مكتبة المبرّةالباحث الذكي
التعامل مع المرأةالقراءة المتصلة
صفحة 7
حجم النص28
صفحة 1 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعةتفاصيل الصفحة
صفحة 2 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعةتفاصيل الصفحة
صفحة مطبوعة 3 · ورقة PDF 3رابط الصفحة المنفردة

فهرس الموضوعات

صفحة مطبوعة 4 · ورقة PDF 4رابط الصفحة المنفردة

آدَابُ التَّعَامُلِ مَعَ المَرْأة

فِي تُرَاثِ الآلِ وَالأصْحَاب

تأليف

أحمد حمودة

صفحة 5 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعةتفاصيل الصفحة
صفحة مطبوعة 5 · ورقة PDF 6رابط الصفحة المنفردة
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
مقدمة مبرة الآل والأصحاب5
مقدمة11
تمهيد: التعريف بآل البيت15
* تعريف آل البيت لغة15
* تعريف آل البيت اصطلاحًا16
* التعريف بالأصحاب20
الفصل الأول آداب التعامل مع الأم25
* البر بالأم والإحسان إليها25
* البر بالأم بعد وفاتها34
* البر بالأم في تراث الصحب والآل37
* البر بالأم الأرملة46
الفصل الثاني آداب التعامل مع الزوجة53
(1) الصداق55
(2) التصريح بالحب59
(3) المعاشرة
صفحة مطبوعة 6 · ورقة PDF 7رابط الصفحة المنفردة
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
الزوجية62
(4) الترفيه والملاعبة67
(5) التشاور مع الزوجة72
(6) التعامل مع الغيرة74
(7) الوعظ والتذكير بالله والدعاء78
(8) التأديب عند الحاجة81
الفصل الثالث آداب التعامل مع البنت87
(1) حسن اختيار الاسم88
* نماذج لأسماء البنات91
(2) العقيقة عن البنت92
(3) عدم تفضيل الأولاد الذكور على البنات93
(4) رعاية البنت ومحبتها96
(5) التأديب والتربية104
(6) اشتراط الكفاءة في الزوج المتقدم لابنته، وأخذ إذنها108
الفصل الرابع آداب التعامل مع الأجنبية119
* آداب النظر120
* آداب الكلام131
* آداب السلام135
فهرس المصادر والمراجع139

بسم الله الرحمن الرحيم

صفحة مطبوعة 7 · ورقة PDF 8رابط الصفحة المنفردة

مقدمة مبرة الآل والأصحاب

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وصحابته الطيبين الطاهرين الغر الميامين، أما بعد؛

فلا ريب أن للقدوات الصالحة أثرًا بالغ الأهمية في الارتقاء بحياة الأمم والشعوب؛ وذلك أنهم هم الذين يقدمون الدليل الواقعي والتطبيق العملي للتعاليم التي تمثّل منظومة القيم والأخلاق التي تشكّل هوية تلك الأمم، وتعتبر مثالها السامي الذي تستهدف احتذاء حذوه والاهتداء بهديه.

وقد نبّه القرآن الكريم على ذلك المعنى وأشاد به في آيات كثيرة، مبينًا فضلَ الاقتداء بالأنبياء والصالحين، قال تعالى: ﴿لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا﴾ [الأحزاب: 21]، وقال عز وجل: ﴿قَدۡ كَانَتۡ لَكُمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ فِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ﴾ [الممتحنة: 4]، وقال سبحانه: ﴿لَقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِيهِمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَۚ﴾ [الممتحنة: 6]، وقال عقب ذكر صفوةٍ من رسله وأنبيائه: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقۡتَدِهۡۗ﴾ [الأنعام: 90]، وقال عزّ مِن قائل: ﴿فَٱصۡبِرۡ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلۡعَزۡمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: 35]، وغير ذلك مما يفهم من النصوص بأدنى تأمّل.

والواجب

صفحة مطبوعة 8 · ورقة PDF 9رابط الصفحة المنفردة

على أمتنا الإسلامية أن تصوغ رؤيتها الأخلاقية والقيمية والحضارية انطلاقًا من الوحي قرآنًا وسنةً، في تناغم مع معطيات العلم في جميع المجالات، ومواكبةٍ لمستجدات العصر الذي نعيش فيه وما يزخز به من تحديات عظيمة. فلا يحسن أن نقتصر في تدبرنا للوحي على مجرد الأمور الدينية العبادية المحضة، فإن الوحي قد أنزله الله هدى ونورًا للإنسانية تنتفع به في معاشها ومعادها، وإن كان مقصوده الأساس الفلاح الأخروي وما يقرب إليه؛ إلا أنه لا شك في كونه يرشدنا بهداياته في جميع مناحي الحياة العملية، ولو في صورة ضوابط ومعايير وقيم كلية نافعة، نستلهم منه ما يرضي ربنا ويحقق فلاحنا في الدنيا، مع عدم إغفال البحث والعلم في جميع المجالات بأدواتها ووسائلها.

