخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ} [التوبة: 42 ــ 45].
يقول الطبري: «يقول جل ثناؤه للنبي صلى الله عليه وسلم، وكانت جماعة من أصحابه قد استأذنوه في التخلف عنه حين خرج إلى تبوك فأذن لهم: لو كان ما تدعو إليه المتخلفين عنك والمستأذنيك في ترك الخروج معك إلى مغزاك الذي استنفرتهم إليه {عَرَضًا قَرِيبًا} يقول: غنيمة حاضرة {وَسَفَرًا قَاصِدًا} يقول: وموضعا قريبا سهلا. {لَّاتَّبَعُوكَ} ونفروا معك إليهما، ولكنك استنفرتهم إلى موضع بعيد، وكلفتهم سفرا شاقا عليهم؛ لأنك استنهضتهم في وقت الحر وزمان القيظ وحين الحاجة إلى الكن.
{وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ} يقول تعالى ذكره: وسيحلف لك يا محمد هؤلاء المستأذنوك في ترك الخروج معك اعتذارا منهم إليك بالباطل، لتقبل منهم عذرهم، وتأذن لهم في التخلف عنك بالله كاذبين: لو استطعنا لخرجنا معكم، يقول: لو أطقنا الخروج معكم بوجود السعة والمراكب والظهور وما لا بد للمسافر والغازي منه، وصحة البدن والقوى، لخرجنا معكم إلى عدوكم. {يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ} يقول: يوجبون لأنفسهم بحلفهم بالله كاذبين الهلاك والعطب؛ لأنهم يورثونها سخط الله ويكسبونها أليم عقابه. {وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}
في حلفهم بالله لو استطعنا لخرجنا معكم؛ لأنهم كانوا للخروج مطيقين بوجود السبيل إلى ذلك بالذي كان عندهم من الأموال مما يحتاج إليه الغازي في غزوه والمسافر في سفره وصحة الأبدان وقوى الأجسام»(184)
ثم قال: «{عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ} [التوبة: 43](185) وهذا عتاب من الله تعالى ذكره عاتب به نبيه صلى الله عليه وسلم في إذنه لمن أذن له في التخلف عنه حين شخص إلى تبوك لغزو الروم من المنافقين. يقول جل ثناؤه: {عَفَا اللَّهُ عَنكَ} يا محمد ما كان منك في إذنك لهؤلاء المنافقين الذي استأذنوك في ترك الخروج معك، وفي التخلف عنك من قبل أن تعلم صدقه من كذبه. {لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} لأي شيء أذنت لهم. {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ} يقول: ما كان ينبغي لك أن تأذن لهم في التخلف عنك؛ إذ قالوا لك: لو استطعنا لخرجنا معك، حتى تعرف من له العذر منهم في تخلفه ومن لا عذر له منهم، فيكون إذنك لمن أذنت له منهم على علم منك بعذره، وتعلم من الكاذب منهم المتخلف نفاقا وشكا في دين الله»(186) .
ثم ذكر الله
سيما أهل النفاق، فقال: {لَا يَسْتَْٔذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْأخِرِ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمُ بِالْمُتَّقِينَ} [التوبة: 44] «وهذا إعلام من الله نبيه صلى الله عليه وسلم سيما المنافقين أن من علاماتهم التي يعرفون بها تخلفهم عن الجهاد في سبيل الله باستئذانهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في تركهم الخروج معه إذا استنفروا بالمعاذير الكاذبة.
يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: يا محمد لا تأذنن في التخلف عنك إذا خرجت لغزو عدوك لمن استأذنك في التخلف من غير عذر، فإنه لا يستأذنك في ذلك إلا منافق لا يؤمن بالله واليوم الآخر، فأما الذي يصدق بالله ويقر بوحدانيته وبالبعث والدار الآخرة والثواب والعقاب، فإنه لا يستأذنك في ترك الغزو وجهاد أعداء الله بماله ونفسه.
{وَاللَّهُ عَلِيمُ بِالْمُتَّقِينَ} يقول: والله ذو علم بمن خافه فاتقاه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه والمسارعة إلى طاعته في غزو عدوه وجهادهم بماله ونفسه، وغير ذلك من أمره ونهيه»(187) .
ثم قال: «{إِنَّمَا يَسْتَْٔذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْأخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ} [التوبة: 45] يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم: إنما يستأذنك يا محمد في التخلف خلافك، وترك الجهاد معك من غير عذر بين الذين لا يصدقون بالله، ولا يقرون بتوحيده. {وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ} يقول: وشكت قلوبهم في حقيقة وحدانية الله، وفي ثواب أهل طاعته، وعقابه أهل معاصيه. {فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ} يقول: في شكهم متحيرون، وفي ظلمة الحيرة مترددون، لا يعرفون حقا من
باطل، فيعملون على بصيرة. وهذه صفة المنافقين»(188)
وقال تعالى أيضًا مبينا كراهيتهم وتخوفهم من الجهاد: {وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُواْ بِاللَّهِ وَجَاهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ اسْتَْٔذَنَكَ أُوْلُواْ الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُواْ ذَرْنَا نَكُن مَّعَ الْقَاعِدِينَ} [سورة التوبة: 86].
والمقصود بأولي الطول هنا: ذوو الغنى والمال منهم، يقول الرازي: «واعلم أنه تعالى بين في الآيَات المتقدمة أن المنافقين احتالوا في رخصة التخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والقعود عن الغزو، وفي هذه الآية زاد دقيقة أخرى، وهي أنه متى نزلت آية مشتملة على الأمر بالإيمان وعلى الأمر بالجهاد مع الرسول، استأذن أولو الثروة والقدرة منهم في التخلف عن الغزو، وقالوا لرسول الله ذرنا نكن مع القاعدين أي مع الضعفاء من الناس والساكنين في البلد»(189) .
وجعل الله السبيل عليهم، فقال: {إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَْٔذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُل لَّا تَعْتَذِرُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [التوبة: 93 94]، والمعنى: إنما السبيل بالعقوبة على من استأذن في التخلف عن الغزو،
وهو غني، ورضي بأن يخلف مع النساء اللواتي هن خوالف للرجال في البيوت(190)
هذا، وقد ذكر الله تعالى عن أحد زعماء المنافقين أنه استأذن في غزوة تبوك، قال الله تعالى: {وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةُ بِالْكَافِرِينَ} [التوبة: 49].
وأخرج الطبري عن جماعة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وهو في جهازه قال للجد بن قيس أخي بني سلمة: «هل لك يا جد العام في جلاد بني الأصفر؟» فقال: يا رسول الله، أو تأذن لي ولا تفتني؟ فوالله لقد عرف قومي ما رجل أشد عجبًا بالنساء مني، وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر أن لا أصبر عنهن، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: «أذنت لك»، ففي الجد بن قيس نزلت هذه الآية {وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلَا تَفْتِنِّي} [التوبة: 49] الآية، أي إن كان إنما يخشى الفتنة من نساء بني الأصفر، وليس ذلك به، فما سقط فيه من الفتنة بتخلفه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والرغبة بنفسه عن نفسه أعظم(191) .
قال ابن تيمية: «ولما كان في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله من الابتلاء والمحن ما يعرض به المرء للفتنة، صار في الناس من يتعلل لترك ما وجب عليه من ذلك بأنه يطلب
السلامة من الفتنة، كما قال عن المنافقين: {وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ} [التوبة: 49]، وقد ذكر في التفسير أنها نزلت في الجد بن قيس لما أمره النبي صلى الله عليه وسلم بالتجهز لغزو الروم وأظنه قال: «هل لك في نساء بني الأصفر»؟ فقال يا رسول الله: إني رجل لا أصبر على النساء، وإني أخاف الفتنة بنساء بني الأصفر، فأذن لي ولا تفتني، وهذا الجد هو الذي تخلف عن بيعة الرضوان تحت الشجرة، واستتر بجمل أحمر، وجاء فيه الحديث: «إن كلهم مغفور له إلا صاحب الجمل الأحمر»، فأنزل الله تعالى فيه: {وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ} [التوبة: 49].
يقول: إنه طلب القعود ليسلم من فتنة النساء، فلا يفتن بهن، فيحتاج إلى الاحتراز من المحظور ومجاهدة نفسه عنه فيتعذب بذلك أو يواقعه فيأثم، فإن من رأى الصور الجميلة وأحبها فإن لم يتمكن منها إما لتحريم الشارع وإما للعجز عنها يعذب قلبه، وإن قدر عليها وفعل المحظور هلك، وفي الحلال من ذلك من معالجة النساء ما فيه بلاء، فهذا وجه قوله: {وَلَا تَفْتِنِّي}.
قال الله تعالى: {أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ}، يقول نفس إعراضه عن الجهاد الواجب ونكوله عنه وضعف إيمانه ومرض قلبه الذي زين له ترك الجهاد: فتنة عظيمة قد سقط فيها، فكيف يطلب التخلص من فتنة صغيرة لم تصبه بوقوعه في فتنة عظيمة قد أصابته؛ والله يقول: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [الأنفال: 39].
فمن ترك القتال الذي أمر الله به لئلا تكون فتنة: فهو في الفتنة ساقط بما وقع فيه من ريب قلبه ومرض فؤاده، وتركه ما أمر الله به من الجهاد»(192) .
بل إنهم يفرحون بالتخلف عن رسول الله، ويرضون لأنفسهم ذلك، قال تعالى: {فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُواْ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُواْ لَا تَنفِرُواْ فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُواْ يَفْقَهُونَ} [التوبة: 81].
قال ابن كثير: «يقول تعالى ذاما للمنافقين المتخلفين عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، وفرحوا بمقعدهم بعد خروجه، {وَكَرِهُواْ أَن يُجَاهِدُواْ} معه {بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُواْ} أي: بعضهم لبعض: {لَا تَنفِرُواْ فِي الْحَرِّ}؛ وذلك أن الخروج في غزوة تبوك كان في شدة الحر، عند طيب الظلال والثمار، فلهذا قالوا {لَا تَنفِرُواْ فِي الْحَرِّ} قال الله تعالى لرسوله: {قُلْ} لهم: {نَارُ جَهَنَّمَ} التي تصيرون إليها بسبب مخالفتكم {أَشَدُّ حَرًّا} مما فررتم منه من الحر، بل أشد حرا من النار»(193) ، وقال السعدي: «يقول تعالى مبينا تبجح المنافقين بتخلفهم وعدم مبالاتهم بذلك، الدال على عدم الإيمان، واختيار الكفر على الإيمان.
{فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ} وهذا قدر زائد على مجرد
التخلف، فإن هذا تخلف محرم، وزيادة رضا بفعل المعصية، وتبجح به.
{وَكَرِهُواْ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} وهذا بخلاف المؤمنين الذين إذا تخلفوا ــ ولو لعذر ــ حزنوا على تخلفهم وتأسفوا غاية الأسف، ويحبون أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، لما في قلوبهم من الإيمان، ولما يرجون من فضل الله وإحسانه وبره وامتنانه.
{وَقَالُواْ} أي: المنافقون {لَا تَنفِرُواْ فِي الْحَرِّ} أي: قالوا إن النفير مشقة علينا بسبب الحر، فقدموا راحة قصيرة منقضية على الراحة الأبدية التامة.
وحذروا من الحر الذي يقي منه الظلال، ويذهبه البكر والآصال، على الحر الشديد الذي لا يقادر قدره، وهو النار الحامية.
ولهذا قال: {قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُواْ يَفْقَهُونَ} لما آثروا ما يفنى على ما يبقى، ولما فروا من المشقة الخفيفة المنقضية، إلى المشقة الشديدة الدائمة»(194) .
2 ــ الكذب، واستباحة الإقسام عليه.
وذلك كما قال الله تعالى عنهم: {وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ} في قوله سبحانه: {لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَّاتَّبَعُوكَ وَلَكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ
إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [التوبة: 42].
«هذه الآية نزلت في المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، ومعنى الكلام أنه لو كانت المنافع قريبة والسفر قريبًا لاتبعوك طمعًا منهم في الفوز بتلك المنافع، ولكن طال السفر فكانوا كالآيسين من الفوز بالغنيمة، بسبب أنهم كانوا يستعظمون غزو الروم، فلهذا السبب تخلفوا.
ثم أخبر الله تعالى أنه إذا رجع من الجهاد يجدهم يحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم، إما عند ما يعاتبهم بسبب التخلف، وإما ابتداء على طريقة إقامة العذر في التخلف، ثم بين تعالى أنهم يهلكون أنفسهم بسبب ذلك الكذب والنفاق، وهذا يدل على أن الأيمان الكاذبة توجب الهلاك»(195) .
وقال تعالى: {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ وَمَا نَقَمُواْ إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْرًا لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْاْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْأخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} [التوبة: 74].
3 ــ الحرص على رضا الناس.
فالحرص على إرضاء الناس حتى وإن غضب الله عليهم؛ يدفعهم إلى الحلف كذبًا وزورًا.
قال تعالى: {وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ} [التوبة: 56]، والمعنى، أن هؤلاء المنافقين يحلفون لكم، أيها المؤمنون، {إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ}، يعني في الدين والملة، قال الله عز وجل، مكذبا لهم: {وَمَا هُم مِّنكُمْ}، أي: ما هم من أهل ملتكم ودينكم، {وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ}، أي: يخافونكم، فيقولون بألسنتهم ما لا يعتقدون خوفا منكم، لئلا تقتلوهم(196) .
وقال تعالى: {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ} [التوبة: 62]، يحلف لكم أيها المؤمنون هؤلاء المنافقون بالله ليرضوكم فيما بلغكم عنهم من أذاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكرهم إياه، بالطعن عليه والعيب له، ومطابقتهم سرا أهل الكفر عليكم بالله، والأيمان الفاجرة أنهم ما فعلوا ذلك وأنهم لعلى دينكم ومعكم على من خالفكم، يبتغون بذلك رضاكم. يقول الله جل ثناؤه: {وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ} بالتوبة والإنابة مما قالوا ونطقوا {إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ} يقول: إن كانوا مصدقين بتوحيد الله، مقرين بوعده ووعيده(197) .
وقال سبحانه:
{يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [التوبة: 96].
وقال تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقَا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [التوبة: 107].
4 ــ اجتماعهم على إرادة الشر بأهل الإسلام، وموالاة أهل الكفر، وبث الفرقة بين المسلمين، ونشر الفساد في الأرض.
كما قال سبحانه: {لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُواْ خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمُ بِالظَّالِمِينَ لَقَدِ ابْتَغَوُاْ الْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَّبُواْ لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ} [التوبة: 47 ــ 48].
«الخبال: الفساد والشر في كل شيء، والمراد بالخبال هاهنا: الاضطراب في الرأي، وذلك بتزيين أمر لفريق، وتقبيحه عند فريق ليختلفوا فتفترق كلمتهم ولا تنتظم، يقول: لو خرجوا لأفسدوا عليكم أمركم»(198) .
وقوله تعالى: {وَلَأَوْضَعُواْ خِلَالَكُمْ} المعنى، لأسرعوا فيما بينكم بالإفساد(199) .
ومعنى
يبغونكم الفتنة: يطلبون لكم ما تفتنون به عن مخرجكم في مغزاكم، بتثبيطهم إياكم عنه، وفيكم من يستمع لكلامكم، ويبلغ المنافقين إياه.
وقوله تعالى: {لَقَدِ ابْتَغَوُاْ الْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَّبُواْ لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ} [التوبة: 48] «يقول تعالى ذكره: لقد التمس هؤلاء المنافقون الفتنة لأصحابك يا محمد، التمسوا صدهم عن دينهم، وحرصوا على ردهم إلى الكفر بالتخذيل عنه، كفعل عبد الله بن أبي بك وبأصحابك يوم أحد حين انصرف عنك بمن تبعه من قومه، وذلك كان ابتغاءهم ما كانوا ابتغوا لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفتنة من قبل. ويعني بقوله: {مِن قَبْلُ}: من قبل هذا. {وَقَلَّبُواْ لَكَ الْأُمُورَ} يقول: وأجالوا فيك وفي إبطال الدين الذي بعثك به الله الرأي بالتخذيل عنك، وإنكار ما تأتيهم به، ورده عليك. {حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ} يقول: حتى جاء نصر الله {وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ} يقول: وظهر دين الله الذي أمر به وافترضه على خلقه وهو الإسلام. {وَهُمْ كَارِهُونَ} يقول: والمنافقون لظهور أمر الله ونصره إياك كارهون، وكذلك الآن يظهرك الله ويظهر دينه على الذين كفروا من الروم وغيرهم من أهل الكفر به وهم كارهون»(200) .
ومن سعيهم التفريق بين أهل الإيمان، ما ذكره الله في قوله: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقَا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [التوبة: 107].
قال ابن كثير: «سبب نزول هذه الآيَات الكريمات: أنه كان بالمدينة قبل مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها رجل من الخزرج يقال له: «أبو عامر الراهب»، وكان قد تنصر في الجاهلية وقرأ علم أهل الكتاب، وكان فيه عبادة في الجاهلية، وله شرف في الخزرج كبير. فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجرا إلى المدينة، واجتمع المسلمون عليه، وصارت للإسلام كلمة عالية، وأظهرهم الله يوم بدر، شرق اللعين أبو عامر بريقه، وبارز بالعداوة، وظاهر بها، وخرج فارا إلى كفار مكة من مشركي قريش فألبهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاجتمعوا بمن وافقهم من أحياء العرب، وقدموا عام أحد، فكان من أمر المسلمين ما كان، وامتحنهم الله، وكانت العاقبة للمتقين.
وكان هذا الفاسق قد حفر حفائر فيما بين الصفين، فوقع في إحداهن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصيب ذلك اليوم، فجرح في وجهه وكسرت رباعيته اليمنى السفلى، وشج رأسه، صلوات الله وسلامه عليه.
وتقدم أبو عامر في أول المبارزة إلى قومه من الأنصار، فخاطبهم واستمالهم إلى نصره وموافقته، فلما عرفوا كلامه قالوا: لا أنعم الله بك عينا يا فاسق يا عدو الله، ونالوا منه وسبوه. فرجع وهو يقول: والله لقد أصاب قومي بعدي شر. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دعاه إلى الله قبل فراره،
وقرأ عليه من القرآن، فأبى أن يسلم وتمرد، فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يموت بعيدا طريدا، فنالته هذه الدعوة.
وذلك أنه لما فرغ الناس من أحد، ورأى أمر الرسول، صلوات الله وسلامه عليه في ارتفاع وظهور، ذهب إلى هرقل، ملك الروم، يستنصره على النبي صلى الله عليه وسلم، فوعده ومناه، وأقام عنده، وكتب إلى جماعة من قومه من الأنصار من أهل النفاق والريب يعدهم ويمنيهم أنه سيقدم بجيش يقاتل به رسول الله صلى الله عليه وسلم ويغلبه ويرده عما هو فيه، وأمرهم أن يتخذوا له معقلا يقدم عليهم فيه من يقدم من عنده لأداء كتبه ويكون مرصدا له إذا قدم عليهم بعد ذلك، فشرعوا في بناء مسجد مجاور لمسجد قباء، فبنوه وأحكموه، وفرغوا منه قبل خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى تبوك، وجاءوا فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتي إليهم فيصلي في مسجدهم، ليحتجوا بصلاته، عليه السلام، فيه على تقريره وإثباته، وذكروا أنهم إنما بنوه للضعفاء منهم وأهل العلة في الليلة الشاتية، فعصمه الله من الصلاة فيه فقال: «إنا على سفر، ولكن إذا رجعنا إن شاء الله».
فلما قفل، عليه السلام راجعا إلى المدينة من تبوك، ولم يبق بينه وبينها إلا يوم أو بعض يوم، نزل عليه الوحي بخبر مسجد الضرار، وما اعتمده بانوه من الكفر والتفريق بين جماعة المؤمنين في مسجدهم مسجد قباء، الذي أسس من أول يوم على التقوى. فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذلك المسجد من هدمه قبل مقدمه المدينة، كما قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِدًا
ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقَا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ} وهم أناس من الأنصار، ابتنوا مسجدا، فقال لهم أبو عامر، ابنوا مسجدا واستعدوا بما استطعتم من قوة ومن سلاح، فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم، فآتي بجند من الروم وأخرج محمدا وأصحابه. فلما فرغوا من مسجدهم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: قد فرغنا من بناء مسجدنا، فنحب أن تصلي فيه وتدعو لنا بالبركة. فأنزل الله، عز وجل: {لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ} إلى {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}.
وكذا روي عن سعيد بن جبير، ومجاهد، وعروة بن الزبير، وقتادة وغير واحد من العلماء.
... وقوله: {وَلَيَحْلِفُنَّ} أي: الذين بنوه {إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى} أي: ما أردناه ببنيانه إلا خيرا ورفقا بالناس، قال الله تعالى: {وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} أي: فيما قصدوا وفيما نووا، وإنما بنوه ضرارا لمسجد قباء، وكفرا بالله، وتفريقا بين المؤمنين، وإرصادا لمن حارب الله ورسوله، وهو أبو عامر الفاسق، الذي يقال له: «الراهب» لعنه الله.
وقوله: {لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا} نهي من الله لرسوله، صلوات الله وسلامه عليه، والأمة تبع له في ذلك، عن أن يقوم فيه، أي: يصلي فيه أبدا.
ثم حثه على الصلاة في مسجد قباء الذي أسس من أول يوم بنائه
على التقوى، وهي طاعة الله، وطاعة رسوله، وجمعا لكلمة المؤمنين ومعقلا وموئلا للإسلام وأهله؛ ولهذا قال تعالى: {لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ} والسياق إنما هو في معرض مسجد قباء»(201)
وفي الآيَات موالاتهم للكافر أبي عامر الراهب، وهي صفة متأصلة فيهم.
ومن ذلك ما وصف الله به أهل النفاق من الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف، كما في قوله سبحانه: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [التوبة: 67].
«يقول: هم صنف واحد، وأمرهم واحد، في إعلانهم الإيمان واستبطانهم الكفر، يأمرون من قبل منهم بالمنكر، وهو الكفر بالله وبمحمد صلى الله عليه وسلم، وبما جاء به وتكذيبه. {وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ} يقول: وينهونهم عن الإيمان بالله ورسوله وبما جاءهم به من عند الله. وقوله: {وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ} يقول: ويمسكون أيديهم عن النفقة في سبيل الله ويكفونها عن الصدقة، فيمنعون الذين فرض الله لهم في أموالهم ما فرض من الزكاة حقوقهم»(202) .
فإن أوامرهم التي يأمرون بها أتباعهم متضمنة لفساد البلاد والعباد، ونواهيهم عما فيه صلاحهم في المعاش والمعاد، وأحدهم تلقاه بين جماعة أهل الإيمان في الصلاة والذكر والزهد والاجتهاد {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} [البقرة: 205].
فهم جنس بعضه يشبه بعضا، يأمرون بالمنكر بعد أن يفعلوه، وينهون عن المعروف بعد أن يتركوه، ويبخلون بالمال في سبيل الله ومرضاته أن ينفقوه، كم ذكرهم الله بنعمه فأعرضوا عن ذكره ونسوه؟ وكم كشف حالهم لعباده المؤمنين ليجتنبوه؟ فاسمعوا أيها المؤمنين {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [التوبة: 67](203) .
5 ــ الفرح بما يصيب أهل الإسلام من شدة، وتمني الهزيمة لهم.
قال تعالى: {إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمْ فَرِحُونَ} [التوبة: 50].
قال الطبري: «يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: يا محمد إن يصبك سرور بفتح الله عليك أرض الروم في غزاتك هذه يسؤ الجد بن قيس ونظراءه وأشياعه من المنافقين، وإن تصبك مصيبة بفلول جيشك
فيها يقول الجد ونظراؤه: {قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ} أي قد أخذنا حذرنا بتخلفنا عن محمد وترك اتباعه إلى عدوه. {مِن قَبْلُ} يقول: من قبل أن تصيبه هذه المصيبة. {وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمْ فَرِحُونَ} يقول: ويرتدوا عن محمد، وهم فرحون بما أصاب محمدا وأصحابه من المصيبة بفلول أصحابه وانهزامهم عنه وقتل من قتل منهم»(204)
6 ــ التكاسل عن الطاعات، وكراهيتها.
قال تعالى: {وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ} [التوبة: 54].
«يقول: لا يأتونها إلا متثاقلين بها؛ لأنهم لا يرجون بأدائها ثوابا ولا يخافون بتركها عقابا، وإنما يقيمونها مخافة على أنفسهم بتركها من المؤمنين فإذا أمنوهم لم يقيموها.
{وَلَا يُنفِقُونَ} يقول: ولا ينفقون من أموالهم شيئا {إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ} أن ينفقونه في الوجه الذي ينفقونه فيه مما فيه تقوية للإسلام وأهله»(205) .
7 ــ الجبن.
قال تعالى: {وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ لَوْ يَجِدُونَ مَلْجًَٔا أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ} [التوبة: 56 ــ 57].
ويحلف بالله لكم أيها المؤمنون هؤلاء المنافقون كذبا وباطلا خوفا منكم، إنهم لمنكم في الدين والملة. يقول الله تعالى مكذبا لهم: {وَمَا هُم مِّنكُمْ} أي ليسوا من أهل دينكم وملتكم، بل هم أهل شك ونفاق. {وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ} يقول: ولكنهم قوم يخافونكم، فهم خوفا منكم يقولون بألسنتهم: إنا منكم؛ ليأمنوا فيكم فلا يقتلوا.
وإنما وصفهم الله بما وصفهم به من هذه الصفة؛ لأنهم إنما أقاموا بين أظهر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على كفرهم ونفاقهم وعداوتهم لهم، ولما هم عليه من الإيمان بالله وبرسوله؛ لأنهم كانوا في قومهم وعشيرتهم وفي دورهم وأموالهم، فلم يقدروا على ترك ذلك وفراقه، فصانعوا القوم بالنفاق ودافعوا عن أنفسهم وأموالهم وأولادهم بالكفر ودعوى الإيمان، وفي أنفسهم ما فيها من البغض لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل الإيمان به والعداوة لهم، فقال الله واصفهم بما في ضمائرهم: {لَوْ يَجِدُونَ مَلْجًَٔا أَوْ مَغَارَاتٍ} الآية(206) .
قال ابن كثير: «يخبر الله تعالى نبيه، صلوات الله وسلامه عليه،
عن جزعهم وفزعهم وفرقهم وهلعهم أنهم {وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ} يمينا مؤكدة، {وَمَا هُم مِّنكُمْ} أي: في نفس الأمر، {وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ} أي: فهو الذي حملهم على الحلف. {لَوْ يَجِدُونَ مَلْجًَٔا} أي: حصنا يتحصنون به، وحرزا يحترزون به، {أَوْ مَغَارَاتٍ} وهي التي في الجبال، {أَوْ مُدَّخَلًا} وهو السرب في الأرض والنفق. قال ذلك في الثلاثة ابن عباس، ومجاهد، وقتادة: {لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ} أي: يسرعون في ذهابهم عنكم، لأنهم إنما يخالطونكم كرها لا محبة، وودوا أنهم لا يخالطونكم، ولكن للضرورة أحكام؛ ولهذا لا يزالون في هم وحزن وغم؛ لأن الإسلام وأهله لا يزال في عز ونصر ورفعة؛ فلهذا كلما سر المؤمنون ساءهم ذلك، فهم يودون ألا يخالطوا المؤمنين؛ ولهذا قال: {لَوْ يَجِدُونَ مَلْجًَٔا أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ}»(207)
8 ــ عدم الرضا وترك القناعة، مع البخل.
فإن الطمع والجشع من صفات أهل النفاق، كما قال تعالى: {وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُواْ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ} [التوبة: 58 ــ 59].
أي:
من المنافقين من يعيب النبي صلى الله عليه وسلم في أمر الصدقة، غضبًا لأنفسهم، ولو أن هؤلاء الذين يلمزونك يا محمد في الصدقات رضوا ما أعطاهم الله ورسوله من عطاء وقسم لهم من قسم {وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ} يقول: وقالوا: كافينا الله {سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ} يقول: سيعطينا الله من فضل خزائنه ورسوله من الصدقة وغيرها {إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ} يقول: وقالوا: إنا إلى الله نرغب في أن يوسع علينا من فضله، فيغنينا عن الصدقة وغيرها من صلات الناس والحاجة إليهم(208)
هذه الآية بيان عما يوجبه الخلق الدني من الشره إلى الصدقة حتى يعيب ما لا عيب فيه إذا لم يعطه ما يرضيه.
وقال جويبر عن الضحاك في هذه الآية: «كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقسم بينهم ما آتاه الله من قليل المال وكثيره، وكان المؤمنون يرضون بما أعطوا ويحمدون الله عليه، وأما المنافقون فإن أعطوا كثيرًا فرحوا، وإن أعطوا(209) قليلًا سخطوا» .
وسبب نزول هذه الآية، ما ثبت عن أبي سعيد الخدري، قال: بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم قسما، أتاه ذو الخويصرة، وهو رجل من بني تميم، فقال: يا رسول الله، اعدل، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ويلك ومن يعدل إن لم أعدل؟ قد خبت وخسرت إن لم أعدل» فقال عمر
بن الخطاب رضي الله عنه: يا رسول الله، ائذن لي فيه أضرب عنقه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دعه، فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرءون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نضيه فلا يوجد فيه شيء وهو القدح ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شيء، سبق الفرث والدم، آيتهم رجل أسود، إحدى عضديه مثل ثدي المرأة، أو مثل البضعة تتدردر، يخرجون على حين فرقة من الناس» قال أبو سعيد: «فأشهد أني سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأشهد أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قاتلهم وأنا معه، فأمر بذلك الرجل فالتمس، فوجد، فأتي به، حتى نظرت إليه، على نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي نعت»(210)
قال الطاهر: «عرف المنافقون بالشح.. ومن شحهم أنهم يودون أن الصدقات توزع عليهم، فإذا رأوها توزع على غيرهم طعنوا في إعطائها بمطاعن يلقونها في أحاديثهم، ويظهرون أنهم يغارون على مستحقيها، ويشمئزون من صرفها في غير أهلها، وإنما يرومون بذلك أن تقصر عليهم»(211) .
وقال تعالى في وصف أهل النفاق بالبخل: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [التوبة: 67]،
فقبض الأيدي عبارة عن البخل، وقال تعالى: {وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ} [التوبة: 75 77].
«ومن المنافقين من أعطى الله عهده وميثاقه: لئن أغناه من فضله ليصدقن من ماله، وليكونن من الصالحين. فما وفى بما قال، ولا صدق فيما ادعى، فأعقبهم هذا الصنيع نفاقا سكن في قلوبهم إلى يوم يلقون الله، عز وجل، يوم القيامة، عياذا بالله من ذلك»(212) .
قال الطبري: «يقول تعالى ذكره: ومن هؤلاء المنافقين الذين وصفت لك يا محمد صفتهم {مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ} يقول: أعطى الله عهدا {لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ} يقول: لئن أعطانا الله من فضله، ورزقنا مالا، ووسع علينا من عنده {لَنَصَّدَّقَنَّ} يقول: لنخرجن الصدقة من ذلك المال الذي رزقنا ربنا {وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ} يقول: ولنعملن فيها بعمل أهل الصلاح بأموالهم من صلة الرحم به وإنفاقه في سبيل الله. يقول الله تبارك وتعالى: فرزقهم الله وآتاهم من فضله. {فَلَمَّا آتَاهُم} الله {مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ} بفضل الله الذي آتاهم فلم يصدقوا منه ولم يصلوا منه
قرابة ولم ينفقوا منه في حق الله {وَتَوَلَّواْ} يقول وأدبروا عن عهدهم الذي عاهدوه الله {وَّهُم مُّعْرِضُونَ} عنه {فَأَعْقَبَهُمْ} الله {نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ} ببخلهم بحق الله الذي فرضه عليهم فيما آتاهم من فضله وإخلافهم الوعد الذي وعدوا الله ونقضهم عهده في قلوبهم {إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ} من الصدقة والنفقة في سبيله {وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ} في قيلهم وحرمهم التوبة منه لأنه جل ثناؤه اشترط في نفاقهم أنه أعقبهموه {إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ} وذلك يوم مماتهم وخروجهم من الدنيا»(213)
9 ــ أذية النبي صلى الله عليه وسلم ولمزه عياذًا بالله.
قال تعالى: {وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 61 ــ 73].
يقول تعالى: ومن المنافقين قوم يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكلام فيه ويقولون: {هُوَ أُذُنٌ} أي: من قال له شيئا صدقه، ومن حدثه فينا صدقه، فإذا جئنا وحلفنا له صدقنا.
قال الله تعالى: {قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ} أي: هو أذن خير، يعرف الصادق من الكاذب، {يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ} أي: ويصدق
المؤمنين، {وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ} أي: وهو حجة على الكافرين؛ ولهذا قال: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}(214)
قال الطاهر: «عطف ذكر فيه خلق آخر من أخلاق المنافقين: وهو تعللهم على ما يعاملهم به النبيء والمسلمون من الحذر، وما يطلعون عليه من فلتات نفاقهم، يزعمون أن ذلك إرجاف من المرجفين بهم إلى النبيء صلى الله عليه وسلم وأنه يصدق القالة فيهم، ويتهمهم بما يبلغه عنهم مما هم منه برآء يعتذرون بذلك للمسلمين، وفيه زيادة في الأذى للرسول صلى الله عليه وسلم وإلقاء الشك في نفوس المسلمين في كمالات نبيئهم عليه الصلاة والسلام»(215) .
10 ــ الاستهزاء والسخرية بالإسلام، ورسوله، وأهل الإسلام، والخوف من أن يفضح أمرهم.
يقول الله تعالى: {يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُم بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِءُواْ إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ لَا تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ} [التوبة: 64 ــ 66].
فإن الله تعالى حكى في هذه الآية خوف أهل النفاق من الفضيحة والخزي، فأخبر الله أنه سيفضح ضمائرهم، ويهتك أستارهم، ثم أخبر الله أن من شأن أهل النفاق الاستهزاء بآيات الله تعالى، كما ورد أن رجلا من المنافقين قال لعوف بن مالك في غزوة تبوك: ما لقرائنا هؤلاء أرغبنا بطونا وأكذبنا ألسنة وأجبننا عند اللقاء، فقال له عوف: كذبت، ولكنك منافق، لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذهب عوف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخبره، فوجد القرآن قد سبقه، فقال زيد: قال عبد الله بن عمر: فنظرت إليه متعلقا بحقب ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، تنكبه الحجارة، يقول: {إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ} فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم: «{أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ} ما يزيده»(216) .
قال السعدي: «كانت هذه السورة الكريمة تسمى «الفاضحة» لأنها بينت أسرار المنافقين، وهتكت أستارهم، فما زال الله يقول: ومنهم ومنهم، ويذكر أوصافهم، إلا أنه لم يعين أشخاصهم لفائدتين: إحداهما: أن الله سِتِّيرٌ يحب الستر على عباده.
والثانية: أن الذم على من اتصف بذلك الوصف من المنافقين، الذين توجه إليهم الخطاب وغيرهم إلى يوم القيامة، فكان ذكر الوصف
أعم وأنسب، حتى خافوا غاية الخوف.
قال الله تعالى: {لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُواْ أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ تَقْتِيلًا} [الأحزاب: 60 ــ 61].
وقال هنا {يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُم بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ} أي تخبرهم وتفضحهم وتبين أسرارهم حتى تكون علانية لعباده ويكونوا عبرة للمعتبرين.
{قُلِ اسْتَهْزِءُواْ} أي استمروا على ما أنتم عليه من الاستهزاء والسخرية {إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ} وقد وفَّى تعالى بوعده فأنزل هذه السورة التي بينتهم وفضحتهم وهتكت أستارهم.
{وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ} عما قالوه من الطعن في المسلمين وفي دينهم يقول طائفة منهم في غزوة تبوك «ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء ــ يعنون النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ــ أرغب بطونا وأكذب ألسنا وأجبن عند اللقاء» ونحو ذلك، ولما بلغهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد علم بكلامهم جاءوا يعتذرون إليه ويقولون {إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ} أي نتكلم بكلام لا قصد لنا به ولا قصدنا الطعن والعيب.
قال الله تعالى مبينًا عدم عذرهم وكذبهم في ذلك {قُلْ} لهم {أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ لَا تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ}
فإن الاستهزاء بالله وآياته ورسوله كفر مخرج عن الدين لأن أصل الدين مبني على تعظيم الله وتعظيم دينه ورسله، والاستهزاء بشيء من ذلك مناف لهذا الأصل، ومناقض له أشد المناقضة، ولهذا لما جاءوا إلى الرسول يعتذرون بهذه المقالة والرسول لا يزيدهم على قوله {أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ لَا تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ}.
وقوله {إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مِّنكُمْ} لتوبتهم واستغفارهم وندمهم {نُعَذِّبْ طَائِفَةَ} منكم {بِأَنَّهُمْ} بسبب أنهم {كَانُواْ مُجْرِمِينَ} مقيمين على كفرهم ونفاقهم.
وفي هذه الآيَات دليل على أن من أسر سريرة خصوصًا السريرة التي يمكر فيها بدينه ويستهزئ به وبآياته ورسوله فإن الله تعالى يظهرها، ويفضح صاحبها ويعاقبه أشد العقوبة، وأن من استهزأ بشيء من كتاب الله أو سنة رسوله الثابتة عنه أو سخر بذلك أو تنقصه أو استهزأ بالرسول أو تنقصه فإنه كافر بالله العظيم، وأن التوبة مقبولة من كل ذنب وإن كان عظيمًا»(217) .
ومن هذا أنهم يلمزون أهل الإنفاق من المؤمنين، ويسخرون منهم، كما قال تعالى: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [التوبة: 79].
أي:
يعيبون الذين تطوعوا بصدقاتهم على أهل المسكنة والحاجة فيقولون لهم: إنما تصدقون رياء وسمعة، ولم تريدوا وجه الله عز وجل.
وقد نزلت هذه الآية بسبب رواه البخاري ومسلم عن أبي مسعود رضي الله عنه، قال: «لما نزلت آية الصدقة، كنا نحامل، فجاء رجل فتصدق بشيء كثير، فقالوا: مرائي، وجاء رجل فتصدق بصاع، فقالوا: إن الله لغني عن صاع هذا، فنزلت: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ} [التوبة: 79].. الآية»(218) .
قال ابن كثير: «وهذه أيضا من صفات المنافقين: لا يسلم أحد من عيبهم ولمزهم في جميع الأحوال، حتى ولا المتصدقون يسلمون منهم، إن جاء أحد منهم بمال جزيل قالوا: هذا مراء، وإن جاء بشيء يسير قالوا: إن الله لغني عن صدقة هذا»(219) .
11 ــ الخوف والحذر من آيات الله، والانصراف عن سماعها والعمل بها.
قال تعالى: {وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَاذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ(220) أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُم مِّنْ أَحَدٍ ثُمَّ انصَرَفُواْ صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ} [التوبة: 124 ــ 127].
فبعد أن ذكر الله حال أهل الإيمان عند نزول الآيَات، أتبعه بذكر حال أهل النفاق، فإن نزول الآيَات لا يزيدهم إلا رجسًا وبعدًا، «يقول تعالى ذكره: وأما الذين في قلوبهم مرض، نفاق وشك في دين الله، فإن السورة التي أنزلت زادتهم رجسا إلى رجسهم؛ وذلك أنهم شكوا في أنها من عند الله، فلم يؤمنوا بها ولم يصدقوا، فكان ذلك زيادة شك حادثة في تنزيل الله لزمهم الإيمان به عليهم؛ بل ارتابوا بذلك، فكان ذلك زيادة نتن من أفعالهم إلى ما سلف منهم نظيره من النتن والنفاق، وذلك معنى قوله: {فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ} يعني هؤلاء المنافقين أنهم هلكوا، {وَهُمْ كَافِرُونَ} يعني وهم كافرون بالله وآياته»(221) «أوَلا يرى هؤلاء المنافقون أن الله يختبرهم في كل عام مرة
أو مرتين، بمعنى أنه يختبرهم في بعض الأعوام مرة، وفي بعضها مرتين. {ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ} يقول: ثم هم مع البلاء الذي يحل بهم من الله والاختبار الذي يعرض لهم لا يتوبون من نفاقهم، ولا يتوبون من كفرهم، ولا هم يتذكرون بما يرون من حجج الله ويعاينون من آياته، فيتعظوا بها؛ ولكنهم مصرون على نفاقهم»(222) «وقوله تعالى: {وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُم مِّنْ أَحَدٍ ثُمَّ انصَرَفُواْ صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ} يقول تعالى ذكره: وإذا ما أنزلت سورة من القرآن فيها عيب هؤلاء المنافقين الذين وصف جل ثناؤه صفتهم في هذه السورة، وهم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر بعضهم إلى بعض، فتناظروا هل يراكم من أحد إن تكلمتم أو تناجيتم بمعايب القوم يخبرهم به، ثم قام فانصرفوا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يستمعوا قراءة السورة التي فيها معايبهم. ثم ابتدأ جل ثناؤه قوله: {صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُم} فقال: صرف الله عن الخير والتوفيق والإيمان بالله ورسوله قلوب هؤلاء المنافقين؛ ذلك {بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ} يقول: فعل الله بهم هذا الخذلان، وصرف قلوبهم عن الخيرات من أجل أنهم قوم لا يفقهون عن الله مواعظه، استكبارا ونفاقا»(223)
الخلاصة
تبين مما سبق تميز أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سائر أصناف الناس غيرهم، فكانت لهم صفات ميزتهم عن (أهل الشرك، وأهل النفاق)، قال ابن تيمية: «فلا ريب أن المنافقين كانوا مغمورين أذلاء مقهورين، لا سيما في آخر أيام النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وفي غزوة تبوك ; لأن الله تعالى قال: {يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [المنافقون: 8]، فأخبر أن العزة للمؤمنين لا للمنافقين، فعلم أن العزة والقوة كانت في المؤمنين، وأن المنافقين كانوا أذلاء بينهم.