ونحن إذا ذهبنا نستلهم قيم الوحي على مختلف الأصعدة العلمية والسلوكية؛ لم نجد امتثالًا وتطبيقًا وتفعيلًا؛ خيرًا مما نجده عن صحابة النبي صلى الله عليه وسلم الأخيار وأهل بيته الأطهار، فهم الذين انتهجوا الوحي كتابًا وسنة في جميع جوانب حياتهم، فسادوا وقادوا، وصاروا أئمة أعلامًا هداة.

وقد أخذت مبرة الآل والأصحاب كعادتها على عاتقها مهمةَ تفعيلِ ذلك المعنى، وتقديمه في صورة بحثية توعوية منضبطة؛ لكونها مؤسسة متخصصة في تراث الآل والأصحاب حتى صار لها بفضل الله الريادة في

صفحة مطبوعة 9 · ورقة PDF 10رابط الصفحة المنفردة

ذلك المجال.

وقد كان أصل هذا المشروع الذي بين أيدينا فكرةً من قِبل رئيس مجلس إدارة المبرة د. عبدالمحسن الجارالله الخرافي تتضمن توسيع نطاق الأبحاث المتعلقة بالآل والأصحاب لتضمّ مجالات جديدة ورحابًا أوسع ولا تقتصر على الموضوعات الدينية المألوفة، ثم أوعز بهذه الفكرة وبعض عناصرها إلى مركز البحوث والدراسات بالمبرة؛ فقام المركز مشكورًا مأجورًا بوضع خطة طموحة تتضمن العديد من الموضوعات الهادفة، العلمية والعملية؛ التي نستهدف أن نستضيء فيها بتراث الآل والأصحاب، ونكشف عن ملامح تطبيقهم الوحي على جميع الأصعدة والأنحاء، بشكل يتجلّى فيه الجانب الإبداعي من تخصص المبرة في خدمة تراث الآل والأصحاب، و«التخصص يقود إلى الإبداع» بحمد الله وتوفيقه، بحيث نقدم للمكتبة العلمية والدعوية تجميعًا غير مسبوق لبعض الجوانب الدقيقة في تراث الآل والأصحاب؛ ومِن ثَمَّ نسَّق المركز مع مجموعة من الباحثين ليقدموا جهودهم في تحويل تلك الأفكار والموضوعات إلى أبحاث علمية وفق منهجية مركز البحوث والدراسات المنضبطة، القائمة على التحقيق العلمي، والاستدلال الصحيح، والاسترشاد بكتب أهل العلم السابقين والمعاصرين، واستمر جهد المركز في متابعة الأبحاث ومراجعتها وتعديل ما يحتاج منها إلى تعديل، عبر خلية عمل تفرغت للمشروع تحت إشراف رئيس مركز البحوث والدراسات الشيخ محمد سالم الخضر مباشرة، فالشكر موصول لجميع الباحثين الكرام في المركز.

صفحة مطبوعة 10 · ورقة PDF 11رابط الصفحة المنفردة

ثم تضافرت جهود أقسام المبرة الأخرى كقسم الإعلام في إتمام العمل بتنسيق الكتب وإخراجها حتى تمويلها لطباعتها؛ فكانت هذه السلسلة من الموضوعات، التي تندرج في سلسلة (تراث الآل والأصحاب)؛ ثمرةً لهذا التعاون المبارك.

وقد أرفقنا في ذيل هذا الكتاب قائمةً بعناوين هذه المجموعة المتكاملة من الموضوعات الدقيقة والمهمة في تراث الآل والأصحاب.

ولأنه لم يشكر اللهَ مَن لمْ يشكر الناس، فإننا نود التوجه بالشكر والتقدير للإخوة الأعزاء في جمعية الشيخ عبد الله النوري الخيرية على تبنيهم طباعة هذا الكتاب، وتكفلهم بتكلفته المالية، فهذا ليس بأول مساعيهم الطيبة لنشر الدعوة الإسلامية الوسطية، والشيء من معدِنه لا يستغرب، وهذا مثالٌ حَسَنٌ على تعاون الجمعيات والمبرات الأهلية في مجال الدعوة ونشر الثقافة الإسلامية.