فيمتنع أن يكون الصحابة الذين كانوا أعز المسلمين من المنافقين، بل ذلك يقتضي أن من كان أعز كان أعظم إيمانا، ومن المعلوم أن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ــ الخلفاء الراشدين وغيرهم ــ كانوا أعز الناس، وهذا كله مما يبين أن المنافقين كانوا ذليلين في المؤمنين، فلا يجوز أن يكون الأعزاء من(224) الصحابة منهم» .
فتبين مما
سبق في هذا الفصل أن أهل النفاق لا يتداخلون مع صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، وأن لكل فريق منهم ما يميزه عن الآخر(225)
1 ــ فقد وصف الله الصحابة بصفات تميزهم عن المنافقين، ووصف المنافقين بصفات يعرفون بها، كما سبق وذكرناه، وسيأتي مزيد في أوصاف الصحابة رضي الله عنهم.
ومما يدل على المباعدة بين الفريقين، ما ذكره الله في قوله: {بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا
الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللَّهِ قَالُواْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُواْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلَاةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَاعْتَصَمُواْ بِاللَّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 138 146].
ففي الآيَات الكريمة ذكر فريقين، متربص، ومتربَّص به، وقال تعالى: {وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ} [التوبة: 56].
فهذه الآيَات، وغيرها تدل على أن أهل النفاق قوم يتميزون عن أهل الإيمان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
2 ــ ومما يدل على اختلاف الفريقين، ما ذكره الله تعالى من كيد المنافقين لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قال سبحانه: {هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُواْ عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّواْ وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [المنافقون: 7 ــ 8].
3 بل كان الصحابة رضي الله عنهم
يعرفون أهل النفاق، كما قال كعب بن مالك، «فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم فطفت فيهم، أحزنني أني لا أرى إلا رجلا مغموصا عليه النفاق، أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء»(226)
الفصل الرابع : الآيَات التِي نَزَلَتْ فِي الصَّحَابَةِ وَالقَرَابَةِ.. إِجْمَالًا
المبحث الأول : الآيَات التي نزلت في تزكية الصحابة إجمالًا
لقد نطق القرآن العظيم بتزكية أصحاب رسول الله على سبيل الإجمال، والمتأمل للقرآن المجيد يجد أصنافًا من الأوصاف التي وصف بها الأصحاب في القرآن، ومن ذلك:
أولا: السابقون الأولون
لقد وصف الله تعالى الأصحاب في القرآن المجيد بأنهم أهل السبق والفضل، وأهل الهجرة والجهاد، يقول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلَايَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمِ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنكُمْ وَأُوْلُواْ الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمُ} [الأنفال: 72 ــ 75].
فذكر الله أصنافًا من الناس:
1 أهل الإيمان بالله ورسوله، وهم المهاجرون والأنصار، وهم أهل الهجرة، والجهاد في سبيل الله، وأهل
الإيواء لمن هاجر إليهم وهؤلاء لهم الولاء الكامل والنصرة التامة.
2 ــ أهل الإيمان ممن لا هجرة له = فلا ولاء له، فإن هاجر فله الولاء.
3 ــ والصنف الآخر: هم الذين كفروا = وهؤلاء لا ولاء لهم.
و«هذا عقد موالاة ومحبة، عقدها الله بين المهاجرين الذين آمنوا وهاجروا في سبيل الله، وتركوا أوطانهم لله لأجل الجهاد في سبيل الله، وبين الأنصار الذين آووا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأعانوهم في ديارهم وأموالهم وأنفسهم، فهؤلاء بعضهم أولياء بعض، لكمال إيمانهم وتمام اتصال بعضهم ببعض.
{وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلَايَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ} فإنهم قطعوا ولايتكم بانفصالهم عنكم في وقت شدة الحاجة إلى الرجال، فلما لم يهاجروا لم يكن لهم من ولاية المؤمنين شيء. لكنهم {وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ} أي: لأجل قتال من قاتلهم لأجل دينهم {فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ} والقتال معهم، وأما من قاتلوهم لغير ذلك من المقاصد فليس عليكم نصرهم.
وقوله تعالى: {إِلَّا عَلَى قَوْمِ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ} أي:
عهد بترك القتال، فإنهم إذا أراد المؤمنون المتميزون الذين لم يهاجروا قتالهم، فلا تعينوهم عليهم، لأجل ما بينكم وبينهم من الميثاق.
{وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} يعلم ما أنتم عليه من الأحوال، فيشرع لكم من الأحكام ما يليق بكم.
ولما عقد الولاية بين المؤمنين، أخبر أن الكفار حيث جمعهم الكفر فبعضهم أولياء لبعض فلا يواليهم إلا كافر مثلهم.
وقوله: {إِلَّا تَفْعَلُوهُ} أي: موالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين، بأن واليتموهم كلهم أو عاديتموهم كلهم، أو واليتم الكافرين وعاديتم المؤمنين.
{تَكُن فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} فإنه يحصل بذلك من الشر ما لا ينحصر من اختلاط الحق بالباطل، والمؤمن بالكافر، وعدم كثير من العبادات الكبار، كالجهاد والهجرة، وغير ذلك من مقاصد الشرع والدين التي تفوت إذا لم يتخذ المؤمنون وحدهم أولياء بعضهم لبعض.
الآيَات السابقات في ذكر عقد الموالاة بين المؤمنين من المهاجرين والأنصار.
وهذه الآيَات في بيان مدحهم وثوابهم، فقال: {وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَئِكَ} أي: المؤمنون من المهاجرين والأنصار {هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} لأنهم صدقوا إيمانهم بما
قاموا به من الهجرة والنصرة والموالاة بعضهم لبعض، وجهادهم لأعدائهم من الكفار والمنافقين.
{لَّهُم مَّغْفِرَةٌ} من الله تمحى بها سيئاتهم، وتضمحل بها زلاتهم، {وَ} لهم {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} أي: خير كثير من الرب الكريم في جنات النعيم.
وربما حصل لهم من الثواب المعجل ما تقر به أعينهم، وتطمئن به قلوبهم، وكذلك من جاء بعد هؤلاء المهاجرين والأنصار، ممن اتبعهم بإحسان فآمن وهاجر وجاهد في سبيل الله. {فَأُولَئِكَ مِنكُمْ} لهم ما لكم وعليهم ما عليكم.
فهذه الموالاة الإيمانية ــ وقد كانت في أول الإسلام ــ لها وقع كبير وشأن عظيم، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم آخى بين المهاجرين والأنصار أخوة خاصة، غير الأخوة الإيمانية العامة، وحتى كانوا يتوارثون بها، فأنزل الله {وَأُوْلُواْ الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} فلا يرثه إلا أقاربه من العصبات وأصحاب الفروض، فإن لم يكونوا، فأقرب قراباته من ذوي الأرحام، كما دل عليه عموم هذه الآية الكريمة، وقوله: {فِي كِتَابِ اللَّهِ} أي: في حكمه وشرعه.
{إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمُ} ومنه ما يعلمه من أحوالكم التي يجري من شرائعه الدينية عليكم ما يناسبها»(227) .
وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: «قوله: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} يقول:
لا هجرة بعد الفتح، إنما هو الشهادة بعد ذلك {وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} إلى قوله: {حَتَّى يُهَاجِرُواْ} وذلك أن المؤمنين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على ثلاث منازل. منهم المؤمن المهاجر المباين لقومه في الهجرة، خرج إلى قوم مؤمنين في ديارهم وعقارهم وأموالهم، و{آوَواْ وَّنَصَرُواْ} وأعلنوا ما أعلن أهل الهجرة، وشهروا السيوف على من كذب وجحد، فهذان مؤمنان جعل الله بعضهم أولياء بعض، فكانوا يتوارثون بينهم إذا توفي المؤمن المهاجر ورثه الأنصاري بالولاية في الدين، وكان الذي آمن ولم يهاجر لا يرث من أجل أنه لم يهاجر ولم ينصر. فبرأ الله المؤمنين المهاجرين من ميراثهم، وهي الولاية التي قال الله: {مَا لَكُم مِّن وَلَايَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ} وكان حقا على المؤمنين الذين آووا ونصروا إذا استنصروهم في الدين أن ينصروهم إن قاتلوا إلا أن يستنصروا على قوم بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم ميثاق، فلا نصر لهم عليهم إلا على العدو الذين لا ميثاق لهم. ثم أنزل الله بعد ذلك أن ألحق كل ذي رحم برحمه من المؤمنين الذين هاجروا والذين آمنوا ولم يهاجروا، فجعل لكل إنسان من المؤمنين نصيبًا مفروضًا بقوله: {وَأُوْلُواْ الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمُ}، وبقوله: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [التوبة: 71]»(228)
وقد نقل جماعة من أهل التفسير الإجماع على كون هذه الآيَات في المهاجرين والأنصار(229) ، وانظر كيف أن الله وصفهم بالإيمان على الحقيقة، وأثابهم المغفرة والرزق الكريم.
والمراد بالهجرة في قوله: {وَالَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ} «يريد من بعد الحديبية وبيعة الرضوان. وذلك أن الهجرة من بعد ذلك كانت أقل رتبة من الهجرة الأولى. والهجرة الثانية هي التي وقع فيها الصلح، ووضعت الحرب أوزارها نحو عامين ثم كان فتح مكة»(230) .
وفي سورة التوبة يقول الله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} [التوبة: 20].
وفي هذه الآية لطيفة ذكرها ابن الزبير الغرناطي، حيث قال: «قوله تعالى: «إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض» وفى سورة براءة: «الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله» فتقدم في آية براءة قوله: «فى سبيل الله» على قوله: «بأموالهم وأنفسهم» وفى الأنفال عكس ذلك، فللسائل أن يسأل عن وجه ذلك وخصوص كل من السورتين بما خصت به؟
والجواب عن ذلك: أن آية الأنفال مقصود فيها مع المدحة تعظيم
الواقع منهم من الإيمان والهجرة والجهاد بالأموال والأنفس وتغبيطهم بما من الله عليهم به من ذلك وتفخيم فعلهم الموجب لموالاة بعضهم بعضًا، فقدم ذكر الأموال والأنفس تنبيهًا معرفًا بموقع ذلك من النفوس، وأنهم بادروا بها على حبها وشح الطباع بها كقوله: «وآتى المال على حبه» وليس تأخير هذا المجرور كتقديمه لأنه إنما يقدم حيث يقصد اعتناء وتخصيص وتنبيه على موقعه ومن نحو هذا قوله تعالى: «ولم يكن له كفوا أحد» وقد تقدم هنا فإنما قدم هذا تغبيطًا لهم وإعظامًا لفعلهم.
أما آية براءة فتعريف بأمر قد وقع مبني على التعريف بالمفاضلة بين سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام وبين من آمن وهاجر وجاهد في سبيل الله بماله ونفسه بقصد رد من ظن أن السقاية وعمارة المسجد الحرام أفضل، وعرف أن الإيمان وما ذكر معه أعظم درجة عند الله، فلم يعرض هنا داع إلى تقديم ما قدم في الأخرى، فتمخضت فضيلة ذلك المجرور هنا فأخر.
وقد نص سيبويه رحمه الله على أن المجرور إنما يقدم حيث يكون مستقرا ويعنى بذلك الخبر نحو: عندك مال «ولكم في الأرض مستقر» والقصد تخصيص كناية الإخلاص، والتخصيص مقصود في آية الأنفال، ولم يقصد ذلك في براءة ولا وقع المجرور فيها خبرا، فوجب بمقتضى اللسان أن يقدم في آية الأنفال قوله: «بأموالهم وأنفسهم» ويؤخر في سورة براءة وقد وقع في كل واحدة من الآيتين في كل من السورتين ما
استدعى اتصال ما بعده به، ولم يكن ليناسب لو ورد بالعكس، فوضح وجه تخصيص الواقع في كل من السورتين بموضعه، والله أعلم»(231)
ومن هذه الآيَات يعلم أصناف الناس في ذلك الزمان، فإن «الله سبحانه وتعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أن يهاجروا إلى المدينة النبوية حين آمن من آمن من أكابر أهل المدينة من الأوس والخزرج، وبايعهم بيعة العقبة عند منى، وصار للمؤمنين دار عز ومنعة جعل المؤمنون من أهل مكة وغيرهم يهاجرون إلى المدينة.
وكان المؤمنون السابقون بها صنفين: المهاجرين الذين هاجروا إليها من بلادهم، والأنصار الذين هم أهل المدينة، وكان من لم يهاجر من الأعراب وغيرهم من المسلمين لهم حكم آخر. وآخرون كانوا ممنوعين من الهجرة لمنع أكابرهم لهم بالقيد والحبس، وآخرون كانوا مقيمين بين ظهراني الكفار المستظهرين عليهم. فكل هذه «الأصناف» مذكورة في القرآن وحكمهم باق إلى يوم القيامة في أشباههم ونظرائهم»(232) .
المهاجرون الأُوَل:
لما ذكر تعالى أصناف المؤمنين، وقسمهم إلى مهاجرين، خرجوا من ديارهم وأموالهم، وجاؤوا لنصر الله ورسوله، وإقامة دينه، وبذلوا
أموالهم وأنفسهم في ذلك. وإلى أنصار، وهم: المسلمون من أهل المدينة إذ ذاك، آووا إخوانهم المهاجرين في منازلهم، وواسوهم في أموالهم، ونصروا الله ورسوله بالقتال معهم، فهؤلاء بعضهم أولى ببعض أي: كل منهم أحق بالآخر من كل أحد؛ ولهذا آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار، كل اثنين أخوان، فكانوا يتوارثون بذلك إرثا مقدما على القرابة، حتى نسخ الله تعالى ذلك بالمواريث.
وقد أثنى الله ورسوله على المهاجرين والأنصار في غير ما آية في كتابه، وذكر الله المهاجرين بالفضل والسبق، فقال: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ} الآية [التوبة: 100]، لما ذكر عز وجل أصناف الأعراب ذكر المهاجرين والأنصار، وبين أن منهم السابقين إلى الهجرة وأن منهم التابعين، أثنى عليهم، وذكر ما أعده لهم.
وروي عن أبي صخر حميد بن زياد أنه قال: «قلت يوما لمحمد ابن كعب القرظي: ألا تخبرني عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما كان بينهم، وإنما أريد الفتن، فقال لي: إن الله عز وجل قد غفر لجميع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأوجب لهم الجنة، (في كتابه محسنهم ومسيئهم، قلت له: وفي أي موضع أوجب الله لهم الجنة؟) قال: سبحان الله! ألا تقرأ قوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ} إلى آخرها، فأوجب الله لجميع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الجنة والرضوان، وشرط
على التابعين شرطًا لم يشرطه عليهم، قلت: وما ذلك الشرط؟ قال: اشترط عليهم أن يتبعوهم بإحسان، يقول: فاقتدوا بأعمالهم الحسنة ولا تقتدوا بهم في غير ذلك، قال أبو صخر: (فوالله لكأني لم أقرأها قط، وما عرفت تفسيرها حتى قرأها علي محمد بن كعب)، فعلى هذا يراد بالسابقين الأولين جميع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار، وهم أول هذه الأمة، والأولية لجميعهم ثابتة بإدراكهم النبي صلى الله عليه وسلم وصحبتهم معه»(233)
وقد اختلف الناس في هؤلاء السابقين على أقوال، أحدها: أنهم الذين صلوا إلى القبلتين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله أبو موسى الأشعري، وسعيد بن المسيب، وابن سيرين، وقتادة.
والثاني: أنهم الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان، وهي الحديبية، قاله الشعبي.
والثالث: أنهم أهل بدر، قاله عطاء بن أبي رباح.
والرابع: أنهم جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حصل لهم السبق بصحبته(234) .
والصحيح في هذه الآية أن المراد بهم: «الذين بايعوا تحت
الشجرة، وهم الذين أنفقوا من قبل، وقاتلوا قبل الفتح، والفتح هو الحديبية، كما قال تعالى: {لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُواْ مِن بَعْدُ وَقَاتَلُواْ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [الحديد: 10]»(235)
* وقال: {لَّقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ} الآية. [التوبة: 117].
قال الجصاص: «وقوله تعالى: {لَّقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ} فيه مدح لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين غزوا معه من المهاجرين والأنصار وإخبار بصحة بواطن ضمائرهم وطهارتهم، لأن الله تعالى لا يخبر بأنه قد تاب عليهم إلا وقد رضي عنهم ورضي أفعالهم، وهذا نص في رد قول الطاعنين عليهم والناسبين لهم إلى غير ما نسبهم الله إليه من الطهارة، ووصفهم به من صحة الضمائر، وصلاح السرائر رضي الله عنهم»(236) .
وقال تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً} الآية
[الحشر: 8 9](237)
وهذه الآية من المناقب العظيمة للمهاجرين، قال البخاري: «باب مناقب المهاجرين وفضلهم، منهم أبو بكر عبد الله بن أبي قحافة التيمي رضي الله عنه، وقول الله تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحشر: 8] وقال الله: {إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ} [التوبة: 40] إلى قوله {إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [التوبة: 40] قالت عائشة: وأبو سعيد، وابن عباس رضي الله عنهم: «وكان أبو بكر مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغار»»(238) .
وعن سعد بن أبي وقاص قال: «الناس على ثلاث منازل، فمضت منزلتان وبقيت واحدة، فأحسن ما أنتم عليه كائنون أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت، ثم قرأ: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا} هؤلاء المهاجرون وهذه منزلة قد مضت.
ثم قرأ: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}، ثم قال: هؤلاء الأنصار وهذه منزلة قد مضت.
ثم قرأ: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُواْ رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ}،
فقد مضت هاتان وبقيت هذه المنزلة، فأحسن ما أنتم عليه كائنون أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت أن تستغفروا الله لهم»(239)
يقول ابن كثير: «وأحسن ما قيل في قوله: {وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُواْ} أي: لا يحسدونهم على فضل ما أعطاهم الله على هجرتهم، فإن ظاهر الآيَات تقديم المهاجرين على الأنصار، وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء، لا يختلفون في ذلك»(240) .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رجلًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فبعث إلى نسائه فقلن: ما معنا إلا الماء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من يضم أو يضيف هذا»، فقال رجل من الأنصار: أنا، فانطلق به إلى امرأته، فقال: أكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: ما عندنا إلا قوت صبياني، فقال: هيئي طعامك، وأصبحي سراجك، ونومي صبيانك إذا أرادوا عشاء، فهيأت طعامها، وأصبحت سراجها، ونومت صبيانها، ثم قامت كأنها تصلح سراجها فأطفأته، فجعلا يريانه أنهما يأكلان، فباتا طاويين، فلما أصبح غدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «ضحك الله الليلة، أو عجب، من فعالكما» فأنزل الله: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9](241) .
وقال تعالى: {إِنَّ
الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [البقرة: 218]، وقال: {وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُواْ أَوْ مَاتُواْ لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ لَيُدْخِلَنَّهُم مُّدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ} [الحج: 58 59].
إذًا ففي هذه الآيَات السابقة تقسيم الناس إلى طبقات ودرجات بحسب الهجرة والنصرة.
وفي تفسير قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلَايَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمِ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنكُمْ وَأُوْلُواْ الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمُ} [الأنفال: 72 ــ 75].
يقول الرازي في كلام نفيس له في تفسير نسوقه بتصرف: «اعلم
أنه تعالى قسم المؤمنين في زمان الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أربعة أقسام، وذكر حكم كل واحد منهم، وتقرير هذه القسمة أنه عليه السلام ظهرت نبوته بمكة ودعا الناس هناك إلى الدين، ثم انتقل من مكة إلى المدينة، فحين هاجر من مكة إلى المدينة صار المؤمنون على قسمين منهم من وافقه في تلك الهجرة، ومنهم من لم يوافقه فيها بل بقي هناك.
* أما القسم الأول: فهم المهاجرون الأولون، وقد وصفهم بقول: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ}، وإنما قلنا إن المراد منهم المهاجرون الأولون لأنه تعالى قال في آخر الآية:
{وَالَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ} وإذا ثبت هذا ظهر أن هؤلاء موصوفون بهذه الصفات الأربعة:
أولها : أنهم آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وقبلوا جميع التكاليف التي بلغها محمد صلى الله عليه وسلم ولم يتمردوا، فقوله: {إِنَّ الَّذِينَ} يفيد هذا المعنى.
والصفة الثانية : قوله: {وَهَاجَرُواْ} يعني: فارقوا الأوطان، وتركوا الأقارب والجيران في طلب مرضاة الله، ومعلوم أن هذه الحالة حالة شديدة، قال تعالى: {أَنِ اقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُم} [النساء: 66] جعل مفارقة الأوطان معادلة لقتل النفس، فهؤلاء في المرتبة الأولى تركوا الأديان القديمة لطلب مرضاة الله تعالى، وفي المرتبة الثانية تركوا الأقارب والخلان والأوطان والجيران لمرضاة الله تعالى.
والصفة الثالثة : قوله: {وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} أما المجاهدة بالمال فلأنهم لما فارقوا الأوطان فقد ضاعت دورهم ومساكنهم وضياعهم ومزارعهم، وبقيت في أيدي الأعداء، وأيضا فقد احتاجوا إلى الإنفاق الكثير بسبب تلك العزيمة، وأيضا كانوا ينفقون أموالهم على تلك الغزوات، وأما المجاهدة بالنفس فلأنهم كانوا أقدموا على محاربة بدر من غير آلة ولا أهبة ولا عدة مع الأعداء الموصوفين بالكثرة والشدة، وذلك يدل على أنهم أزالوا أطماعهم عن الحياة وبذلوا أنفسهم في سبيل الله.
وأما الصفة الرابعة فهي أنهم كانوا أول الناس إقدامًا على هذه الأفعال والتزامًا لهذه الأحوال، ولهذه السابقة أثر عظيم في تقوية الدين. قال تعالى: {لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُواْ مِن بَعْدُ وَقَاتَلُواْ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} [الحديد: 10] وقال: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ} [التوبة: 100] وإنما كان السبق موجبا للفضيلة، لأن إقدامهم على هذه الأفعال يوجب اقتداء غيرهم بهم، فيصير ذلك سببا للقوة أو الكمال، ولهذا المعنى قال تعالى: {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة: 32].. ومن عادة الناس أن دواعيهم تقوى بما يرون من أمثالهم في أحوال الدين والدنيا، كما أن المحن تخف على قلوبهم بالمشاركة فيها، فثبت أن حصول هذه الصفات الأربعة للمهاجرين
الأولين يدل على غاية الفضيلة ونهاية المنقبة، وأن ذلك يوجب الاعتراف بكونهم رؤساء المسلمين وسادة لهم.
* وأما القسم الثاني: من المؤمنين الموجودين في زمان محمد صلى الله عليه وسلم فهم الأنصار، وذلك لأنه عليه السلام لما هاجر إليهم مع طائفة من أصحابه، فلولا أنهم آووا ونصروا وبذلوا النفس والمال في خدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإصلاح مهمات أصحابه لما تم المقصود البتة.
ويجب أن يكون حال المهاجرين أعلى في الفضيلة من حال الأنصار لوجوه:
أولها: أنهم هم السابقون في الإيمان الذي هو رئيس الفضائل وعنوان المناقب.
وثانيها: أنهم تحملوا العناء والمشقة دهرا دهيرا، وزمانا مديدا من كفار قريش وصبروا عليه، وهذه الحال ما حصلت للأنصار.
وثالثها: أنهم تحملوا المضار الناشئة من مفارقة الأوطان والأهل والجيران، ولم يحصل ذلك للأنصار.
ورابعها: أن فتح الباب في قبول الدين والشريعة من الرسول عليه السلام إنما حصل من المهاجرين، والأنصار اقتدوا بهم وتشبهوا بهم.. فجملة هذه الأحوال توجب تقديم
المهاجرين الأولين على الأنصار في الفضل والدرجة والمنقبة، فلهذا السبب أينما ذكر الله هذين الفريقين قدم المهاجرين على الأنصار وعلى هذا الترتيب ورد ذكرهما في هذه الآية.
* القسم الثالث: من أقسام مؤمني زمان الرسول عليه السلام وهم المؤمنون الذين ما وافقوا الرسول في الهجرة وبقوا في مكة وهم المعنيون بقول: {وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ} فبين تعالى حكمهم من وجهين:
الأول: قوله: {مَا لَكُم مِّن وَلَايَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ} وفيه مسائل:
المسألة الأولى : اعلم أن الولاية المنفية في هذه الصورة، هي الولاية المثبتة في القسم الذي تقدم، فمن حمل تلك الولاية على الإرث، زعم أن الولاية المنفية هاهنا هي الإرث، ومن حمل تلك الولاية على سائر الاعتبارات المذكورة، فكذا هاهنا.
واحتج الذاهبون، إلى أن المراد من هذه الولاية الإرث، بأن قالوا: لا يجوز أن يكون المراد منها الولاية بمعنى النصرة والدليل عليه أنه تعالى عطف عليه قوله: {وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ} ولا شك أن ذلك عبارة عن الموالاة في الدين والمعطوف مغاير للمعطوف عليه، فوجب أن يكون المراد بالولاية المذكورة أمرا مغايرا لمعنى النصرة وهذا الاستدلال ضعيف، لأنا حملنا تلك الولاية على التعظيم والإكرام وهو أمر مغاير للنصرة، ألا ترى أن الإنسان قد ينصر بعض أهل الذمة في بعض المهمات وقد ينصر عبده وأمته بمعنى الإعانة مع أنه لا يواليه بمعنى التعظيم والإجلال فسقط هذا الدليل.
المسألة الثانية : قوله تعالى: {حَتَّى يُهَاجِرُواْ}.
واعلم أن
قوله تعالى: {مَا لَكُم مِّن وَلَايَتِهِم مِّن شَيْءٍ} يوهم أنهم لما لم يهاجروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سقطت ولايتهم مطلقا، فأزال الله تعالى هذا الوهم بقوله: ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا يعني أنهم لو هاجروا لعادت تلك الولاية وحصلت، والمقصود منه الحمل على المهاجرة والترغيب فيها، لأن المسلم متى سمع أن الله تعالى يقول: إن قطع المهاجرة انقطعت الولاية بينه وبين المسلمين ولو هاجر حصلت تلك الولاية وعادت على أكمل الوجوه، فلا شك أن هذا يصير مرغبا له في الهجرة، والمقصود من المهاجرة كثرة المسلمين واجتماعهم وإعانة بعضهم لبعض، وحصول الألفة والشوكة وعدم التفرقة.....
والحكم الثاني: من أحكام هذا القسم الثالث، قوله تعالى: {وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ}.
واعلم أنه تعالى لما بين الحكم في قطع الولاية بين تلك الطائفة من المؤمنين، بين أنه ليس المراد منه المقاطعة التامة كما في حق الكفار بل هؤلاء المؤمنون الذين لم يهاجروا لو استنصروكم فانصروهم ولا تخذلوهم....
ثم قال تعالى: {إِلَّا عَلَى قَوْمِ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ} والمعنى: أنه لا يجوز لكم نصرهم عليهم إذ الميثاق مانع من ذلك.
ثم قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
اعلم أن هذا الترتيب الذي اعتبره الله في هذه الآية في غاية الحسن لأنه ذكر هاهنا أقساما ثلاثة: فالأول: المؤمنون من المهاجرين والأنصار وهم أفضل الناس وبين أنه يجب أن يوالي بعضهم بعضا.
والقسم الثاني: المؤمنون الذين لم يهاجروا فهؤلاء بسبب إيمانهم لهم فضل وكرامة وبسبب ترك الهجرة لهم حالة نازلة فوجب أن يكون حكمهم حكما متوسطا بين الإجلال والإذلال وذلك هو أن الولاية المثبتة للقسم الأول، تكون منفية عن هذا القسم، إلا أنهم يكونون بحيث لو استنصروا المؤمنين واستعانوا بهم نصروهم وأعانوهم. فهذا الحكم متوسط بين الإجلال والإذلال.
وأما الكفار فليس لهم البتة ما يوجب شيئا من أسباب الفضيلة. فوجب كون المسلمين منقطعين عنهم من كل الوجوه فلا يكون بينهم ولاية ولا مناصرة بوجه من الوجوه، فظهر أن هذا الترتيب في غاية الحسن.
ثم إنه تعالى لما بين هذه الأحكام قال: {إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} والمعنى: إن لم تفعلوا ما أمرتكم به في هذه التفاصيل المذكورة المتقدمة تحصل فتنة في الأرض ومفسدة عظيمة، وبيان هذه الفتنة والفساد من وجوه: الأول: أن المسلمين لو اختلطوا
بالكفار في زمان ضعف المسلمين وقلة عددهم، وزمان قوة الكفار وكثرة عددهم، فربما صارت تلك المخالطة سببا لالتحاق المسلم بالكفار.
الثاني: أن المسلمين لو كانوا متفرقين لم يظهر منهم جمع عظيم، فيصير ذلك سببا لجراءة الكفار عليهم.
الثالث: أنه إذا كان جمع المسلمين كل يوم في الزيادة في العدة والعدة، صار ذلك سببا لمزيد رغبتهم فيما هم فيه ورغبة المخالف في الالتحاق بهم.
واعلم أنه تعالى لما ذكر هذا القسم الثالث، عاد إلى ذكر القسم الأول والثاني مرة أخرى فقال: {وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}.
واعلم أن هذا ليس بتكرار وذلك لأنه تعالى ذكرهم أولا ليبين حكمهم وهو ولاية بعضهم بعضًا، ثم إنه تعالى ذكرهم هاهنا لبيان تعظيم شأنهم وعلو درجتهم، وبيانه من وجهين:
الأول: أن الإعادة تدل على مزيد الاهتمام بحالهم وذلك يدل على الشرف والتعظيم.
والثاني: وهو أنه تعالى أثنى عليهم هاهنا من ثلاثة أوجه:
أولها: قوله: {أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} فقوله: {أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} يفيد الحصر وقوله: {حَقًّا} يفيد المبالغة في وصفهم بكونهم محقين
محققين في طريق الدين، والأمر في الحقيقة كذلك، لأن من لم يكن محقا في دينه لم يتحمل ترك الأديان السالفة، ولم يفارق الأهل والوطن ولم يبذل النفس والمال ولم يكن في هذه الأحوال من المتسارعين المتسابقين.
وثانيها: قوله: {لَّهُم مَّغْفِرَةٌ} وتنكير لفظ المغفرة يدل على الكمال كما أن التنكير في قوله: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَواةٍ} [البقرة: 96] يدل على كمال تلك الحياة، والمعنى: لهم مغفرة تامة كاملة عن جميع الذنوب والتبعات. وثالثها: قوله: {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} والمراد منه الثواب الرفيع الشريف.
والحاصل: أنه تعالى شرح حالهم في الدنيا وفي الآخرة، أما في الدنيا فقد وصفهم بقوله: {أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا}، وأما في الآخرة فالمقصود إما دفع العقاب، وإما جلب الثواب، أما دفع العقاب فهو المراد بقوله: {لَّهُم مَّغْفِرَةٌ}، وأما جلب الثواب فهو المراد بقوله: {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} وهذه السعادات العالية إنما حصلت لأنهم أعرضوا عن اللذات الجسمانية، فتركوا الأهل والوطن وبذلوا النفس والمال، وذلك تنبيه على أنه لا طريق إلى تحصيل السعادات إلا بالإعراض عن هذه الجسمانيات.
* القسم الرابع: من مؤمني زمان محمد صلى الله عليه وسلم هم الذين لم يوافقوا الرسول في الهجرة إلا أنهم بعد ذلك هاجروا إليه، وهو المراد من قوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنكُمْ} وفيه مسائل:
المسألة الأولى: اختلفوا في المراد من قوله تعالى: {مِن بَعْدُ} نقل الواحدي عن ابن عباس: بعد الحديبية وهي الهجرة الثانية، وقيل بعد نزول هذه الآية، وقيل: بعد يوم بدر، والأصح أن المراد والذين هاجروا بعد الهجرة الأولى، وهؤلاء هم التابعون بإحسان كما قال: {وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ} [التوبة: 100].
... المسألة الثالثة: قوله: {فَأُولَئِكَ مِنكُمْ} يدل على أن مرتبة هؤلاء دون مرتبة المهاجرين السابقين لأنه ألحق هؤلاء بهم وجعلهم منهم في معرض التشريف، ولولا كون القسم الأول أشرف وإلا لما صح هذا المعنى.
فهذا شرح هذه الأقسام الأربعة التي ذكرها الله تعالى في هذه الآية»(242) .
ثانيًا: أهل بدر
لقد وصف الله سبحانه وتعالى أهل بدر بأنهم يقاتلون في سبيل الله، وهذا الوصف من الله تزكية لهم، يقول الله سبحانه: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُوْلِي الْأَبْصَارِ} [آل عمران: 13].
عن ابن عباس: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ} «أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ببدر»، {وَأُخْرَى كَافِرَةٌ} «فئة قريش الكفار»(243) .
وقال الله سبحانه أيضًا: {وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 62]،
وقال سبحانه: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 64] يقول تعالى ذكره: وإن يرد يا محمد هؤلاء الذين أمرتك بأن تنبذ إليهم على سواء، إن خفت منهم خيانة، وبمسالمتهم إن جنحوا للسلم خداعك والمكر بك {فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ} [الأنفال: 62] يقول: فإن الله كافيكهم وكافيك خداعهم إياك؛ لأنه متكفل بإظهار دينك على الأديان ومتضمن أن يجعل كلمته العليا وكلمة أعدائه السفلى. {هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ} يقول: الله الذي قواك بنصره إياك على أعدائه {وَبِالْمُؤْمِنِينَ} يعني بالأنصار(244) وقد تظاهرت أقوال المفسرين أنها في الأوس والخزرج(245)
وقال مقاتل: «قوَّاك بنصره وبالمؤمنين من الأنصار يوم بدر»(246) ، يقول ابن تيمية: «وإنما أيده في حياته بالصحابة»(247) .
ومن الثناء على أهل بدر قوله تعالى: قوله تعالى: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ
قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأنفال: 17]، «يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله ممن شهد بدرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقاتل أعداء دينه معه من كفار قريش: فلم تقتلوا المشركين أيها المؤمنون أنتم، ولكن الله قتلهم.
وأما قوله: { وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا} فإن معناه: ولينعم على المؤمنين بالله ورسوله بالظفر بأعدائهم، ويغنمهم ما معهم، ويثبت لهم أجور أعمالهم وجهادهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وذلك البلاء الحسن رمي الله هؤلاء المشركين.
ويعني بالبلاء الحسن النعمة الحسنة الجميلة»(248) .
وفي بدر نزل قول الله تعالى: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُنزَلِينَ بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُواْ خَائِبِينَ} [آل عمران: 123 ــ 127].
يقول الطبري: «يعني تعالى ذكره: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ}
إذ تقول للمؤمنين بك من أصحابك: {أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُنزَلِينَ} وذلك يوم بدر»(249)
عن البراء، قال: كنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، نتحدث: «أن عدة أصحاب بدر على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر، ولم يجاوز معه إلا مؤمن بضعة عشر وثلاث مائة»(250) .
وقول الله تعالى {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَان} [الأنفال: 11 ــ 12].
يذكرهم الله بما أنعم به عليهم من إلقائه النعاس عليهم، أمانا من خوفهم الذي حصل لهم من كثرة عدوهم وقلة عددهم، وكذلك فعل تعالى بهم يوم أحد، كما قال تعالى: {ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِّنكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ} [آل عمران: 154].
قال ابن كثير: «قلت: أما النعاس فقد أصابهم يوم أحد، وأمر ذلك مشهور جدا، وأما يوم
بدر في هذه الآية الشريفة إنما هي في سياق قصة بدر، وهي دالة على وقوع ذلك أيضا وكأن ذلك كان سجية للمؤمنين عند شدة البأس لتكون قلوبهم آمنة مطمئنة بنصر الله.
وهذا من فضل الله ورحمته بهم ونعمه عليهم»(251) .
ثالثًا: أهل أحد
قال البخاري في صحيحه: «باب غزوة أحد»، وأورد تحت هذا الباب عدة آيات، وهي: «وقول الله تعالى: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [آل عمران: 121] وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: {وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ} [آل عمران: 140 ــ 143] وَقَوْلِهِ: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم} [آل عمران: 152] تَسْتَأْصِلُونَهُمْ قَتْلًا {حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْأخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 152] وَقَوْلِهِ: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتَا}(252) الآية» .
وكل هذه الآيَات واردة في سياق غزوة أحد، ونحن نتعرض لها ببيان دلالتها على فضل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن شهد أحدًا.
فقوله تعالى: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}
[آل عمران: 121]، عنى بذلك يوم أحد على الصحيح من كلام أهل العلم، وهو قول ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، ورجحه الطبري، فقال: «وأولى هذين القولين بالصواب قول من قال: عنى بذلك يوم أحد؛ لأن الله عز وجل يقول في الآية التي بعدها: {إِذْ هَمَّت طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا} [آل عمران: 122] ولا خلاف بين أهل التأويل أنه عنى بالطائفتين بني سلمة وبني حارثة، ولا خلاف بين أهل السير والمعرفة بمغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الذي ذكر الله من أمرهما إنما كان يوم أحد دون يوم الأحزاب»(253)
«فتأويل الكلام: واذكر إذ غدوت يا محمد من أهلك تتخذ للمؤمنين معسكرا وموضعا لقتال عدوهم. وقوله: {وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [آل عمران: 121] يعني بذلك تعالى ذكره: والله سميع لما يقول المؤمنون لك، فيما شاورتهم فيه من موضع لقائك ولقائهم عدوك وعدوهم من قول من قال: اخرج بنا إليهم حتى نلقاهم خارج المدينة، وقول من قال لك: لا
تخرج إليهم وأقم بالمدينة حتى يدخلوها علينا، على ما قد بينا قبل، ومما تشير به عليهم أنت يا محمد، عليم بأصلح تلك الآراء لك ولهم، وبما تخفيه صدور المشيرين عليك بالخروج إلى عدوك، وصدور المشيرين عليك بالمقام في المدينة، وغير ذلك من أمرك وأمورهم»(254)
وقال الثعلبي: «وقال سائر المفسرين: هو أحد، وهو أثبت»(255) .
فانظر إلى وصف الله لهذه الثلة المباركة بالإيمان، وهذه شهادة الله الذي يعلم السر وأخفى، وكفى بها شهادة على رسوخ إيمان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
يقول ابن كثير: «المراد بهذه الوقعة يوم أحد عند الجمهور، قاله ابن عباس، والحسن، وقتادة، والسدي، وغير واحد. وعن الحسن البصري: المراد بذلك يوم الأحزاب. رواه ابن جرير، وهو غريب لا يعول عليه.
وكانت وقعة أحد يوم السبت من شوال سنة ثلاث من الهجرة، قال قتادة لإحدى عشرة ليلة خلت من شوال، وقال عكرمة: يوم السبت للنصف من شوال، فالله أعلم.
وكان سببها أن المشركين حين قتل من قتل من أشرافهم يوم بدر،
وسلمت العير بما فيها من التجارة التي كانت مع أبي سفيان، فلما رجع قفلهم إلى مكة قال أبناء من قتل، ورؤساء من بقي لأبي سفيان: ارصد هذه الأموال لقتال محمد، فأنفقوها في ذلك، وجمعوا الجموع والأحابيش وأقبلوا في قريب من ثلاثة آلاف، حتى نزلوا قريبا من أحد تلقاء المدينة، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة، فلما فرغ منها صلى على رجل من بني النجار، يقال له: مالك بن عمرو، واستشار الناس: أيخرج إليهم أم يمكث بالمدينة؟ فأشار عبد الله بن أبي بالمقام بالمدينة، فإن أقاموا أقاموا بشر محبس وإن دخلوها قاتلهم الرجال في وجوههم، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا رجعوا خائبين.
وأشار آخرون من الصحابة ممن لم يشهد بدرا بالخروج إليهم، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فلبس لأمته وخرج عليهم، وقد ندم بعضهم وقالوا: لعلنا استكرهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله، إن شئت أن نمكث؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يرجع حتى يحكم الله له».
فسار، عليه السلام في ألف من أصحابه، فلما كان بالشوط رجع عبد الله بن أبي في ثلث الجيش مغضبا؛ لكونه لم يرجع إلى قوله، وقال هو وأصحابه: لو نعلم اليوم قتالا لاتبعناكم، ولكنا لا نراكم تقاتلون اليوم.
واستمر رسول الله صلى الله عليه وسلم سائرا حتى نزل الشعب من أحد في عدوة
الوادي. وجعل ظهره وعسكره إلى أحد وقال: «لا يقاتلن أحد حتى نأمره بالقتال».