نرجو من الله عز وجل أن يوفقنا في مسعانا، وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وأن يجمع لنا الأجرين: أجر الاجتهاد وأجر الصواب، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

مبرة الآل والأصحاب

صفحة مطبوعة 11 · ورقة PDF 12رابط الصفحة المنفردة

مقدمة

إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعدُ:

فإن قضية المرأة هي قضية كل مجتمع في القديم والحديث، فالمرأة تشكل نصف المجتمع من حيث العدد، وأجمل ما في المجتمع من حيث العواطف، وأعقد ما في المجتمع من حيث المشكلات، ومن ثمة كان من واجب المفكرين أن يفكروا في قضيتها دائمًا على أنها قضية المجتمع، أكثر ممَّا يفكر أكثر الرجال فيها على أنها قضية جنس متمم أو مبهج.

وقد بقيت المرأة في كل العصور مثار خلاف وشقاق، وأهدرت حقوقها وكرامتها، ووسط هذا الظلام المخيم من قضية المرأة في جميع أنحاء العالم المتمدن وغير المتمدن يومئذ، انطلق من جزيرة العرب، من

صفحة مطبوعة 12 · ورقة PDF 13رابط الصفحة المنفردة

فوق رمالها الدكناء، وسهولها الجرداء، وجبالها الحمراء، من مكة: انطلق النبي صلى الله عليه وسلم يضع الميزان الحق لكرامة المرأة، ويعطيها حقوقها كاملة غير منقوصة، ويرفع عن كاهلها وزر الإهانات التي لحقت بها عبر التاريخ، والتي صنعتها أهواء الأمم، يعلن إنسانيتها الكاملة، وأهليتها الحقوقية التامة، ويصونها عن عبث الشهوات، وفتنة الاستمتاع بها استمتاعًا جنسيًا حيوانيًا، ويجعلها عنصرًا فعالًا في نهوض المجتمعات وتماسكها وسلامتها.

* وتتلخص المبادئ الإصلاحية التي أعلنها الإسلام فيما يتعلق بالمرأة في المبادئ التالية:

* أولًا: أن المرأة كالرجل في الإنسانية سواء بسواء، يقول الله — تعالى —: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ﴾ [النساء: 1]، ويقول الرسول — عليه الصلاة والسلام —: « إنما النساء شقائق الرجال(1) » .

* ثانيًا: دفع عنها اللعنة التي كان يصقلها بها رجال الديانات السابقة، فلم يجعل عقوبة آدم بالخروج من الجنة ناشئًا منها وحدها، بل منهما معًا، يقول — تعالى — في قصة آدم: ﴿فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيۡطَٰنُ عَنۡهَا فَأَخۡرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِۖ﴾ [البقرة: 36].

ويقول عن آدم وحواء: ﴿فَوَسۡوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيۡطَٰنُ لِيُبۡدِيَ لَهُمَا مَا وُۥرِيَ عَنۡهُمَا مِن سَوۡءَٰتِهِمَا﴾ [الأعراف: ٢٠].

ويقول عن توبتهما: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمۡنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمۡ تَغۡفِرۡ لَنَا وَتَرۡحَمۡنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ٢٣﴾ [الأعراف: ٢٣].

صفحة مطبوعة 13 · ورقة PDF 14رابط الصفحة المنفردة

بل إن القرآن في بعض آياته قد نسب الذنب إلى آدم وحده فقال: ﴿وَعَصَىٰٓ ءَادَمُ رَبَّهُۥ فَغَوَىٰ١٢١﴾ [طه: ١٢١].

ثم قرر مبدأ آخر يعفي المرأة من مسؤولية أمها حواء، وهو يشمل الرجل والمرأة على السواء: ﴿تِلۡكَ أُمَّةٞ قَدۡ خَلَتۡۖ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَلَكُم مَّا كَسَبۡتُمۡۖ وَلَا تُسۡ‍َٔلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ١٣٤﴾ [البقرة: ١٣٤].

* ثالثًا: أنها أهل للتدين والعبادة ودخول الجنة إن أحسنت، ومعاقبتها إن أساءت، كالرجل سواء بسواء، يقول الله — تعالى —: ﴿مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ٩٧﴾ [النحل: ٩٧].

ويقول — تعالى —: ﴿فَٱسۡتَجَابَ لَهُمۡ رَبُّهُمۡ أَنِّي لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَٰمِلٖ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰۖ بَعۡضُكُم مِّنۢ بَعۡضٖۖ﴾ [آل عمران: ١٩٥].