وتهيأ رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتال وهو في سبعمائة من أصحابه، وأمر على الرماة عبد الله بن جبير أخا بني عمرو بن عوف، والرماة يومئذ خمسون رجلا فقال لهم: «انضحوا الخيل عنا، ولا نؤتين من قبلكم. والزموا مكانكم إن كانت النوبة لنا أو علينا، وإن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم».
وظاهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين درعين، وأعطى اللواء مصعب بن عمير أخا بني عبد الدار. وأجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض الغلمان يومئذ وأرجأ آخرين، حتى أمضاهم يوم الخندق بعد هذا اليوم بقريب من سنتين.
وتعبأت قريش وهم ثلاثة آلاف، ومعهم مائتا فرس قد جنبوها فجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد: وعلى الميسرة عكرمة بن أبي جهل، ودفعوا إلى بني عبد الدار اللواء» وحصل ما كان بين الفريقين مما يعرف تفصيله في كتب السيرة(256) .
والله وليهما:
قال البخاري: «بَابُ {إِذْ هَمَّت طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [آل عمران: 122]... عن جابر رضي الله عنه، قال: نزلت هذه الآية فينا: {إِذْ هَمَّت طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا} بني سلمة، وبني
حارثة، وما أحب أنها لم تنزل، والله يقول: {وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا}»(257)
يقول ابن حجر: «وإن الآية وإن كان في ظاهرها غض منهم، لكن في آخرها غاية الشرف لهم»(258) .
ليطهركم به:
قال البخاري: «بَابُ {ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِّنكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمُ بِذَاتِ الصُّدُورِ إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [آل عمران: 154 ــ 155].
... عن أنس، عن أبي طلحة رضي الله عنهما، قال: «كنت فيمن تغشاه النعاس يوم أحد حتى سقط سيفي من يدي مرارا يسقط وآخذه ويسقط فآخذه»»(259) .
قال الواحدي: «وغشيان النعاس أصحاب بدر، كغشيانه إياهم يوم أُحد، وقد ذكرنا الكلام فيه وفي قوله {أَمَنَةً}، في سورة آل عمران.
وقوله تعالى: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ} ذكر أهل التفسير أن المسلمين لما بايتوا المشركين ببدر أصابت جماعة منهم جنابات احتاجوا لها إلى الماء فساءهم عدم الماء عند فقرهم إليه، وكان المشركون قد سبقوهم إلى الماء وغلبوهم عليه، فوسوس إليهم الشيطان أن ذلك عون من الله للعدو، وقال لهم: كيف ترجون الظفر عليهم وقد غلبوكم على الماء وأنتم تصلون مجنبين ومحدثين وتزعمون أنكم أولياء الله وفيكم نبيه؟! فأنزل الله تعالى مطرًا أسال منه الوادي حتى اغتسلوا وتطهروا وزالت الوسوسة؛ فذلك قوله: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ} أي من الأحداث والجنابة، {وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ} أي وسوسته التي تكسب عذاب الله وغضبه، ولذلك سمى الوسوسة رجزًا، ومن المفسرين من يحمل رجز الشيطان على الجنابة وهي من الشيطان، وقال عطاء: رجز الشيطان: تخويفه إياهم بالعطش، وهذا أيضًا نوع من الوسوسة.
وقوله تعالى: {وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ} قال ابن عباس: باليقين والعز والنصر، والمعنى: وليربط قلوبكم بالصبر وما أوقع فيها من اليقين فتثبت ولا تضطرب.
وقوله: {وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ}
قال المفسرون: وذلك أن المسلمين كانوا قد نزلوا على كثيب تغوص فيه أرجلهم، فلبده المطر حتى ثبتت عليه الأقدام»(260)
فإن الله عز وجل يقول: {ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِّنكُمْ} يعني: أهل الإيمان واليقين والثبات والتوكل الصادق، وهم الجازمون بأن الله سينصر رسوله وينجز له مأموله، ولهذا قال: {وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ} يعني: لا يغشاهم النعاس من القلق والجزع والخوف {يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ} كما قال في الآية الأخرى: {بَلْ ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْمَا بُورًا} [الفتح: 12] وهكذا هؤلاء، اعتقدوا أن المشركين لما ظهروا تلك الساعة أنها الفيصلة وأن الإسلام قد باد وأهله، هذا شأن أهل الريب والشك إذا حصل أمر من الأمور الفظيعة، تحصل لهم هذه الظنون الشنيعة.
ثم أخبر تعالى عنهم أنهم {يَقُولُونَ} في تلك الحال: {هَل لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن شَيْءٍ} قال الله تعالى: {قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ} ثم فسر ما أخفوه في أنفسهم بقوله: {يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا} أي: يسرون هذه المقالة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال الله تعالى: {قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ} أي:
هذا قدر مقدر من الله عز وجل، وحكم حتم لا يحاد عنه، ولا مناص منه.
وقوله: {وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ} أي: يختبركم بما جرى عليكم، وليميز الخبيث من الطيب، ويظهر أمر المؤمن والمنافق للناس في الأقوال والأفعال، {وَاللَّهُ عَلِيمُ بِذَاتِ الصُّدُورِ} أي: بما يختلج في الصدور من السرائر والضمائر.
ثم قال {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ} أي: ببعض ذنوبهم السالفة.
ثم قال تعالى: {وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ} أي: عما كان منهم من الفرار {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} أي: يغفر الذنب ويحلم عن خلقه، ويتجاوز عنهم(261)(262) )( .
الذين استجابوا لله والرسول:
ولقد وصف الله أصحاب رسول الله بالاستجابة لله والرسول على ما أصابهم من شدة وجروح، قال البخاري: «باب {الَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} [آل عمران: 172]..
عن عائشة رضي الله عنها، {الَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ} للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم، قالت لعروة: يا ابن أختي، كان أبواك منهم: الزبير، وأبو بكر، لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أصاب يوم أحد، وانصرف عنه المشركون، خاف أن يرجعوا، قال: «من يذهب في إثرهم» فانتدب منهم سبعون رجلا، قال: كان فيهم أبو بكر، والزبير»(263) ، وعد الطبري من هؤلاء السبعين: «أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، والزبير، وسعد، وطلحة، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وأبا عبيدة بن الجراح» يقول الطبري: «يعني بذلك جل ثناؤه: وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين، المستجيبين لله والرسول، من بعد ما أصابهم الجرح والكلوم، وإنما عنى الله تعالى ذكره بذلك الذين اتبعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حمراء الأسد في طلب العدو أبي سفيان، ومن كان معه من مشركي قريش منصرفهم عن أحد؛ وذلك أن أبا سفيان لما انصرف عن أحد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أثره حتى بلغ حمراء الأسد وهي على ثمانية أميال من المدينة، ليري الناس أن به وأصحابه قوة على عدوهم»(264) .
فوعد تعالى ذكره من ذكرنا أمره من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: {الَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ} إذا اتقى الله فخافه، فأدى فرائضه وأطاعه في أمره ونهيه فيما يستقبل من عمره أجرا عظيما،
وذلك الثواب الجزيل، والجزاء العظيم، على ما قدم من صالح أعماله في الدنيا.
وقوله تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} «يعني تعالى ذكره: وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين الذين قال لهم الناس: إن الناس قد جمعوا لكم، وهذه الصفة من صفة الذين استجابوا لله والرسول والناس الأول هم قوم فيما ذكر لنا، كان أبو سفيان سألهم أن يثبطوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين خرجوا في طلبه بعد منصرفه عن أحد إلى حمراء الأسد؛ والناس الثاني: هم أبو سفيان وأصحابه من قريش الذين كانوا معه بأحد يعني بقوله: {قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ} قد جمعوا الرجال للقائكم، والكرة إليكم لحربكم {فَاخْشَوْهُمْ} يقول: فاحذروهم، واتقوا لقاءهم، فإنه لا طاقة لكم بهم، {فَزَادَهُمْ إِيمَانًا} يقول: فزادهم ذلك من تخويف من خوفهم أمر أبي سفيان وأصحابه من المشركين يقينا إلى يقينهم، وتصديقا لله ولوعده ووعد رسوله إلى تصديقهم، ولم يثنهم ذلك عن وجههم الذي أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسير فيه، ولكن ساروا حتى بلغوا رضوان الله منه، وقالوا ثقة بالله، وتوكلا عليه، إذ خوفهم من خوفهم أبا سفيان وأصحابه من المشركين {حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} يعني بقوله: حسبنا الله: كفانا الله، يعني: يكفينا الله؛ ونعم الوكيل، يقول: ونعم المولى لمن وليه وكفله؛ وإنما وصف تعالى نفسه بذلك؛ لأن
الوكيل في كلام العرب: هو المسند إليه القيام بأمر من أسند إليه القيام بأمره؛ فلما كان القوم الذين وصفهم الله بما وصفهم به في هذه الآيَات قد كانوا فوضوا أمرهم إلى الله، ووثقوا به، وأسندوا ذلك إليه وصف نفسه بقيامه لهم بذلك، وتفويضهم أمرهم إليه بالوكالة، فقال: ونعم الوكيل الله تعالى لهم»(265)
شهداء أحد:
لقد أثنى الله على شهداء أحد أيما ثناء، ووصفهم بالحياة، فقال سبحانه: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتَا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 169 171]، وممن قتل يوم أحد حمزة بن عبد المطلب، واليمان، وأنس بن النضر، ومصعب بن عمير، عن قتادة، قال: ما نعلم حيا من أحياء العرب أكثر شهيدا أعز يوم القيامة من الأنصار قال قتادة: وحدثنا أنس بن مالك أنه قتل منهم يوم أحد سبعون، ويوم بئر معونة سبعون، ويوم اليمامة سبعون، قال: «وكان بئر معونة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويوم اليمامة على عهد أبي بكر، يوم مسيلمة الكذاب»(266) عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك،
أن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد، ثم يقول: «أيهم أكثر أخذا للقرآن» فإذا أشير له إلى أحد قدمه في اللحد، وقال: «أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة» وأمر بدفنهم بدمائهم، ولم يصل عليهم ولم يغسلوا(267) عن أبي موسى رضي الله عنه، أرى عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «رأيت في رؤياي أني هززت سيفا فانقطع صدره، فإذا هو ما أصيب من المؤمنين يوم أحد، ثم هززته أخرى فعاد أحسن ما كان، فإذا هو ما جاء به الله من الفتح واجتماع المؤمنين، ورأيت فيها بقرا، والله خير، فإذا هم المؤمنون يوم أحد»(268) وعن خباب رضي الله عنه، قال: هاجرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ونحن نبتغي وجه الله، فوجب أجرنا على الله، فمنا من مضى، أو ذهب، لم يأكل من أجره شيئا، كان منهم مصعب بن عمير، قتل يوم أحد، فلم يترك إلا نمرة، كنا إذا غطينا بها رأسه خرجت رجلاه، وإذا غطي بها رجلاه خرج رأسه، فقال لنا النبي صلى الله عليه وسلم: «غطوا بها رأسه، واجعلوا على رجليه الإذخر» أو قال: «ألقوا على رجليه من الإذخر» ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها(269)
أما معنى الآية، فإنه: «ولا تظنن أن من قتل بأحد من أصحابكم أمواتًا لا يلتذون، ولا يحسون شيئًا بل هم أحياء بما آتاهم الله من فضله مستبشرين بثوابه وعطائه، وقوله: {وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ} أي:
يفرحون بهم وبكونهم على الجهاد في ذات الله عز وجل، وأنهم إن قتلوا نالوا من الكرامة مثلما نال هؤلاء.
وقوله: {يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ} الآية أي: يفرحون لما عاينوه من وفاء الوعد، وعظيم الثواب ويستبشرون بأن الله تعالى لا يضيع أجر المؤمنين: أي لا يبطل جزاء أعمالهم»(270) .
وقد ساق ابن القيم عددًا من الحكم التي يحسن أن نسوق بعضها بتصرف ليتبين فضل أصحاب رسول الله ومباينتهم للمنافقين(271) ، وذلك قوله: «وقد أشار الله ـ سبحانه وتعالى ـ إلى أمهاتها، وأصولها في سورة (آل عمران) حيث افتتح القصة بقوله: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ} [آل عمران: 121]، إلى تمام ستين آية.
منها: أن يتميز المؤمن الصادق من المنافق الكاذب، فإن المسلمين لما أظهرهم الله على أعدائهم يوم بدر، وطار لهم الصيت دخل معهم في الإسلام ظاهرا من ليس معهم فيه باطنا، فاقتضت حكمة الله عز وجل أن سبب لعباده محنة ميزت بين المؤمن والمنافق، فأطلع المنافقون رءوسهم في هذه الغزوة، وتكلموا بما كانوا يكتمونه، وظهرت مخبآتهم، وعاد تلويحهم تصريحا، وانقسم الناس إلى كافر ومؤمن ومنافق انقساما
ظاهرا، وعرف المؤمنون أن لهم عدوا في نفس دورهم، وهم معهم لا يفارقونهم، فاستعدوا لهم، وتحرزوا منهم. قال الله تعالى: {مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ} [آل عمران: 179].
أي ما كان الله ليذركم على ما أنتم عليه من التباس المؤمنين بالمنافقين حتى يميز أهل الإيمان من أهل النفاق كما ميزهم بالمحنة يوم أحد {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ} الذي يميز به بين هؤلاء وهؤلاء، فإنهم متميزون في غيبه وعلمه وهو سبحانه يريد أن يميزهم تمييزا مشهودا فيقع معلومه الذي هو غيب شهادة. وقوله: {وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ} استدراك لما نفاه من اطلاع خلقه على الغيب سوى الرسل، فإنه يطلعهم على ما يشاء من غيبه كما قال: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ} [الجن: 26] فحظكم أنتم وسعادتكم في الإيمان بالغيب الذي يطلع عليه رسله فإن آمنتم به وأيقنتم فلكم أعظم الأجر والكرامة».
«ومنها: أن الله سبحانه إذا أراد أن يهلك أعداءه ويمحقهم قيض لهم الأسباب التي يستوجبون بها هلاكهم ومحقهم، ومن أعظمها بعد كفرهم بغيهم وطغيانهم، ومبالغتهم في أذى أوليائه، ومحاربتهم وقتالهم والتسلط عليهم، فيتمحص بذلك أولياؤه من ذنوبهم وعيوبهم، ويزداد بذلك أعداؤه من أسباب محقهم وهلاكهم، وقد ذكر سبحانه وتعالى ذلك في قوله: {وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ}
[آل عمران: 139 141]، فجمع لهم في هذا الخطاب بين تشجيعهم وتقوية نفوسهم وإحياء عزائمهم وهممهم، وبين حسن التسلية، وذكر الحكم الباهرة التي اقتضت إدالة الكفار عليهم فقال: {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ}، فقد استويتم في القرح والألم، وتباينتم في الرجاء والثواب، كما قال: {إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ} [النساء: 104]، فما بالكم تهنون وتضعفون عند القرح والألم، فقد أصابهم ذلك في سبيل الشيطان، وأنتم أصبتم في سبيلي وابتغاء مرضاتي.
ثم أخبر أنه يداول أيام هذه الحياة الدنيا بين الناس، وأنها عرض حاضر، يقسمها دولا بين أوليائه وأعدائه، بخلاف الآخرة، فإن عزها ونصرها ورجاءها خالص للذين آمنوا.
ثم ذكر حكمة أخرى، وهي أن يتميز المؤمنون من المنافقين فيعلمهم علم رؤية ومشاهدة بعد أن كانوا معلومين في غيبه، وذلك العلم الغيبي لا يترتب عليه ثواب ولا عقاب، وإنما يترتب الثواب والعقاب على المعلوم إذا صار مشاهدا واقعا في الحس.
ثم ذكر حكمة أخرى، وهي اتخاذه سبحانه منهم شهداء، فإنه يحب
الشهداء من عباده، وقد أعد لهم أعلى المنازل وأفضلها، وقد اتخذهم لنفسه، فلا بد أن ينيلهم درجة الشهادة.
وقوله: {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ}، تنبيه لطيف الموقع جدا على كراهته وبغضه للمنافقين الذين انخذلوا عن نبيه يوم أحد فلم يشهدوه ولم يتخذ منهم شهداء، لأنه لم يحبهم فأركسهم وردهم ليحرمهم ما خص به المؤمنين في ذلك اليوم، وما أعطاه من استشهد منهم، فثبط هؤلاء الظالمين عن الأسباب التي وفق لها أولياءه وحزبه.
ثم ذكر حكمة أخرى فيما أصابهم ذلك اليوم، وهو تمحيص الذين آمنوا، وهو تنقيتهم وتخليصهم من الذنوب، ومن آفات النفوس، وأيضا فإنه خلصهم، ومحصهم من المنافقين، فتميزوا منهم، فحصل لهم تمحيصان: تمحيص من نفوسهم، وتمحيص ممن كان يظهر أنه منهم وهو عدوهم.
ثم ذكر حكمة أخرى وهي محق الكافرين بطغيانهم وبغيهم وعدوانهم، ثم أنكر عليهم حسبانهم وظنهم أن يدخلوا الجنة بدون الجهاد في سبيله والصبر على أذى أعدائه، وإن هذا ممتنع بحيث ينكر على من ظنه وحسبه.
فقال: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ}، أي ولما يقع ذلك منكم فيعلمه، فإنه لو وقع لعلمه
فجازاكم عليه بالجنة، فيكون الجزاء على الواقع المعلوم، لا على مجرد العلم، فإن الله لا يجزي العبد على مجرد علمه فيه دون أن يقع معلومه، ثم وبخهم على هزيمتهم من أمر كانوا يتمنونه ويودون لقاءه.
فقال: {وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ}.
قال ابن عباس: ولما أخبرهم الله تعالى على لسان نبيه بما فعل بشهداء بدر من الكرامة رغبوا في الشهادة، فتمنوا قتالا يستشهدون فيه، فيلحقون إخوانهم، فأراهم الله ذلك يوم أحد وسببه لهم، فلم يلبثوا أن انهزموا إلا من شاء الله منهم، فأنزل الله تعالى: {وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ}».
«ومنها: أن وقعة أحد كانت مقدمة وإرهاصا بين يدي موت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فثبتهم ووبخهم على انقلابهم على أعقابهم إن مات رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قتل، بل الواجب له عليهم أن يثبتوا على دينه وتوحيده ويموتوا عليه أو يقتلوا، فإنهم إنما يعبدون رب محمد، وهو حي لا يموت، فلو مات محمد أو قتل لا ينبغي لهم أن يصرفهم ذلك عن دينه، وما جاء به، فكل نفس ذائقة الموت، وما بعث محمد صلى الله عليه وسلم ليخلد لا هو ولا هم، بل ليموتوا على الإسلام والتوحيد، فإن الموت لا بد منه سواء مات رسول الله صلى الله عليه وسلم أو بقي، ولهذا وبخهم على رجوع من
رجع منهم عن دينه، لما صرخ الشيطان إن محمدا قد قتل، فقال: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَئًْا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ}، والشاكرون هم الذين عرفوا قدر النعمة، فثبتوا عليها حتى ماتوا أو قتلوا، فظهر أثر هذا العتاب، وحكم هذا الخطاب يوم مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وارتد من ارتد على عقبيه، وثبت الشاكرون على دينهم، فنصرهم الله وأعزهم، وظفرهم بأعدائهم، وجعل العاقبة لهم.
ثم أخبر سبحانه أنه جعل لكل نفس أجلا لا بد أن تستوفيه، ثم تلحق به، فيرد الناس كلهم حوض المنايا موردا واحدا، وإن تنوعت أسبابه ويصدرون عن موقف القيامة مصادر شتى، فريق في الجنة، وفريق في السعير.
ثم أخبر سبحانه أن جماعة كثيرة من أنبيائه قتلوا وقتل معهم أتباع لهم كثيرون فما وهن من بقي منهم لما أصابهم في سبيله وما ضعفوا وما استكانوا وما وهنوا عند القتل، ولا ضعفوا ولا استكانوا، بل تلقوا الشهادة بالقوة والعزيمة والإقدام، فلم يستشهدوا مدبرين مستكينين أذلة، بل استشهدوا أعزة كراما مقبلين غير مدبرين، والصحيح أن الآية تتناول الفريقين كليهما.
ثم أخبر سبحانه عما استنصرت به الأنبياء وأممهم على قومهم من اعترافهم وتوبتهم واستغفارهم وسؤالهم ربهم أن يثبت أقدامهم وأن
ينصرهم على أعدائهم، فقال: {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَن قَالُواْ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْأخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 147 148].
لما علم القوم أن العدو إنما يدال عليهم بذنوبهم، وأن الشيطان إنما يستزلهم ويهزمهم بها، وأنها نوعان: تقصير في حق، أو تجاوز لحد، وأن النصرة منوطة بالطاعة، قالوا: ربنا اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، ثم علموا أن ربهم تبارك وتعالى إن لم يثبت أقدامهم وينصرهم لم يقدروا هم على تثبيت أقدام أنفسهم ونصرها على أعدائهم، فسألوه ما يعلمون أنه بيده دونهم، وأنه إن لم يثبت أقدامهم وينصرهم لم يثبتوا ولم ينتصروا، فوفوا المقامين حقهما: مقام المقتضي، وهو التوحيد والالتجاء إليه سبحانه، ومقام إزالة المانع من النصرة، وهو الذنوب والإسراف، ثم حذرهم سبحانه من طاعة عدوهم، وأخبر أنهم إن أطاعوهم خسروا الدنيا والآخرة، وفي ذلك تعريض بالمنافقين الذين أطاعوا المشركين لما انتصروا وظفروا يوم أحد.
ثم أخبر سبحانه أنه مولى المؤمنين، وهو خير الناصرين فمن والاه فهو المنصور.
ثم أخبرهم أنه سيلقي في قلوب أعدائهم الرعب الذي يمنعهم من الهجوم عليهم والإقدام على حربهم، وأنه يؤيد حزبه بجند من الرعب ينتصرون به على أعدائهم، وذلك الرعب بسبب ما في قلوبهم من
الشرك بالله، وعلى قدر الشرك يكون الرعب، فالمشرك بالله أشد شيء خوفا ورعبا والذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بالشرك لهم الأمن والهدى والفلاح، والمشرك له الخوف والضلال والشقاء.
ثم أخبرهم أنه صدقهم وعده في نصرتهم على عدوهم، وهو الصادق الوعد، وأنهم لو استمروا على الطاعة ولزوم أمر الرسول لاستمرت نصرتهم، ولكن انخلعوا عن الطاعة، وفارقوا مركزهم، فانخلعوا عن عصمة الطاعة، ففارقتهم النصرة، فصرفهم عن عدوهم عقوبة وابتلاء وتعريفا لهم بسوء عواقب المعصية، وحسن عاقبة الطاعة.
ثم أخبر أنه عفا عنهم بعد ذلك كله، وأنه ذو فضل على عباده المؤمنين. قيل للحسن: كيف يعفو عنهم وقد سلط عليهم أعداءهم حتى قتلوا منهم من قتلوا، ومثلوا بهم ونالوا منهم ما نالوه؟ فقال: لولا عفوه عنهم لاستأصلهم، ولكن بعفوه عنهم دفع عنهم عدوهم بعد أن كانوا مجمعين على استئصالهم.
ثم ذكرهم بحالهم وقت الفرار مصعدين أي جادين في الهرب والذهاب في الأرض، أو صاعدين في الجبل لا يلوون على أحد من نبيهم ولا أصحابهم، والرسول يدعوهم في أخراهم إليَّ عباد الله أنا رسول الله.
فأثابهم بهذا الهرب والفرار غما بعد غم: غم الهزيمة والكسرة،
وغم صرخة الشيطان فيهم بأن محمدا قد قتل.
وقيل: جازاكم غما بما غممتم رسوله بفراركم عنه وأسلمتموه إلى عدوه، فالغم الذي حصل لكم جزاء على الغم الذي أوقعتموه بنبيه، والقول الأول أظهر لوجوه:
أحدها : أن قوله: {لِّكَيْلَا تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ} [آل عمران: 153] تنبيه على حكمة هذا الغم بعد الغم، وهو أن ينسيهم الحزن على ما فاتهم من الظفر وعلى ما أصابهم من الهزيمة والجراح، فنسوا بذلك السبب، وهذا إنما يحصل بالغم الذي يعقبه غم آخر.
الثاني : أنه مطابق للواقع، فإنه حصل لهم غم فوات الغنيمة، ثم أعقبه غم الهزيمة، ثم غم الجراح التي أصابتهم، ثم غم القتل، ثم غم سماعهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل، ثم غم ظهور أعدائهم على الجبل فوقهم، وليس المراد غمين اثنين خاصة، بل غما متتابعا لتمام الابتلاء والامتحان.
الثالث أن قوله: «بغم» من تمام الثواب، لا أنه سبب جزاء الثواب، والمعنى: أثابكم غما متصلا بغم جزاء على ما وقع منهم من الهروب، وإسلامهم نبيهم صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وترك استجابتهم له، وهو يدعوهم، ومخالفتهم له في لزوم مركزهم، وتنازعهم في الأمر وفشلهم،
وكل واحد من هذه الأمور يوجب غما يخصه، فترادفت عليهم الغموم، كما ترادفت منهم أسبابها وموجباتها، ولولا أن تداركهم بعفوه لكان أمرا آخر.
ومن لطفه بهم ورأفته ورحمته أن هذه الأمور التي صدرت منهم كانت من موجبات الطباع، وهي من بقايا النفوس التي تمنع من النصرة المستقرة، فقيض لهم بلطفه أسبابا أخرجها من القوة إلى الفعل، فترتب عليها آثارها المكروهة، فعلموا حينئذ أن التوبة منها، والاحتراز من أمثالها، ودفعها بأضدادها أمر متعين لا يتم لهم الفلاح والنصرة الدائمة المستقرة إلا به، فكانوا أشد حذرا بعدها ومعرفة بالأبواب التي دخل عليهم منها.
وربما صحت الأجسام بالعلل
ثم إنه تداركهم سبحانه برحمته، وخفف عنهم ذلك الغم، وغيبه عنهم بالنعاس الذي أنزله عليهم أمنا منه ورحمة، والنعاس في الحرب علامة النصرة والأمن، كما أنزله عليهم يوم بدر، وأخبر أن من لم يصبه ذلك النعاس فهو ممن أهمته نفسه لا دينه ولا نبيه ولا أصحابه، وأنهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية.
وقد فسر هذا الظن الذي لا يليق بالله بأنه سبحانه لا ينصر رسوله، وأن أمره سيضمحل، وأنه يسلمه للقتل، وقد فسر بظنهم أن ما أصابهم
لم يكن بقضائه وقدره، ولا حكمة له فيه، ففسر بإنكار الحكمة، وإنكار القدر، وإنكار أن يتم أمر رسوله، ويظهره على الدين كله، وهذا هو ظن السوء الذي ظنه المنافقون والمشركون به سبحانه وتعالى في (سورة الفتح) حيث يقول: {وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [الفتح: 6]، وإنما كان هذا ظن السوء، وظن الجاهلية المنسوب إلى أهل الجهل، وظن غير الحق لأنه ظن غير ما يليق بأسمائه الحسنى وصفاته العليا وذاته المبرأة من كل عيب وسوء، بخلاف ما يليق بحكمته وحمده وتفرده بالربوبية والإلهيه، وما يليق بوعده الصادق الذي لا يخلفه وبكلمته التي سبقت لرسله أنه ينصرهم ولا يخذلهم، ولجنده بأنهم هم الغالبون، فمن ظن بأنه لا ينصر رسوله، ولا يتم أمره، ولا يؤيده ويؤيد حزبه، ويعليهم ويظفرهم بأعدائه، ويظهرهم عليهم، وأنه لا ينصر دينه وكتابه، وأنه يديل الشرك على التوحيد، والباطل على الحق إدالة مستقرة يضمحل معها التوحيد والحق اضمحلالا لا يقوم بعده أبدا، فقد ظن بالله ظن السوء، ونسبه إلى خلاف ما يليق بكماله وجلاله وصفاته ونعوته، فإن حمده وعزته وحكمته وإلهيته تأبى ذلك، وتأبى أن يذل حزبه وجنده، وأن تكون النصرة المستقرة والظفر الدائم لأعدائه المشركين به العادلين به، فمن ظن به ذلك فما عرفه ولا عرف أسماءه ولا عرف صفاته وكماله، وكذلك من أنكر أن يكون ذلك بقضائه وقدره فما عرفه ولا عرف ربوبيته وملكه وعظمته،
وكذلك من أنكر أن يكون قدر ما قدره من ذلك وغيره لحكمة بالغة وغاية محمودة يستحق الحمد عليها، وأن ذلك إنما صدر عن مشيئة مجردة عن حكمة وغاية مطلوبة هي أحب إليه من فوتها، وأن تلك الأسباب المكروهة المفضية إليها لا يخرج تقديرها عن الحكمة لإفضائها إلى ما يحب، وإن كانت مكروهة له فما قدرها سدى، ولا أنشأها عبثا، ولا خلقها باطلا، {ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ النَّارِ} [ص: 27] وأكثر الناس يظنون بالله غير الحق ظن السوء فيما يختص بهم وفيما يفعله بغيرهم، ولا يسلم عن ذلك إلا من عرف الله وعرف أسماءه وصفاته، وعرف موجب حمده وحكمته، فمن قنط من رحمته وأيس من روحه، فقد ظن به ظن السوء.
والمقصود ما ساقنا إلى هذا الكلام من قوله: {وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ} [آل عمران: 154]، ثم أخبر عن الكلام الذي صدر عن ظنهم الباطل وهو قولهم: {هَل لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن شَيْءٍ} [آل عمران: 154]، وقولهم: {لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا} [آل عمران: 154]، فليس مقصودهم بالكلمة الأولى والثانية إثبات القدر ورد الأمر كله إلى الله، ولو كان ذلك مقصودهم بالكلمة الأولى لما ذموا عليه، ولما حسن الرد عليه بقوله: {قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ} [آل عمران: 154]، ولا كان مصدر هذا الكلام ظن الجاهلية، ولهذا قال غير واحد من المفسرين: إن ظنهم الباطل هاهنا: هو التكذيب بالقدر وظنهم أن الأمر لو كان إليهم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه تبعا لهم يسمعون
منهم لما أصابهم القتل، ولكان النصر والظفر لهم فأكذبهم الله عز وجل في هذا الظن الباطل الذي هو ظن الجاهلية، وهو الظن المنسوب إلى أهل الجهل الذين يزعمون بعد نفاذ القضاء والقدر الذي لم يكن بد من نفاذه أنهم كانوا قادرين على دفعه، وأن الأمر لو كان إليهم لما نفذ القضاء، فأكذبهم الله بقوله: {قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ} [آل عمران: 154]، فلا يكون إلا ما سبق به قضاؤه وقدره، وجرى به علمه وكتابه السابق، وما شاء الله كان، ولا بد، شاء الناس أم أبوا، وما لم يشأ لم يكن، شاءه الناس أم لم يشاءوه، وما جرى عليكم من الهزيمة والقتل فبأمره الكوني الذي لا سبيل إلى دفعه، سواء كان لكم من الأمر شيء أو لم يكن لكم، وأنكم لو كنتم في بيوتكم وقد كتب القتل على بعضكم لخرج الذين كتب عليهم القتل من بيوتهم إلى مضاجعهم ولا بد، سواء كان لهم من الأمر شيء أو لم يكن، وهذا من أظهر الأشياء إبطالا لقول القدرية النفاة الذين يجوزون أن يقع ما لا يشاؤه الله، وأن يشاء ما لا يقع».
«ثم أخبر سبحانه عن حكمة أخرى في هذا التقدير هي ابتلاء ما في صدورهم، وهو اختبار ما فيها من الإيمان والنفاق، فالمؤمن لا يزداد بذلك إلا إيمانا وتسليما، والمنافق ومن في قلبه مرض لا بد أن يظهر ما في قلبه على جوارحه ولسانه.
ثم ذكر حكمة أخرى: وهو تمحيص ما في قلوب المؤمنين وهو تخليصه وتنقيته وتهذيبه، فإن القلوب يخالطها بغلبات الطبائع، وميل النفوس، وحكم العادة، وتزيين الشيطان، واستيلاء الغفلة ما يضاد ما أودع
فيها من الإيمان والإسلام والبر والتقوى، فلو تركت في عافية دائمة مستمرة لم تتخلص من هذه المخالطة ولم تتمحص منه، فاقتضت حكمة العزيز أن قيض لها من المحن والبلايا ما يكون كالدواء الكريه لمن عرض له داء إن لم يتداركه طبيبه بإزالته وتنقيته من جسده، وإلا خيف عليه منه الفساد والهلاك، فكانت نعمته سبحانه عليهم بهذه الكسرة والهزيمة وقتل من قتل منهم تعادل نعمته عليهم بنصرهم وتأييدهم وظفرهم بعدوهم، فله عليهم النعمة التامة في هذا وهذا.
ثم أخبر سبحانه وتعالى عن تولي من تولى من المؤمنين الصادقين في ذلك اليوم وأنه بسبب كسبهم وذنوبهم، فاستزلهم الشيطان بتلك الأعمال حتى تولوا، فكانت أعمالهم جندا عليهم ازداد بها عدوهم قوة، فإن الأعمال جند للعبد وجند عليه ولا بد، فللعبد كل وقت سرية من نفسه تهزمه أو تنصره، فهو يمد عدوه بأعماله من حيث يظن أنه يقاتله بها، ويبعث إليه سرية تغزوه مع عدوه من حيث يظن أنه يغزو عدوه، فأعمال العبد تسوقه قسرا إلى مقتضاها من الخير والشر، والعبد لا يشعر أو يشعر ويتعامى، ففرار الإنسان من عدوه وهو يطيقه إنما هو بجند من عمله بعثه له الشيطان واستزله به ثم أخبر سبحانه أنه عفا عنهم، لأن هذا الفرار لم يكن عن نفاق ولا شك، وإنما كان عارضا عفا الله عنه فعادت شجاعة الإيمان وثباته إلى مركزها ونصابها.
ثم كرر عليهم سبحانه أن هذا الذي أصابهم إنما أتوا فيه من قبل أنفسهم، وبسبب أعمالهم، فقال: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}
[آل عمران: 165]، وذكر هذا بعينه فيما هو أعم من ذلك في السور المكية، فقال: {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ} [الشورى: 30]، وقال: {مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ} [النساء: 79]، فالحسنة والسيئة هاهنا: النعمة والمصيبة، فالنعمة من الله من بها عليك، والمصيبة إنما نشأت من قبل نفسك وعملك، فالأول فضله، والثاني عدله، والعبد يتقلب بين فضله وعدله، جار عليه فضله ماض فيه حكمه، عدل فيه قضاؤه.
وختم الآية الأولى بقوله: {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 165] بعد قوله: {قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ} [آل عمران: 165] إعلاما لهم بعموم قدرته مع عدله، وأنه عادل قادر، وفي ذلك إثبات القدر والسبب، فذكر السبب وأضافه إلى نفوسهم، وذكر عموم القدرة وأضافها إلى نفسه، فالأول ينفي الجبر، والثاني ينفي القول بإبطال القدر، فهو يشاكل قوله: {لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [التكوير: 28 ــ 29].
وفي ذكر قدرته هاهنا نكتة لطيفة، وهي أن هذا الأمر بيده وتحت قدرته، وأنه هو الذي لو شاء لصرفه عنكم، فلا تطلبوا كشف أمثاله من غيره، ولا تتكلوا على سواه، وكشف هذا المعنى وأوضحه كل الإيضاح بقوله: {وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ} [آل عمران: 166]، وهو الإذن الكوني القدري، لا الشرعي الديني، كقوله في السحر: {وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} [البقرة: 102].
ثم أخبر عن حكمة هذا التقدير، وهي أن يعلم المؤمنين من المنافقين علم عيان ورؤية يتميز فيه أحد الفريقين من الآخر
تمييزا ظاهرا، وكان من حكمة هذا التقدير تكلم المنافقين بما في نفوسهم فسمعه المؤمنون، وسمعوا رد الله عليهم وجوابه لهم، وعرفوا مؤدى النفاق وما يئول إليه، وكيف يحرم صاحبه سعادة الدنيا والآخرة، فيعود عليه بفساد الدنيا والآخرة، فلله كم من حكمة في ضمن هذه القصة بالغة ونعمة على المؤمنين سابغة، وكم فيها من تحذير وتخويف وإرشاد وتنبيه وتعريف بأسباب الخير والشر، وما لهما وعاقبتهما!
ثم عزى نبيه وأولياءه عمن قتل منهم في سبيله أحسن تعزية وألطفها، وأدعاها إلى الرضى بما قضاه لها، فقال: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتَا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [آل عمران: 169 ــ 170]، فجمع لهم إلى الحياة الدائمة منزلة القرب منه وأنهم عنده، وجريان الرزق المستمر عليهم، وفرحهم بما آتاهم من فضله، وهو فوق الرضى بل هو كمال الرضى، واستبشارهم بإخوانهم الذين باجتماعهم بهم يتم سرورهم ونعيمهم واستبشارهم بما يجدد لهم كل وقت من نعمته وكرامته»..
رابعًا: المبايعون تحت الشجرة
يقول الله تعالى: {لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [الفتح:
19](272)
«يقول تعالى ذكره: لقد رضي الله يا محمد عن المؤمنين {إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} يعني بيعة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله بالحديبية حين بايعوه على مناجزة قريش الحرب، وعلى أن لا يفروا، ولا يولوهم الدبر تحت الشجرة، وكانت بيعتهم إياه هنالك فيما ذكر تحت شجرة وكان سبب هذه البيعة ما قيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان
أرسل عثمان بن عفان رضي الله عنه برسالته إلى الملإ من قريش، فأبطأ عثمان عليه بعض الإبطاء، فظن أنه قد قتل، فدعا أصحابه إلى تجديد البيعة على حربهم على ما وصفت، فبايعوه على ذلك، وهذه البيعة التي تسمى بيعة الرضوان، وكان الذين بايعوه هذه البيعة فيما ذكر في قول بعضهم: ألفا وأربع مئة، وفي قول بعضهم: ألفا وخمس مائة، وفي قول بعضهم: ألفا وثلاث مئة»(273)
يخبر تعالى بفضله ورحمته، برضاه عن المؤمنين إذ يبايعون الرسول صلى الله عليه وسلم تلك المبايعة التي بيضت وجوههم، واكتسبوا بها سعادة الدنيا والآخرة، وكان سبب هذه البيعة التي يقال لها «بيعة الرضوان» لرضا الله عن المؤمنين فيها، ويقال لها «بيعة أهل الشجرة» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دار الكلام بينه وبين المشركين يوم الحديبية في شأن مجيئه، وأنه لم يجئ لقتال أحد، وإنما جاء زائرا هذا البيت، معظما له، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان لمكة في ذلك، فجاء خبر غير صادق، أن عثمان قتله المشركون، فجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم من معه من المؤمنين، وكانوا نحوا من ألف وخمسمائة، فبايعوه تحت شجرة على قتال المشركين، وأن لا يفروا حتى يموتوا، فأخبر تعالى أنه رضي عن
المؤمنين في تلك الحال، التي هي من أكبر الطاعات وأجل القربات، {فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ} من الإيمان، {فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ} شكرا لهم على ما في قلوبهم، زادهم هدى، وعلم ما في قلوبهم من الجزع من تلك الشروط التي شرطها المشركون على رسوله، فأنزل عليهم السكينة تثبتهم، وتطمئن بها قلوبهم، {وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} وهو: فتح خيبر، لم يحضره سوى أهل الحديبية، فاختصوا بخيبر وغنائمها، جزاء لهم، وشكرا على ما فعلوه من طاعة الله تعالى والقيام بمرضاته.
{وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} أي: له العزة والقدرة، التي قهر بها الأشياء، فلو شاء لانتصر من الكفار في كل وقعة تكون بينهم وبين المؤمنين، ولكنه حكيم، يبتلي بعضهم ببعض، ويمتحن المؤمن بالكافر.
{وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا} وهذا يشمل كل غنيمة غنمها المسلمين إلى يوم القيامة، {فَعَجَّلَ لَكُمْ هَاذِهِ} أي: غنيمة خيبر أي: فلا تحسبوها وحدها، بل ثم شيء كثير من الغنائم سيتبعها، {وَ} احمدوا الله إذ {كَفَّ أَيْدِيَ النَّاس} القادرين على قتالكم، الحريصين عليه {عَنكُمْ} فهي نعمة، وتخفيف عنكم.
{وَلِتَكُونَ} هذه الغنيمة {آيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ} يستدلون بها على خبر الله الصادق، ووعده الحق، وثوابه للمؤمنين، وأن الذي قدرها سيقدر غيرها، {وَيَهْدِيَكُمْ} بما يقيض لكم من الأسباب {صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا}
من العلم والإيمان والعمل.
{وَأُخْرَى} أي: وعدكم أيضا غنيمة أخرى {لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا} وقت هذا الخطاب، {قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا} أي: هو قادر عليها، وتحت تدبيره وملكه، وقد وعدكموها، فلا بد من وقوع ما وعد به، لكمال اقتدار الله تعالى، ولهذا قال: {وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا}(274) .
وعن البراء رضي الله عنه، قال: «تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحا، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية، كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم أربع عشرة مائة، والحديبية بئر، فنزحناها فلم نترك فيها قطرة، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأتاها، فجلس على شفيرها ثم دعا بإناء من ماء فتوضأ، ثم مضمض ودعا ثم صبه فيها، فتركناها غير بعيد، ثم إنها أصدرتنا ما شئنا نحن وركابنا»(275) .
وعن جابر رضي الله عنه، قال: «عطش الناس يوم الحديبية، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين يديه ركوة فتوضأ منها، ثم أقبل الناس نحوه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما لكم؟» قالوا يا رسول الله: ليس عندنا ماء نتوضأ به ولا نشرب، إلا ما في ركوتك، قال: «فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده في الركوة، فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون». قال: فشربنا وتوضأنا فقلت لجابر: كم كنتم يومئذ؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس
عشرة مائة»(276)
وعن المسور بن مخرمة، ومروان بن الحكم، يزيد أحدهما على صاحبه قالا: خرج النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه، فلما أتى ذا الحليفة، قلد الهدي وأشعره وأحرم منها بعمرة، وبعث عينا له من خزاعة، وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى كان بغدير الأشطاط أتاه عينه، قال: إن قريشا جمعوا لك جموعا، وقد جمعوا لك الأحابيش، وهم مقاتلوك، وصادوك عن البيت، ومانعوك، فقال: «أشيروا أيها الناس علي، أترون أن أميل إلى عيالهم وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت، فإن يأتونا كان الله عز وجل قد قطع عينا من المشركين، وإلا تركناهم محروبين»، قال أبو بكر: يا رسول الله، خرجت عامدا لهذا البيت، لا تريد قتل أحد، ولا حرب أحد، فتوجه له، فمن صدنا عنه قاتلناه. قال: «امضوا على اسم الله»(277) .
وأما ما ورد في الحديبية فنذكر أطرافه: «فالحديبية اسم بئر تقع على بعد اثنين وعشرين كيلًا إلى الشمال الغربي من مكة وتعرف الأن بالشميسي، وفيها حدائق الحديبية ومسجد الرضوان.
وأطرافها تدخل في حدود الحرم المكي ومعظمها من الحِلِّ خارجه.
وقد سميت الغزوة بها لأن قريشًا منعت المسلمين من دخول مكة
وهم في الحديبية.
وكان خروج الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الحديبية في يوم الاثنين مستهل ذي القعدة من السنة السادسة.
وقد قصد بخروجه العمرة، وفي ذلك إظهار لحقيقة مشاعر المسلمين نحو البيت العتيق وتعظيمهم له، وإبطال لدعاية قريش المعادية التي تريد إظهارهم وكأنهم لا يعترفون بحرمة الكعبة.
وبلغ عدد المسلمين في الحديبية ألفًا وأربعمائة رجل، ذكر ذلك شهود العيان من الصحابة وهم جابر بن عبد الله والبراء بن عازب ومعقل بن يسار وسلمة بن الأكوع والمسيب بن حزن.
وقال جابر في رواية إنهم ألف وخمسمائة.
وقال الصحابي عبد الله بن أبي أوفى إنهم ألف وثلاثمائة.
واتفاق خمسة من شهود العيان على أنهم ألف وأربعمائة أولى من سواه من الأقوال فهو أصح الصحيح، وإن كان الجمع ليس بمتعذر والاختلاف ليس بكبير.
وقد صلى المسلمون بذي الحليفة وأحرموا بالعمرة وساقوا الهدي سبعين بدنة، وبعث الرسول صلى الله عليه وسلم عينًا إلى مكة هو بسر بن سفيان الخزاعي الكعبي.
وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم لقريش عن طريق رجال محايدين أحيانًا وبواسطة رسل أرسلهم لهذا الغرض أحيانًا أخرى أنه لا يريد حرب أحد، وإنما يريد زيارة البيت الحرام وتعظيمه، وقد قدم عليه بديل بن ورقاء الخزاعي وبيّن أن قريشًا تعتزم صد المسلمين عن دخول مكة، فأوضح له الرسول صلى الله عليه وسلم موقفه، فقام بتوضيحه لقريش، فأجابته قريش: «وإن كان إنما جاء لذلك فلا والله لا يدخلها أبدا علينا ولا تتحدث بذلك العرب».
والحق أن المسلمين كسبوا الموقف سياسيًا سواء دخلوا مكة وتحدثت العرب عن ذلك، أو لم يدخلوا فتحدثت العرب عن صد قريش لمن قصدوا تعظيم البيت العتيق، بعد أن كانت قريش تدعي أن المسلمين لا يحترمون المقدسات.
وقد سعى الرسول صلى الله عليه وسلم لبيان موقفه أمام الناس جميعًا، فأرسل رسله تترى إلى قريش يعلنون مقصدهم، فأرسل خراش بن أمية الخزاعي فأرادت قريش قتله لولا أن منعهم الأحابيش.
وأراد أن يرسل عمر بن الخطاب ثم عدل عنه إلى عثمان بن عفان عندما بين عمر شديد عداوته لقريش وأنها تعلم ذلك وأن بني عدي قومه لا يحمونه.
فذهب عثمان إلى قريش، فأجاره أبان بن سعيد بن العاص حتى أبلغهم رسالة النبي صلى الله عليه وسلم. وقد سمحت له قريش بالطواف فأبى أن يسبق الرسول صلى الله عليه وسلم بالطواف، وقد أخَّرته قريش فحسب
المسلمون أنها قتلته.
فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه للبيعة تحت شجرة سمرة فبايعوه جميعًا سوى الجد بن قيس ــ وكان منافقًا ــ وكانت البيعة على الموت.
وفي روايات أخرى أنهم بايعوه على ألا يفروا وليس على الموت.
أو أنهم بايعوه على الصبر ولا تعارض في ذلك لأن المراد بالمبايعة على الموت ألا يفروا.
وأول من بادر إلى البيعة أبو سنان عبد الله بن وهب الأسدي.
ثم تتابع الأصحاب وقد أثنى الرسول صلى الله عليه وسلم على موقف الصحابة ومبادرتهم إلى البيعة، فقال: «أنتم خير أهل الأرض».
وقال: «لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها».
ولما كان عثمان محبوسًا في قريش فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم بيده اليمنى: «هذه يد عثمان، فضرب بها على يده، فقال: هذه لعثمان».
فعد في المبايعين تحت الشجرة، ولكن عثمان رجع إلى المسلمين بعد بيعة الرضوان مباشرة.
وأرسلت قريش عددًا من الرسل للتفاوض، أولهم عروة بن مسعود الثقفي، وقد لاحظ تعظيم المسلمين للرسول صلى الله عليه وسلم وحبهم له وتفانيهم في طاعته،
فلما رجع إلى قريش قال: «أي قوم والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي والله إن رأيت ملكًا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدًا».
ثم أرسلت قريش الحليس بن علقمة الكناني سيد الأحابيش، فلما رآه الرسول صلى الله عليه وسلم مقبلًا طلب من أصحابه أن يظهروا أمامه الإبل المشعرة، وأن يلبوا أمامه لأنه من قوم يعظمون ذلك، فلما رأى ذلك رجع إلى قريش، فقال: «رأيت البدن قد قلدت وأشعرت فما أرى أن يصدوا عن البيت». فقالوا: أجلس إنما أنت أعرابي لا علم لك.
ثم أرسلت قريش مكرز بن حفص وأعقبته بسهيل بن عمرو فقال النبي صلى الله عليه وسلم متفائلًا: «لقد سهل لكم أمركم». وقال: «لقد أراد القوم الصلح حيث بعثوا هذا الرجل»، وكانت قريش قد ألزمت سهيل بن عمرو ألا يكون في صلحه إلا أن يرجع المسلمون دون عمرة في ذلك العام. وقد جرت مفاوضة طويلة بين الرسول صلى الله عليه وسلم وسهيل بن عمرو وانتهت إلى عقد صلح الحديبية.
وقد وقع اختلاف في مقدمة العقد حيث أراد الرسول صلى الله عليه وسلم إعطاءه صبغة إسلامية فاعترض سهيل بن عمرو، وكان علي بن أبي طالب يكتب العقد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم أكتب: «بسم الله الرحمن الرحيم» فقال سهيل: أما «الرحمن فو الله ما أدري ما هي ولكن أكتب «باسمك اللهم» كما كنت تكتب، فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا «بسم الله الرحمن الرحيم» فقال النبي صلى الله عليه
وسلم: اكتب: «باسمك اللهم». ثم قال: «هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله» فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب «محمد بن عبد الله» فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «والله إني لرسول الله وإن كذبتموني، اكتب: «محمد بن عبد الله» فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به» فقال سهيل: والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة. ولكن ذلك من العام المقبل فكتب.
فقال سهيل: وعلى أن لا يأتيك منا رجل ــ وإن كان على دينك ــ إلا رددته إلينا. قال المسلمون: سبحان الله كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلمًا؟ فبينما هم كذلك إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده، وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين. فقال سهيل: هذا يا محمد أول ما أقاضيك عليه أن ترده إلي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنا لم نقض الكتاب بعد. فقال: والله إذًا لم أصالحك على شيء أبدًا.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فأجزه لي. فقال: ما أنا بمجيزه لك. قال: بلى فافعل. قال: ما أنا بفاعل. قال مكرز: بل قد أجزناه لك.
وقد تم الاتفاق على الأمور التالية:
«على وضع الحرب عشر سنين، يأمن فيها الناس ويكف بعضهم عن بعض. على أنه من أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه بغير إذن وليه
رده عليهم، ومن أتى قريشًا ممن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يردوه عليه.
وأن بيننا عيبة مكفوفة. وأنه لا إسلال ولا إغلال.
وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه.
فتواثبت خزاعة فقالوا: نحن مع عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده.
وتواثبت بنو بكر فقالوا: نحن في عقد قريش وعهدهم.
وأنك ترجع عنا عامك هذا، فلا تدخل علينا مكة، وأنه إذا كان عام قابل خرجنا عنك فتدخلها بأصحابك. وأقمت فيها ثلاثا معك سلاح الراكب لا تدخلها بغير السيوف في القرب».
وهكذا وقعت الهدنة لمدة عشر سنوات، على ألا يدخل المسلمون مكة إلا بعد مرور عام فيقيموا بها ثلاثة أيام معهم السيوف مغمودة فقط، ولا يقوم الطرفان بأي أعمال دعائية أو عدوانية، ويجوز للطرفين التحالف مع القبائل العربية على قدم المساواة، ويلتزم المسلمون برد المسلمين الفارين من قريش إليها، ولا تلتزم قريش برد المسلمين الفارين إليها.
والواقع أن المسلمين تذمروا من هذه الاتفاقية وضاقوا بها ذرعًا، خاصة بعد أن جرت التعديلات على الصياغة الإسلامية للعقد، فقد اعتذر علي بن أبي طالب عن مسح كلمة «رسول الله» فأخذ الرسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب فكتب ما أراد سهيل بن عمرو. وغضب المسلمون لرد المسلمين
الفارين من قريش إليها فقالوا: «يا رسول الله تكتب هذا؟ قال: نعم. إنه من ذهب إليهم فأبعده الله، ومن جاءنا منهم سيجعل الله له فرجًا ومخرجًا».
وظهر الغضب الشديد على عمر بن الخطاب فراجع الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك قال: «فأتيت نبي الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقلت: ألست نبي الله حقًا؟ قال: بلى. قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى. قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذًا؟ قال: إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري. قلت: أو ليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: بلى فأخبرتك أنك تأتيه العام؟ قال: قلت: لا. قال: فإنك آتيه ومطوف به». لكن عمر لم يكتف بذلك بل أعاد الكلام أمام أبي بكر بمثل كلامه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر: «يا عمر الزم غرزه حيث كان فإني أشهد أنه رسول الله. قال عمر: وأنا أشهد».
وقال عمر: «ما زلت أصوم وأتصدق وأعتق من الذي صنعت مخافة كلامي الذي تكلمت به يومئذ حتى رجوت أن يكون خيرًا». وكان عمر يراجع الرسول صلى الله عليه وسلم ليقف على الحكمة من موافقته على شروط الصلح، وكان يرغب في إذلال المشركين «فجميع ما صدر منه كان معذورًا فيه بل هو مأجور لأنه مجتهد فيه»(278)(279) )( .
ويقول ابن
تيمية: «وقال تعالى: {لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَاذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا} [سورة الفتح: 18 21].
والذين بايعوه تحت الشجرة بالحديبية عند جبل التنعيم كانوا أكثر
من ألف وأربعمائة، بايعوه لما صده المشركون عن العمرة، ثم صالح المشركين صلح الحديبية المعروف، وذلك سنة ست من الهجرة في ذي القعدة، ثم رجع بهم إلى المدينة وغزا بهم خيبر، ففتحها الله عليهم في أول سنة سبع، وقسمها بينهم، ومنع الأعراب المتخلفين عن الحديبية من ذلك.
كما قال الله تعالى: {سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُواْ كَلَامَ اللَّهِ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَلِكَمْ قَالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُواْ لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا} [سورة الفتح: 15].
وقد أخبر سبحانه أنه رضي عنهم، وأنه علم ما في قلوبهم، وأنه أثابهم فتحًا قريبًا.
وهؤلاء هم أعيان من بايع أبا بكر وعمر وعثمان بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، لم يكن في المسلمين من يتقدم عليهم، بل كان المسلمون كلهم يعرفون فضلهم عليهم ; لأن الله تعالى بين فضلهم في القرآن بقوله تعالى: {لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُواْ مِن بَعْدُ وَقَاتَلُواْ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} [سورة الحديد: 10]، ففضل المنفقين المقاتلين قبل الفتح، والمراد بالفتح هنا صلح الحديبية، ولهذا سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أو فتح هو؟ فقال «نعم».
وأهل العلم يعلمون أن فيه أنزل الله تعالى: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزً}
[سورة الفتح: 1 3]، فقال بعض المسلمين: يا رسول الله! هذا لك فما لنا يا رسول الله؟ فأنزل الله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُواْ إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ} [سورة الفتح: 4].
وهذه الآية نص في تفضيل المنفقين المقاتلين قبل الفتح على المنفقين المقاتلين بعده، ولهذا ذهب جمهور العلماء إلى أن السابقين في قوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ} [التوبة: 100] هم هؤلاء الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا، وأهل بيعة الرضوان كلهم منهم، وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة.
وقد ذهب بعضهم إلى أن السابقين الأولين هم من صلى إلى القبلتين، وهذا ضعيف، فإن الصلاة إلى القبلة المنسوخة ليس بمجرده فضيلة ولأن النسخ ليس من فعلهم الذي يفضلون به ولأن التفضيل بالصلاة إلى القبلتين لم يدل عليه دليل شرعي، كما دل على التفضيل بالسبق إلى الإنفاق والجهاد والمبايعة تحت الشجرة، ولكن فيه سبق الذين أدركوا ذلك على من لم يدركه، كما أن الذين أسلموا قبل أن تفرض الصلوات الخمس، هم سابقون على من تأخر إسلامه عنهم، والذين أسلموا قبل أن تجعل صلاة الحضر أربع ركعات هم سابقون على من تأخر إسلامه عنهم، والذين أسلموا قبل أن يؤذن في
الجهاد، أو قبل أن يفرض، هم سابقون على من أسلم بعدهم، والذين أسلموا قبل أن يفرض صيام شهر رمضان، هم سابقون على من أسلم بعدهم، والذين أسلموا قبل أن يفرض الحج، هم سابقون على من تأخر عنهم، والذين أسلموا قبل تحريم الخمر هم سابقون على من أسلم بعدهم، والذين أسلموا قبل تحريم الربا كذلك، فشرائع الإسلام من الإيجاب والتحريم كانت تنزل شيئا فشيئا، وكل من أسلم قبل أن تشرع شريعة فهو سابق على من تأخر عنه، وله بذلك فضيلة، ففضيلة من أسلم قبل نسخ القبلة على من أسلم بعده هي من هذا الباب.
وليس مثل هذا مما يتميز به السابقون الأولون عن التابعين، إذ ليس بعض هذه الشرائع بأولى بجعله خيرا من بعض ; ولأن القرآن والسنة قد دلا على تقديم أهل الحديبية، فوجب أن تفسر هذه الآية بما يوافق سائر النصوص.
وقد علم بالاضطرار أنه كان في هؤلاء السابقين الأولين أبو بكر وعمر وعلي وطلحة والزبير، وبايع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بيده عن عثمان ; لأنه كان غائبا قد أرسله إلى أهل مكة ليبلغهم رسالته، وبسببه بايع النبي صلى الله عليه وسلم الناس لما بلغه(280) أنهم قتلوه» .
ومن الآيَات التي ثبَّتَت فضل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والذين شاركوا
في بيعة الرضوان، قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُواْ إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا لِّيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّآتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [الفتح: 4 6]، «يقول تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ} أي: جعل الطمأنينة. قاله ابن عباس، وعنه: الرحمة.
وقال قتادة: الوقار في قلوب المؤمنين. وهم الصحابة يوم الحديبية، الذين استجابوا لله ولرسوله وانقادوا لحكم الله ورسوله، فلما اطمأنت قلوبهم لذلك، واستقرت، زادهم إيمانا مع إيمانهم.
وقد استدل بها البخاري وغيره من الأئمة على تفاضل الإيمان في القلوب.
ثم ذكر تعالى أنه لو شاء لانتصر من الكافرين، فقال: {وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} أي: ولو أرسل عليهم ملكا واحدا لأباد خضراءهم، ولكنه تعالى شرع لعباده المؤمنين الجهاد والقتال، لما له في ذلك من الحكمة البالغة والحجة القاطعة، والبراهين الدامغة؛ ولهذا قال: {وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا}.
ثم قال تعالى: {لِّيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا}،
قد تقدم حديث أنس(281) قالوا: هنيئا لك يا رسول الله، هذا لك فما لنا؟ فأنزل الله: {لِّيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا} أي: ماكثين فيها أبدا. {وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّآتِهِمْ} أي: خطاياهم وذنوبهم، فلا يعاقبهم عليها، بل يعفو ويصفح ويغفر، ويستر ويرحم ويشكر، {وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا}، كقوله {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [آل عمران: 185].
وقوله: {وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ} أي: يتهمون الله في حكمه، ويظنون بالرسول وأصحابه أن يقتلوا ويذهبوا بالكلية؛ ولهذا قال: {عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ} أي: أبعدهم من رحمته {وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا}.
ثم قال مؤكدا لقدرته على الانتقام من الأعداء ــ أعداء الإسلام من الكفرة والمنافقين ــ: {وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ(282) عَزِيزًا حَكِيمًا}» .
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه، {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا} [الفتح: 1]. قال: الحديبية قال أصحابه: هنيئا مريئا، فما لنا؟ فأنزل الله: {لِّيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} [الفتح: 5]
قال شعبة: فقدمت الكوفة، فحدثت بهذا كله عن قتادة، ثم رجعت فذكرت له فقال أما: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ} [الفتح: 1](283) وعن أنس قال: أنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم {لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} مرجعه من الحديبية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد نزلت علي آية أحب إلي مما على الأرض، ثم قرأها النبي صلى الله عليه وسلم عليهم، فقالوا: هنيئا مريئا يا نبي الله، لقد بين الله لك ماذا يفعل بك، فماذا يفعل بنا، فنزلت عليه {لِّيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ}، حتى بلغ، {فَوْزًا عَظِيمًا}(284)
ومن ثناء الله تعالى على أهل الحديبية، قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح: 10](285) .
قال المفسرون: يعني بيعة الرضوان، وكانت بالحديبية تحت الشجرة، وكان المسلمون يومئذ ألفًا وأربعمائة رجل بايعوا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على أن يقاتلوا(286) ولا يفروا .
قوله تعالى: {إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ} لأن تلك البيعة طاعة لله وتقربًا إليه، باعوا أنفسهم من الله تعالى بالجنة كما ذكر في قوله: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ} الآية [التوبة: 111].
والعقد كان مع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وكذلك قوله: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} قال أكثر المفسرين: يد الله بالوفاء لهم بما وعدهم من الخير فوق أيديهم بالوفاء والعهد حين بايعوك، ومعناه: الله أوفى منهم كما قال: {وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ} [التوبة: 111].
قوله تعالى: {فَمَن نَّكَثَ} أي: نقض ما عقد من البيعة {فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ} أي: يرجع ضرر ذلك النقض عليه، {وَمَنْ أَوْفَى} أي: ثبت على الوفاء، {بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ} من البيعة {فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} يعني: الجنة، قال ابن عباس: «والعِظَم لا يوصف»(287) .
يقول السعدي: «هذه المبايعة التي أشار الله إليها هي «بيعة الرضوان» التي بايع الصحابة رضي الله عنهم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، على أن لا يفروا عنه، فهي عقد خاص، من لوازمه أن لا يفروا، ولو لم يبق منهم إلا القليل، ولو كانوا في حال يجوز الفرار فيها، فأخبر تعالى: أن الذين بايعوك حقيقة الأمر أنهم {يُبَايِعُونَ اللَّهَ} ويعقدون العقد معه، حتى إنه من شدة تأكده أنه قال: {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} أي: كأنهم بايعوا الله وصافحوه بتلك المبايعة، وكل هذا لزيادة التأكيد والتقوية، وحملهم على الوفاء بها، ولهذا قال: {فَمَن نَّكَثَ} فلم يف بما عاهد الله عليه {فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ} أي: لأن وبال ذلك راجع إليه، وعقوبته واصلة له، {وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ} أي: أتى به كاملا موفرا، {فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} لا يعلم عظمه وقدره إلا الذي آتاه إياه»(288) .
ومن الآيَات التي أثنى الله تعالى فيها على أهل البيعة، وأنهم أهل التوحيد الخالص، قوله تعالى: {إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُواْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} [الفتح: 26].
عن حمران بن أبان أن عثمان بن عفان قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إني لأعلم كلمة لا يقولها عبد حقا من قلبه إلا حرم على النار» فقال له عمر بن الخطاب: أنا أحدثك ما هي؟ هي كلمة الإخلاص التي ألزمها الله تبارك وتعالى محمدا صلى الله عليه وسلم
وأصحابه، وهي كلمة التقوى التي ألاص(289) عليها نبي الله صلى الله عليه وسلم عمه أبا طالب عند الموت: شهادة أن لا إله إلا الله»(290)
ويعني تعالى ذكره بقوله: {إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ} «حين جعل سهيل بن عمرو في قلبه الحمية، فامتنع أن يكتب في كتاب المقاضاة الذي كتب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم والمشركين: بسم الله الرحمن الرحيم، وأن يكتب فيه: محمد رسول الله، وامتنع هو وقومه من دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم عامه ذلك.
وقوله: {فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ} يقول تعالى ذكره فأنزل الله الصبر والطمأنينة والوقار على رسوله وعلى المؤمنين، إذ حمي الذين كفروا حمية الجاهلية، ومنعوهم من الطواف بالبيت، وأبوا أن يكتبوا في الكتاب بينه وبينهم بسم الله الرحمن الرحيم، ومحمد رسول الله {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى} يقال: ألزمهم قول لا إله إلا الله التي يتقون بها النار، وأليم العذاب.
وقوله: {وَكَانُواْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا} يقول تعالى ذكره: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون أحق بكلمة التقوى من المشركين وأهلها.
وقوله: {وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} يقول تعالى ذكره: ولم يزل
الله بكل شيء ذا علم، لا يخفى عليه شيء هو كائن، ولعلمه أيها الناس بما يحدث من دخولكم مكة وبها رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم، لم يأذن لكم بدخولكم مكة في سفرتكم هذه»(291)
وما سبق كان في ذكر أوصاف أقوام مخصوصين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وما يلي في ذكر أوصافهم على سبيل العموم، وهي:
خامسًا: أنهم خيار الناس وأعدلهم
يقول الله سبحانه: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [البقرة: 143].
وهذه الآية ــ وإن كانت عامة ــ إلا أن أولى من يدخل في خطاب القرآن = من نزل فيهم خطاب القرآن، وهم أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم.
وفي معنى هذه الآية يقول الإمام ابن جرير: «يعني جل ثناؤه بقوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} كما هديناكم أيها المؤمنون بمحمد عليه الصلاة والسلام، وبما جاءكم به من عند الله، فخصصناكم بالتوفيق لقبلة إبراهيم وملته، وفضلناكم بذلك على من سواكم من أهل الملل؛
كذلك خصصناكم ففضلناكم على غيركم من أهل الأديان بأن جعلناكم أمة وسطا.
وقد بينا أن الأمة هي القرن من الناس، والصنف منهم وغيرهم.
وأما الوسط فإنه في كلام العرب: الخيار، يقال منه: فلان وسط الحسب في قومه: أي متوسط الحسب، إذا أرادوا بذلك الرفع في حسبه، وهو وسط في قومه، وواسط...
قال: وأنا أرى أن الوسط في هذا الموضع هو الوسط الذي بمعنى الجزء الذي هو بين الطرفين، مثل «وسط الدار» محرك الوسط مثقله، غير جائز في سينه التخفيف.
وأرى أن الله تعالى ذكره إنما وصفهم بأنهم وسط لتوسطهم في الدين، فلا هم أهل غلو فيه، غلو النصارى الذين غلوا بالترهب وقيلهم في عيسى ما قالوا فيه، ولا هم أهل تقصير فيه تقصير اليهود الذين بدلوا كتاب الله وقتلوا أنبياءهم وكذبوا على ربهم وكفروا به؛ ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه، فوصفهم الله بذلك، إذ كان أحب الأمور إلى الله أوسطها.
وأما التأويل فإنه جاء بأن الوسط العدل، وذلك معنى الخيار؛ لأن الخيار من الناس عدولهم..
والشهداء جمع شهيد. فمعنى ذلك: وكذلك جعلناكم أمة وسطا
عدولا لتكونوا شهداء لأنبيائي ورسلي على أممها بالبلاغ أنها قد بلغت ما أمرت ببلاغه من رسالاتي إلى أممها، ويكون رسولي محمد صلى الله عليه وسلم شهيدا عليكم بإيمانكم به، وبما جاءكم به من عندي»(292)
ومما يدل على صحة الاستشهاد بهذه الآية في فضل الصحابة، أمور منها:
أ ــ ما رواه البخاري: عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يدعى نوح يوم القيامة، فيقول: لبيك وسعديك يا رب، فيقول: هل بلغت؟ فيقول: نعم، فيقال لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، فيقول: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فتشهدون أنه قد بلغ: {وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} فذلك قوله جل ذكره: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}»، والوسط:(293) العدل .
فخاطبهم الرسول صلى الله عليه وسلم بتاء الخطاب، (فتشهدون)، فدل ذلك على أولوية دخولهم في الآية.
ب سياق الآية، فإن الآيَات قد تحدثت عن موقف السفهاء من الناس الذي استهزؤوا بأمر القبلة وتحويلها من بيت المقدس إلى الكعبة،
فثبت قوم واتبعوا أمر الله الذي بلغهم رسوله إياه، وفي البخاري عن البراء رضي الله عنه: ««أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا، أو سبعة عشر شهرا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وأنه صلى، أو صلاها، صلاة العصر وصلى معه قوم» فخرج رجل ممن كان صلى معه فمر على أهل المسجد وهم راكعون، قال: أشهد بالله، لقد صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل مكة، فداروا كما هم قبل البيت، وكان الذي مات على القبلة قبل أن تحول قبل البيت رجال قتلوا، لم ندر ما نقول فيهم، فأنزل الله: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ}»(294)
عن ابن عمر رضي الله عنهما، بينما الناس في الصبح بقباء، جاءهم رجل فقال: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن، وأمر أن يستقبل الكعبة، ألا فاستقبلوها، وكان وجه الناس إلى الشأم، فاستداروا بوجوههم إلى الكعبة»(295) .
وكذلك وصفهم الله تعالى بأنهم خير أمة أخرجت للناس، فقال سبحانه: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} [آل عمران: 110].
وقد ذكر الطبري وغيره اختلاف الناس في المراد بهذه الآية، ولا
تخرج الأقوال عن كونها في أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم أولًا ثم اختلفوا في تعميمها بعد ذلك، يقول الطبري: «اختلف أهل التأويل في قوله: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} فقال بعضهم: هم الذين هاجروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، من مكة إلى المدينة، وخاصة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم(296) وقال آخرون: معنى ذلك: كنتم خير أمة أخرجت للناس، إذ كنتم بهذه الشروط التي وصفهم جل ثناؤه بها، فكان تأويل ذلك عندهم: كنتم خير أمة تأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر، وتؤمنون بالله أخرجوا للناس في زمانكم... وقال آخرون: إنما قيل: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} لأنهم أكثر الأمم استجابة للإسلام... وقال بعضهم: عنى بذلك أنهم كانوا خير أمة أخرجت للناس»(297)
وهذه الأقوال كما ترى لا تخرج عن دخول أصحاب الرسول فيها دخولًا أوليًا ثم يكون التعميم بعد، وقد نص كثير من السلف على ذلك، فعن السدي: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} قال عمر بن الخطاب: «لو شاء الله لقال «أنتم»، فكنا كلنا،» ولكن قال: {كُنتُمْ} «في خاصة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم،
ومن صنع مثل صنيعهم، كانوا خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر»(298)
عن الضحاك، في قوله: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} قال: «هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة، يعني وكانوا هم الرواة الدعاة الذين أمر الله المسلمين بطاعتهم»(299) .
يقول الزجاج: «هذا الخطاب أصله أنه خوطب به أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو يعم سائر(300) أمة محمد» .
وقال أبو حيان في تقرير أن الخطاب لأصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام: «والظاهر أن الخطاب هو لمن وقع الخطاب له أولًا وهم: أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتكون الإشارة.. إلى أمة معينة وهي أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فالصحابة هم خيرها»(301) .
«ومن استقرأ أخبار العالم في جميع الفرق تبين له أنه لم يكن قط طائفة أعظم اتفاقا على الهدى والرشد، وأبعد عن الفتنة والتفرق والاختلاف من أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، الذين هم خير الخلق بشهادة الله لهم بذلك، إذ يقول تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}.
كما لم يكن في الأمم أعظم اجتماعا على الهدى، وأبعد عن التفرق والاختلاف، من هذه الأمة، لأنهم أكمل اعتصاما بحبل الله، الذي هو كتابه المنزل، وما جاء به من نبيه المرسل. وكل من كان أقرب إلى الاعتصام بحبل الله، وهو اتباع الكتاب والسنة، كان أولى بالهدى والاجتماع والرشد والصلاح وأبعد عن الضلال والافتراق والفتنة.
واعتبر ذلك بالأمم، فأهل الكتاب أكثر اتفاقا وعلما وخيرا من الخارجين عن الكتب، والمسلمون أكثر اتفاقا وهدى ورحمة وخيرا من اليهود والنصارى، فإن أهل الكتابين قبلنا تفرقوا وبدلوا ما جاءت به الرسل، وأظهروا الباطل، وعادوا الحق وأهله.
.... وخيار هذه الأمة هم الصحابة، فلم يكن في الأمة أعظم اجتماعا على الهدى ودين الحق، ولا أبعد عن التفرق والاختلاف منهم.
كل ما يذكر عنهم مما فيه نقص فهذا إذا قيس إلى ما يوجد في غيرهم من الأمة كان قليلا من كثير.
وإذا قيس ما يوجد في الأمة إلى ما يوجد في سائر الأمم كان قليلا من كثير. وإنما يغلط من يغلط أنه ينظر إلى السواد القليل في الثوب الأبيض، ولا ينظر إلى الثوب الأسود الذي فيه بياض. وهذا
من الجهل والظلم، بل يوزن هؤلاء بنظرائهم، فيظهر الفضل والرجحان وكما أنه لم يكن في القرون أكمل من قرن الصحابة، فليس في الطوائف بعدهم أكمل من أتباعهم. فكل من كان للحديث والسنة وآثار الصحابة أتبع كان أكمل، وكانت تلك الطائفة أولى بالاجتماع والهدى والاعتصام بحبل الله، وأبعد عن التفرق والاختلاف والفتنة. وكل من بعد عن ذلك كان أبعد عن الرحمة وأدخل في الفتنة»(302)
وأما الخلفاء والصحابة فكل خير فيه المسلمون إلى يوم القيامة من الإيمان والإسلام، والقرآن والعلم، والمعارف والعبادات، ودخول الجنة، والنجاة من النار، وانتصارهم على الكفار، وعلو كلمة الله ــ فإنما هو ببركة ما فعله الصحابة، الذين بلغوا الدين، وجاهدوا في سبيل الله.
وكل مؤمن آمن بالله فللصحابة ـ رضي الله عنهم ـ عليه فضل إلى يوم القيامة، وكل خير فيه أهل القبلة فهو ببركة الصحابة.
وخير الصحابة تبع لخير الخلفاء الراشدين، فهم كانوا أقوم بكل خير في الدين والدنيا من سائر الصحابة، فكيف يكون هؤلاء منبع الشر؟!.
سادسًا: محبتهم لله ومحبة الله لهم
وهذا الوصف ثبت لأصحاب الرسول صلوات الله وسلامه عليه، كما قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54].
وقد نص غير واحد من السلف أن المراد بهم أصحاب الرسول، عن الحسن، في قوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} قال: «هذا والله أبو بكر وأصحابه»(303) .
يقول الطبري: «يقول تعالى ذكره للمؤمنين بالله وبرسوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ} أي «صدقوا الله ورسوله، وأقروا بما جاءهم به نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم {مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ} يقول: «من يرجع منكم عن دينه الحق الذي هو عليه اليوم، فيبدله ويغيره بدخوله في الكفر، إما في اليهودية أو النصرانية أو غير ذلك من صنوف الكفر، فلن يضر الله شيئًا، وسيأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه؛ يقول: فسوف يجيء الله بدلًا منهم المؤمنين الذين لم يبدلوا ولم يغيروا ولم يرتدوا، بقوم خير من الذين ارتدو وبدلوا دينهم، يحبهم الله ويحبون الله.
وكان هذا الوعيد من الله لمن سبق في علمه أنه سيرتد بعد وفاة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم،
وكذلك وعده من وعد من المؤمنين ما وعده في هذه الآية، لمن سبق له في علمه أنه لا يبدل ولا يغير دينه ولا يرتد. فلما قبض الله نبيه صلى الله عليه وسلم ارتد أقوام من أهل الوبر وبعض أهل المدر، فأبدل الله المؤمنين بخير منهم كما قال تعالى ذكره، ووفى للمؤمنين بوعده، وأنفذ فيمن ارتد منهم وعيده».
وقد ذكر الطبري اختلاف الناس في أعيان المراد بقوله {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}، فقال: «ثم اختلف أهل التأويل في أعيان القوم الذين أتى الله بهم المؤمنين وأبدل المؤمنين مكان من ارتد منهم، فقال بعضهم: هو أبو بكر الصديق وأصحابه الذين قاتلوا أهل الردة حتى أدخلوهم من الباب الذي خرجوا منه».
وأورد عن الضحاك قوله: «هو أبو بكر وأصحابه، لما ارتد من ارتد من العرب عن الإسلام، جاهدهم أبو بكر وأصحابه حتى ردهم إلى الإسلام».
وعن قتادة: «{مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} إلى قوله: {وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} أنزل الله هذه الآية، وقد علم أن سيرتد مرتدون من الناس. فلما قبض الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم، ارتد عامة العرب عن الإسلام إلا ثلاثة مساجد: أهل المدينة، وأهل مكة وأهل البحرين من عبد القيس قالوا: نصلي ولا نزكي، والله لا تغصب أموالنا. فكلم أبو بكر في ذلك، فقيل له: إنهم لو قد فقهوا لهذا، أعطوها وزادوها: فقال: لا والله،
لا أفرق بين شيء جمع الله بينه، ولو منعوا عقالا مما فرض الله ورسوله، لقاتلناهم عليه. فبعث الله عصابة مع أبي بكر، فقاتل على ما قاتل عليه نبي الله صلى الله عليه وسلم، حتى سبى وقتل وحرق بالنيران أناسًا ارتدوا عن الإسلام ومنعوا الزكاة، فقاتلهم حتى أقروا بالماعون وهي الزكاة صغرة أقمياء. فأتته وفود العرب، فخيرهم بين خطة مخزية أو حرب مجلية، فاختاروا الخطة المخزية، وكانت أهون عليهم، أن يعتدوا أن قتلاهم في النار وأن قتلى المؤمنين في الجنة، وأن ما أصابوا من المسلمين من مال ردوه عليهم، وما أصاب المسلمون لهم من مال فهو لهم حلال».
ورجح الطبري هذا القول فقال: «وتأويل الآية على قول من قال: عنى الله بقوله: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54] أبا بكر وأصحابه في قتالهم أهل الردة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فلن يضر الله شيئا، وسيأتي الله من ارتد منكم عن دينه بقوم يحبهم ويحبونه، ينتقم بهم منهم على أيديهم»(304) .
وقد ثبت لكثير من الصحابة محبة الله ورسوله لهم، فمنهم علي بن أبي طالب في قول الرسول: «لأعطين الراية غدًا رجلا يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله» هو من أصح الأحاديث وهو أصح حديث
روي في فضائل علي رضي الله عنه أخرجاه في الصحيحين(305)
وفي الصحيح أنه لما قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «لأعطين الراية رجلا» قال عمر: «ما أحببت الإمارة(306) إلا يومئذٍ» ، واستشرف لها عمر وغيره، ولو جاء منهزمًا لما استشرف لها، فهذا الحديث رد على الناصبة الواقعين في علي ـ رضي الله عنه ـ تبًا لهم؛ فإنه مؤمن تقي يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، ولكن ليس هذا من خصائصه، بل كل مؤمن كامل الإيمان يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، وقد قال تعالى: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} وهؤلاء الذين قاتلوا أهل الردة وإمامهم أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ وفي الصحيح أنه قال ـ صلى(307) الله عليه وسلم ـ للأنصار: «والله إني لأحبكم» .
وفي الصحيح أن عمرو بن العاص سأله: أي الناس أحبّ إليك؟ قال: «عائشة» قال: فمن الرجال؟ قال: «أبوها». وهذا فيه أن أبا بكر أحبّ الرجال إليه، وهذا من خصائصه رضي الله عنه(308) .
وكان أسامة بن زيد يسمى الحبّ ابن الحبّ لحبّ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ(309) له ولأبيه» .
والصحابة أصدق من يصلح نعتهم بهذه الحال التي ذكرها الله تعالى في قوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [المائدة: 54].
فهذا حال من قاتل المرتدين وأولهم الصديق ومن اتبعه إلى يوم القيامة، فهم الذين جاهدوا المرتدين كأصحاب مسيلمة الكذاب ومانعي الزكاة وغيرهما، وهم الذين فتحوا الأمصار وغلبوا فارس والروم، وكانوا أزهد الناس.
سابعًا: الرحماء الأشداء
لقد أثنى الله تعالى على أصحاب النبي ثناءً يحمل في طياته وصفهم بجميل الخصال، ونعتهم برضي السجايا، وهذه آية عظيمة جليلة القدر في وصف الرسول صلوات الله وسلامه عليه، يقول الله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطَْٔهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمَا} [الفتح: 28 ــ(310) 29] .
قال الإمام مالك:
«من أصبح في قلبه غيظ على أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أصابته الآية.
وقال: من انتقص أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فليس له في الفيء شيء»(311) .
وقد ذكر الله في هذه الآية وصف أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وما أودعه الله في قلوبهم من الشدة على الكافرين، والرحمة للمؤمنين، ترى أصحاب محمد تارة ركعًا وتارة سجدًا يلتمسون بذلك من فعلهم في ركوعهم وسجودهم وغلظتهم على الكفار، ورحمة بعضهم لبعض فضلًا من الله أن يدخلهم في رحمته ويرضى عنهم، أثر صلاتهم تبدو في وجوههم، ذلك مثلهم في التوراة، وشبههم الله في الإنجيل بالزرع الذي أخرج فراخه، وذلك أنهم في أول دخولهم الإسلام كانوا عددًا قليلًا كالزرع في أول ما يخرج، ثم جعلوا يتزايدون ويكثرون، كالزرع إذا أخرج فراخه فكثر وعظم بها، ونما، فيكون الأصل ثلاثين وأربعين وأكثر بالفراخ فكذلك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، كانوا قليلًا ثم تزايدوا وكثروا فكانت هذه صفتهم في التوراة والإنجيل من قبل أن يخلق الله السماوات والأرض فكان مثلهم في التوراة غير مثلهم في الإنجيل، هذا قول أكثر المفسرين، وهو اختيار الطبري، وروى عن مجاهد أنه قال: المثلان منصوصان فيهم في التوراة والإنجيل.
وقوله: {فَآزَرَهُ}
أي: قواه، يعني فقوى الشطء الزرع، وذلك أن الزرع أول ما يخرج رقيق الأصل ضعيفًا، فإذا أخرج فراخه غلظ، فكذلك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا قلة ضعفاء ومستضعفين، فلما كثروا وتقووا قتلوا المشركين.
ثم قال: {فَاسْتَغْلَظَ} أي: فاستوى الزرع على سوقه لما غلظ وتقوى بخروج الفراخ.
والسوق جمع ساق، وسوقه: أصوله. {فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ} أي: تلاحق الفراخ بالأصول فاستوى جميع ذلك، كم تلاحق من آمن من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعضهم ببعض فاستوى جميعهم في الإيمان. ثم قال: {يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ} أي: يعجب هذا الزارع حين استغلظ واستوى على سوقه، فحسن عند زارعيه.