وانظر كيف يؤكد القرآن هذا المبدأ في الآية الكريمة التالية: ﴿إِنَّ ٱلۡمُسۡلِمِينَ وَٱلۡمُسۡلِمَٰتِ وَٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ وَٱلۡقَٰنِتِينَ وَٱلۡقَٰنِتَٰتِ وَٱلصَّٰدِقِينَ وَٱلصَّٰدِقَٰتِ وَٱلصَّٰبِرِينَ وَٱلصَّٰبِرَٰتِ وَٱلۡخَٰشِعِينَ وَٱلۡخَٰشِعَٰتِ وَٱلۡمُتَصَدِّقِينَ وَٱلۡمُتَصَدِّقَٰتِ وَٱلصَّٰٓئِمِينَ وَٱلصَّٰٓئِمَٰتِ وَٱلۡحَٰفِظِينَ فُرُوجَهُمۡ وَٱلۡحَٰفِظَٰتِ وَٱلذَّٰكِرِينَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا وَٱلذَّٰكِرَٰتِ أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغۡفِرَةٗ وَأَجۡرًا عَظِيمٗا٣٥﴾ [الأحزاب: ٣٥].

صفحة مطبوعة 14 · ورقة PDF 15رابط الصفحة المنفردة

* رابعًا: حارب التشاؤم بها والحزن لولادتها كما كان شأن العرب ولا يزال شأن كثير من الأمم ومنهم بعض الغربيين كما تحققت ذلك بنفسي، فقال تعالى منكرًا هذه العادة السيئة: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِٱلۡأُنثَىٰ ظَلَّ وَجۡهُهُۥ مُسۡوَدّٗا وَهُوَ كَظِيمٞ٥٨ يَتَوَٰرَىٰ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ مِن سُوٓءِ مَا بُشِّرَ بِهِۦٓۚ أَيُمۡسِكُهُۥ عَلَىٰ هُونٍ أَمۡ يَدُسُّهُۥ فِي ٱلتُّرَابِۗ أَلَا سَآءَ مَا يَحۡكُمُونَ٥٩﴾ [النحل: 58 — ٥٩].

* خامسًا: حرم وأدها وشنع على ذلك أشد تشنيع فقال: ﴿وَإِذَا ٱلۡمَوۡءُۥدَةُ سُئِلَتۡ٨ بِأَيِّ ذَنۢبٖ قُتِلَتۡ٩﴾ [التكوير: 8 — ٩].

وقال: ﴿قَدۡ خَسِرَ ٱلَّذِينَ قَتَلُوٓاْ أَوۡلَٰدَهُمۡ سَفَهَۢا بِغَيۡرِ عِلۡمٖ﴾ [الأنعام: ١٤٠].

* سادسًا: أمر بإكرامها: بنتًا، وزوجة، وأمًا(2) .

ومن هنا جاءت هذه الدراسة حول آداب التعامل مع المرأة في ضوء تراث الآل والأصحاب — رضي الله عنهم —، فبدأت أولًا بالحديث عن الأم، ثم الزوجة ثم البنت، وكذلك المرأة الأجنبية أيضًا، فالتعامل معها يحفظ لها حقوقها وإنسانيتها ومكانتها، بعيدًا عن مواضع الفتن والشهوات ومرضى القلوب.

والله أسأل أن يجعل هذا العمل في موازين الحسنات، وأستغفر الله من كل خطأ أو سهو، والله المستعان وعليه التكلان.

والحمد لله رب العالمين

تمهيد

التعريف بآل البيت

صفحة مطبوعة 15 · ورقة PDF 16رابط الصفحة المنفردة

تعريف آل البيت لغة

يقال: أهل الرجل زوجه، والتأهل التزوج. وأهل البيت سكانه، وأهل الإسلام من يدين به. قاله الخليل(3) . أمَّا الآل فجاء في معجم «المقاييس في اللغة» قوله: «آل الرجل أهل بيته»(4) . وقال ابن منظور: «وآل الرجل أهله، وآل الله وآل رسوله أولياؤه، أصلها (أهل) ثم أُبدلت الهاء همزة، فصار في التقدير (أأل)، فلما توالت الهمزتان أبدلوا الثانية ألفًا»(5) .

وهو لا يضاف إلا فيما فيه شرف غالبًا، فلا يقال: آل الحائك، خلافًا لأهل، فيقال: أهل الحائك. وبيت الرجل داره وقصره وشرفه(6)

صفحة مطبوعة 16 · ورقة PDF 17رابط الصفحة المنفردة

وإذا قيل: البيت انصرف إلى بيت الله الكعبة؛ لأن قلوب المؤمنين تهفو إليه والنفوس تسكن فيه، وهو القبلة، وإذا قيل: أهل البيت، في الجاهلية، انصرف إلى سكانه من قريش خاصة، وبعد الإسلام إذا قيل: أهل البيت، فالمراد آل رسول الله صلى الله عليه وسلم(7)

تعريف آل البيت اصطلاحًا

— اختلف العلماء في تحديد آل النبي — صلى الله عليه وسلم — على أقوال أشهرها:

* القول الأول: هم الذين حُرِّمت عليهم الصدقة، وبه قال الجمهور، واختلفوا في تحديدهم على ثلاثة أقوال: فقيل هم بنو هاشم وبنو المطلب، وقيل بنو هاشم خاصة، وقيل بنو هاشم ومن فوقهم إلى غالب، فيدخل فيهم بنو المطلب، وبنو أمية، وبنو نوفل ومن فوقهم إلى بني غالب.