وقوله: {لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ} فاللام متعلقة بمحذوف، والتقدير: فعل ذلك بهم ليغيظ بهم الكفار، والتقدير: فعل ذلك ليغيظ بمحمد وأصحابه الكفار، فالمعنى فعل ذلك بمحمد وأصحابه ليغيظ الكفار.
ثم قال: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ} الآية.
أي: وعد الله الذين صدقوا محمدًا وعملوا الأعمال الصالحات من أصحاب محمد أجرًا عظيمًا ففضلهم بذلك على غيرهم، وقيل: معنى وعد الله الذين تثبتوا على الإيمان من أصحاب محمد أجرًا عظيمًا،
وسترًا على ذنوبهم(312)
«و«مِنْ» ها هنا لِبيان الجنس، لأن لفظةَ «بعضٍ» لا تَصلُحُ مكانَها.
فما أكرمَ قومًا ذُكِروا في التَّوراة والإنجيل والقرآن، وَوُصفوا بالسَّبق والهجرة والنُّصْرَة والإيمان، أولئك أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، الذين صَدَعتْ مَمادحُ الوحي قرآنًا وسُنَّةً، بأنَّهم خيرُ الناس وخيرُ القرون، وخيرُ أُمَّة»(313) .
فهذه الآية: «شاملة لجميع الصحابة رضي الله عنهم، لأن كل من أقام معه صلى الله عليه وسلم ساعة ثبت اتصافه بأنه ممن معه فكان المدح في الآية شاملًا للكل رضي الله عنهم»(314) .
ثامنًا: ليستخلفنهم في الأرض
لقد وعد الله قومًا وصفهم بالإيمان بالاستخلاف في الأرض، قال الله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَئًْا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 55].
أخبر الله نبيه ووعده أنه سيمكن من آمن به من ملك أرض العدو، وأنه سيستخلفهم في تلك آمنين، فكان ما وعد به، وهذا من أدل ما يكون على صحة نبوة محمد عليه السلام لأنه أخبر بما يكون قبل أن يكون، فكان كما أخبر صلى الله عليه وسلم، فلا يكون ذلك إِلا عن وحي من الله إليه بذلك، ولا يجوز أن يكون هذا الإخبار من متخرص يصيب ويخطئ، ويصيب بعضًا ويخطئ في بعض لأنه قد كان كل ما وعدهم به، لم يمتنع منه شيء، والمتخرص يقع خبره كذبًا في أكثر أقواله، وربما وافق بعض ما أخبر به، وأخطأ في بعض، ولا يصيب المتخرص في كل ما وعد به، فلما كان كل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم لم يمتنع منه شيء علمنا أنه بوحي، والوحي لا يكون إلا للنبي والرسول الصادق في أخباره، فكان في ذلك دلالة على نبوة محمد عليه السلام. لأن الله تعالى ذكره قد أنجز له وعده(315) .
وهذه الآية لا تمتنع من العموم، لكنها دالة على أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم بالأولوية(316) .
يقول ابن تيمية: «فقد وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالاستخلاف، كما وعدهم في تلك الآية مغفرة وأجرا عظيما، والله لا يخلف الميعاد، فدل ذلك على أن الذين استخلفهم كما استخلف
الذين من قبلهم ومكن لهم دين الإسلام، وهو الدين الذي ارتضاه لهم، كما قال تعالى: {وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3]، وبدلهم من بعد خوفهم أمنا، لهم منه المغفرة والأجر العظيم.
وهذا يستدل به من وجهين: يستدل به على أن المستخلفين مؤمنون عملوا الصالحات; لأن الوعد لهم لا لغيرهم، ويستدل به على أن هؤلاء مغفور لهم، ولهم مغفرة وأجر عظيم; لأنهم آمنوا وعملوا الصالحات فتناولتهم الآيتان: آية النور وآية الفتح.
ومن المعلوم أن هذه النعوت منطبقة على الصحابة على زمن أبي بكر وعمر وعثمان، فإنه إذ ذاك حصل الاستخلاف، وتمكن الدين والأمن بعد الخوف، لما قهروا فارس والروم، وفتحوا الشام والعراق ومصر وخراسان وإفريقية، ولما قتل عثمان وحصلت الفتنة لم يفتحوا شيئا من بلاد الكفار، بل طمع فيهم الكفار بالشام وخراسان، وكان بعضهم يخاف بعضا.
وحينئذ فقد دل القرآن على إيمان أبي بكر وعمر وعثمان، ومن كان معهم في زمن الاستخلاف والتمكين والأمن. والذين كانوا في زمن الاستخلاف والتمكين والأمن، وأدركوا زمن الفتنة ــ كعلي وطلحة والزبير وأبي موسى الأشعري ومعاوية وعمرو بن العاص ــ دخلوا في الآية ; لأنهم استخلفوا(317) ومكنوا وأمنوا» .
يقول ابن كثير: «هذا وعد من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم بأنه سيجعل أمته خلفاء الأرض، أي: أئمة الناس والولاة عليهم، وبهم تصلح البلاد، وتخضع لهم العباد، وليبدلن بعد خوفهم من الناس أمنا وحكما فيهم، وقد فعل تبارك وتعالى ذلك. وله الحمد والمنة، فإنه لم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى فتح الله عليه مكة وخيبر والبحرين، وسائر جزيرة العرب وأرض اليمن بكمالها. وأخذ الجزية من مجوس هجر، ومن بعض أطراف الشام، وهاداه هرقل ملك الروم وصاحب مصر والإسكندرية ــ وهو المقوقس ــ وملوك عمان والنجاشي ملك الحبشة، الذي تملك بعد أصحمة، رحمه الله وأكرمه.
ثم لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم واختار الله له ما عنده من الكرامة، قام بالأمر بعده خليفته أبو بكر الصديق، فلم شعث ما وهى عند موته عليه الصلاة والسلام وأطد جزيرة العرب ومهدها، وبعث الجيوش الإسلامية إلى بلاد فارس صحبة خالد بن الوليد، رضي الله عنه، ففتحوا طرفا منها، وقتلوا خلقا من أهلها. وجيشا آخر صحبة أبي عبيدة، رضي الله عنه، ومن معه من الأمراء إلى أرض الشام، وثالثا صحبة عمرو بن العاص، رضي الله عنه، إلى بلاد مصر، ففتح الله للجيش الشامي في أيامه بصرى ودمشق ومخاليفهما من بلاد حوران وما والاها، وتوفاه الله عز وجل، واختار له ما عنده من الكرامة. ومن على الإسلام وأهله بأن ألهم الصديق أن استخلف عمر الفاروق، فقام في الأمر بعده قياما تاما، لم يدر الفلك بعد الأنبياء عليهم السلام على مثله، في قوة سيرته وكمال عدله. وتم في أيامه فتح البلاد الشامية بكمالها، وديار
مصر إلى آخرها، وأكثر إقليم فارس، وكسر كسرى وأهانه غاية الهوان، وتقهقر إلى أقصى مملكته، وقصر قيصر، وانتزع يده عن بلاد الشام فانحاز إلى قسطنطينة، وأنفق أموالهما في سبيل الله، كما أخبر بذلك ووعد به رسول الله، عليه من ربه أتم سلام وأزكى صلاة.
ثم لما كانت الدولة العثمانية، امتدت المماليك الإسلامية إلى أقصى مشارق الأرض ومغاربها، ففتحت بلاد المغرب إلى أقصى ما هنالك: الأندلس، وقبرص، وبلاد القيروان، وبلاد سبتة مما يلي البحر المحيط، ومن ناحية المشرق إلى أقصى بلاد الصين، وقتل كسرى، وباد ملكه بالكلية. وفتحت مدائن العراق، وخراسان، والأهواز، وقتل المسلمون من الترك مقتلة عظيمة جدا، وخذل الله ملكهم الأعظم خاقان، وجبي الخراج من المشارق والمغارب إلى حضرة أمير المؤمنين عثمان بن عفان، رضي الله عنه. وذلك ببركة تلاوته ودراسته وجمعه الأمة على حفظ القرآن؛ ولهذا ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها»(318) فها نحن نتقلب فيما وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله، فنسأل الله الإيمان به، وبرسوله، والقيام بشكره على الوجه الذي يرضيه عنا»(319) .
تاسعًا: وهم الرجال الصادقون المتحققون بالإيمان
فقد وصفهم الله بذلك، فقال: {مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلًا} [الأحزاب: 23]، وعن أنس رضي الله عنه، قال: غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر، فقال: «يا رسول الله غبت عن أول قتال قاتلت المشركين، لئن الله أشهدني قتال المشركين ليرين الله ما أصنع»، فلما كان يوم أحد، وانكشف المسلمون، قال: «اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء ــ يعني أصحابه ــ وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء، ــ يعني المشركين ــ ثم تقدم»، فاستقبله سعد بن معاذ، فقال: «يا سعد بن معاذ، الجنة ورب النضر إني أجد ريحها من دون أحد»، قال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع، قال أنس: فوجدنا به بضعا وثمانين ضربة بالسيف أو طعنة برمح، أو رمية بسهم ووجدناه قد قتل وقد مثل به المشركون، فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه قال أنس: «كنا نرى أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه: {مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ اللَّهَ(320) عَلَيْهِ} إلى آخر الآية» .
وقال يزيد بن رومان: «{مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ} أي وفوا الله بما عاهدوه عليه {فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ} أي فرغ من عمله، ورجع إلى ربه، كمن استشهد يوم بدر ويوم أحد {وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ}
ما وعد الله من نصره والشهادة على ما مضى عليه أصحابه»(321)
وقال الطبري: «يقول تعالى ذكره {مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ} بالله ورسوله {رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ} يقول: أوفوا بما عاهدوه عليه من الصبر على البأساء والضراء، وحين البأس {فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ} يقول: فمنهم من فرغ من العمل الذي كان نذره الله وأوجبه له على نفسه، فاستشهد بعض يوم بدر وبعض يوم أحد وبعض في غير ذلك من المواطن {وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ} قضاءه والفراغ منه، كما قضى من مضى منهم على الوفاء لله بعهده، والنصر من الله، والظفر على عدوه»(322) .
ومن وصفهم بالصدق ما وصفهم الله به في قوله: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحشر: 8]، فهؤلاء قد «سمحت نفوسهم رضي الله عنهم بالنفس والمال والولد والأهل والدار، ففارقوا الأوطان وهاجروا الإخوان، وقتلوا الآباء والإخوان وبذلوا النفوس صابرين، وأنفقوا الأموال محتسبين وناصبوا من ناوأهم متوكلين فآثروا رضاء الله على الغناء، والذل على العز، والغربة على الوطن»(323) .
وقد سبق عدد من الآيَات في وصف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
بالإيمان، وما يؤكد ذلك، ويعضده، قوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال: 74]، أي: والذين صدقوا بمحمد عليه السلام، وبما جاء به، وهجروا أهلهم ودارهم، ومضوا إلى دار الإسلام، وجاهدوا في سبيل الله، والذين آووا النبي صلى الله عليه وسلم، ومن معه من المهاجرين، ونصروهم، وهم الأنصار، أولئك هم المؤمنون حقا لهم ستر، ولهم في الجنة مطعم هني كريم(324)
فعلمنا «أن الله تعالى قد ذكر أن المهاجرين المجاهدين في سبيل الله الناصرين لدينه ونبيه صلى الله عليه وسلم هم المؤمنون إيمانا كاملًا حقًا وأن لهم مغفرة من الله تعالى ورزقا كريما، وذلك بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}، فإن قوله: {هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} بالحصر يدل على كمال إيمانهم بالنسبة إلى غيرهم، لأن الحصر لإفادة الكمال لا لنفي الإيمان عمن غيرهم بدليل قوله: { حَقًّا} أي إيمانا حقا كاملا وقوله: {وَالَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنكُمْ}»(325) .
U :
إذا علمت ما سبق، فاعلم أن الثناء يشمل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم
جملة، لأن الآيَات عامة، لا ينبغي تخصيصها بغير موجب، ونحن نعيد ذكر هذه الآيَات التي تدل على مدح الصحابة جملة، ليتبين الحق، ويجاب بذلك عن بعض ما يتردد أن الآيَات لا تشمل الصحابة، بل هي لقوم مخصوصين، وقد بينا عند ذكرنا للآيات دلالتها على العموم، ونذكر طرفًا من هذا لمزيد بيان وإيضاح، فنقول(326)
1 ــ فقوله تعالى: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطَْٔهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمَا} [الفتح: 29].
فقوله: {وَالَّذِينَ مَعَهُ} دال على العموم، ولا يصح تخصيصه، ومع هذا فإن الذي يطالع أحوال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يعلم صدق تحققهم بهذه الأوصاف التي ذكرها في الآية.
ولا
ريب أن هذا مدح لهم بما ذكر من الصفات: وهو الشدة على الكفار والرحمة بينهم، والركوع والسجود يبتغون فضلا من الله ورضوانا، والسيما في وجوههم من أثر السجود، وأنهم يبتدئون من ضعف إلى كمال القوة والاعتدال كالزرع.
والوعد بالمغفرة والأجر العظيم ليس على مجرد هذه الصفات، بل على الإيمان والعمل الصالح، فذكر ما به يستحقون الوعد، وإن كانوا كلهم بهذه الصفة، ولولا ذكر ذلك لكان يظن أنهم بمجرد ما ذكر يستحقون المغفرة والأجر العظيم، ولم يكن فيه بيان سبب الجزاء، بخلاف ما إذا ذكر الإيمان والعمل الصالح، فإن الحكم إذا علق باسم مشتق مناسب، كان ما منه الاشتقاق سبب الحكم.
فإن قيل: فالمنافقون كانوا في الظاهر مسلمين، قيل: المنافقون لم يكونوا متصفين بهذه الصفات، ولم يكونوا مع الرسول والمؤمنين، ولم يكونوا منهم، كما قال تعالى: {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُواْ أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَاسِرِينَ} [المائدة: 52 ــ 53].
وقوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِن جَاءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ} [العنكبوت: 10 ــ 11].
وقال: {إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللَّهِ قَالُواْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُواْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ
بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [النساء: 140 141]. إلى قوله: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَاعْتَصَمُواْ بِاللَّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 145 146].
وقال تعالى: {وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ} [التوبة: 56].
وقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [المجادلة: 14]، فأخبر أن المنافقين ليسوا من المؤمنين ولا من أهل الكتاب.
وقد قال تعالى: {يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [التحريم: 8].
وقال تعالى: {يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُواْ انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُواْ وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُواْ نُورًا} [الحديد: 13]، فدل هذا على أن المنافقين لم يكونوا داخلين في الذين آمنوا معه، والذين كانوا منافقين، منهم من تاب عن نفاقه وانتهى عنه، بدليل قوله تعالى: {لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُواْ أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ تَقْتِيلًا}
[الأحزاب: 60 61]، فلما لم يغره الله بهم ولم يقتلهم تقتيلا، بل كانوا يجاورونه بالمدينة، دل ذلك على أنهم انتهوا.
2 ــ وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ} [الأنفال: 72] إلى قوله: {وَالَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنكُمْ} [الأنفال: 75]، فأثبت الموالاة بينهم مع أنهم هاجروا وجاهدوا من بعد أولئك السابقين.
3 ــ وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 64]، أي: الله كافيك وكافي من اتبعك من المؤمنين، والصحابة أفضل من اتبعه من المؤمنين وأولهم.
4 ــ وقال تعالى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابَا} [النصر]، والذين رآهم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يدخلون في دين الله أفواجا هم الذين كانوا على عصره.
5 ــ وقال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ} [الأنفال: 62 ــ 63]، وإنما أيده في حياته بالصحابة.
6 وقال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَئًْا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 55].
فقد وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالاستخلاف، كما وعدهم في تلك الآية مغفرة وأجرا عظيما، والله لا يخلف الميعاد، فدل ذلك على أن الذين استخلفهم كما استخلف الذين من قبلهم ومكن لهم دين الإسلام، وهو الدين الذي ارتضاه لهم، كما قال تعالى: {وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3]، وبدلهم من بعد خوفهم أمنا، لهم منه المغفرة والأجر العظيم.
وهذا يستدل به من وجهين: يستدل به على أن المستخلفين مؤمنون عملوا الصالحات; لأن الوعد لهم لا لغيرهم، ويستدل به على أن هؤلاء مغفور لهم، ولهم مغفرة وأجر عظيم; لأنهم آمنوا وعملوا الصالحات فتناولتهم الآيتان: آية النور وآية الفتح.
ومن المعلوم أن هذه النعوت منطبقة على الصحابة على زمن أبي بكر وعمر وعثمان، فإنه إذ ذاك حصل الاستخلاف، وتمكن الدين والأمن بعد الخوف، لما قهروا فارس والروم، وفتحوا الشام والعراق ومصر وخراسان وإفريقية، ولما قتل عثمان وحصلت الفتنة لم يفتحوا شيئا من بلاد الكفار، بل طمع فيهم الكفار بالشام وخراسان، وكان بعضهم يخاف
بعضا.
وحينئذ فقد دل القرآن على إيمان أبي بكر وعمر وعثمان، ومن كان معهم في زمن الاستخلاف والتمكين والأمن.
يقول العلامة الشيخ عبدالرحمن المعلمي اليماني في نص جامع نفيس بعد إيراد عدة آيات في فضل الصحابة، وقد قدمناها جميعها بحمد الله(327) «ومن تدبَّر هذه الآيَات وغيرها من القرآن وجدَ الثناء على
المهاجرين عامًّا سالمًا من التخصيص، فإذا تتبَّع السنة أيضًا لم يجد ما ينافي ذلك، سوى فلتاتٍ ربما كانت تقع من بعضهم فلا تضرهم.
فمنها: ما جرى منهم يوم بدر، مِنْ ترجيح أخذ الفداء، فأقرّهم الله عز وجل عليه وأنزل: {لَّوْلَا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}(328) [الأنفال: 68 ــ 69]
ومنها: تولي بعضهم يومَ أحد فأنزل الله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ}(329) [آل عمران: 155].
ومنها: قصة مِسْطَح بن أُثاثة لما خاض مع أهل الإفك فكان ما كان، وأقسم أبو بكر أن لا ينفق عليه، فأنزل الله عز وجل: {وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُواْ الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُواْ أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}(330) [النور: 22].
ومنها: قصة حاطب بن أبي بلتعة(331) .
وأشدّ ما وقع من ذلك قصة عبد الله بن أبي سرح، مع أنه ليس من المهاجرين الأولين، وإنما كان ممن أسلم قبيل الفتح، ثم ارتد، فأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم الفتح بقتله فلم يقتل وأسلم(332) .
قال ابن عبد البر(333) «فحسن إسلامه،
فلم يظهر منه شيء ينكر عليه بعد ذلك، هو أحد النجباء العقلاء الكرماء من قريش».
ثم ذكر ولايته مصر وفتحه أفريقية والنوبة، ثم قال: «ودعا ربه فقال: اللهم اجعل خاتمة عملي صلاة الصبح، فتوضأ ثم صلى الصبح، فقرأ في الركعة الأولى بأم القرآن والعاديات، وفي الثانية بأم القرآن وسورة، ثم سلّم عن يمينه، وذهب يسلم عن يساره، فقبض الله روحه. ذكر ذلك كله يزيد بن أبي حبيب وغيره».
ومع ذلك فلم يُرْوَ عنه من الحديث شيء إلا حديث واحد قد رواه غيره من الصحابة، ومع ذلك لم يصح السند إليه.
وأمّا الأنصار فحالهم قريب من حال المهاجرين، إلا أنه لم يعم الإيمان جميع الأوس والخزرج بل كان منهم أفراد منافقون.
وقد ذكر الله عز وجل ذلك في كتابه، لكن أولئك الأفراد كانوا قليلًا، كما يظهر من الآيَات والأحاديث، وكما يُعْلَم ذلك بدلالة المعقول؛ فإنهم لو كانوا هم الأكثر أو كثيرًا، لكانوا أظهروا كُفْرَهم، ولم يحتاجوا إلى النفاق، ومع ذلك فقد كانوا معروفين عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين، إن لم يكن عِلْمَ اليقين فالظن، قال الله عز وجل: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ} [القتال: 29 ــ 30].
وكانوا مع ذلك خائفين كما قال الله عز وجل فيهم: {يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ} [المنافقون: 4].
وكانوا مع ذلك إلى نقص بالهلاك أو التوبة والإخلاص، والغالب على الظن أنّ من بقي منهم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يتعرَّض أحدٌ منهم لأن يذكر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم شيئًا لخوفهم من المؤمنين، وعلمهم أنَّ أحدَهم لو أخبر بشيء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكَذَب فيه لأنكره عليه المؤمنون وفضحوه بما كانوا يظنونه من نفاقه، أو لأعْلَمهم بنفاقه حذيفةُ أو غيرُه ممن كان قد أسرَّ إليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأسماء المنافقين.
وأمّا الأعراب فقد قال الله عز وجل: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِن قُولُواْ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَئًْا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [الحجرات: 14].
والظاهر أنَّ أهلَ هذه الآية آمنوا بعد ذلك أو غالبهم، كما تقتضيه كلمة «لمّا».
وقد ذكر الله عز وجل فِرقَهَم في سورة التوبة [95 ــ 105] فذكر أنّ منهم منافقين، ومنهم مؤمنون مخلصون، ومنهم مخلّطون يرجى لهم الخير، وقال في آخر ذلك: {وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} [التوبة: 105].
ثم ابتلاهم الله عز وجل بعد غزوة العُسْرة بوفاة
رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، فارتدَّ أقوامٌ من الأعراب، فعرفهم المؤمنون حقّ المعرفة.
وأمّا الطُّلقاء من أهل مكة فلم يرتدّ منهم أحد بعده صلى الله عليه وآله وسلم، وقد شملتهم بعضُ الآيَات المتقدّمة كما يعلم بمراجعتها، وكذلك تشملهم بعض الأحاديث، كالحديث المشهور: «خير الناس قرني...»(334) .
وبالجملة فتعديل الله عز وجل ورسوله ثابت للمهاجرين عامة، ولم يجئ ما يخصِّصه.
وأمّا الأنصار؛ فالثناء عليهم عام، ولكن قد كان من الأوس والخزرج منافقون لكنهم قليل، ولم يحضر من المنافقين أحدٌ بيعةَ العقبة، ولا شهد بدرًا ولا أحدًا، فإنَّ كبيرهم اعتزل بهم، والظاهر أنه لم يبايع تحت الشجرة أحدٌ منهم، وقد قيل: إنه كان هناك واحد منهم فلم يبايع وقد سُمّي(335) .
وقول الله عز وجل في ذكر تخلُّفهم عن غزوة تبوك: {وَلَكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا} الآية [التوبة: 46، 47] يقتضي أنه لم يشهد
تبوك أحدٌ منهم.
ولكن رُوي أن اثني عشر منهم اعترضوا النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم مَرْجِعَه من تبوك، وأرادوا تَرْديته من العقبة(336) .
وقد يقال ــ إن صح الخبر ــ: لعلّ هؤلاء لم يشهدوا تبوك، وإنّما ترصَّدوا قدومَه صلى الله عليه وآله وسلم من تبوك، فالتقوه ببعض الطريق لمَّا هموا به. ومع ذلك ففي الخبر أن حذيفة عرف هؤلاء.
هذا، وقد سبق أن الظاهر أنّ من بقي من المنافقين لم يُرْوَ عن أحدٍ منهم شيء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وأمّا الأعراب فقد تمّ امتحانهم بوفاته صلى الله عليه وآله وسلم، فَمَن ثبت منهم على الإِسلام فقد ثبتت عدالته، ومن ارتدّ فقد زالت، فمن عاد بعد ذلك إلى الإِسلام فيحتاج إلى عدالة جديدة.
وأمّا الطُّلقاء فقد شملتهم بعض الآيَات كما عرفتَ، ولم تقع منهم ردّة.
ولو اقتصر المخالف في المسألة على القول بأن مَنْ تأخَّر إسلامُه وقلَّت صحبتُه يحتاج إلى البحث عنهم لكان لقوله وجهٌ في الجملة. وأوجه من ذلك مَنْ كان من الأعراب، ويحتمل أنّه ممن ارتدّ عقب وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فأما من عُلِم أنه ممن ارتدّ فالأمر فيه أظهر.
هذا، وقد كان العرب يتحاشَون من الكذب، وتأكَّد ذلك فيمن أسلم، وكان أحدهم وإن رقَّ دينُه لا يبلغُ به أن يجترئ على الكذب على الله ورسوله،
وكانوا يرون أنّ أصحابَ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم متوافرون، وأنه إن تجرَّأ أحدٌ على الكذب افْتُضِح.
ولو قال قائل: إنّ الله تبارك وتعالى منعَ القومَ مِن تعمُّدِ الكذب على نبيه عليه الصلاة والسلام بمقتضى ضمانه بحفظ دينه، ولا سيّما مع إخباره بعدالتهم لَمَا أبْعَد.
ومَنْ تدبّر الأحاديث المروية عمن يمكن أن يُتكلَّم فيه من الطلقاء ونحوهم = ظهر له صِدْق القوم؛ فإنَّ المرويّ عن هؤلاء قليل، ولا تكاد تجد حديثًا يصحّ عن أحدٍ منهم إلا وقد صحَّ بلفظه أو معناه عن غيره من المهاجرين أو الأنصار. وقد كانت بين القوم إحَنٌ(337) بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلو استساغ أحدٌ منهم الكذب لاختلق أحاديث تقتضي ذمَّ خصمه، ولم نجد من هذا شيئًا صحيحًا صريحًا.
وفوق هذا كله فأهل السنة لم يدَّعوا عصمةَ القوم، بل غاية ما ادَّعوه أنه ثبت لهم أصل العدالة، ثم لم يثبت ما يزيلها. والمخالف يزعم أنه قد ثبت عنده في حقِّ بعضهم ما يزيل العدالة، فانحصر الخلاف في تلك الأمور التي زعمها، فإذا أثبت أهل السنة أنها لم تصح، وأن ما صحَّ منها لا يقتضي زوال العدالة استتبَّ الأمر. فأمّا من ثبتَ شهادةُ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم له بالمغفرة والجنة فقد تضمن ذلك تعديلهم أوّلًا وآخرًا. والله الموفق»(338) .
المبحث الثاني : الآيَات التي نزلت في تزكية القرابة إجمالًا
إن كل الآيَات التي سبقت في تزكية الصحابة على سبيل الإجمال يصلح أن نستشهد بها، إذ قرابة النبي صلى الله عليه وسلم صحبة وزيادة، ولكنا نذكر هنا الآيَات التي نزلت في تزكية القرابة ــ خاصة ــ على سبيل الإجمال.
1 ــ آيات سورة الأحزاب.. وفضل أزواج الرسول.
ونبدأ هذا المبحث بذكر آيات جامعة في فضل آل البيت وردت في سياق واحد في سورة الأحزاب، وهي قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْأخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا} [الأحزاب: 28 ــ 34].
وهذه الآيَات دالة على فضل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه:
الأول: أنهن اخترن الله ورسوله، كما في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْأخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا}.
فهذا أمر من الله لرسوله، صلوات الله وسلامه عليه، بأن يخير نساءه بين أن يفارقهن، فيذهبن إلى غيره ممن يحصل لهن عنده الحياة الدنيا وزينتها، وبين الصبر على ما عنده من ضيق الحال، ولهن عند الله في ذلك الثواب الجزيل، فاخترن، رضي الله عنهن وأرضاهن، الله ورسوله والدار الآخرة، فجمع الله لهن بعد ذلك بين خير الدنيا وسعادة الآخرة(339) والأزواج المعنيات في هذه الآية هن أزواجه التسع اللاتي توفي عليهن، وهن: عائشة بنت أبي بكر الصديق، وحفصة بنت عمر بن الخطاب، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وأم سلمة بنت أمية المخزومية، وجويرية بنت الحارث الخزاعية، وميمونة بنت الحارث الهلالية من بني عامر بن صعصعة، وسودة بنت زمعة العامرية القرشية،
وزينب بنت جحش الأسدية، وصفية بنت حيي النضيرية. وأما زينب بنت خزيمة الهلالية الملقبة أم المساكين فكانت متوفاة وقت نزول هذه الآية(340)
وفي هذا فضيلة عظيمة ومنقبة كبيرة لهن، فإنهن اخترن الله ورسوله على الدنيا فاستحقوا موعود الله بالفوز والسعادة، فعن الزهري، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، «أن عائشة رضي الله عنها، زوج النبي صلى الله عليه وسلم، أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءها حين أمره الله أن يخير أزواجه، فبدأ بي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إني ذاكر لك أمرا، فلا عليك أن لا تستعجلي حتى تستأمري أبويك» وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه، قالت: ثم قال: إن الله قال: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ} إلى تمام الآيتين، فقلت له: ففي أي هذا أستأمر أبوي؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة»(341) .
وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: «خيرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاخترنا الله ورسوله، فلم يعد ذلك علينا شيئا»(342) .
وذكر الله تعالى مضاعفة الأجر والثواب لمن قنت لله ورسوله وخضع له بالطاعة، والعذاب لمن ابتعد عن أمر الله ورسوله، فقال في مضاعفة العذاب: {يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا}، وفي مضاعفة الثواب: {وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا} [الأحزاب: 31]، «وضمير أجرها عائد إلى من باعتبار أنها صادقة على واحدة من نساء النبيء صلى الله عليه وسلم.
وفي إضافة الأجر إلى ضميرها إشارة إلى تعظيم ذلك الأجر بأنه يناسب مقامها وإلى تشريفها بأنها مستحقة ذلك الأجر.
ومضاعفة الأجر لهن على الطاعات كرامة لقدرهن، وهذه المضاعفة في الحالين من خصائص أزواج النبيء صلى الله عليه وسلم لعظم قدرهن، لأن زيادة قبح المعصية تتبع زيادة فضل الآتي بها، ودرجة أزواج النبيء صلى الله عليه وسلم عظيمة»(343) .
وأخبر الله أنهن لسن كأحد من النساء، فقال: {يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا}،
وأمرهن بالقرار في بيوتهن، {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}.
«قوله: { لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ}، يعني في الفضل والشرف فإنهن وإن كن من الآدميات فلسن كإحداهن، كما أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإن كان من البشر جبلة، فليس منهم فضيلة ومنزلة، وشرف المنزلة لا يحتمل العثرات، فإن من يقتدى به، وترفع منزلته على المنازل جدير بأن يرتفع فعله على الأفعال، ويربو حاله على الأحوال.
وقوله تعالى: {فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ} أمرهن الله تعالى أن يكون قولهن جزلا، وكلامهن فصلا، ولا يكون على وجه يحدث في القلب علاقة بما يظهر عليه من اللين المطمع للسامع، وأخذ عليهن أن يكون قولهن معروفا»(344) .
يقول مكي: «أي: لستن في الفضل والمجازاة كأحد من نساء هذه الأمة، إن اتقيتن الله بالطاعة له ولرسوله، وقوله: {فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ} أي: لا تُلِنَّ القول للرجال، {فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} أي: شك ونفاق، أي يطمع في الفاحشة استخفافًا بحدود الله، ثم قال تعالى: {وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا} أي: قولًا أَذِنَ الله لكن فيه وأباحه لكن، قال ابن
زيد: معناه: قولًا جميلًا معروفًا في الخير، ثم قال: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} أي: اثبتن في بيوتكن، ثم قال تعالى: {وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} أي: إذا خرجتن من بيوتكن، قال قتادة: التبرج في هذا الموضع التبختر والتكسر، وكانت الجاهلية الأولى مشية فيها تكسير وتغنج فنهاهن الله عن ذلك، وقيل التبرج إظهار الزينة للرجال، وحقيقتها إظهار ما ستر الله، وهو مأخوذ من السعة»(345)
يقول الشيخ السعدي: «يقول تعالى: {يَانِسَاءَ النَّبِيِّ} خطاب لهن كلهن {لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ} الله، فإنكن بذلك، تفقن النساء، ولا يلحقكن أحد من النساء، فكملن التقوى بجميع وسائلها ومقاصدها.
فلهذا أرشدهن إلى قطع وسائل المحرم، فقال: {فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ} أي: في مخاطبة الرجال، أو بحيث يسمعون فَتَلِنَّ في ذلك، وتتكلمن بكلام رقيق يدعو ويطمع {الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} أي: مرض شهوة الزنا، فإنه مستعد، ينظر أدنى محرك يحركه، لأن قلبه غير صحيح فإن القلب الصحيح ليس فيه شهوة لما حرم الله، فإن ذلك لا تكاد تُمِيلُه ولا تحركه الأسباب، لصحة قلبه، وسلامته من المرض.
بخلاف مريض القلب، الذي لا يتحمل ما يتحمل الصحيح، ولا يصبر على ما يصبر عليه، فأدنى سبب يوجد، يدعوه إلى الحرام، يجيب دعوته،
ولا يتعاصى عليه، فهذا دليل على أن الوسائل، لها أحكام المقاصد. فإن الخضوع بالقول، واللين فيه، في الأصل مباح، ولكن لما كان وسيلة إلى المحرم، منع منه، ولهذا ينبغي للمرأة في مخاطبة الرجال، أن لا تلِينَ لهم القول.
ولما نهاهن عن الخضوع في القول، فربما توهم أنهن مأمورات بإغلاظ القول، دفع هذا بقوله: {وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا} أي: غير غليظ، ولا جاف كما أنه ليس بِلَيِّنٍ خاضع.
وتأمل كيف قال: {فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ} ولم يقل: «فلا تَلِنَّ بالقول» وذلك لأن المنهي عنه، القول اللين، الذي فيه خضوع المرأة للرجل، وانكسارها عنده، والخاضع، هو الذي يطمع فيه، بخلاف من تكلم كلامًا لينًا، ليس فيه خضوع، بل ربما صار فيه ترفع وقهر للخصم، فإن هذا، لا يطمع فيه خصمه، ولهذا مدح الله رسوله باللين، فقال: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ} وقال لموسى وهارون: {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى}.
ودل قوله: {فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} مع أمره بحفظ الفرج وثنائه على الحافظين لفروجهم، والحافظات، ونهيه عن قربان الزنا، أنه ينبغي للعبد، إذا رأى من نفسه هذه الحالة، وأنه يهش لفعل المحرم عندما يرى أو يسمع كلام من يهواه، ويجد دواعي طمعه قد انصرفت إلى الحرام، فَلْيَعْرِفْ أن ذلك مرض.
فَلْيَجْتَهِدْ في إضعاف هذا المرض وحسم الخواطر الردية، ومجاهدة نفسه على سلامتها من هذا المرض الخطر، وسؤال الله العصمة والتوفيق، وأن ذلك من حفظ الفرج المأمور به.
{وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} أي: اقررن فيها، لأنه أسلم وأحفظ لَكُنَّ، {وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} أي: لا تكثرن الخروج متجملات أو متطيبات، كعادة أهل الجاهلية الأولى، الذين لا علم عندهم ولا دين، فكل هذا دفع للشر وأسبابه.
ولما أمرهن بالتقوى عمومًا، وبجزئيات من التقوى، نص عليها لحاجة النساء إليها، كذلك أمرهن بالطاعة، خصوصًا الصلاة والزكاة، اللتان يحتاجهما، ويضطر إليهما كل أحد، وهما أكبر العبادات، وأجل الطاعات، وفي الصلاة، الإخلاص للمعبود، وفي الزكاة، الإحسان إلى العبيد.
ثم أمرهن بالطاعة عمومًا، فقال: {وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} يدخل في طاعة الله ورسوله، كل أمر، أمرَا به أمر إيجاب أو استحباب.
{إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ} بأمركن بما أَمَرَكُنَّ به، ونهيكن بما نهاكُنَّ عنه، {لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ} أي: الأذى، والشر، والخبث، يا {أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} حتى تكونوا طاهرين مطهرين.
أي: فاحمدوا ربكم، واشكروه على هذه الأوامر والنواهي، التي
أخبركم بمصلحتها، وأنها محض مصلحتكم، لم يرد الله أن يجعل عليكم بذلك حرجًا ولا مشقة، بل لتتزكى نفوسكم، ولتتطهر أخلاقكم، وتحسن أعمالكم، ويعظم بذلك أجركم.
ولما أمرهن بالعمل، الذي هو فعل وترك، أمرهن بالعلم، وبين لهن طريقه، فقال: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} والمراد بآيات الله، القرآن. والحكمة، أسراره. وسنة رسوله. وأمرهن بذكره، يشمل ذكر لفظه، بتلاوته، وذكر معناه، بتدبره والتفكر فيه، واستخراج أحكامه وحكمه، وذكر العمل به وتأويله. {إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا} يدرك أسرار الأمور، وخفايا الصدور، وخبايا السماوات والأرض، والأعمال التي تبين وتسر.
فلطفه وخبرته، يقتضي حثهن على الإخلاص وإسرار الأعمال، ومجازاة الله على تلك الأعمال»(346) .
آية التطهير:
ونحن نفرد الحديث عن هذه الآية لأهميتها ومركزيتها في فضائل آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي قوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب: 33].
واعلم أن «هذه الآية منبع فضائل أهل البيت النبوي لاشتمالها على غرر
من مآثرهم والاعتناء بشأنهم حيث ابتدئت بإنما المفيدة لحصر إرادته تعالى في أمرهم على إذهاب الرجس الذي هو الإثم أو الشك فيما يجب الإيمان به عنه وتطهيرهم من سائر الأخلاق والأحوال المذمومة»(347)
والصحيح أن الخلاف الذي يحكى في المراد بهذه الآية ينبغي أن تحمل الآية معه على عمومها، وأن يكون المراد بأهل البيت في هذه الآية ما ذكره ابن عطية بقوله: «والذي يظهر إلي أن زوجاته لا يخرجن عن ذلك البتة، فأهل البيت زوجاته وبنته وبنوها وزوجها، وهذه الآية تقضي أن الزوجات من أهل البيت لأن الآية فيهن والمخاطبة لهن»(348) والسياق يقضي بكون الآية في نساء النبي صلى الله عليه وسلم، ويقول الواحدي بعد ذكر الأحاديث التي فيها أهل الكساء، «وهذا لا يدل على أن هذه الآية خاصة فيهم؛ لأن هذه الرواية تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا لهم بهذا الدعاء، وسأل الله أن يطهرهم، لا جرم أنه استجيب له فيهم بالتطهير، ولقد أحسن أبو إسحاق في تفسير هذه الآية، فقال: اللغة تدل على أنه للنساء والرجال جميعًا؛ لقوله: {عنكم} و{ويطهركم} بالميم، ولو كان للنساء لم يجز إلا عنكن ويطهركن، ودليله: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ}
حين أفرد النساء بالخطاب، وعلى هذا هو خطاب لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم ورجال بيته»(349)
وقال ابن حجر الهيتمي: «والحاصل أن أهل بيت السكنى داخلون في الآية لأنهم المخاطبون بها، ولما كان أهل بيت النسب تخفى إرادتهم منها بين صلى الله عليه وسلم بما فعله مع من مر أن المراد من أهل البيت هنا ما يعم أهل بيت سكناه كأزواجه وأهل بيت نسبه وهم جميع بني هاشم والمطلب»(350) .
ومما يدل على دخول أهل بيت النسب في هذه الآية، ما ثبت عن صفية بنت شيبة، قالت: قالت عائشة: خرج النبي صلى الله عليه وسلم غداة وعليه مرط مرحل، من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب: 33](351) .
وعن شداد أبي عمار، قال: دخلت على واثلة بن الأسقع، وعنده قوم، فذكروا عليا، فلما قاموا قال لي: ألا أخبرك بما رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلت: بلى، قال: أتيت فاطمة رضي الله تعالى عنها أسألها عن علي، قالت: توجه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فجلست أنتظره حتى جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم
ومعه علي وحسن وحسين رضي الله تعالى عنهم، آخذ كل واحد منهما بيده، حتى دخل فأدنى عليا وفاطمة، فأجلسهما بين يديه، وأجلس حسنا، وحسينا كل واحد منهما على فخذه، ثم لف عليهم ثوبه أو قال: كساء ثم تلا هذه الآية: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} وقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي، وأهل بيتي أحق(352)
وعن هلال بن يساف، قال: سمعت الحسن بن علي وهو يخطب وهو يقول: «يا أهل الكوفة، اتقوا الله فينا، فإنا أمراؤكم، وإنا أضيافكم، ونحن أهل البيت الذين قال الله: «إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا»، قال: فما رأيت يوما قط أكثر باكيا من يومئذ»(353) ، وعن أبي جميلة: «أن الحسن بن علي لما استخلف حين قتل علي فبينما هو يصلي إذ وثب عليه رجل فطعنه بخنجر ــ وزعم حصين أنه بلغه أن الذي طعنه رجل من بني أسد ــ وحسن ساجد قال حصين: وعمي أدرك ذاك.