* القول الثاني: هم ذرية النبي — صلى الله عليه وسلم — وأزواجه خاصة، اختاره ابن العربي(8) ، وانتصر له، ومن القائلين بهذا القول مَنْ أخرج زوجاته.

القول الثالث: آل النبي صلى الله عليه وسلم هم أتباعه إلى يوم القيامة، واختاره الإمام النووي من الشافعية(9) والمرداوي من

صفحة مطبوعة 17 · ورقة PDF 18رابط الصفحة المنفردة

الحنابلة(10)

* القول الرابع: هم الأتقياء من أمته.

والراجح هو القول الأول: وهو أنَّ الآل مَن تحرم عليهم الصدقة على ما فيهم من الاختلاف، وحجته من وجوه:

* أحدها: ما رواه البخاري في صحيحه: من حديث أبي هريرة — رضي الله عنه —، قال: «كان رسول الله — صلى الله عليه وسلم — يؤتى بالنخل عند صرامه، فيجيء هذا بتمرة وهذا بتمرة حتى يصير عنده كوم من تمر، فجعل الحسن والحسين يلعبان بذلك التمر، فأخذ أحدهما تمرة فجعلها في فيه، فنظر إليه رسول الله — صلى الله عليه وسلم — فأخرجها من فيه، فقال: أما علمت أن آل محمد لا يأكلون الصدقة»(11) ، ورواه مسلم وقال: «إنَّا لا تحل لنا الصدقة»(12) .

* الثاني: ما رواه مسلم في صحيحه، عن زيد بن أرقم، قال: «قام رسول الله — صلى الله عليه وسلم — يومًا خطيبًا فينا بماء يدعى خُمًّا بين مكة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه وذكر ووعظ، ثم قال: أما بعد ألَا أيُّها الناس إنَّما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي — عز وجل —، وإنِّي تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله — عز وجل — فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، فحث على كتاب الله ورغب فيه، وقال: وأهل بيتي: أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي.

فقال له حصين بن سبرة: ومن أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من

صفحة مطبوعة 18 · ورقة PDF 19رابط الصفحة المنفردة

أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده. قال: ومن هم؟ قال: هم آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس. قال: كُلُّ هؤلاء حرم الصدقة؟ قال: نعم(13) وقد ثبت أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الصدقة لا تحل لآل محمد»(14)

* الدليل الثالث: ما في الصحيحين: من حديث الزهري، عن عروة، عن عائشة — رضي الله عنها —: «أنَّ فاطمة — رضي الله عنها — أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من النبي — صلى الله عليه وسلم — ممَّا أفاء الله على رسوله — صلى الله عليه وسلم —، فقال أبو بكر — رضي الله عنه —: إن رسول الله — صلى الله عليه وسلم — قال: لا نورث، ما تركنا صدقة، إنَّما يأكل آل محمد من هذا المال، يعني مال الله، ليس لهم أن يزيدوا على المأكل»(15) .

فآله — صلى الله عليه وسلم — لهم خواص: منها حرمان الصدقة، ومنها أنهم لا يرثونه، ومنها استحقاقهم خمس الخمس، ومنها اختصاصهم بالصلاة عليهم.

وقد ثبت أن تحريم الصدقة، واستحقاق خمس الخمس، وعدم توريثهم، مختص ببعض أقاربه — صلى الله عليه وسلم —، فكذلك الصلاة على آله.

الدليل الرابع: ما رواه مسلم: من حديث ابن شهاب، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل الهاشمي، أن عبد المطلب بن ربيعة أخبره، أن أباه ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، والعباس بن عبد المطلب، قالا

صفحة مطبوعة 19 · ورقة PDF 20رابط الصفحة المنفردة

لعبد المطلب بن ربيعة، وللفضل بن العباس رضي الله عنهما «ائتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولا له: استعملنا يا رسول الله على الصدقات، فذكر الحديث وفيه: فقال لنا: إنَّ هذه الصدقات إنَّما هي أوساخ الناس، وإنَّها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد»(16)

ويضاف إلى قرابة النبي — صلى الله عليه وسلم —: زوجاته، بدلالة القرآن، ففي زوجات النبي — صلى الله عليه وسلم — نزلت هذه الآية: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذۡهِبَ عَنكُمُ ٱلرِّجۡسَ أَهۡلَ ٱلۡبَيۡتِ وَيُطَهِّرَكُمۡ تَطۡهِيرٗا٣٣﴾ [الأحزاب: ٣٣].