قال: فيزعمون أن الطعنة وقعت في وركه فمرض منها أشهرا ثم برئ. فقعد على المنبر فقال: يا أهل العراق اتقوا الله فينا فإنا أمراؤكم
وضيفانكم أهل البيت الذين قال الله: «إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ «3» الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا»، قال: فما زال يقول ذاك حتى ما يرى أحد من أهل المسجد إلا وهو يخن بكاءا»(354)
بقي أن نشير إلى أن بعض أهل العلم ذكر أن المراد بالآية الإرادة الشرعية، أي: أن الله يحب من هؤلاء أن يتطهروا، يقول ابن تيمية: «وتحقيق ذلك في مقامين أحدهما: أن قوله: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، كقوله: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ} [المائدة: 6]، وكقوله: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185]، وكقوله: {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلًا عَظِيمًا} [النساء: 26 ــ 27]. فإن إرادة الله في هذه الآيَات متضمنة لمحبة الله لذلك، المراد ورضاه به، وأنه شرعه للمؤمنين وأمرهم به، ليس في ذلك أنه خلق هذا المراد، ولا أنه قضاه وقدره، ولا أنه يكون لا محالة. والدليل على ذلك أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعد نزول هذه الآية قال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا». فطلب من الله لهم إذهاب الرجس والتطهير، فلو كانت الآية تتضمن إخبار الله بأنه قد أذهب عنهم الرجس وطهرهم، لم يحتج(355) إلى الطلب والدعاء» .
ثم قال:
«وإذا كانت الآية دالة على وقوع ما أراده من التطهير وإذهاب الرجس، لم يلزم بمجرد الآية ثبوت ما ادعاه. ومما يبين ذلك أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مذكورات في الآية، والكلام في الأمر بالتطهير بإيجابه، ووعد الثواب على فعله، والعقاب على تركه. قال تعالى: {يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا}. {وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا}. {يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} [الأحزاب: 30 32] إلى قوله: {وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب: 33]. فالخطاب كله لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم ومعهن الأمر والنهي والوعد والوعيد. لكن لما تبين ما في هذا من المنفعة التي تعمهن وتعم غيرهن من أهل البيت، جاء التطهير بهذا الخطاب وغيره، وليس مختصا بأزواجه، بل هو متناول لأهل البيت كلهم، وعلي وفاطمة والحسن والحسين أخص من غيرهم بذلك; ولذلك خصهم النبي صلى الله عليه وسلم بالدعاء لهم. وهذا كما أن قوله: {لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ} [التوبة: 108] نزلت بسبب مسجد قباء، لكن الحكم يتناوله ويتناول ما هو أحق منه بذلك، وهو مسجد المدينة... وهكذا أزواجه وعلي وفاطمة والحسن والحسين كلهم من أهل البيت، لكن عليا وفاطمة، والحسن والحسين أخص بذلك من أزواجه، ولهذا خصهم بالدعاء.»(356)
وقال: «فإن
قيل: فهب أن القرآن لا يدل على وقوع ما أريد من التطهير وإذهاب الرجس، لكن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لهم بذلك يدل على وقوعه، فإن دعاءه مستجاب. قيل: المقصود أن القرآن لا يدل على ما ادعاه من ثبوت الطهارة وإذهاب الرجس، فضلا عن أن يدل على العصمة والإمامة. وأما الاستدلال بالحديث فذاك مقام آخر. ثم نقول في المقام الثاني: هب أن القرآن دل على طهارتهم وإذهاب الرجس عنهم، كما أن الدعاء المستجاب لا بد أن يتحقق معه طهارة المدعو لهم وإذهاب الرجس عنهم، لكن ليس في ذلك ما يدل على العصمة من الخطأ. والدليل عليه أن الله لم يرد بما أمر به أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يصدر من واحدة منهن خطأ، فإن الخطأ مغفور لهن ولغيرهن، وسياق الآية يقتضي أنه يريد ليذهب عنهم الرجس الذي هو الخبث كالفواحش ويطهرهم تطهيرا من الفواحش وغيرها من الذنوب»(357)
ومن الآيَات الدالة على فضل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، قوله تعالى: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} [الأحزاب: 6]، قال الواحدي: «قال جميع المفسرين: أي في حرمة نكاحهن، فلا يحل لأحد التزوج بواحدة منهن كما لا يحل التزوج بالأم. وهذه الأمومة
تعود إلى حرمة نكاحهن لا غير؛ لأنه لم يثبت شيء من أحكام الأمومة بين المؤمنين وبينهن سوى هذه الواحدة، ألا ترى أنه لا يحل رؤيتهن ولا يرثن المؤمنين ولا يرثونهن، ولهذا قال الشافعي: وأزواجه أمهاتهم في معنى دون معنى، وهو أنهن محرمات على التأبيد، وما كن محرمات في الخلوة والمسافرة وغير ذلك»(358) وقال الزمخشري: «تشبيه لهنَّ بالأمهات في بعض الأحكام، وهو وجوب تعظيمهنَّ واحترامهن، وتحريم نكاحهن»(359)
وقال ابن تيمية: «وقد قال الله تعالى: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} [الأحزاب: 6] وهذا أمر معلوم للأمة علما عاما، وقد أجمع المسلمون على تحريم نكاح هؤلاء بعد موته على غيره، وعلى وجوب احترامهن ; فهن أمهات المؤمنين في الحرمة والتحريم، ولسن أمهات المؤمنين في المحرمية، فلا يجوز لغير أقاربهن الخلوة بهن، ولا السفر بهن، كما يخلو الرجل ويسافر بذوات محارمه.
ولهذا أمرن بالحجاب، فقال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ} [الأحزاب: 59] وقال تعالى: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَسَْٔلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكَمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُواْ رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُواْ أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكَمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا} [الأحزاب: 53]»(360) .
2 ــ الصلاة عليهم.
ومن الدلائل على فضل آل البيت الصلاة عليهم، قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ
يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56]، وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: لقيني كعب بن عجرة، فقال: ألا أهدي لك هدية؟ إن النبي صلى الله عليه وسلم خرج علينا، فقلنا: يا رسول الله، قد علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ قال: «فقولوا: اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد»(361)
وعن موسى بن طلحة، عن أبيه، قال: أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: سمعت الله يقول: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} [الأحزاب: 56].. الآية، فكيف الصلاة عليك؟ فقال: «قل: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد»(362) .
3 ــ آية المحاجة:
ومن الآيَات التي تحدثت عن أهل البيت، قوله تعالى: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} [آل عمران: 61]، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعدا فقال: ما منعك أن تسب أبا التراب؟ فقال: أما ما ذكرت ثلاثا قالهن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فلن أسبه، لأن تكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له، خلفه في بعض مغازيه، فقال له علي: يا رسول الله خلفتني مع النساء والصبيان؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ إلا أنه لا نبوة بعدي» وسمعته يقول يوم خيبر «لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله» قال فتطاولنا لها فقال: «ادعوا لي عليا» فأتي به أرمد، فبصق في عينه ودفع الراية إليه، ففتح الله عليه، ولما نزلت هذه الآية: {فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ} دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا وفاطمة وحسنا وحسينا فقال: «اللهم هؤلاء أهلي»(363) .
يقول الزمخشري: «وفيه دليل لا شيء أقوى منه على فضل أصحاب الكساء عليهم السلام»(364) .
4 ــ آية(365) المودة :
يقول تعالى: {ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ قُل لَّا أَسَْٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ} [الشورى: 23].
ومعنى الآية على ما يقتضيه نظمها: لا أسألكم على القرآن جزاء إلا أن تودوني، أي أن تعاملوني معاملة الود، أي غير معاملة العداوة، لأجل القرابة التي بيننا في النسب القرشي(366) .
يقول الطبري: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، وأشبهها بظاهر التنزيل قول من قال: معناه: قل لا أسألكم عليه أجرا يا معشر قريش، إلا أن تودوني في قرابتي منكم، وتصلوا الرحم التي بيني وبينكم.
وإنما قلت: هذا التأويل أولى بتأويل الآية لدخول «في» في قوله: {إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} ولو كان معنى ذلك على ما قاله من قال: إلا أن تودوا قرابتي، أو تقربوا إلى الله، لم يكن لدخول «في» في الكلام في هذا الموضع وجه معروف، ولكان التنزيل: إلا مودة القربى إن عنى به الأمر بمودة قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو إلا المودة بالقربى، أو ذا القربى إن عنى به التودد والتقرب وفي دخول «في» في الكلام أوضح الدليل
على أن معناه: إلا مودتي في قرابتي منكم، وأن الألف واللام في المودة أدخلتا بدلا من الإضافة، كما قيل: {فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات: 41] وقوله: «إلا» في هذا الموضع استثناء منقطع ومعنى الكلام: قل لا أسألكم عليه أجرا، لكني أسألكم المودة في القربى، فالمودة منصوبة على المعنى الذي ذكرت وقد كان بعض نحويي البصرة يقول: هي منصوبة بمضمر من الفعل، بمعنى: إلا أن أذكر مودة قرابتي»(367)
يقول ابن كثير: «وقوله: {قُل لَّا أَسَْٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين من كفار قريش: لا أسألكم على هذا البلاغ والنصح لكم ما لا تعطونيه، وإنما أطلب منكم أن تكفوا شركم عني وتذروني أبلغ رسالات ربي، إن لم تنصروني فلا تؤذوني بما بيني وبينكم من القرابة»(368) .
وأورد عدة أحاديث منها حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أنه سئل عن قوله: {إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} [الشورى: 23] ــ فقال سعيد بن جبير: قربى آل محمد صلى الله عليه وسلم ــ فقال ابن عباس: عجلت إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن بطن من قريش، إلا كان له فيهم قرابة، فقال: «إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم(369) من القرابة» .
ثم قال: عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية: {قُل لَّا أَسَْٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}
قالوا: يا رسول الله، من هؤلاء الذين أمر الله بمودتهم؟ قال: «فاطمة وولدها، عليهم السلام».
وهذا إسناد ضعيف، فيه مبهم لا يعرف، عن شيخ شيعي متخرق، وهو حسين الأشقر، ولا يقبل خبره في هذا المحل. وذكر نزول هذه الآية في المدينة بعيد؛ فإنها مكية ولم يكن إذ ذاك لفاطمة أولاد بالكلية، فإنها لم تتزوج بعلي إلا بعد بدر من السنة الثانية من الهجرة.
والحق تفسير الآية بما فسرها به الإمام حبر الأمة، وترجمان القرآن، عبد الله بن عباس، كما رواه عنه البخاري رحمه الله ولا تنكر الوصاة بأهل البيت، والأمر بالإحسان إليهم، واحترامهم وإكرامهم، فإنهم من ذرية طاهرة، من أشرف بيت وجد على وجه الأرض، فخرا وحسبا ونسبا، ولا سيما إذا كانوا متبعين للسنة النبوية الصحيحة الواضحة الجلية، كما كان عليه سلفهم، كالعباس وبنيه، وعلي وأهل بيته وذريته، رضي الله عنهم أجمعين»(370) .
وذكر أهل التفسير «في المراد بالقُربى خمسة أقوال:
أحدها: أن معنى الكلام: إلّا أن تَوَدُّوني لقرابتي منكم، قاله ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد في الأكثرين. قال ابن عباس: ولم يكن بطنٌ
من بطون قريش إلّا ولرسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم قرابة.
والثاني: إلّا أن تَوَدُّوا قرابتي، قاله عليّ بن الحسين، وسعيد بن جبير، والسدي.
ثم في المراد بقرابته قولان:
أحدهما: عليّ وفاطمة وولدها، وقد رووه مرفوعًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والثاني: أنهم الذين تَحْرُم عليهم الصدقة ويُقْسَم فيهم الخُمُس وهم بنو هاشم وبنو المطَّلِب.
والثالث: أن المعنى: إلّا أن تَوَدَّدوا إلى الله تعالى فيما يقرِّبكم إليه من العمل الصالح، قاله الحسن، وقتادة.
والرابع: إلّا أن تَوَدُّوني، كما تَوَدُّون قرابتَكم، قاله ابن زيد. والخامس: إلّا أن تَوَدُّوا قرابتَكم وتصِلوا أرحامَكم، حكاه الماوردي.
والأول: أصح»(371) .
فليعلم أن ما فسر به بعض المفسرين أن المعنى: «إلا أن تودوا أقاربي، تلفيق معنى عن فهم غير منظور فيه إلى الأسلوب العربي، ولا
تصح فيه رواية عمن يعتد بفهمه.
أما كون محبة آل النبي صلى الله عليه وسلم لأجل محبة ما له اتصال به خلقًا من أخلاق المسلمين فحاصل من أدلة أخرى»(372) .
5 ــ الغنيمة:
ومما يتعلق بآل البيت مما ذكر في القرآن، قوله تعالى: {وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [الأنفال: 41].
قال ابن كثير: «يبين تعالى تفصيل ما شرعه مخصصا لهذه الأمة الشريفة، من بين سائر الأمم المتقدمة، من إحلال المغانم. و«الغنيمة»: هي المال المأخوذ من الكفار بإيجاف الخيل والركاب. و«الفيء»: ما أخذ منهم بغير ذلك، كالأموال التي يصالحون عليها، أو يتوفون عنها ولا وارث لهم، والجزية والخراج ونحو ذلك. هذا مذهب الإمام الشافعي في طائفة من علماء السلف والخلف.
ومن العلماء من يطلق الفيء على ما تطلق عليه الغنيمة، والغنيمة على الفيء أيضا؛ ولهذا ذهب قتادة إلى أن هذه الآية ناسخة لآية «الحشر»: {مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ} الآية [الحشر: 7]،
قال: فنسخت آية «الأنفال» تلك، وجعلت الغنائم: أربعة أخماسها للمجاهدين، وخمسا منها لهؤلاء المذكورين. وهذا الذي قاله بعيد؛ لأن هذه الآية نزلت بعد وقعة بدر، وتلك نزلت في بني النضير، ولا خلاف بين علماء السير والمغازي قاطبة أن بني النضير بعد بدر، هذا أمر لا يشك فيه ولا يرتاب، فمن يفرق بين معنى الفيء والغنيمة يقول: تلك نزلت في أموال الفيء وهذه في المغانم. ومن يجعل أمر المغانم والفيء راجعا إلى رأي الإمام يقول: لا منافاة بين آية الحشر وبين التخميس إذا رآه الإمام، والله أعلم.
وقوله تعالى: {وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ } توكيد لتخميس كل قليل وكثير حتى الخيط والمخيط، قال الله تعالى: {وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [آل عمران: 161].
وأما سهم ذوي القربى فإنه يصرف إلى بني هاشم وبني المطلب؛ لأن بني المطلب وازروا بني هاشم في الجاهلية وفي أول الإسلام ودخلوا معهم في الشعب غضبا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وحماية له: مسلمهم طاعة لله ولرسوله، وكافرهم حمية للعشيرة وأنفة وطاعة لأبي طالب عم رسول الله. وأما بنو عبد شمس وبنو نوفل وإن كانوا أبناء عمهم فلم يوافقوهم على ذلك، بل حاربوهم ونابذوهم، ومالئوا
بطون قريش على حرب الرسول؛ ولهذا كان ذم أبي طالب لهم في قصيدته اللامية أشد من غيرهم، لشدة قربهم»(373)
وانظر ما يتعلق بالآية من أحكام في مظانه في كتب الفقه(374) .
تنبيه
اعلم أن هذه الآيَات هي الآيَات التي وردت في فضائل آل البيت جملة، وقد علمت أن بعضها لا يصلح أن يكون دليلًا على التفضيل لعمومه، ونحو ذلك، وقد تركنا إيراد ما لا يصح أن نعول عليه، إما للتعسف في تأويله، وإما لكون الآية عامة، وتخصيصها بشخص أو أشخاص غاية في الضعف، وإننا نشهد لآل البيت بالفضائل الثابتة الصحيحة التي لا نحتاج معها إلى تحميل للنصوص ما لا تحتمله، والحمد لله رب العالمين.
الفصل الخامس : الصَّحَابَةُ الذِينَ نَزَلَتْ فِيهِمْ آيَاتٌ مَخْصُوصَةٌ
المبحث الأول : الصديق الأكبر (أبو بكر)
هو خليفة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، ومؤنسه في الغار، وصِدِّيقه الأكبر، وصَديقه الأشفق، ووزيره الأحزم، أفضلُ الأُمَّة، وسيد المهاجرين وخيرهم، وسابق الصحابة وشيخهم، عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب(375) القرشي التيمي ، ويلتقي مع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في النسب في الجد السادس مرة بن(376) كعب، ويكنى بأبي بكر .
«وقد علم بالتواتر أن أبا بكر كان محبا للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مؤمنا به، من أعظم الخلق اختصاصا به، أعظم مما تواتر من شجاعة عنترة، ومن سخاء حاتم، ومن موالاة علي ومحبته له، ونحو ذلك من التواترات المعنوية فيها الأخبار الكثيرة على(377) مقصود واحد» .
1 ــ الصاحب.
لقد ذكر الله تعالى فضل الصديق في عدد من الآيَات الكريمة،
ومنها تلقيبه بالصاحب، قال البخاري: «باب مناقب المهاجرين وفضلهم، منهم أبو بكر عبد الله بن أبي قحافة التيمي رضي الله عنه، وقول الله تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحشر: 8] وقال الله: {إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ} [التوبة: 40] إلى قوله {إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [التوبة: 40] «قالت عائشة: وأبو سعيد، وابن عباس رضي الله عنهم: «وكان أبو بكر مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغار»»(378)
وقد حكى أبو بكر رضي الله عنه قصة الآية فعن البراء بن عازب، يقول: جاء أبو بكر الصديق إلى أبي في منزله، فاشترى منه رحلا، فقال لعازب: ابعث معي ابنك يحمله معي إلى منزلي، فقال لي أبي: احمله، فحملته، وخرج أبي معه ينتقد ثمنه، فقال له أبي: يا أبا بكر حدثني كيف صنعتما ليلة سريت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، أسرينا ليلتنا كلها، حتى قام قائم الظهيرة، وخلا الطريق فلا يمر فيه أحد، حتى رفعت لنا صخرة طويلة لها ظل، لم تأت عليه الشمس بعد، فنزلنا عندها، فأتيت الصخرة فسويت بيدي مكانا، ينام فيه النبي صلى الله عليه وسلم في ظلها، ثم بسطت عليه فروة، ثم قلت: نم، يا رسول الله وأنا أنفض لك ما حولك، فنام وخرجت أنفض ما حوله، فإذا أنا براعي غنم مقبل بغنمه إلى الصخرة، يريد منها الذي أردنا، فلقيته فقلت: لمن أنت؟ يا
غلام فقال: لرجل من أهل المدينة، قلت: أفي غنمك لبن؟ قال: نعم، قلت: أفتحلب لي؟ قال: نعم، فأخذ شاة، فقلت له: انفض الضرع من الشعر والتراب والقذى قال: فرأيت البراء يضرب بيده على الأخرى ينفض فحلب لي، في قعب معه، كثبة من لبن، قال: ومعي إداوة أرتوي فيها للنبي صلى الله عليه وسلم، ليشرب منها ويتوضأ، قال: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم، وكرهت أن أوقظه من نومه، فوافقته استيقظ، فصببت على اللبن من الماء حتى برد أسفله، فقلت: يا رسول الله اشرب من هذا اللبن، قال: فشرب حتى رضيت، ثم قال: «ألم يأن للرحيل؟» قلت: بلى، قال: فارتحلنا بعدما زالت الشمس، واتبعنا سراقة بن مالك، قال: ونحن في جلد من الأرض، فقلت: يا رسول الله أتينا، فقال: «لا تحزن إن الله معنا» فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فارتطمت فرسه إلى بطنها، أرى فقال: إني قد علمت أنكما قد دعوتما علي، فادعوا لي، فالله لكما أن أرد عنكما الطلب فدعا الله، فنجا، فرجع لا يلقى أحدا إلا قال: قد كفيتكم ما هاهنا، فلا يلقى أحدا إلا رده، قال: ووفى لنا(379) وعن أنس، عن أبي بكر رضي الله عنه، قال: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: وأنا في الغار: لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا، فقال: «ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما»(380)
وكفى بتلقيب الله له في القرآن بالصاحب، كما في قوله تعالى: {إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 40].
«شهد الله
جل وتعالى له بالصحبة والكينونة معه في الغار من دون الناس، ولخروجه من توبيخ الخطاب وترك النصرة بالمسابقة إلى ما قعد عنه غيره، والمشاركة له فيما يحذر المطلوب، إذ لا نصرة أنصر ممن بذل نفسه للمكروه وخرج مع المطلوب يؤنسه في وحدته ويشاركه فيما يتقيه من محذور عدوه»(381)
قال الحافظ ابن حجر: «فإن المراد بصاحبه هنا أبو بكر بلا منازع»(382) .
عن عمرو بن الحارث، عن أبيه: أن أبا بكر الصديق، رحمة الله تعالى عليه حين خطب قال: «أيكم يقرأ سورة التوبة؟» قال رجل: أنا، قال: اقرأ، فلما بلغ: {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ} بكى أبو بكر وقال: «أنا والله صاحبه»(383) .
«ولا ريب أن الفضيلة التي حصلت لأبي بكر في الهجرة لم تحصل
لغيره من الصحابة بالكتاب والسنة والإجماع، فتكون هذه الأفضلية ثابتة له دون عمر وعثمان وعلي وغيرهم من الصحابة.. يقول الله: {إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا}.
ومثل هذه الفضيلة لم تحصل لغير أبي بكر قطعًا، بخلاف الوقاية بالنفس، فإنها لو كانت صحيحة فغير واحد من الصحابة وقى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بنفسه.
وهذا واجب على كل مؤمن، ليس من الفضائل المختصة بالأكابر من الصحابة.
والأفضلية إنما تثبت بالخصائص لا بالمشتركات.
وإن كثيرا من فضائله [أبي بكر] ــ وأكثرها ــ خصائص له، لا يشركه(384) فيها غيره» .
يقول ابن تيمية: «وأيضا ففي المواضع التي لا يكون مع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من أكابر الصحابة إلا واحد كان يكون هو ذلك الواحد، مثل سفره في الهجرة ومقامه يوم بدر في العريش: لم يكن معه فيه إلا أبو بكر، ومثل خروجه إلى قبائل العرب يدعوهم إلى الإسلام كان يكون معه من أكابر الصحابة أبو بكر.
وهذا الاختصاص في الصحبة لم يكن لغيره باتفاق أهل المعرفة بأحوال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ. وأما من كان جاهلا أحوال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أو كذابا فذلك يخاطب خطاب مثله.
فقوله تعالى في القرآن: {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ} لا يختص بمصاحبته في الغار، بل هو صاحبه المطلق الذي كمل في الصحبة كمالا لم يشركه فيه غيره، فصار مختصا بالأكملية من الصحبة.
كما في الحديث رواه البخاري عن أبي الدرداء عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: «أيها الناس اعرفوا لأبي بكر حقه؛ فإنه لم يسؤني قط، أيها الناس إني راض عن عمر وعثمان وعلي وفلان وفلان».
فقد تبين أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ خصه دون غيره مع أنه قد جعل غيره من أصحابه أيضا؛ لكن خصه بكمال الصحبة.
ولهذا قال من قال من العلماء: إن فضائل الصديق خصائص لم يشركه فيها غيره.
ومن أراد أن يعرف فضائلهم ومنازلهم عند النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فليتدبر الأحاديث الصحيحة التى صححها أهل العلم بالحديث الذين كملت خبرتهم بحال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومحبتهم له، وصدقهم في التبليغ عنه وصار هواهم تبعا لما جاء به، فليس لهم غرض إلا معرفة ما قاله، وتمييزه عما يخلط بذلك من(385) كذب الكاذبين وغلط الغالطين» .
ويقول:
«ومما يبين من القرآن فضيلة أبي بكر في الغار أن الله تعالى ذكر نصره لرسوله في هذه الحال التي يخذل فيها عامة الخلق إلا من نصره الله: {إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ} [التوبة: 40] أي: أخرجوه في هذه القلة من العدد لم يصحبه إلا الواحد؛ فإن الواحد أقل ما يوجد فإذا لم يصحبه إلا واحد دل على أنه في غاية القلة.
ثم قال: {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا}؛ وهذا يدل على أن صاحبه كان مشفقا عليه محبا له ناصرا له حيث حزن، وإنما يحزن الإنسان حال الخوف على من يحبه، وأما عدوه فلا يحزن إذا انعقد سبب هلاكه.
فلو كان أبو بكر مبغضا كما يقول المفترون لم يحزن ولم ينه عن الحزن، بل كان يضمر الفرح والسرور، ولا كان الرسول يقول له: {لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا}.
فإن قال المفتري: إنه خفي على الرسول حاله لما أظهر له الحزن، وكان في الباطن مبغضا.
قيل له فقد قال: {إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا}، فهذا إخبار بأن الله معهما جميعا بنصره، ولا يجوز للرسول أن يخبر بنصر الله لرسوله وللمؤمنين وأن الله معهم ويجعل ذلك في الباطن منافقا فإنه معصوم في خبره عن الله لا يقول عليه إلا الحق؛ وإن جاز أن يخفى عليه حال بعض الناس
فلا يعلم أنه منافق كما قال: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ} [التوبة: 101] فلا يجوز أن يخبر عنهم بما يدل على إيمانهم.
وأيضا فإن الله أخبر بهذا عن الرسول إخبار مقرر له، لا إخبار منكر له فعلم أن قوله: {إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} من الخبر الصدق الذي أمر الله به ورضيه لا مما أنكره وعابه.
وأيضا فمعلوم أن أضعف الناس عقلا لا يخفى عليه حال من يصحبه في مثل هذا السفر الذي يعاديه فيه الملأ الذين هم بين أظهرهم، ويطلبون قتله، وأولياؤه هناك لا يستطيعون نصره؛ فكيف يصحب واحدا ممن يظهر له موالاته دون غيره، وقد أظهر له هذا حزنه، وهو مع ذلك عدو له في الباطن. والمصحوب يعتقد أنه وليه، وهذا لا يفعله إلا أحمق الناس وأجهلهم.
فقبح الله من نسب رسوله الذي هو أكمل الخلق عقلا وعلما وخبرة إلى مثل هذه الجهالة والغباوة»(386) .
ويقول: «واعلم أنه ليس في المهاجرين منافق، وإنما كان النفاق في قبائل الأنصار، لأن أحدا لم يهاجر إلا باختياره، والكافر بمكة لم يكن يختار الهجرة، ومفارقة وطنه وأهله لنصر عدوه، وإنما يختارها
الذين وصفهم الله تعالى بقوله: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحشر: 8].
وقوله: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا اللَّهُ} [الحج: 39، 40].
وأبو بكر أفضل هؤلاء كلهم.
وإذا كان هذا الكلام يستلزم إيمانه فمعلوم أن الرسول لا يختار لمصاحبته في سفر هجرته الذي هو أعظم الأسفار خوفا، وهو السفر الذي جعل مبدأ التاريخ لجلالة قدره في النفوس ولظهور أمره، فإن التاريخ لا يكون إلا بأمر ظاهر معلوم لعامة الناس لا يستصحب الرسول فيه من يختص بصحبته إلا وهو من أعظم الناس طمأنينة إليه ووثوقا به.
ويكفي هذا في فضائل الصديق، وتمييزه على غيره، وهذا من فضائل الصديق التي لم يشركه فيها غيره، ومما يدل على أنه أفضل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عنده»(387) .
2 ــ الصديق.
لقد جاء وصف أبي بكر بالصدق في قوله تعالى: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ لَهُم مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ} [الزمر: 34]، وهذه الآية مما اختلف أهل التفسير في معناها(388) :
ــ فقال بعضهم: الذي جاء بالصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: والصدق الذي جاء به: لا إله إلا الله، والذي صدق به أيضا، هو رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ــ وقال آخرون: الذي جاء بالصدق: رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي صدق به: أبو بكر رضي الله عنه، وروي هذا عن علي رضي الله عنه، في قوله: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ} قال: «محمد صلى الله عليه وسلم، وصدق به، قال: أبو بكر رضي الله(389) عنه» .
ــ وقال آخرون: الذي جاء بالصدق: رسول الله صلى الله عليه وسلم، والصدق: القرآن، والمصدقون به: المؤمنون.
ــ وقال آخرون: الذي جاء بالصدق جبريل، والصدق: القرآن الذي جاء به من عند الله، وصدق به رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ــ وقال آخرون: الذي جاء بالصدق: المؤمنون، والصدق: القرآن، وهم المصدقون به.
ورجح الطبري القول الأخير فقال: «والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله تعالى ذكره عنى بقوله: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ} كل من دعا إلى توحيد الله، وتصديق رسله، والعمل بما ابتعث به رسوله صلى الله عليه وسلم من بين رسل الله وأتباعه والمؤمنين به، وأن يقال: الصدق هو القرآن، وشهادة أن لا إله إلا الله، والمصدق به: المؤمنون بالقرآن، من جميع خلق الله كائنا من كان من نبي الله وأتباعه وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن قوله تعالى ذكره: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ} عقيب قوله: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ} وذلك ذم من الله للمفترين عليه، المكذبين بتنزيله ووحيه، الجاحدين وحدانيته، فالواجب أن يكون عقيب ذلك مدح من كان بخلاف صفة هؤلاء المذمومين، وهم الذين دعوهم إلى توحيد الله، ووصفه بالصفة التي هو بها، وتصديقهم بتنزيل الله ووحيه، والذي كانوا يوم نزلت هذه الآية رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ومن بعدهم، القائمون في كل عصر وزمان بالدعاء إلى توحيد الله، وحكم كتابه، لأن الله تعالى ذكره لم يخص
وصفه بهذه لصفة التي في هذه الآية على أشخاص بأعيانهم، ولا على أهل زمان دون غيرهم، وإنما وصفهم بصفة، ثم مدحهم بها، وهي المجيء بالصدق والتصديق به، فكل من كان كذلك وصفه فهو داخل في جملة هذه الآية إذا كان من بني آدم ومن الدليل على صحة ما قلنا أن ذلك كذلك في قراءة ابن مسعود: «والذين جاءوا بالصدق وصدقوا به» فقد بين ذلك من قراءته أن الذي من قوله {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ} لم يعن بها واحد بعينه، وأنه مراد بها جماع ذلك صفتهم، ولكنها أخرجت بلفظ الواحد، إذ لم تكن مؤقتة»(390)
والصحيح في هذه الآية العموم، لكن المقصود أن أهل التفسير ذكروا هذه الآية في فضائل أبي بكر، مما يدل على أولوية دخوله في هذه الآية، وغيرها من الآيَات الدالة على صدقه، وفي الجملة كل ما في القرآن من خطاب (المؤمنين) و(المتقين) و(المحسنين) ومدحهم فهو أول من دخل في ذلك من هذه الأمة، وأفضل من دخل في ذلك من هذه الأمة.
يقول ابن تيمية: «لفظ الآية عام مطلق لا يختص بأبي بكر ولا بعلي، بل كل من دخل في عمومها دخل في حكمها. ولا ريب أن أبا بكر وعمر وعثمان وعليا أحق هذه الأمة بالدخول فيها، لكنها لا تختص بهم»(391) .
3 ــ الصالح.
في قوله تعالى: {إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ} [التحريم: 4]، ذكر بعض أهل التفسير أن المراد بصالح المؤمنين أبو بكر وعمر، فعن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، وعكرمة، في قوله عز وجل: {وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ}، قال: أبو بكر وعمر(392) ، وعن عبيد بن سليمان قال: سمعت الضحاك يقول في قوله عز وجل: {وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ}، قال: أخيار المؤمنين أبو بكر وعمر(393) .
وقد ذكر الطبري هذا القول في تفسيره عن مجاهد، والضحاك(394) ، ولكنه رجح العموم، وهو الظاهر(395) .
لكن رجح غيره أن المراد بالآية الخصوص، يقول الواحدي:
«وأظهر هذه الأقوال قول من قال: إن المراد بصالح المؤمنين أبو بكر وعمر؛ لأن الخطاب في هذه الآية لابنتيهما عائشة وحفصة، وكأنه قيل لهما: إن تعاونتما على إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم فإن أبويكما لا يوافقانكما ولا يتظاهران معكما، فإنهما وليا رسول الله»(396)
4 ــ الأتقى.
ومن الآيَات التي ذكر بعض أهل التفسير أنها نازلة في أبي بكر قوله تعالى: {وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى وَلَسَوْفَ يَرْضَى} [الليل: 17 ــ 21].
قال ابن كثير: «وقد ذكر غير واحد من المفسرين أن هذه الآيَات نزلت في أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، حتى إن بعضهم حكى الإجماع من المفسرين على ذلك. ولا شك أنه داخل فيها، وأولى الأمة بعمومها، فإن لفظها لفظ العموم، وهو قوله تعالى: {وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى} ولكنه مقدم الأمة وسابقهم في جميع هذه الأوصاف وسائر الأوصاف الحميدة؛ فإنه كان صديقا تقيا كريما جوادا بذالا لأمواله في طاعة مولاه، ونصرة رسول الله، فكم من دراهم ودنانير بذلها ابتغاء وجه ربه الكريم، ولم يكن لأحد من الناس عنده منة يحتاج إلى أن يكافئه بها، ولكن كان فضله وإحسانه على
السادات والرؤساء من سائر القبائل»(397) وقال ابن عاشور: «اتفق أهل التأويل على أن أول مقصود بهذه الصلة أبو بكر الصديق رضي الله عنه»(398)
قال شيخ الإسلام: «وأئمة التفسير يقولون: إنه أبو بكر.
ونحن نبين صحة قولهم بالدليل فنقول الأتقى قد يكون نوعًا، وقد يكون شخصًا، وإذا كان نوعًا فهو يجمع أشخاصًا، فإن قيل: إنهم ليس فيهم شخص هو أتقى كان هذا باطلًا ; لأنه لا شك أن بعض الناس أتقى من بعض.
... لكن أبا بكر أكمل في وصف التقوى، مع أن لفظ الآية أنه ليس عنده قط لمخلوق نعمة تجزى، وهذا وصف من يجازي الناس على إحسانهم إليه فلا يبقى لمخلوق عليه منة، وهذا الوصف منطبق على أبي بكر انطباقا لا يساويه فيه أحد من المهاجرين، فإنه لم يكن في المهاجرين ــ عمر وعثمان وعليا وغيرهم ــ رجل أكثر إحسانا إلى الناس قبل الإسلام، وبعده بنفسه، وماله من أبي بكر كان مؤلفا محببا يعاون الناس على مصالحهم...
وما عرف قط أن أحدا كانت له يد على أبي بكر في الدنيا لا قبل الإسلام، ولا بعده فهو أحق الصحابة: {وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى} فكان أحق الناس بالدخول في الآية.
وإن كان «الأتقى» اسم جنس فلا ريب أنه يجب أن يدخل فيه أتقى الأمة، والصحابة خير القرون، فأتقاها أتقى الأمة، وأتقى الأمة أبو بكر.
وأيضا فالنبي صلى الله عليه وسلم إنما كان يقدم الصديق في المواضع التي لا تحتمل المشاركة كاستخلافه في الصلاة، والحج، ومصاحبته وحده في سفر الهجرة، ومخاطبته، وتمكينه من الخطاب، والحكم، والإفتاء بحضرته ورضاه بذلك، إلى غير ذلك من الخصائص التي يطول وصفها ومن كان أكمل في هذا الوصف كان أكرم عند الله فيكون أحب إليه فقد ثبت بالدلائل الكثيرة أن أبا بكر هو أكرم الصحابة في الصديقية، وأفضل الخلق بعد الأنبياء الصديقون، ومن كان أكمل في ذلك كان أفضل»(399) .
فهذه الآية إذا قدر أنه دخل فيها من دخل من الصحابة، فأبو بكر أحق الأمة بالدخول فيها فيكون هو الأتقى من هذه الأمة فيكون أفضلهم، وذلك لأن الله تعالى وصف الأتقى بصفات أبو بكر أكمل بها من جميع الأمة.
5 ــ الوقاف عند كتاب الله/ ذو الفضل.
عن عائشة رضي الله عنها، قالت: «فقال أبو بكر وكان ينفق على مسطح لقرابته منه وفقره: والله لا أنفق عليه شيئا أبدا بعد الذي قال لعائشة فأنزل الله عز وجل: {وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُواْ الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُواْ أُوْلِي الْقُرْبَى} إلى قوله: {أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} [النور:
22]، قال حبان بن موسى: قال عبد الله بن المبارك: هذه أرجى آية في كتاب الله، فقال أبو بكر: والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: لا أنزعها منه أبدا»(400)
قال الطبري: «ولا يحلف بالله ذوو الفضل منكم، يعني ذوي التفضل والسعة؛ يقول: وذوو الجدة.
وإنما عني بذلك أبو بكر الصديق رضي الله عنه في حلفه بالله، لا ينفق على مسطح، فقال جل ثناؤه: ولا يحلف من كان ذا فضل من مال وسعة منكم أيها المؤمنون بالله، ألا يعطوا ذوي قرابتهم فيصلوا به أرحامهم، كمسطح، وهو ابن خالة أبي بكر {وَالْمَسَاكِينَ} يقول: وذوي خلة الحاجة، وكان مسطح منهم، لأنه كان فقيرا محتاجا. {وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} وهم الذين هاجروا من ديارهم وأموالهم في جهاد أعداء الله، وكان مسطح منهم؛ لأنه كان ممن هاجر من مكة إلى المدينة، وشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرا {وَلْيَعْفُواْ} يقول: وليعفوا عما كان منهم إليهم من جرم، وذلك كجرم مسطح إلى أبي بكر في إشاعته على ابنته عائشة ما أشاع من الإفك {وَلْيَصْفَحُواْ} يقول: وليتركوا عقوبتهم على ذلك، بحرمانهم ما كانوا يؤتونهم قبل ذلك، ولكن ليعودوا لهم إلى مثل الذي كانوا لهم عليه من
الإفضال عليهم. {أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} يقول: ألا تحبون أن يستر الله عليكم ذنوبكم بإفضالكم عليهم، فيترك عقوبتكم عليها. {وَاللَّهُ غَفُورٌ} لذنوب من أطاعه، واتبع أمره، {رَّحِيمٌ} رحيم بهم أن يعذبهم مع اتباعهم أمره، وطاعتهم إياه، على ما كان لهم من زلة وهفوة قد استغفروه منها، وتابوا إليه من فعلها»(401)
وقد أجمع أهل التفسير على أن هذه الآية نازلة في قصة أبي بكر ومسطح(402) ، غير أن الآية تتناول الأمة إلى يوم القيامة بأن لا يغتاظ «ذو فضل وسعة» فيحلف أن لا ينفع من هذه صفته غابر الدهر(403) .
6 ــ آية معاتبة يشترك فيها عمر بن الخطاب رضي الله عنهما :
وهي قوله سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُواْ لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} [الحجرات: 1 ــ 3].
عن ابن أبي مليكة، قال: «كاد الخيران أن يهلكا أبو بكر وعمر رضي الله عنهما،
رفعا أصواتهما عند النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم عليه ركب بني تميم، فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس أخي بني مجاشع، وأشار الآخر برجل آخر قال نافع لا أحفظ اسمه فقال أبو بكر لعمر: ما أردت إلا خلافي، قال: ما أردت خلافك فارتفعت أصواتهما في ذلك، فأنزل الله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَاتَكُمْ} الآية.
قال ابن الزبير: «فما كان عمر يسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية حتى يستفهمه، ولم يذكر ذلك عن أبيه يعني أبا بكر»»(404) .
المبحث الثاني : سعد بن أبي وقاص ، ويشترك معه جماعة من الصحابة، منهم: (ابن مسعود، وبلال، وصهيب، وعمار، وخباب، وغيرهم)(405) .
ونزل فيهم قوله تعالى: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنعام: 52].
عن سعد، «في نزلت: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ} قال: نزلت في ستة: أنا وابن مسعود منهم، وكان المشركون قالوا له: تدني هؤلاء»، وعن سعد، قال: «كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ستة نفر، فقال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم: اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا. قال وكنت أنا وابن مسعود، ورجل من هذيل، وبلال، ورجلان لست أسميهما، فوقع في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقع فحدث نفسه فأنزل الله عز وجل: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ}»(406) .
ولم تكن هذه هي الآية الوحيدة التي نزلت في سعد، فقد قال عن نفسه رضي الله عنه، «نزلت في أربع آيات: أصبت سيفا، فأتى به النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، نفلنيه، فقال: «ضعه»، ثم قام، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ضعه من حيث أخذته»، ثم قام، فقال: نفلنيه يا رسول الله، فقال: «ضعه»، فقام، فقال: يا رسول الله، نفلنيه، أؤجعل كمن لا غناء له؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ضعه من حيث أخذته»، قال: فنزلت هذه الآية: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} [الأنفال: 1]»(407) .
قال ابن الأنباري: «عظم الأمر في هذا على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وخوف الدخول في جملة الظالمين؛ لأنه كان قد همّ بتقديم الرؤساء وأُولي الأموال على الضعفاء وذوي المسكنة، مقدّرًا أنه يستجر بإسلامهم إسلام قومهم وحلفائهم ومن يلوذ بهم، وكان عليه السلام لا يقصد في ذلك إلا قصد الخير، ولا ينوي ازدراء بالفقراء ولا احتقارًا، فأعلمه الله تبارك وتعالى أن ذلك(408) غير جائز» .