«وإنَّما دخل الأزواج في الآل وخصوصًا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم تشبيهًا لذلك بالسبب؛ لأنَّ اتصالهن بالنبي صلى الله عليه وسلم غير مرتفع، وهن محرمات على غيره في حياته وبعد مماته، وهن زوجاته في الدنيا والآخرة، فالسبب الذي لهن بالنبي صلى الله عليه وسلم قائم مقام النسب. وقد نصَّ صلى الله عليه وسلم على الصلاة عليهن، ولهذا كان القول الصحيح وهو منصوص الإمام أحمد رحمه الله إنَّ الصدقة تحرم عليهم؛ لأنَّها أوساخ الناس، وقد صان الله سبحانه ذلك الجناب الرفيع وآله من كل أوساخ بني آدم، ويا لله العجب كيف يدخل أزواجه في قوله صلى الله عليه وسلم اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا، وقوله في الأضحية: اللهم هذا عن محمد وآل محمد، وفي قول عائشة رضي الله عنها ما شبع آل رسول الله صلى الله عليه وسلم من خبز بر، وفي قول المصلي: اللهم صلِّ على محمد، وعلى آل محمد، ولا يدخلن في قوله: إنَّ الصدقة لا تحل لمحمد، ولا لآل محمد، مع كونها من أوساخ الناس، فأزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم

صفحة مطبوعة 20 · ورقة PDF 21رابط الصفحة المنفردة

أولى بالصيانة عنها والبعد منها»(17)

التعريف بالأصحاب

الصحابي لغة مشتق من الصحبة، وهي المعاشرة، جاء في «لسان العرب»: صحبه يصحبه صُحبة بالضم، وصحابة بالفتح، وصاحَبَه عاشَرَه... والصاحب المُعاشر(18) .

وقال صاحب «المصباح المنير»: والأصل في هذا الإطلاق — أي: إطلاق اسم الصحبة من حيث اللغة — لمن حصل له رؤية ومجالسة. ووراء ذلك شروط للأصوليين. ويطلق مجازًا على من تمذهب بمذهب من مذاهب الأئمة، فيقال: أصحاب الشافعي، وأصحاب أبي حنيفة(19) ، وكل شيءٍ لائم شيئًا فقد استصحبه(20) .

ولا يشترط في إطلاق اسم الصحبة لغة، أن تكون الملازمة بين الشيئين طويلة الأمد، أو الملابسة بينهما عميقة؛ لأنَّها اسم مشتق من فعل، والأسماء المشتقة من الأفعال يصح أن تطلق بمجرد صدور الفعل، ولا علاقة لها بمقدار تحقق ذلك الفعل في الشخص.

صفحة مطبوعة 21 · ورقة PDF 22رابط الصفحة المنفردة

أمَّا تعريف الصحابي من حيث الاصطلاح؛ فقد اختلف العلماء في حدّه على أقوال، «فالمعروف عند المحدثين أنَّه كل مسلم رأى رسول الله — صلى الله عليه وسلم(21) —» ، وقال ابن حجر: «هو من لقي النبي — صلى الله عليه وسلم — مؤمنًا به ومات على الإسلام ولو تخللت ردة على الأصح»(22) .

غير أنَّ «منهم من بالغ فكان لا يعد من الصحابة إلا من صحب الصحبة العرفية، كما جاء عن عاصم الأحول حيث قال: رأى عبدالله بن سرجس رسول الله — صلى الله عليه وسلم — غير أنه لم يكن له صحبة، هذا مع كون عاصم قد روى عن عبدالله بن سرجس هذا عدة أحاديث، وهي عند مسلم وأصحاب السنن، وأكثرها من رواية عاصم عنه، ومنها قوله: إن النبي — صلى الله عليه وسلم — استغفر له. فهذا يوضح رأي عاصم في الصحابي بأنه من صحب الصحبة العرفية(23) .

«وكذا روى عن سعيد بن المسيب أنَّه كان لا يعد من الصحابة إلا من أقام مع النبي — صلى الله عليه وسلم — سنة فصاعدًا، أو غزا معه غزوة فصاعدًا»(24) .