وعن مصعب بن سعد، عن أبيه، أنه نزلت فيه آيات من القرآن قال: حلفت أم سعد أن لا تكلمه أبدا حتى يكفر بدينه، ولا تأكل ولا تشرب، قالت: زعمت أن الله وصاك بوالديك، وأنا أمك، وأنا آمرك بهذا. قال: مكثت ثلاثا حتى غشي عليها من الجهد، فقام ابن لها يقال له عمارة، فسقاها، فجعلت تدعو على سعد، فأنزل الله عز وجل في القرآن هذه الآية: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي} وفيها {وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} [لقمان: 15] قال: وأصاب رسول
الله صلى الله عليه وسلم غنيمة عظيمة، فإذا فيها سيف فأخذته، فأتيت به الرسول صلى الله عليه وسلم، فقلت: نفلني هذا السيف، فأنا من قد علمت حاله، فقال: «رده من حيث أخذته» فانطلقت، حتى إذا أردت أن ألقيه في القبض لامتني نفسي، فرجعت إليه، فقلت: أعطنيه، قال فشد لي صوته «رده من حيث أخذته» قال فأنزل الله عز وجل: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ} [الأنفال: 1] قال: ومرضت فأرسلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأتاني، فقلت: دعني أقسم مالي حيث شئت، قال فأبى، قلت: فالنصف، قال فأبى، قلت: فالثلث، قال فسكت، فكان، بعد الثلث جائزا. قال: وأتيت على نفر من الأنصار والمهاجرين، فقالوا: تعال نطعمك ونسقك خمرا، وذلك قبل أن تحرم الخمر، قال فأتيتهم في حش والحش البستان فإذا رأس جزور مشوي عندهم، وزق من خمر. قال فأكلت وشربت معهم، قال فذكرت الأنصار والمهاجرين عندهم. فقلت: المهاجرون خير من الأنصار. قال فأخذ رجل أحد لحيي الرأس فضربني به فجرح بأنفي فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرته فأنزل الله عز وجل في يعني نفسه شأن الخمر: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} [المائدة: 90](409)
المبحث الثالث : الزبير بن العوام
وقد نزل فيه وفي غيره، قوله تعالى: {الَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَاتَّقَوْاْ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 172].
عن عائشة رضي الله عنها، {الَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَاتَّقَوْاْ أَجْرٌ عَظِيمٌ}، قالت لعروة: يا ابن أختي، كان أبواك منهم: الزبير، وأبو بكر، لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أصاب يوم أحد، وانصرف عنه المشركون، خاف أن يرجعوا، قال: «من يذهب في إثرهم» فانتدب منهم سبعون رجلا، قال: كان فيهم أبو بكر، والزبير(410) .
وقد سبق الحديث عن هذه الآية مفصلًا.
المبحث الرابع : عبدالله بن مسعود
نزل فيه قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [المائدة: 93](411) .
عن عبد الله، قال: لما نزلت هذه الآية {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ} إلى آخر الآية، قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قيل لي أنت منهم»(412) .
أي: أن ابن مسعود من الذين آمنوا وعملوا الصالحات الموصوفين بما في الآية.
المبحث الخامس : عمار بن ياسر
وفيه نزل قول الله تعالى: {مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنُّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِن مَّن
شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النحل: 106].
قال الطبري: «وذكر أن هذه الآية نزلت في عمار بن ياسر وقوم كانوا أسلموا ففتنهم المشركون عن دينهم، فثبت على الإسلام بعضهم وافتتن بعض»، واخرج عن ابن عباس قوله: «{مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنُّ بِالْإِيمَان} إلى آخر الآية وذلك أن المشركين أصابوا عمار بن ياسر فعذبوه، ثم تركوه، فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدثه بالذي لقي من قريش، والذي قال، فأنزل الله تعالى ذكره عذره: {مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ} إلى قوله: {وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}»(413) .
قال الواحدي: «أكثر المفسرين على أن الآية نزلت في عمار بن ياسر»(414) .
المبحث السادس : زيد بن حارثة
وقد نزلت فيه عدة آيات من سورة الأحزاب، وذكر اسمه الصريح فيها، وهو الاسم الوحيد الذي ذكر في القرآن من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ذكرت عائشة رضي الله عنها في سياق واحد هذه الآيَات، فعن عائشة، قالت: «لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتما شيئا من الوحي لكتم هذه الآية {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ} [الأحزاب: 37] بالعتق فأعتقته، {أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ} ــ إلى قوله ــ {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا} [الأحزاب: 37] وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تزوجها قالوا: تزوج حليلة ابنه، فأنزل الله تعالى {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّۧنَ} [الأحزاب: 40] وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم تبناه وهو صغير فلبث حتى صار رجلا يقال له: زيد بن محمد، فأنزل الله: {ادْعُوهُمْ لِأبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُواْ آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ} [الأحزاب: 5] فلان مولى فلان، وفلان أخو فلان {هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ}،(415) يعني: أعدل» .
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه: «أن هذه الآية: {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ}
نزلت في شأن زينب بنت جحش وزيد بن حارثة»(416) وعن أنس، قال: جاء زيد بن حارثة يشكو، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «اتق الله، وأمسك عليك زوجك»، قال أنس: لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتما شيئا لكتم هذه، قال: فكانت زينب تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم تقول: زوجكن أهاليكن، وزوجني الله تعالى من فوق سبع سموات، وعن ثابت: {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ}، «نزلت في شأن زينب وزيد بن حارثة»(417)
المبحث السابع : أبو طلحة زيد بن سهل الأنصاري
وفيه نزل قوله تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9].
عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فبعث إلى نسائه فقلن: ما معنا إلا الماء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من يضم أو يضيف هذا»، فقال رجل من الأنصار: أنا، فانطلق به إلى امرأته، فقال: أكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: ما عندنا إلا قوت صبياني، فقال: هيئي طعامك، وأصبحي سراجك، ونومي صبيانك إذا أرادوا عشاء، فهيأت طعامها، وأصبحت سراجها، ونومت صبيانها، ثم قامت كأنها تصلح سراجها فأطفأته، فجعلا يريانه أنهما يأكلان، فباتا طاويين، فلما أصبح غدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «ضحك الله الليلة، أو عجب، من فعالكما» فأنزل الله: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}(418) .
ورواه الطبري بتعيين الرجل فعن أبي هريرة، قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليضيفه،
فلم يكن عنده ما يضيفه، فقال: «ألا رجل يضيف هذا رحمه الله؟» فقام رجل من الأنصار يقال له أبو طلحة، فانطلق به إلى رحله، فقال لامرأته: أكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم نومي الصبية، وأطفئي المصباح وأريه بأنك تأكلين معه، واتركيه لضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم ففعلت فنزلت {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}(419)
المبحث الثامن : كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع
وقد نزل فيهم قوله تعالى: {لَّقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [التوبة: 117 ــ 118].
يقول الواحدي: «قال ابن عباس وعامة المفسرين: (نزلت هذه الآية في ثلاثة نفر: كعب بن مالك من بني سلمة، وهلال بن أمية الواقفي، ومرارة بن الربيع الزبيدي كانوا تخلفوا عن غزوة تبوك وكانوا مياسير، ثم لم يتسع لهم العذر كما اتسع للآخرين الذي ذكروا قبل هذا، ولم يبالغوا في التنصل والاعتذار كما فعل الآخرون، ولم يوثقوا أنفسهم بالسواري، فوقف رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمرهم، ونهى الناس عن مكالمتهم ومخالطتهم، حتى نزل قوله تعالى: {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ} الآيَات بعد(420) خمسين ليلة» .
وقد كفانا كعب سرد قصته، فقد روى البخاري ومسلم عن ابن شهاب، قال: ثم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك، وهو يريد الروم ونصارى العرب بالشام، قال ابن شهاب: فأخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، أن عبد الله بن كعب كان قائد كعب، من بنيه، حين عمي، قال: سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، قال كعب بن مالك: لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها قط، إلا في غزوة تبوك، غير أني قد تخلفت في غزوة بدر ولم يعاتب أحدا تخلف عنه، إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون يريدون عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم، على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة، حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها، وكان من خبري، حين تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة، والله ما جمعت قبلها راحلتين قط، حتى جمعتهما في تلك الغزوة، فغزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد واستقبل سفرا بعيدا ومفازا، واستقبل عدوا كثيرا، فجلا للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجههم الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ يريد بذلك الديوان قال كعب: فقل رجل يريد أن يتغيب، يظن أن ذلك سيخفى له، ما لم ينزل فيه وحي من الله عز وجل، وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزوة حين
طابت الثمار والظلال، فأنا إليها أصعر، فتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه، وطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقض شيئا، وأقول في نفسي: أنا قادر على ذلك، إذا أردت، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى استمر بالناس الجد، فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم غاديا والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئا، ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، فهممت أن أرتحل فأدركهم، فيا ليتني فعلت، ثم لم يقدر ذلك لي، فطفقت، إذا خرجت في الناس، بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحزنني أني لا أرى لي أسوة إلا رجلا مغموصا عليه في النفاق، أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك فقال: وهو جالس في القوم بتبوك «ما فعل كعب بن مالك؟» قال رجل من بني سلمة يا رسول الله حبسه برداه والنظر في عطفيه، فقال له معاذ بن جبل: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبينما هو على ذلك رأى رجلا مبيضا يزول به السراب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كن أبا خيثمة» فإذا هو أبو خيثمة الأنصاري، وهو الذي تصدق بصاع التمر حين لمزه المنافقون، فقال كعب بن مالك: فلما بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه قافلا من تبوك، حضرني بثي، فطفقت أتذكر الكذب وأقول: بم أخرج من سخطه غدا؟ وأستعين على ذلك كل ذي رأي من أهلي، فلما قيل لي: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادما، زاح عني الباطل، حتى عرفت أني لن أنجو منه بشيء أبدا، فأجمعت صدقه، وصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم
قادما، وكان إذا قدم من سفر، بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المخلفون، فطفقوا يعتذرون إليه، ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلا، فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم، وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله، حتى جئت، فلما سلمت تبسم تبسم المغضب، ثم قال: «تعال» فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي: «ما خلفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟» قال: قلت: يا رسول الله إني، والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا، ولكني والله لقد علمت، لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه، إني لأرجو فيه عقبى الله، والله ما كان لي عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما هذا، فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك» فقمت، وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني، فقالوا لي: والله ما علمناك أذنبت ذنبا قبل هذا، لقد عجزت في أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، بما اعتذر به إليه المخلفون، فقد كان كافيك ذنبك، استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لك، قال: فوالله ما زالوا يؤنبوني حتى أردت أن أرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأكذب نفسي، قال ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي من أحد؟ قالوا: نعم، لقيه معك رجلان، قالا مثل ما قلت، فقيل لهما مثل ما قيل لك، قال قلت: من هما؟ قالوا: مرارة بن الربيعة العامري وهلال بن أمية الواقفي، قال:
فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا، فيهما أسوة، قال: فمضيت حين ذكروهما لي، قال ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا، أيها الثلاثة، من بين من تخلف عنه، قال: فاجتنبنا الناس، وقال: تغيروا لنا حتى تنكرت لي في نفسي الأرض، فما هي بالأرض التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه، وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام، أم لا؟ ثم أصلي قريبا منه وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي وإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال ذلك علي من جفوة المسلمين، مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي، وأحب الناس إلي، فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام. فقلت له: يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلمن أني أحب الله ورسوله؟ قال: فسكت، فعدت فناشدته، فسكت، فعدت فناشدته، فقال: الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي، وتوليت، حتى تسورت الجدار، فبينا أنا أمشي في سوق المدينة، إذا نبطي من نبط أهل الشام، ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة، يقول: من يدل على كعب بن مالك، قال: فطفق الناس يشيرون له إلي، حتى جاءني فدفع إلي كتابا من ملك غسان، وكنت كاتبا، فقرأته فإذا فيه: أما بعد، فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك،
قال فقلت: حين قرأتها: وهذه أيضا من البلاء فتياممت بها التنور فسجرتها بها، حتى إذا مضت أربعون من الخمسين، واستلبث الوحي، إذا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك، قال: فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال: لا، بل اعتزلها، فلا تقربنها، قال: فأرسل إلى صاحبي بمثل ذلك، قال: فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر، قال: فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت له: يا رسول الله إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه؟ قال: «لا، ولكن لا يقربنك» فقالت: إنه، والله ما به حركة إلى شيء، ووالله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان، إلى يومه هذا، قال: فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأتك؟ فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه، قال: فقلت: لا أستأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما يدريني ماذا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا استأذنته فيها، وأنا رجل شاب، قال: فلبثت بذلك عشر ليال، فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهي عن كلامنا، قال ثم صليت صلاة الفجر صباح خمسين ليلة، على ظهر بيت من بيوتنا فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله عز وجل منا، قد ضاقت علي نفسي وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ أوفى على سلع يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر، قال: فخررت ساجدا وعرفت أن قد جاء فرج، قال: فآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بتوبة الله علينا، حين صلى صلاة الفجر، فذهب الناس
يبشروننا، فذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض رجل إلي فرسا، وسعى ساع من أسلم قبلي، وأوفى الجبل، فكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني، فنزعت له ثوبي فكسوتهما إياه ببشارته، والله ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما، فانطلقت أتأمم رسول الله صلى الله عليه وسلم، يتلقاني الناس فوجا فوجا، يهنئوني بالتوبة ويقولون: لتهنئك توبة الله عليك حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وحوله الناس، فقام طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام رجل من المهاجرين غيره، قال فكان كعب لا ينساها لطلحة. قال كعب: فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وهو يبرق وجهه من السرور ويقول: «أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك» قال فقلت: أمن عندك؟ يا رسول الله أم من عند الله فقال: «لا، بل من عند الله» وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا سر استنار وجهه، كأن وجهه قطعة قمر، قال: وكنا نعرف ذلك، قال: فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمسك بعض مالك، فهو خير لك» قال: فقلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، قال: وقلت: يا رسول الله إن الله إنما أنجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقا ما بقيت، قال: فوالله ما علمت أن أحدا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث، منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا، أحسن مما أبلاني الله به، والله ما تعمدت كذبة منذ
قلت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى يومي هذا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقي، قال: فأنزل الله عز وجل: {لَّقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ} حتى بلغ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: 119]، قال كعب: والله ما أنعم الله علي من نعمة قط، بعد إذ هداني الله للإسلام، أعظم في نفسي، من صدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا، إن الله قال للذين كذبوا، حين أنزل الوحي، شر ما قال لأحد. وقال الله: {سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءَ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [التوبة: 96]، قال كعب: كنا خلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم وأرجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال الله عز وجل: وعلى الثلاثة الذين خلفوا، وليس الذي ذكر الله مما خلفنا، تخلفنا عن الغزو، وإنما هو تخليفه إيانا، وإرجاؤه أمرنا، عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه(421)
وهؤلاء الثلاثة الذين وصفهم الله في هذه الآية بما وصفهم به فيما قبل، هم الآخرون الذين قال جل ثناؤه: {وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 106] فتاب عليهم عز ذكره وتفضل عليهم(422) .
«فتأويل الكلام إذًا: ولقد تاب الله على الثلاثة الذين خلفهم الله عن التوبة،
فأرجأهم عمن تاب عليه ممن تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
{حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ} يقول: بسعتها غما وندما على تخلفهم عن الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ} بما نالهم من الوجد والكرب بذلك {وَظَنُّواْ أَن لَّا مَلْجَأَ} يقول: وأيقنوا بقلوبهم أن لا شيء لهم يلجئون إليه مما نزل بهم من أمر الله من البلاء بتخلفهم خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم ينجيهم من كربه، ولا مما يحذرون من عذاب الله إلا الله. ثم رزقهم الإنابة إلى طاعته، والرجوع إلى ما يرضيه عنهم، لينيبوا إليه ويرجعوا إلى طاعته والانتهاء إلى أمره ونهيه. {إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} يقول: إن الله هو الوهاب لعباده الإنابة إلى طاعته الموفق من أحب توفيقه منهم لما يرضيه عنه، الرحيم بهم أن يعاقبهم بعد التوبة، أو يخذل من أراد منهم التوبة والإنابة ولا يتوب عليه»(423) .
المبحث التاسع : عبد الله بن أم مكتوم
وأشهر ما نزل فيه قول تعالى: {عَبَسَ وَتَوَلَّى أَن جَاءَهُ الْأَعْمَى وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَى وَهُوَ يَخْشَى فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى} [عبس: 1 ــ 10].
عن عائشة قالت: «أنزل: {عَبَسَ وَتَوَلَّى} في ابن أم مكتوم الأعمى، أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يقول: يا رسول الله أرشدني، وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من عظماء المشركين، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض عنه ويقبل على الآخر، ويقول: «أترى بما أقول بأسا؟» فيقول: لا، ففي هذا أنزل»(424) .
قال الطبري: «وذكر أن الأعمى الذي ذكره الله في هذه الآية، هو ابن أم مكتوم، عوتب النبي صلى الله عليه وسلم بسببه»، وأخرج عن ابن عباس، قوله: «{عَبَسَ وَتَوَلَّى أَن جَاءَهُ الْأَعْمَى} قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يناجي عتبة بن ربيعة وأبا جهل بن هشام والعباس بن عبد المطلب، وكان يتصدى لهم كثيرا، ويحرص عليهم أن يؤمنوا، فأقبل إليه رجل أعمى، يقال له عبد الله بن أم مكتوم، يمشي وهو يناجيهم، فجعل عبد الله يستقرئ النبي صلى الله عليه وسلم
آية من القرآن، وقال: يا رسول الله، علمني مما علمك الله، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعبس في وجهه وتولى، وكره كلامه، وأقبل على الآخرين؛ فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذ ينقلب إلى أهله، أمسك الله بعض بصره، ثم خفق برأسه، ثم أنزل الله: {عَبَسَ وَتَوَلَّى أَن جَاءَهُ الْأَعْمَى وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى}، فلما نزل فيه أكرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلمه، وقال له: «ما حاجتك، هل تريد من شيء؟» وإذا ذهب من عنده قال له: «هل لك حاجة في شيء؟» وذلك لما أنزل الله: {أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى}»(425)
قال القرطبي: «روى أهل التفسير أجمع أن قوما من أشراف قريش كانوا عند النبي صلى الله عليه وسلم وقد طمع في إسلامهم، فأقبل عبد الله بن أم مكتوم، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقطع عبد الله عليه كلامه، فأعرض عنه، ففيه نزلت هذه الآية»(426) .
وقال ابن كثير: «ذكر غير واحد من المفسرين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوما يخاطب بعض عظماء قريش، وقد طمع في إسلامه، فبينما هو يخاطبه ويناجيه إذ أقبل ابن أم مكتوم وكان ممن أسلم قديما فجعل يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء ويلح عليه، وود النبي صلى الله عليه وسلم أن لو كف ساعته تلك
ليتمكن من مخاطبة ذلك الرجل؛ طمعا ورغبة في هدايته. وعبس في وجه ابن أم مكتوم وأعرض عنه، وأقبل على الآخر، فأنزل الله عز وجل: {عَبَسَ وَتَوَلَّى أَن جَاءَهُ الْأَعْمَى وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى}؟ أي: يحصل له زكاة وطهارة في نفسه. {أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى} أي: يحصل له اتعاظ وانزجار عن المحارم، {أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى} أي: أما الغني فأنت تتعرض له لعله يهتدي، {وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى}؟ أي: ما أنت بمطالب به إذا لم يحصل له زكاة. {وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَى وَهُوَ يَخْشَى} أي: يقصدك ويؤمك ليهتدي بما تقول له، {فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى} أي: تتشاغل. ومن هاهنا أمر الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم ألا يخص بالإنذار أحدا، بل يساوي فيه بين الشريف والضعيف، والفقير والغني، والسادة والعبيد، والرجال والنساء، والصغار والكبار. ثم الله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة»(427)
ــ ومما نزل فيه أيضًا، قوله تعالى: {لَّا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 95].
عن أبي إسحاق، أنه سمع البراء، يقول في هذه الآية {لَّا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}: «فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم زيدا، فجاء بكتف يكتبها، فشكا إليه ابن أم مكتوم ضرارته، فنزلت:
{لَّا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ}»(428)
ويعني جل ثناؤه بقوله: {لَّا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ} لا يعتدل المتخلفون عن الجهاد في سبيل الله من أهل الإيمان بالله وبرسوله، المؤثرون الدعة والخفض والقعود في منازلهم على مقاساة حزونة الأسفار والسير في الأرض ومشقة ملاقاة أعداء الله بجهادهم في ذات الله وقتالهم في طاعة الله، إلا أهل العذر منهم بذهاب أبصارهم، وغير ذلك من العلل التي لا سبيل لأهلها للضرر الذي بهم إلى قتالهم وجهادهم في سبيل الله والمجاهدون في سبيل الله، ومنهاج دينه، لتكون كلمة الله هي العليا، المستفرغون طاقتهم في قتال أعداء الله وأعداء دينهم بأموالهم، إنفاقا لها فيما أوهن كيد أعداء أهل الإيمان بالله وبأنفسهم، مباشرة بها قتالهم، بما تكون به كلمة الله العالية، وكلمة الذين كفروا السافلة(429) .
المبحث العاشر : المجادلة (خولة بنت ثعلبة)
عن عائشة قالت: «الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تكلمه وأنا في ناحية البيت، ما أسمع ما تقول: فأنزل الله عز وجل: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا} [المجادلة: 1] إلى آخر الآية»(430) .
عن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن خولة بنت ثعلبة قالت: في والله وفي أوس بن صامت أنزل الله عز وجل صدر سورة المجادلة قالت: كنت عنده وكان شيخا كبيرا قد ساء خلقه وضجر، قالت: فدخل علي يوما فراجعته بشيء فغضب، فقال: أنت علي كظهر أمي، قالت: ثم خرج فجلس في نادي قومه ساعة، ثم دخل علي، فإذا هو يريدني على نفسي، قالت: فقلت: كلا والذي نفس خويلة بيده، لا تخلص إلي وقد قلت ما قلت حتى يحكم الله ورسوله فينا بحكمه، قالت: فواثبني وامتنعت منه، فغلبته بما تغلب به المرأة الشيخ الضعيف، فألقيته عني، قالت: ثم خرجت إلى بعض جاراتي فاستعرت منها ثيابها، ثم خرجت حتى جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلست بين يديه، فذكرت له ما لقيت منه، فجعلت أشكو إليه صلى الله عليه وسلم ما ألقى من سوء خلقه، قالت: فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول: «يا خويلة، ابن عمك شيخ كبير فاتقي الله فيه»، قالت: فوالله ما برحت حتى نزل في القرآن، فتغشى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان يتغشاه، ثم سري عنه فقال لي: «يا خويلة، قد أنزل الله فيك وفي صاحبك»، ثم قرأ علي: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعُ بَصِيرٌ} [المجادلة: 1] إلى قوله: {وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [المجادلة: 4]، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مريه فليعتق رقبة»، قالت: فقلت: والله يا رسول الله ما عنده ما يعتق، قال: «فليصم شهرين متتابعين»، قالت: فقلت: والله يا رسول الله إنه شيخ كبير ما به من صيام، قال: «فليطعم ستين مسكينا، وسقا من تمر»، قالت: فقلت: والله يا رسول الله ما ذاك عنده، قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فإنا سنعينه بعرق من تمر»، قالت: فقلت: وأنا يا رسول الله سأعينه بعرق آخر، قال: «قد أصبت وأحسنت، فاذهبي فتصدقي عنه، ثم استوصي بابن عمك خيرا»، قالت: ففعلت»(431)
قال الطبري بعد ذكر الاختلاف في اسمها: «وكانت مجادلتها رسول الله صلى الله عليه وسلم في زوجها، وزوجها أوس بن الصامت، مراجعتها إياه في أمره، وما كان من قوله لها: أنت علي كظهر أمي. ومحاورتها إياه في ذلك. وبذلك قال أهل التأويل، وتظاهرت به الرواية»(432) .
قال البغوي: «نزلت في خولة بنت ثعلبة كانت تحت أوس بن الصامت»(433) .
المبحث الحادي عشر : رجل يقال له ضمرة من بني بكر
قال الحافظ ابن حجر: «اختلف في اسمه واسم أبيه على أكثر من عشرة أوجه»(434) ، «واسمه ضمرة على الصحيح»(435) .
عن عبد الله بن عباس ـ رضي الله عنهما ـ؛ قال: خرج ضمرة بن جندب من بيته مهاجرًا؛ فقال لأهله: احملوني؛ فأخرجوني من أرض المشركين إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فمات في الطريق قبل أن يصل إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ؛ فنزل الوحي: {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ} حتى بلغ:(436) {وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [النساء: 100] .
المبحث الثاني عشر : حاطب بن أبي بلتعة
وقد نزل فيه قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُواْ بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا۠ أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} [الممتحنة: 1](437) .
عن الحسن بن محمد، أخبرني عبيد الله بن أبي رافع، وهو كاتب علي، قال: سمعت عليا رضي الله عنه، وهو يقول: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزبير والمقداد فقال: «ائتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب، فخذوه منها» فانطلقنا تعادى بنا خيلنا، فإذا نحن بالمرأة، فقلنا: أخرجي الكتاب، فقالت: ما معي كتاب، فقلنا: لتخرجن الكتاب أو لتلقين الثياب، فأخرجته من عقاصها، فأتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين، من أهل مكة، يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا حاطب ما هذا؟» قال: لا تعجل علي يا رسول الله إني كنت امرأ ملصقا في قريش ــ قال سفيان: كان حليفا لهم، ولم يكن من أنفسها ــ وكان ممن كان معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم، أن أتخذ فيهم يدا يحمون بها قرابتي، ولم أفعله كفرا ولا ارتدادا عن ديني، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «صدق» فقال عمر: دعني، يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، فقال: «إنه قد شهد بدرا، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم» فأنزل الله عز وجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ(438) عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ} .
قال ابن كثير: «كان سبب نزول صدر هذه السورة الكريمة قصة حاطب بن أبي بلتعة، وذلك أن حاطبا هذا كان رجلا من المهاجرين،
وكان من أهل بدر أيضا، وكان له بمكة أولاد ومال، ولم يكن من قريش أنفسهم، بل كان حليفا لعثمان. فلما عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على فتح مكة لما نقض أهلها العهد، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين بالتجهيز لغزوهم، وقال: «اللهم، عم عليهم خبرنا». فعمد حاطب هذا فكتب كتابا، وبعثه مع امرأة من قريش إلى أهل مكة، يعلمهم بما عزم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوهم، ليتخذ بذلك عندهم يدا، فأطلع الله رسوله على ذلك استجابة لدعائه. فبعث في أثر المرأة فأخذ الكتاب منها، وهذا بين في هذا الحديث المتفق على صحته»(439)
المبحث الثالث عشر : العرباض بن سارية
وهو ممن نزل فيه قوله تعالى: {وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ} [التوبة: 92].
عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي، وحجر بن حجر، قالا: «أتينا العرباض بن سارية وهو ممن نزل فيه {وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ} [التوبة: 92] فسلمنا، وقلنا: أتيناك زائرين وعائدين ومقتبسين. فقال عرباض: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح ذات يوم، ثم أقبل علينا، فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله، كأن هذه موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ فقال: «أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن كان عبدا حبشيا، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة»»(440) .
الفصل السادس : القرابة الذين نزلت فيهم آيات مخصوصة(441)
المبحث الأول : علي بن أبي طالب
لقد ادعي نزول آيات كثيرة في علي رضي الله عنه، ونحن نقتصر على ما صح مما نزل فيه رضي الله عنه، فمن ذلك:
قوله تعالى: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ} [الحج: 19].
عن قيس بن عباد، قال: قال علي رضي الله عنه: فينا نزلت هذه الآية: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ}(442) وعن قيس بن عباد، عن علي بن
أبي طالب رضي الله عنه، أنه قال: «أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة» وقال قيس بن عباد: وفيهم أنزلت: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ} قال: «هم الذين تبارزوا يوم بدر: حمزة، وعلي، وعبيدة، أو أبو عبيدة بن الحارث، وشيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة»(443) وعن قيس بن عباد، عن أبي ذر رضي الله عنه، قال: «نزلت: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ} في ستة من قريش: علي، وحمزة، وعبيدة بن الحارث، وشيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة»(444)
ومع أن الطبري رحمه الله قد رجح عموم هذه الآية، إلا أنه ذكر هذا السبب كسبب لنزول الآية الكريمة، قال: «وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب، وأشبهها بتأويل الآية قول من قال: عني بالخصمين جميع الكفار من أي أصناف الكفر كانوا، وجميع المؤمنين. وإنما قلت ذلك أولى بالصواب، لأنه تعالى ذكره ذكر قبل ذلك صنفين من خلقه: أحدهما أهل طاعة له بالسجود له، والآخر: أهل معصية له قد حق عليه العذاب، فقال: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُۤ لَهُۤ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ} ثم قال: {وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ} ثم أتبع ذلك صفة الصنفين كليهما وما هو فاعل بهما، فقال: {فَالَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ} وقال الله: {إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ}
فكان بينا بذلك أن ما بين ذلك خبر عنهما.
فإن قال قائل: فما أنت قائل فيما روي عن أبي ذر في قوله: إن ذلك نزل في الذين بارزوا يوم بدر؟
قيل: ذلك إن شاء الله كما روي عنه، ولكن الآية قد تنزل بسبب من الأسباب، ثم تكون عامة في كل ما كان نظير ذلك السبب، وهذه من تلك.
وذلك أن الذين تبارزوا إنما كان أحد الفريقين أهل شرك وكفر بالله، والآخر أهل إيمان بالله وطاعة له، فكل كافر في حكم فريق الشرك منهما في أنه لأهل الإيمان خصم، وكذلك كل مؤمن في حكم فريق الإيمان منهما في أنه لأهل الشرك خصم.
فتأويل الكلام: هذان خصمان اختصموا في دين ربهم، واختصامهم في ذلك معاداة كل فريق منهما الفريق الآخر، ومحاربته إياه على دينه»(445) .
وقد علمت أنه يشترك في هذه الآية مع علي رضي الله عنه:
حمزة بن عبد المطلب، وأبي عبيدة بن الحارث رضي الله عنهما .
ولم يثبت ــ حسب بحثي ــ نزول غير هذه الآية في علي رضي الله عنه، وقد ادعى بعضهم أنه نزل فيه قرابة ثلاثين آية، وقد راجعتها جميعًا فلم تثبت عند النقد، والله أعلم، إما لعمومها الذي لا يصح تخصيصه، وإما لضعفها، وروايتها عمن لا يوثق به.
المبحث الثاني : عائشة رضي الله عنها
وقد أنزل الله في براءتها مما نسب إليها قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِيٍٕ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ لَّوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُواْ هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ لَّوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْأخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَات وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُواْ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْأخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [سورة: النور].
هذه الآيَات أنزلت في عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وما اتصل بذلك من أمر «الإفك»(446) .
وقد ساقت عائشة رضي الله عنها، قصتها بنفسها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج سفرا، أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم معه. قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوة غزاها، فخرج فيها سهمي، فخرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك بعدما أنزل الحجاب، فأنا أحمل في هودجي، وأنزل فيه مسيرنا حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوه، وقفل، ودنونا من المدينة، آذن ليلة بالرحيل فقمت حين آذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت من شأني أقبلت إلى الرحل، فلمست صدري فإذا عقدي من جزع ظفار قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون لي فحملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب وهم يحسبون أني فيه، قالت: وكانت النساء إذ ذاك خفافا، لم يهبلن ولم يغشهن اللحم، إنما يأكلن العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم ثقل الهودج حين رحلوه ورفعوه، وكنت جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل وساروا، ووجدت عقدي بعدما استمر الجيش، فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب، فتيممت منزلي الذي كنت فيه، وظننت أن القوم سيفقدوني فيرجعون إلي، فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني قد عرس من وراء الجيش فأدلج، فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني فعرفني حين رآني، وقد كان يراني قبل أن يضرب الحجاب علي، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمرت وجهي بجلبابي، ووالله ما
يكلمني كلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه، حتى أناخ راحلته، فوطئ على يدها فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة، حتى أتينا الجيش، بعدما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة، فهلك من هلك في شأني، وكان الذي تولى كبره عبد الله بن أبي ابن سلول، فقدمنا المدينة فاشتكيت، حين قدمنا المدينة شهرا، والناس يفيضون في قول أهل الإفك، ولا أشعر بشيء من ذلك، وهو يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله صلى الله عليه وسلم اللطف، الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسلم، ثم يقول: «كيف تيكم؟» فذاك يريبني، ولا أشعر بالشر، حتى خرجت بعدما نقهت وخرجت معي أم مسطح قبل المناصع، وهو متبرزنا، ولا نخرج إلا ليلا إلى ليل وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول في التنزه، وكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا، فانطلقت أنا وأم مسطح، وهي بنت أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف، وأمها ابنة صخر بن عامر، خالة أبي بكر الصديق، وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب، فأقبلت أنا وبنت أبي رهم قبل بيتي، حين فرغنا من شأننا، فعثرت أم مسطح في مرطها، فقالت: تعس مسطح فقلت لها: بئس ما قلت، أتسبين رجلا قد شهد بدرا، قالت: أي هنتاه أو لم تسمعي ما قال؟ قلت: وماذا قال؟ قالت: فأخبرتني بقول أهل الإفك فازددت مرضا إلى مرضي، فلما رجعت إلى بيتي، فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسلم ثم قال: «كيف تيكم؟» قلت: أتأذن لي أن آتي أبوي؟ قالت: وأنا حينئذ أريد أن أتيقن الخبر من قبلهما،
فأذن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجئت أبوي فقلت لأمي: يا أمتاه ما يتحدث الناس؟ فقالت: يا بنية هوني عليك فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها، ولها ضرائر، إلا كثرن عليها، قالت قلت: سبحان الله وقد تحدث الناس بهذا؟ قالت: فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، ثم أصبحت أبكي، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي، يستشيرهما في فراق أهله، قالت فأما أسامة بن زيد فأشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم في نفسه لهم من الود، فقال: يا رسول الله هم أهلك ولا نعلم إلا خيرا، وأما علي بن أبي طالب، فقال: لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير، وإن تسأل الجارية تصدقك، قالت: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة فقال: «أي بريرة هل رأيت من شيء يريبك من عائشة؟» قالت له بريرة: والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمرا قط أغمصه عليها، أكثر من أنها جارية حديثة السن، تنام عن عجين أهلها، فتأتي الداجن فتأكله، قالت: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر، فاستعذر من عبد الله بن أبي ابن سلول، قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر: «يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغ أذاه في أهل بيتي فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي» فقام سعد بن معاذ الأنصاري، فقال: أنا أعذرك منه، يا رسول الله إن كان من الأوس ضربنا عنقه وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا
ففعلنا أمرك، قالت: فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج، وكان رجلا صالحا، ولكن اجتهلته الحمية، فقال لسعد بن معاذ: كذبت لعمر الله لا تقتله، ولا تقدر على قتله فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد بن معاذ فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين فثار الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم، قائم على المنبر، فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا وسكت، قالت: وبكيت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، ثم بكيت ليلتي المقبلة لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم وأبواي يظنان أن البكاء فالق كبدي، فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي استأذنت علي امرأة من الأنصار، فأذنت لها فجلست تبكي، قالت: فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسلم، ثم جلس، قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل لي ما قيل، وقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني بشيء، قالت: فتشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جلس، ثم قال: «أما بعد يا عائشة، فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة، فسيبرئك الله وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنب، ثم تاب تاب الله عليه» قالت: فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، مقالته قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة، فقلت لأبي: أجب عني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما قال فقال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت لأمي: أجيبي عني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ
كثيرا من القرآن إني والله لقد عرفت أنكم قد سمعتم بهذا حتى استقر في نفوسكم وصدقتم به، فإن قلت لكم إني بريئة والله يعلم أني بريئة لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني بريئة لتصدقونني وإني، والله ما أجد لي ولكم مثلا إلا كما قال أبو يوسف {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} [يوسف: 18] قالت: ثم تحولت فاضطجعت على فراشي، قالت: وأنا، والله حينئذ أعلم أني بريئة وأن الله مبرئي ببراءتي، ولكن، والله ما كنت أظن أن ينزل في شأني وحي يتلى، ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلم الله عز وجل في بأمر يتلى، ولكني كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم رؤيا يبرئني الله بها، قالت: فوالله ما رام رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسه، ولا خرج من أهل البيت أحد حتى أنزل الله عز وجل على نبيه صلى الله عليه وسلم، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند الوحي، حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق، في اليوم الشات، من ثقل القول الذي أنزل عليه، قالت: فلما سري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال: «أبشري يا عائشة أما الله فقد برأك» فقالت لي أمي: قومي إليه، فقلت: والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله، هو الذي أنزل براءتي، قالت: فأنزل الله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ} عشر آيات فأنزل الله عز وجل هؤلاء الآيَات براءتي، قالت: فقال أبو بكر وكان ينفق على مسطح لقرابته منه وفقره: والله لا أنفق عليه شيئا أبدا بعد الذي قال لعائشة فأنزل الله عز وجل: {وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُواْ الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُواْ أُوْلِي الْقُرْبَى} إلى قوله: {أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} [النور: 22]،
قال حبان بن موسى: قال عبد الله بن المبارك: هذه أرجى آية في كتاب الله، فقال أبو بكر: والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: لا أنزعها منه أبدا، قالت عائشة: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل زينب بنت جحش، زوج النبي صلى الله عليه وسلم عن أمري «ما علمت؟ أو ما رأيت؟» فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت إلا خيرا. قالت عائشة: وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فعصمها الله بالورع، وطفقت أختها حمنة بنت جحش تحارب لها، فهلكت فيمن هلك قال الزهري: فهذا ما انتهى إلينا من أمر هؤلاء الرهط»(447)
ومن الآيَات التي نزلت في شأن عائشة رضي الله عنها، قوله تعالى: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [آل عمران: 121]، يقول الرازي: «يروى أنه عليه السلام غدا من منزل عائشة رضي الله عنها فمشى على رجليه إلى أحد، وهذا قول مجاهد والواقدي، فدل هذا النص على أن عائشة رضي الله عنها كانت أهلًا للنبي صلى الله عليه وسلم وقال تعالى: {وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ} [النور: 26] فدل هذا النص على أنها مطهرة مبرأة عن كل قبيح، ألا ترى أن ولد نوح لما كان كافرا قال: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} [هود: 46] وكذلك امرأة لوط»(448) .
آيات تشترك فيهن عائشة وحفصة رضي الله عنهما:
ومن الآيَات التي نزلت بسبب عائشة وحفصة رضي الله عنها، آيات سورة التحريم، فعن أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت له أمة يطؤها، فلم تزل به عائشة وحفصة حتى حرمها على نفسه، فأنزل الله تعالى {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} [التحريم: 1] إلى آخر الآية(449) .
ولا تثريب عليهن رضوان الله عليهن، بقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا} [التحريم].
وذلك أن بعضهم ثرب على زوجات النبي صلى الله عليه وسلم بإذاعة سره، وأن الله تعالى ذكر أنهما تظاهرتا على نبيه، والجواب عن ذلك من عدة أوجه(450) :
1 ــ أنه بتقدير أن يكون هناك ذنب لعائشة وحفصة، فيكونان قد تابتا منه، وهذا ظاهر لقوله تعالى: {إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} فدعاهما الله تعالى إلى التوبة، فلا يظن بهما أنهما لم يتوبا، مع ما ثبت من علو درجتهما، وأنهما زوجتا نبينا في الجنة، وأن الله خيرهن بين الحياة الدنيا وزينتها وبين الله ورسوله والدار الآخرة، فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة، ولذلك حرم الله عليه أن يتبدل بهن غيرهن، وحرم عليه أن يتزوج عليهن، واختلف في إباحة ذلك له بعد ذلك، ومات عنهن وهن أمهات المؤمنين بنص القرآن.
ثم إن الذنب يغفر ويعفى عنه بالتوبة وبالحسنات الماحية وبالمصائب المكفرة.
2 ــ المذكور عن أزواجه كالمذكور عمن شهد له بالجنة من أهل بيته وغيرهم من الصحابة، كخطبة علي لابنة أبي جهل، فلا يظن بعلي ـ رضي الله عنه ـ أنه ترك الخطبة في الظاهر فقط، بل تركها بقلبه وتاب بقلبه عما كان طلبه وسعى فيه.
وكتأخره في كتابة اسم النبي صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية، وكتأخر الصحابة عن أمر الرسول صلى الله عليه وسلم.
فمعلوم أن تأخر علي وغيره من الصحابة عما أمروا به حتى غضب النبي صلى الله عليه وسلم إذا قال القائل: هذا ذنب، كان جوابه كجواب القائل: إن عائشة أذنبت في ذلك، فمن الناس من يتأول ويقول: إنما تأخروا متأولين، لكونهم
كانوا يرجون تغيير الحال بأن يدخلوا مكة: وآخر يقول: لو كان لهم تأويل مقبول لم يغضب النبي صلى الله عليه وسلم بل تابوا من ذلك التأخير ورجعوا عنه، مع أن حسناتهم تمحو مثل هذا الذنب، وعلي داخل في هؤلاء رضي الله عنهم أجمعين.
الخاتمة
وفي هذه الخاتمة، يحسن بنا أن ننثر خلاصة هذا البحث الذي طوفنا فيه فيما ورد من آيات في فضل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنقول:
1 ــ لقد أثنى الله تعالى على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جملةً، وهذا الثناء ورد بصيغة العموم، كما قال سبحانه: {وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُواْ مِن بَعْدُ وَقَاتَلُواْ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [الحديد: 11].
فإن هؤلاء الطلقاء مسلمة الفتح: هم ممن أنفق من بعد الفتح وقاتل وقد وعدهم الله الحسنى، فإنهم أنفقوا بحنين والطائف وقاتلوا فيهما رضي الله عنهم.
وقد دخل مسلمة الفتح في آيات أخرى أيضًا، فإنهم شهدوا غزوة حنين، وفيها أنزل الله: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَئًْا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ} [التوبة: 25 ــ(451) 26] .
وقد
شهدوا أيضًا غزوة تبوك، وقد علمت أن الله فرق بين أهل النفاق، وأهل الإيمان في تلك الغزوة، وذكر من أحوال أهل النفاق ما فارقوا به أهل الإيمان.
2 ــ وقد أثنى الله على السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وهم الذين بايعوا تحت الشجرة، وأثنى كذلك على من اتبعهم بإحسان، {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة:(452) 100] .
3 ــ وأثنى الله تعالى على أصناف معينة منهم، كثنائه على (أهل بدر ــ أحد ــ أصحاب بيعة الرضوان)، وكذلك أثنى على (المهاجرين ــ الأنصار).
4
ومن الآيَات التي أثنى الله فيها على عموم الصحابة، قوله تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُواْ رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [الحشر: 8 10].
فهذه الآيَات: تتناول من دخل فيها بعد السابقين الأولين إلى يوم القيامة؛ فكيف لا يدخل فيها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين آمنوا به وجاهدوا معه؟!
5 ــ ومن الآيَات التي دخل فيها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مطلقًا، قوله تعالى: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمَا} [الفتح: 29].
6 أن الله تعالى ذكر في سورة التوبة
أوصاف المنافقين، وذكر أوصاف أهل الإيمان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد تميز كل فريق بحيث لا يتداخل مع الآخر عند من نور الله بصيرته.
7 ــ أنه قد ثبتت جملة فضائل عامة وخاصة لآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم.
8 ــ أن زوجات النبي صلى الله عليه وسلم من آل بيته كما نص القرآن على ذلك.
9 ــ أن الواجب على المؤمن المتبع بإحسان، أن يترضى عن سائر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وآل بيته.
وختامًا، فلست أزعم أني بهذا البحث أوفيت على الغاية، في هذا الموضوع المهم، ولا قاربت، بل إنه باب مشرع لكل من يريد الولوج فيه، والتشرف ببحثه إمَّا تدقيقًا وتحقيقًا، أو جمعًا واستقصاءًا، أو تصحيحًا وتزييفًا، وأسأل الله أن يوفقنا لما يحب ويرضى، وأن يحشرنا في زمرة من أنعم عليهم من النبيين، والصديقين، والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.
ورضوان الله وبركاته على أصحاب نبيه وآل بيته، فَرَضِيَ اللهُ عَن السابقين منهم واللَّاحقين، والمتبوعينَ منهم والتابعين، من أهلِ الحرمين، والهِجْرَتيْنِ، والمسجدَيْنِ، والقبلتين، والكِتابين، والبيعتين، والأربعةِ والعشرة، وأهلِ بدرٍ البررة، والذين تبوَّؤا الدار والإيمان، وأهلِ العشرين الغزوة والثمان.
وعن البعوثِ والجنودِ، وأهلِ حِجَّةِ الودَاع والوفود.
وعن الذين جاؤوا منْ بعدهم يقولون: ربَّنا اغْفِرْ لنا ولإخواننا الَّذينَ سبقونا بالإيمان ولا تَجْعَلْ في قلوبنا غِلًا للذين آمنوا ربَّنا إنك رؤوف رحيم(453) .
وكتبه
عمرو صبحي علي الشرقاوي
مُلْحَق : فيه: ما لا يثبت من فضائل الصحابة والقرابة
في هذا الملحق نذكر ما اختل شرطه مما لم ندخله في فضائل الآل والأصحاب، وهذا الاختلال راجع إلى أمور:
1 ــ إما لعدم ثبوته، لضعف، أو علة قادحة، وهي مسألة اجتهادية، وعليه فعامة ما هو في هذا الملحق لا يثبت في وجهة نظر الباحث.
2 ــ أو لفقدانه ما يشترط لعده سببًا للنزول، فإن سبب النزول لا بد له من شروط، فإن اختل شرط فإنه يخرج هذا السبب ــ وإن صح ــ عن السببية، وسوف ننبه على بعض ذلك بحول الله ــ حال مروره(454) معنا في هذا الملحق ــ .
المبحث الأول : أبو بكر رضي الله عنه
1 ــ قوله تعالى: {وَلَا تَجْعَلُواْ اللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 224].
* عن ابن جريج، قال: حدثت أن قوله: «{وَلَا تَجْعَلُواْ اللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ} الآية، نزلت في أبي بكر في شأن مسطح»(455) .
* قال مقاتل بن حيان: «نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق (رضي الله عنه) حين حلف ألا يصل ابنه عبد الرحمن حتى يسلم»(456) .
2 ــ قوله تعالى: {إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} [البقرة: 271].
عن عامر الشعبي في قوله: {إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} قال:
«أنزلت في أبي بكر وعمر، أما عمر فجاء بنصف ماله، حتى دفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما خلفت وراءك لأهلك يا عمر؟ قال: خلفت لهم نصف مالي. وأما أبو بكر فجاء بماله كله، يكاد أن يخفيه من نفسه، حتى دفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما خلفت وراءك لأهلك يا أبا بكر؟ قال: عدة الله وعدة رسوله. فبكى عمر، وقال: بأبي أنت وأمي يا أبا بكر، ما استبقنا إلى باب خير قط، إلا كنت سابقنا إليه»(457)
3 ــ قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَاءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا} [النساء: 43].
عن عكرمة: «{لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى}، نزلت في أبي بكر، وعمر، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد، صنع علي لهم طعاما
وشرابا، فأكلوا وشربوا حتى قال ابن جريج: وقال غير عكرمة: صلى بهم المغرب علي، فقال: {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ} حتى خاتمتها، فقال: ليس لي دين، وليس لكم دين، فنزلت: {لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى}»(458)
4 ــ قوله تعالى: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} [الرحمن: 46].
* عن عطاء الخراساني: «أن أبا بكر ـ رضي الله عنه ـ ذكر ذات يوم وفكر في يوم القيامة والموازين والجنة حيث أزلفت وفي النار حين أبرزت، وصفوف الملائكة وطي السماوات والأرض، ونسف الجبال وتكوير الشمس وانتثار الكواكب، فقال: وددت أني كنت خضراً من هذه الخضراء تأتي عليّ بهمة فتأكلني وأني لم أخلق؛ فنزلت هذه الآية: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ(459) رَبِّهِ جَنَّتَانِ}» .
* عن ابن شوذب؛ قال: «نزلت في أبي بكر الصديق ـ رضي الله(460) عنه ـ» .
5 ــ قوله تعالى: {لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْأخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [المجادلة: 22].
قال ابن جريج: «حدثت أن أبا قحافة سب النبي صلى الله عليه وسلم فصكه
أبو بكر صكة شديدة سقط منها، ثم ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم قال: «أو فعلته؟» قال: نعم، قال: «فلا تعد إليه»، فقال أبو بكر: والله لو كان السيف قريبا مني لقتلته، فأنزل الله تبارك وتعالى هذه الآية»(461)
المبحث الثاني : عمر بن الخطاب رضي الله عنه
1 قوله تعالى: {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ
مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمُ بِمَا يَصْنَعُونَ} [فاطر: 8].
عن الضحاك؛ قال: «أنزلت هذه الآية: {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ} الآية، حيث قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «اللهم أعز دينك بعمر بن الخطاب أو بأبي جهل بن هشام»؛ فهدى الله عمر وأضل أبا جهل؛(462) ففيهما أنزلت» .
المبحث الثالث : عثمان بن عفان رضي الله عنه
1 قوله تعالى: {الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواْ مَنًّا وَلَا أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ
يَحْزَنُونَ} [البقرة: 262].
* قال الكلبيّ: في قوله {الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} الآية: «نزلت في عثمان بن عفّان (رضي الله عنه) وعبد الرحمن بن عوف، أمّا عبد الرحمن فإنّه جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربعة آلاف درهم صدقة فقال: كانت عندي ثمانية آلاف فأمسكت منها لنفسي وعيالي أربعة آلاف، وأربعة آلاف أقرضتها ربّي عز وجل»(463) .
* عن ابن المسيب: {الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِالَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً}، قال: «الآية كلها في عبد الرحمن بن عوف وعثمان في نفقتهما أو في جيش العسرة»(464) .
وقال أبو سعيد الخدري: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم رافعا يده
يدعو لعثمان ويقول: «يا رب إن عثمان بن عفان رضيت عنه فارض عنه» فما زال رافعا يده حتى طلع الفجر، فأنزل الله تعالى فيه: {الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} الآية»(465)
* وقال ابن ظفر: «نزلت في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعبد الرحمن، أما أبو بكر فأنفق جميع ماله، وأما الباقون فأنفق نصف ما عنده وكذا ابن عوف وأما عثمان فاشترى بئر رومة وجهز جيش العسرة وأما علي فباع حائطا له باثني عشر ألفا فتصدق بجميعها وأصبح يوما وليس عنده سوى أربعة دراهم فتصدق بها وكان كثير الإيثار على نفسه»(466) .
2 ــ {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [النحل: 76].
عن ابن عباس، في قوله: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوكًا} [النحل: 75] قال: «نزلت في رجل من قريش وعبده، وفي قوله: {مَثَلًا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ} إلى قوله: {وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} قال: «هو عثمان بن عفان» قال: «والأبكم الذي أينما يوجه لا يأت بخير، ذاك مولى عثمان بن عفان، كان عثمان ينفق عليه ويكفله ويكفيه المئونة،
وكان الآخر يكره الإسلام ويأباه وينهاه عن الصدقة والمعروف، فنزلت فيهما»(467)
3 ــ قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} [الأنبياء: 101].
* عن محمد بن حاطب، قال: سمعت عليا، يخطب يقول: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} قال: «عثمان منهم»(468) .
* وروي عن عليّ بن أبي طالب أنه قرأ هذه الآية، فقال: أنا منهم، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وطلحة، والزبير، وسعد، وعبد الرحمن(469) .
4 ــ قوله تعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ الَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْأخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الْأَلْبَابِ} [الزمر: 9].
عن
يحيى البكاء، أنه سمع ابن عمر قرأ: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ الَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْأخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ}؛ قال ابن عمر: «ذاك عثمان بن عفان، رضي الله عنه»(470)
5 ــ قوله تعالى: {يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ} [الفجر: 27 ــ 28].
عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من يشتري بئر رومة نستعذب بها غفر الله له، فاشتراها عثمان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هل لك أن تجعلها سقاية للناس؟ قال: نعم فأنزل الله في عثمان يا أيتها النفس المطمئنة الآية»(471) .
المبحث الرابع : علي بن أبي طالب رضي الله عنه
1 ــ قوله تعالى: {الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِالَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً} [البقرة: 274].
عن ابن عباس، في قوله تعالى: {الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِالَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً} قال: «نزلت في علي، كانت معه أربعة دراهم، فأنفق
بالليل درهما، وبالنهار درهما، وسرا درهما، وعلانية درهما»(472)
2 ــ قوله تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [آل عمران: 173].
عن محمد بن عبيد الله الرافعي، عن أبيه، عن جده أبي رافع: «أن النبي صلى الله عليه وسلم وجه عليا في نفر معه في طلب أبي سفيان، فلقيهم أعرابي من خزاعة فقال: إن القوم قد جمعوا لكم قالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل.
فنزلت فيهم هذه الآية»(473)
3 ــ قوله تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} [المائدة: 55].
جاء عن غير واحد منهم: ابن عباس، وعتبة بن أبي حكيم، ومجاهد، وسلمة بن كهيل، وغيرهم، أن هذه الآية نزلت في علي بن أبي طالب(474) .
4 ــ قوله تعالى: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْأخِرِ} [التوبة: 19].
* «افتخر طلحة بن شيبة من بني عبد الدار، وعباس بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب. فقال طلحة: أنا صاحب البيت، معي مفتاحه، لو أشاء بت فيه، وقال عباس: أنا صاحب السقاية والقائم عليها، ولو أشاء بت في المسجد، وقال علي: ما أدري ما تقولان، لقد صليت إلى القبلة ستة أشهر قبل الناس، وأنا صاحب الجهاد، فأنزل الله: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} الآية كلها»(475) .
5 ــ قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَانُ وُدًّا} [مريم: 96].
عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب:
يا علي قل: «اللهم اجعل لي عندك عهدا واجعل لي في صدور المؤمنين مودّة، فأنزل الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ} الآية»(476)
6 ــ قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} [الأنبياء: 101].
* وروي عن عليّ بن أبي طالب أنه قرأ هذه الآية، فقال: أنا منهم، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وطلحة، والزبير، وسعد، وعبد الرحمن(477) .
7 ــ قوله تعالى: {أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لَّا يَسْتَوُنَ} [السجدة: 18].
ذكر أن هذه الآية نزلت في علي بن أبي طالب رضوان الله عليه، والوليد بن عقبة.
عن عطاء بن يسار، قال: «نزلت بالمدينة في علي بن أبي طالب، والوليد بن عقبة بن أبي معيط، كان بين الوليد وبين علي كلام، فقال الوليد بن
عقبة: أنا أبسط منك لسانا، وأحد منك سنانا، وأرد منك للكتيبة، فقال علي: اسكت، فإنك فاسق، فأنزل الله فيهما: {أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لَّا يَسْتَوُنَ} إلى قوله {بِهِ تُكَذِّبُونَ} [السجدة: 20]»(478)
8 ــ قوله تعالى: {فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ} [الزخرف: 41].
عن جابر ـ رضي الله عنهما ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في قوله: {فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ}: «نزلت في علي بن أبي طالب، أنه ينتقم(479) من الناكثين والقاسطين بعدي» .
9 ــ قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} [المجادلة: 12].
جاء من غير وجه أن هذه الآية لم يعمل بها سوى علي رضي الله عنه.
ومن ذلك، عن علي بن أبي طالب، قال: «لما نزلت: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} قال لي النبي صلى الله عليه وسلم ما ترى؟ دينار؟ قلت: لا يطيقونه، قال: فنصف دينار؟، قلت: لا يطيقونه. قال: فكم؟ قلت: شعيرة. قال: إنك لزهيد. قال: فنزلت {آشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ} الآية. قال: فبي خفف الله عن هذه الأمة».
وقول علي رضي الله عنه:
«آية من كتاب الله لم يعمل بها أحد قبلي، ولا يعمل بها أحد بعدي، كان عندي دينار فصرفته بعشرة دراهم، فكنت إذا جئت إلى النبي صلى الله عليه وسلم تصدقت بدرهم، فنسخت فلم يعمل بها أحد قبلي {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً}»(480)
10 ــ قوله تعالى: {وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} [الحاقة: 12].
عن علي بن حوشب، قال: سمعت مكحولا، يقول: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} ثم التفت إلى علي، فقال: «سألت الله أن يجعلها أذنك» قال علي رضي الله عنه: فما سمعت شيئا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فنسيته، وعبد الله بن رستم، قال: سمعت بريدة، يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعلي: «يا علي إن الله أمرني أن أدنيك ولا أقصيك، وأن أعلمك وأن تعي، وحق على الله أن تعي». قال: فنزلت {وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ}(481) .
11 ــ قوله تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا} [الإنسان: 8].
عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في قوله: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ
عَلَى حُبِّهِ}؛ قال: «نزلت هذه الآية في علي بن أبي طالب وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم(482)
المبحث الخامس : أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه
1 ــ قوله تعالى: {لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْأخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُواْ آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} الآية [المجادلة: 22].
عن عبد الله بن شوذب قال: جعل أبو أبي عبيدة بن الجراح ينعت له الآلهة يوم بدر، وجعل أبو عبيدة يحيد عنه، فلما أكثر الجراح قصده ابنه أبو عبيدة فقتله، فأنزل الله فيه هذه الآية: {لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْأخِرِ} الآية(483) .
المبحث السادس : حمزة رضي الله عنه
1 قوله تعالى: {إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُواْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ
شَيْءٍ عَلِيمًا} [الفتح: 26].
عن الأجلح؛ قال: «كان حمزة بن عبد المطلب رجلاً حسن الشعر، حسن الهيئة، صاحب صيد، وإن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مر على أبي جهل فولع به وآذاه، فرجع حمزة من الصيد وامرأتان تمشيان خلفه؛ فقالت إحداهما: لو علم ذا ما صنع بابن أخيه؛ أقصر عن مشيته؛ فالتفت إليهما، فقال: وما ذاك؟ قالت: أبو جهل فعل بمحمد كذا وكذا، فدخلته الحمية، فجاء حتى دخل المسجد وفيه أبو جهل فعلا رأسه بقوسه، ثم قال: ديني دين محمد إن كنتم صادقين، فامنعوني؛ فقامت إليه قريش، فقالوا: يا أبا يعلى؛ فأنزل الله ــ تعالى ــ: {إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ} إلى قوله: {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى}؛ قال:(484) حمزة بن عبد المطلب» .
2 ــ قوله تعالى: {يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ} [الفجر: 27].
عن بريدة في قوله ـ تعالى ـ: {يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ}؛ قال: «نزلت(485) في حمزة» .
المبحث السابع : عمار بن ياسر رضي الله عنه
1 قوله تعالى: {أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ
مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 122].
عن عكرمة: {أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ} قال: «نزلت في عمار بن ياسر»، وعن عكرمة: «{أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ}: عمار بن ياسر. {كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ}: أبو جهل بن هشام»(486) .
2 ــ قوله تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ} [العنكبوت: 2].
عن عبد الله بن عبيد بن عمير، يقول: «نزلت، يعني هذه الآية {الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ}.. إلى قوله {وَلَيَعْلَمَنَّ
الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت: 3] في عمار بن ياسر، إذ كان يعذب في الله»(487)
3 ــ قوله تعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ الَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْأخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الْأَلْبَابِ} [الزمر: 9].
قال مقاتل وغيره: «نزلت في عمار بن ياسر»(488) .
4 ــ قوله تعالى: {أَفَمَن يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [فصلت: 40].
عن بشر بن تيم، قال: «نزلت هذه الآية في أبي جهل، وعمار بن ياسر {أَفَمَن يُلْقَى فِي النَّارِ} أبو جهل {خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ} عمار بن ياسر»(489) .
المبحث الثامن : عبد الله بن مسعود رضي الله عنه
1 ــ قوله تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110].
قال عكرمة ومقاتل: «نزلت في ابن مسعود وأبي بن كعب ومعاذ وسالم مولى أبي حذيفة، وذلك أن ابن الصيف ووهب بن يهود اليهوديين قالا لهم: إن ديننا خير مما تدعوننا إليه ونحن خير وأفضل منكم. فأنزل الله تعالى هذه الآية»(490) .
2 ــ قوله تعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ الَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْأخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الْأَلْبَابِ} [الزمر: 9].
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «نزلت هذه الآية في ابن مسعود وعمار وسالم مولى أبي حذيفة رضي الله عنه»(491) .
المبحث التاسع : سلمان الفارسي رضي الله عنه
1 قوله تعالى: {وَالَّذِينَ اجْتَنَبُواْ الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُواْ إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ
الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} [الزمر: 17 18].
قال ابن زيد، في قوله: «{وَالَّذِينَ اجْتَنَبُواْ الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا...} [الزمر: 17] الآيتين، حدثني أبي أن هاتين الآيتين نزلتا في ثلاثة نفر كانوا في الجاهلية يقولون: لا إله إلا الله: زيد بن عمرو، وأبي ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، نزل فيهم»(492) .
المبحث العاشر : عبد الله بن سلام رضي الله عنه
1 قوله تعالى: {لَيْسُواْ سَوَاءً مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ الَّيْلِ
وَهُمْ يَسْجُدُونَ} [آل عمران: 113].
عن ابن عباس، قال: «لما أسلم عبد الله بن سلام، وثعلبة بن سعية، وأسيد بن سعية، وأسد بن عبيد، ومن أسلم من يهود معهم، فآمنوا وصدقوا ورغبوا في الإسلام ومنحوا فيه، قالت أحبار يهود وأهل الكفر منهم: ما آمن بمحمد ولا تبعه إلا أشرارنا، ولو كانوا من خيارنا ما تركوا دين آبائهم، وذهبوا إلى غيره، فأنزل الله عز وجل في ذلك من قولهم: {لَيْسُواْ سَوَاءً مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ} إلى قوله: {وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ} [آل عمران: 114]»(493) .
2 ــ قوله تعالى: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ} [آل عمران: 199].
عن ابن جريج، قال: «نزلت يعني هذه الآية في عبد الله بن سلام
ومن معه»(494)
3 ــ قوله تعالى: {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} [الرعد:(495) 43] .
وقوله تعالى: {قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسْرَائيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [الأحقاف: 10].
ذكر نزول هاتين الآيتين في عبدالله بن سلام(496) .
المبحث الحادي عشر : صهيب رضي الله عنه
1 قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ} [البقرة:
207].
عن عكرمة: «{وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ} قال: نزلت في صهيب بن سنان، وأبي ذر الغفاري جندب بن السكن؛ أخذ أهل أبي ذر، أبا ذر، فانفلت منهم، فقدم على النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رجع مهاجرا عرضوا له، وكانوا بمر الظهران، فانفلت أيضا حتى قدم على النبي عليه الصلاة والسلام. وأما صهيب فأخذه أهله، فافتدى منهم بماله، ثم خرج مهاجرا فأدركه منقذ بن عمير بن جدعان، فخرج له مما بقي من ماله، وخلى سبيله»(497) .
المبحث الثاني عشر : ثوبان رضي الله عنه مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم
1 قوله تعالى: {وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّۧنَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ
وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [النساء: 69].
«نزلت في ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان شديد الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم قليل الصبر عنه، فأتاه ذات يوم وقد تغير لونه، ونحل جسمه؛ فعرف الحزن في وجهه، فقال له: «يا ثوبان! ما غير لونك؟»، فقال: يا رسول الله! لا بيَ مرض ولا وجع، غير أني إذا لم أرك؛ اشتقت إليك، واستوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك، ثم ذكَرْت الآخرة؛ فأخاف أن لا أراك هناك؛ لأني عرفت أنك تُرفع مع النبيين،
وإني إن دخلت الجنة كنت في منزلة أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل الجنة؛ فذاك حين لا أراك أبداً؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك: «والذي نفسي بيده، لا يؤمن عبد حتى أكون أحب إليه من نفسه وأبويه وأهله والناس أجمعين»(498)
المبحث الثالث عشر : عمير بن الحمام رضي الله عنه
1 قوله تعالى: {وَلَا تَقُولُواْ لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتُ بَلْ
أَحْيَاءٌ} [البقرة: 154].
عن عبد الله بن عباس ـ رضي الله عنه ـ؛ قال: قتل تميم ــ والصواب: عمير ــ بن الحمام ببدر، وفيه وفي غيره نزلت: {وَلَا تَقُولُواْ لِمَن يُقْتَلُ(499) فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتُ}» .
المبحث الرابع عشر : أبو جندل رضي الله عنه
1 ــ قوله تعالى: {وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً} [النحل: 41].
عن داود بن أبي هند، قال: «نزلت {وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ} إلى قوله: {وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [النحل: 42] في أبي جندل بن سهيل»(500) .
المبحث الخامس عشر : رفاعة القرظي رضي الله عنه
1 ــ قوله تعالى: {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ} [القصص: 52].
عن رفاعة القرظي، قال: «نزلت هذه الآية في عشرة أنا أحدهم {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}»(501) .
المبحث السادس عشر : معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه
1 ــ قوله تعالى: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} [البقرة: 253].
عن عبد الله بن عباس ـ رضي الله عنهما ـ؛ قال: كنت عند النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وعنده أبو بكر وعمر وعثمان ومعاوية؛ إذ أقبل علي، فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لمعاوية: «أتحب علياً؟!»، قال: نعم، قال: «إنها ستكون بينكم هنيهة»، قال معاوية: فما بعد ذلك يا رسول الله؟! قال: «عفو الله ورضوانه»، قال: رضينا بقضاء الله ورضوانه؛ فعند ذلك نزلت هذه الآية: {شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا(502) اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ}» .
المبحث السابع عشر : النجاشي رضي الله عنه
1
قوله تعالى: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ} [آل عمران: 199].
عن قتادة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أخاكم النجاشي قد مات فصلوا عليه» قالوا: نصلي على رجل ليس بمسلم. قال: فنزلت: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ} قال قتادة: فقالوا إنه كان لا يصلي إلى القبلة، فأنزل الله عز وجل: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: 115]»(503) .
2 ــ قوله تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} [المائدة: 82].
عن عبد الله بن الزبير، قال: «نزلت في النجاشي وأصحابه: {وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ} [المائدة: 83]»(504) .
المبحث الثامن عشر : زينب بنت جحش رضي الله عنها
1 ــ قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} [الأحزاب: 36].
عن ابن عباس، قوله: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا}...
إلى آخر الآية، «وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انطلق يخطب على فتاه زيد بن حارثة، فدخل على زينب بنت جحش الأسدية فخطبها، فقالت: لست بناكحته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فانكحيه»، فقلت: يا رسول الله أؤامر في نفسي فبينما هما يتحدثان أنزل الله هذه الآية على رسوله: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ}.. إلى قوله: {ضَلَالًا مُّبِينًا} قالت: قد رضيته لي يا رسول الله منكحا؟ قال: «نعم»، قالت: إذن لا أعصي رسول الله، قد أنكحته نفسي»(505)
المبحث التاسع عشر : أم شريك رضي الله عنها
1 قوله تعالى: {وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن
وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ} [الأحزاب: 50].
عن هشام ابن عروة، عن أبيه قال: «قد كنا نتحدث أن أم شريك كانت وهبت نفسها للنبي عليه السلام، وكانت امرأة صالحة»(506) .
أهم مراجع البحث
الإتقان في علوم القرآن، تأليف: جلال الدين السيوطي، الناشر: دار التراث القاهرة، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، الطبعة: الثالثة/1405هـ. الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان، الناشر: مؤسسة الرسالة بيروت، الطبعة: الأولى/1408هـ 1987م. أحكام القرآن، تأليف: ابن العربي، الناشر: دار المعرفة، تحقيق: علي بن محمد البجاوي. أحكام القرآن، تأليف: أبي بكر أحمد بن علي الرازي الجصاص، تحقيق: محمد الصادق قمحاوي، الناشر: دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1405هـ. أسباب نزول القرآن، تأليف: أبي الحسن علي بن أحمد الواحدي، الناشر: دار القبلة جدة، تحقيق: سيد أحمد صقر، الطبعة: الثانية/1404هـ. الاستقامة، لابن تيمية، ت: د. محمد رشاد سالم، جامعة الإمام محمد بن سعود المدينة المنورة الاستيعاب في تمييز الأصحاب، تأليف: يوسف بن عبد الله بن عبد البر، الناشر: دار الجيل بيروت، تحقيق: علي محمد الجباوي، الطبعة: 1412هـ. الإصابة في تمييز الصحابة، تأليف: أحمد بن علي بن حجر
العسقلاني الشافعي، الناشر: دار الجيل بيروت، تحقيق: علي محمد، الطبعة: الأولى/ 1412هـ 1992م. أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، المؤلف: محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر الجكني الشنقيطي، الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع بيروت لبنان، عام النشر: 1415 هـ 1995 م. أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، تأليف: محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي، الناشر: مطبعة المدني، على نفقة: محمد عوض بن لادن، الطبعة: الأولى/1386هـ. إعراب القرآن، تأليف: أبي جعفر النحاس، الناشر: مكتبة النهضة الحديثة، تحقيق: زهير غازي زاهد، الطبعة: الثانية/1405هـ. إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان، لابن القيم، ت: محمد عفيفي، المكتب الإسلامي. الإكليل في استنباط التنزيل، تأليف: جلال الدين السيوطي، الناشر: دار الكتب العلمية. البحر المحيط، تأليف: محمد بن يوسف أبي حيان الأندلسـي، الناشر: دار الفكر، الطبعة: الثانية/1403هـ. البرهان في علوم القرآن، تأليف: محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي، الناشر: المكتبة العصرية بيروت، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم. التحرير والتنوير من التفسير، تأليف: محمد الطاهر ابن عاشور، الناشر: الدار التونسية للنشر، الطبعة: 1984م.
تحقيق منيف الرتبة، في شرف من ثبتت له الصحب، للعلائي، ت: القشقري، ط. دار العاصمة. التسهيل لعلوم التنزيل، لأبي القاسم، محمد بن جزي الكلبي الغرناطي (ت: 741)، تحقيق: الدكتور عبد الله الخالدي، ط. شركة دار الأرقم بن أبي الأرقم بيروت 1416 هـ. التفسير البسيط، للإمام الواحدي، ت: مجموعة، نشر عمادة البحث العلمي جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية الطبعة: الأولى، 1430 هـ. تفسير البغوي، تأليف: البغوي، الناشر: دار طيبةـ الرياض، تحقيق: عثمان ضميرية. تفسير الطبري جامع البيان عن تأويل آي القرآن، لمحمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310)، تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي مع دار هجر، ط. هجر. التفسير الكبير، تأليف: فخر الدين محمد بن عمر الرازي، الناشر: دار إحياء التراث العربي، الطبعة: الثالثة. التفسير اللغوي، د. مساعد الطيار، ط. دار ابن الجوزي. تفسير النسائي، تأليف: أحمد بن شعيب النسائي، الناشر: مكتبة السنة القاهرة، تحقيق: سيد الجليمي، وصبري الشافعي، الطبعة: الأولى/1990م. تهذيب اللغة، تأليف: أبي منصور محمد بن أحمد الأزهري، الناشر: دار إحياء التراث العربي بيروت، تحقيق: محمد عوض مرعب، الطبعة: الأولى/2001م.
تهذيب اللغة، لمحمد بن أحمد بن الأزهري الهروي، أبو منصور، المحقق: محمد عوض مرعب، الناشر: دار إحياء التراث العربي بيروت، الطبعة: الأولى، 2001م. جامع البيان عن تأويل القرآن، تأليف: محمد بن جرير الطبري، الناشر: دار المعرفة بيروت، الطبعة: الرابعة بالأوفست/1400هـ، وهي صورة عن طبعة بولاق سنة 1323هـ. الجامع الصحيح، تأليف: محمد بن إسماعيل البخاري، الناشر: المطبعة السلفية، طبع مع فتح الباري، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي. الجامع الصحيح، تأليف: مسلم بن الحجاج النيسابوري، الناشر: دار إحياء التراث العربي، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي. الجامع لأحكام القرآن، تأليف: محمد بن أحمد القرطبي، تصحيح: أحمد عبد العليم البردوني وزملائه، الطبعة: الثانية/1372هـ. جمال القراء وكمال الإقراء، تأليف: علم الدين السخاوي، الناشر: مكتبة التراث مكة مطبعة المدني، تحقيق: علي حسين البواب، الطبعة: الأولى/1408هـ. جهود الصحابة في جمع القرآن لأحمد سالم، ط. وزارة الأوقاف الكويتية. الجواب الصحيح لمن بدل ين المسيح، لابن تيمية، ط. دار الوطن. حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: لأبي نعيم، عام النشر (1394هـ 1974م)، دار السعادة، محافظة مصر. وتصوير: دار الكتاب العربي، ودار الفكر، ودار الكتب العلمية، بيروت.
الدر المنثور في التفسير بالمأثور، تأليف: جلال الدين السيوطي، الناشر: دار الفكر بيروت، الطبعة: الثانية/1403هـ. روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، تأليف: أبي الفضل شهاب الدين محمود الألوسي، الناشر: دار الفكر، الطبعة: 1398هـ. سنن ابن ماجه، تأليف: محمد بن يزيد القزويني ابن ماجه، الناشر: دار إحياء التراث العربي، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، الطبعة: 1395هـ. سنن أبي داود، تأليف: سليمان بن الأشعث السجستاني، الناشر: دار الحديث، إعداد وتعليق: عزيت عبيد الدعاس، الطبعة: الأولى/1388هـ. سنن أبي داود، لأبي داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو الأزدي السِّجِسْتاني، ت: شعَيب الأرنؤوط محَمَّد كامِل قره بللي، دار الرسالة العالمية، الطبعة: الأولى، 1430 هـ 2009 م. سنن البيهقي الكبرى، تأليف: أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي، الناشر: مكتبة دار الباز مكة المكرمة، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، الطبعة: 1414هـ 1994م. سنن الترمذي، تأليف: محمد بن عيسى الترمذي، الناشر: دار إحياء التراث العربي بيروت، تحقيق: أحمد شاكر (ج 1، 2)، ومحمد فؤاد عبد الباقي (ج3)، وإبراهيم عطوة (ج4، 5). السنن الكبرى: للنسائي، تحقيق: حسن عبدالمنعم شلبي، الطبعة الأولى (1421هـ 2001م)، مؤسسة الرسالة، بيروت. سنن النسائي، تأليف: أحمد بن شعيب النسائي، الناشر: دار إحياء التراث العربي. سنن:
ابن ماجه، تحقيق: محمد فؤاد عبدالباقي، دار إحياء الكتب العربية، فيصل عيسى البابي الحلبي. سنن: أبي داود، تحقيق: محمد محيي الدين عبدالحميد، المكتبة العصرية، صيدا، بيروت. سنن: الترمذي، تحقيق: أحمد محمد شاكر، ومحمد فؤاد عبدالباقي، وإبراهيم عطوة عوض، الطبعة الثانية (1395 هـ 1975م)، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر. سنن: سعيد بن منصور، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، الطبعة الأولى (1403هـ 1982م)، الدار السلفية، الهند. سير أعلام النبلاء: للذهبي، تحقيق: مجموعة من المحققين، بإشراف الشيخ شعيب الأرناؤوط، الطبعة الثالثة (1405 هـ 1985م)، مؤسسة الرسالة، بيروت. سير أعلام النبلاء، تأليف: أبي عبد الله الذهبي الدمشقي، الناشر: مؤسسة الرسالة بيروت، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، ومحمد العرقسوسي، الطبعة: التاسعة/1413هـ. شرح صحيح مسلم المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج: للنووي، الطبعة الثانية (1392هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت. الصحاح في اللغة، الناشر: دار العلم للملايين بيروت، تحقيق: أحمد العطار، الطبعة: الثانية/1399هـ 1979م. صحيح البخاري الجامع المُسنَد الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه: للإمام البخاري، تحقيق: محمد زهير بن
ناصر الناصر، الطبعة الأولى (1422هـ)، دار طوق النجاة. صحيح البخاري، تأليف: محمد بن إسماعيل أبي عبد الله البخاري الجعفي، الناشر: دار ابن كثير، اليمامة بيروت، تحقيق: د. مصطفى ديب البغا، الطبعة: الثالثة/1407هـ 1987م. الطبعة: الأولى، 1403. العجاب في بيان الأسباب، تحقيق الدكتور عبدالحكيم الأنيس، ط. دار ابن الجوزي. العقيدة الواسطية: اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة أهل السنة والجماعة، لابن تيمية، ت: أشرف عبد المقصود، أضواء السلف. علم الرجال نشأته وتطوره من القرن الأول إلى نهاية القرن التاسع، للزهراني، ط. دار الوطن. فتح الباري بشـرح صحيح البخاري، تأليف: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، الناشر: المكتبة السلفية، تحقيق: عبد العزيز بن باز (ج 1 3)، ترتيب وترقيم: محمد فؤاد عبد الباقي. فتح الباري شرح صحيح البخاري: لابن حجر، رقَّم كتبه وأبوابه وأحاديثه: محمد فؤاد عبدالباقي، وقام بإخراجه وصحَّحه: محب الدين الخطيب، عام النشر (1379هـ)، دار المعرفة، بيروت. فتح الباري، تأليف: زيد الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن رجب الحنبلي، الناشر: دار الغرباء الأثرية المدينة المنورة، الطبعة: الأولى/1996م. فتح الباري، تأليف: زيد الدين أبي الفرج عبد الرحمن ابن رجب الحنبلي، الناشر: دار ابن الجوزي، الطبعة: الثانية/1422هـ. فضائل
القرآن للقاسم بن سلام، لأبي عُبيد القاسم بن سلّام بن عبد الله الهروي البغدادي، تحقيق: مروان العطية، ومحسن خرابة، ووفاء تقي الدين، الناشر: دار ابن كثير (دمشق بيروت)، الطبعة: الأولى، 1415 هـ 1995 م. فضل أبي بكر الصديق رضي الله عنه، لابن تيمية، منشور مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة، (مج 13، ع 22، ص 1234، ربيع الأول: 1422 2001). الفوز الكبير في أصول التفسير لولي الله الدهلوي، ط. دار الغوثاني. قاعدة عظيمة في الفرق بين عبادات أهل الإسلام والإيمان وعبادات أهل الشرك والنفاق، لابن تيمية، ت: سليمان بن صالح الغصن، الناشر: دار العاصمة الرياض. كتاب العين، المؤلف: أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي البصري، المحقق: د مهدي المخزومي، د إبراهيم السامرائي، الناشر: دار ومكتبة الهلال. الكشف والبيان عن تفسير القرآن، للثعلبي، ط. دار إحياء التراث العربي. لسان العرب (6 مجلدات)، تأليف: محمد بن مكرم بن منظور، الناشر: دار المعارف القاهرة، تحقيق: مجموعة، الطبعة: 1406هـ 1981م. مجموع الفتاوى: لابن تيمية، تحقيق: عبدالرحمن بن محمد بن قاسم، عام النشر (1416هـ 1995م)، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة المنورة. مجموع الفتاوى، تأليف: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني، الناشر: مكتبة ابن تيمية، تحقيق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، الطبعة: الثانية. المحرر في
أسباب النزول، د. خالد المزيني، ط. دار ابن الجوزي. المحرر في علوم القرآن، تأليف: مساعد الطيار، الناشر: مركز الدراسات والمعلومات القرآنية بمعهد الإمام الشاطبي، الطبعة: الثانية/1429هـ. المُسنَد: للإمام أحمد بن حنبل، تحقيق: أحمد محمد شاكر، وحمزة أحمد الزين، الطبعة الأولى (1416 هـ 1995 م)، دار الحديث، القاهرة. المُسنَد: للإمام أحمد بن حنبل، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، وعادل مرشد، وآخرون، تحت إشراف: د عبدالله بن عبدالمحسن التركي، الطبعة الأولى، (1421 هـ 2001 م)، مؤسسة الرسالة، بيروت. مصنف ابن أبي شيبة، تأليف: أبي بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة الكوفي، الناشر: مكتبة الرشد الرياض، تحقيق: كمال يوسف الحوت، الطبعة: الأولى/1409هـ. مصنف عبد الرزاق، تأليف: أبي بكر عبد الرزاق بن همام الصنعاني، الناشر: المكتب الإسلامي، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي. المُصنَّف في الأحاديث والآثار: لابن أبي شيبة، تحقيق: حمد بن عبدالله الجمعة، ومحمد بن إبراهيم اللحيدان، الطبعة الأولى (1425هـ 2004م)، مكتبة الرشد، الرياض. الُمصنَّف: لعبدالرزاق الصنعاني، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، الطبعة الثانية (1403هـ)، المكتب الإسلامي، بيروت. معاني القرآن، تأليف: أبي زكريا يحيى بن زياد الفراء، الناشر: عالم الكتب بيروت، الطبعة: الثانية/1980م.
مفردات القرآن نظرات جديدة في تفسير ألفاظ قرآنية، عبد الحميد الفراهي الهندي، ت: د/ محمد أجمل أيوب الإصلاحي، دار الغرب الإسلامي. مقاييس اللغة، تأليف: أبي الحسين أحمد بن فارس بن زكريا، الناشر: دار الجيل بيروت لبنان، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، الطبعة: الأولى. مناهل العرفان في علوم القرآن، تأليف: محمد عبد العظيم الزرقاني، الناشر: دار الفكر لبنان، الطبعة: الأولى/ 1416هـ 1996م. الموافقات في أصول الشريعة، تأليف: أبي إسحاق الشاطبي، الناشر: دار ابن عفان القاهرة، تحقيق: الشيخ/ مشهور حسن سلمان. الناشر: دار الفكر، عام النشر: 1399هـ 1979م. النهاية في غريب الحديث والأثر: لابن الأثير، تحقيق: طاهر أحمد الزاوي، محمود محمد الطناحي، عام النشر (1399هـ 1979م)، المكتبة العلمية، بيروت. النهاية في غريب الحديث والأثر، تأليف: ابن الأثير، الناشر: المكتبة الإسلامية، لصاحبها الحاج رياض الشيخ، تحقيق: طاهر أحمد الزاوي، ومحمود محمد الطناحي. الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه، لمكي بن أبي طالب، ت: مجموعة، بإشراف الشاهد البوشيخي، ط. مجموعة بحوث الكتاب والسنة كلية الشريعة والدراسات الإسلامية جامعة الشارقة، الطبعة: الأولى، 1429 هـ 2008 م.