ومنهم من اشترط أن يكون حين اجتماعه به صلى الله عليه وسلم بالغًا، وهو مردود أيضًا؛ لأنَّه يخرج أمثال الحسين بن علي ونحوه من أحداث الصحابة(25) وروي عن

صفحة مطبوعة 22 · ورقة PDF 23رابط الصفحة المنفردة

بعض أصحاب الأصول في تعريفهم للصحابي «أنَّه من طالت مجالسته عن طريق التتبع»(26) قال ابن حجر: «والعمل على خلاف هذا القول وأنهم اتفقوا على عدّ جمع من الصحابة لم يجتمعوا بالنبي صلى الله عليه وسلم إلا في حجة الوداع»(27)

ولعل أرجح التعاريف وأجمعها ما اختاره ابن حجر؛ إذ قال: «وأصح ما وقفت عليه من ذلك أنَّ الصحابي من لقي النبي — صلى الله عليه وسلم — مؤمنًا به، ومات على الإسلام، فيدخل فيمن لقيه من طالت مجالسته، أو قصرت، ومن روى عنه، أو لم يروِ عنه، ومن غزا معه، أو لم يغز معه، ومن رآه ولو لم يجالسه، ومن لم يره لعارض كالعمى»(28) .

وهذا الذي صححه ابن حجر نسَبَه كثير من العلماء إلى الإمام البخاري. وأثبت ابن حجر أن البخاري تابع فيه شيخه علي بن المديني، حيث قال: «وقد وجدت ما جزم به البخاري من تعريف الصحابي في كلام شيخه علي بن المديني، فقرأت في المستخرج لأبي قاسم بن منده بسنده إلى أحمد بن يسار الحافظ المروزي قال: سمعت أحمد بن عتيك يقول: قال علي بن المديني: من صحب النبي صلى الله عليه وسلم ولو

صفحة مطبوعة 24 · ورقة PDF 24رابط الصفحة المنفردة

ساعة من نهار فهو من أصحاب النبي»(29)

الفصل الأول

آداب التعامل مع الأم

الفصل الأول

صفحة 25 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعةتفاصيل الصفحة
صفحة مطبوعة 25 · ورقة PDF 26رابط الصفحة المنفردة

آداب التعامل مع الأم

البر بالأم والإحسان إليها

أوصى الله — تعالى — في مواضع من كتابه بالإحسان إلى الوالدين، وقرنه بالأمر بعبادته، والنهي عن الشرك به، وأمر بالشكر لهما متصلًا بالشكر له، وَخَص الأم بالذكر في بعض هذه الوصايا للتذكير بزيادة حقها على حق الأب. قال — تعالى —: ﴿وَٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡ‍ٔٗاۖ﴾ [النساء: ٣٦]. قال ابن عباس — رضي الله عنهما —: «يريد البر بهما مع اللطف، ولين الجانب، ولا يغلظ لهما الجواب، ولا يحد إليهما النظر، ولا يرفع صوته عليهما، بل يكون بين أيديهما ذليلاً مثل العبد بين يدي السيد، الفظ الغليظ، تذلُّلاً لهما مع المحبة»(30) .

وقال — تعالى —: ﴿۞وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنًاۚ إِمَّا يَبۡلُغَنَّ عِندَكَ ٱلۡكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوۡ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفّٖ وَلَا تَنۡهَرۡهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوۡلٗا كَرِيمٗا٢٣ وَٱخۡفِضۡ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحۡمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرۡحَمۡهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرٗا٢٤﴾ [الإسراء: 23 — ٢٤].

صفحة مطبوعة 26 · ورقة PDF 27رابط الصفحة المنفردة

فينبغي للإنسان — بحكم هذه الآية — أن يتذلل لوالديه تذلل الرعية للأمير، والعبيد للسادة، وقد ضرب خفض الجناح ونصبه مثلًا لجناح الطائر حين ينتصب بجناحه لولده. ولا يختص بر الوالدين بكونهما مسلِمَيْن، بل يبرهما وإن كانا كافرين، ويحسن إليهما إذا كان لهما عهد. قال — سبحانه —: ﴿وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ حَمَلَتۡهُ أُمُّهُۥ وَهۡنًا عَلَىٰ وَهۡنٖ وَفِصَٰلُهُۥ فِي عَامَيۡنِ أَنِ ٱشۡكُرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيۡكَ إِلَيَّ ٱلۡمَصِيرُ١٤ وَإِن جَٰهَدَاكَ عَلَىٰٓ أَن تُشۡرِكَ بِي مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٞ فَلَا تُطِعۡهُمَاۖ وَصَاحِبۡهُمَا فِي ٱلدُّنۡيَا مَعۡرُوفٗاۖ وَٱتَّبِعۡ سَبِيلَ مَنۡ أَنَابَ إِلَيَّۚ ثُمَّ إِلَيَّ مَرۡجِعُكُمۡ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ١٥﴾ [لقمان: 14 — ١٥].

وعن أسماء — رضي الله عنها — قالت: «قَدِمت عَلي أمي وهي مشركة — في عهد قريش؛ إذ عاهدهم —، فاستفتيت النبي — صلى الله عليه وسلم —، فقلت: «يا رسول الله! إنَّ أمي قدمت عليّ، — وهي راغبة — أفأصلها؟ قال: « نعم، صِلِي أمك(31) »...» .

فإذا أمر الله — تعالى — بمصاحبة هذين بالمعروف مع هذا القبح العظيم الذي يأمران ولدهما به، وهو الإشراك بالله — تعالى —، فما الظن بالوالدين المسلمَين سيما إن كانا صالِحَينِ؟! تالله إن حقهما لمن أشد الحقوق وآكدها، وإن القيام به على وجهه أصعب الأمور وأعظمها، فالموفَّق من هُدِي إليها، والمحروم كل المحروم من صرف عنها، وقد جاء في السنة من التأكيد في ذلك ما لا تحصى كثرته ولا تحد غايته، فمن ذلك:

ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: «جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم

صفحة مطبوعة 27 · ورقة PDF 28رابط الصفحة المنفردة

فقال: «يا رسول الله! من أحق الناس بحسن صحابتي؟»، قال: «أمك»، قال: «ثم من؟»، قال: «أمك»، قال: «ثم من؟»، قال: «أمك»، قال: «ثم من؟»، قال: «ثم أبوك»...»(32)

وعن المقدام بن معدي كرب — رضي الله عنه — قال: قال رسول الله — صلى الله عليه وسلم —: «إن الله يوصيكم بأمهاتكم، ثم يوصيكم بأمهاتكم، ثم يوصيكم بآبائكم، ثم يوصيكم بالأقرب فالأقرب»(33) .

وعن أبي رمثة — رضي الله عنه — قال: «انتهيت إلى رسول الله — صلى الله عليه وسلم — فسمعته يقول: «بر أمك وأباك، وأختك وأخاك، ثم أدناك أدناك»...»(34) .

وعن معاوية بن جاهمة — رضي الله عنه — قال: جاء رجل إلى رسول الله — صلى الله عليه وسلم — فقال: «يا رسول الله أردت أن أغزو وقد جئت أستشيرك»، «فقال: هل لك أم؟»، قال: «نعم»، قال: «فالزمها؛ فإن الجنة تحت رجليها»(35) .

وروي عن ابن عمر — رضي الله عنهما — أنَّ رجلًا أتى النبي — صلى الله عليه وسلم —، فقال: «يا رسول الله، إنِّي أصبتُ ذنبًا عظيمًا، فهل لي من توبة؟»، فقال: «هل لك من أم؟»، قال: «لا»، قال: «فهل لك من خالة؟»، قال: «نعم»، قال؟ «فَبِرَّها»(36) .

صفحة مطبوعة 28 · ورقة PDF 29رابط الصفحة المنفردة

وأخبرنا رسول الله — صلى الله عليه وسلم — عن الثلاثة الذين أطبق عليهم الغار، فكان بر الوالدين سببًا في نجاتهم والتفريج عنهم.

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «انطلق ثلاثة رهط ممَّن كان قبلكم حتى أووا المبيت إلى غار، فدخلوه فانحدرت صخرة من الجبل، فسدت عليهم الغار، فقالوا: إنَّه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلَّا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم، فقال رجل منهم: اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق قبلهما أهلًا، ولا مالًا، فنأى بي في طلب شيء يومًا، فلم أرح عليهما حتى ناما، فحلبت لهما غبوقهما، فوجدتهما نائمين، وكرهت أن أغبق قبلهما أهلًا أو مالًا، فلبثت والقدح على يدي، أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر، فاستيقظا، فشربا غبوقهما، اللهم إن كنتُ فعلتُ ذلك ابتغاء وجهك، ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة، فانفرجت شيئًا لا يستطيعون الخروج»، قال النبي صلى الله عليه وسلم «وقال الآخر: اللهم كانت لي بنت عم، كانت أحب الناس إلي، فأردتها عن نفسها، فامتنعت مني حتى ألمَّت بها سنة من السنين، فجاءتني، فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها، ففعلت حتى إذا قدرتُ عليها، قالت: لا أحل لك أن تفض الخاتم إلا بحقه، فتحرجت من الوقوع عليها، فانصرفت عنها وهي أحب الناس إلي،

صفحة مطبوعة 29 · ورقة PDF 30رابط الصفحة المنفردة

وتركت الذهب الذي أعطيتها، اللهم إن كنتُ فعلتُ ابتغاء وجهك، فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة غير أنَّهم لا يستطيعون الخروج منها»، قال النبي صلى الله عليه وسلم «وقال الثالث: اللهم إني استأجرت أجراء، فأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب، فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال، فجاءني بعد حين فقال: يا عبد الله أدِّ إلي أجري، فقلت له: كل ما ترى من أجرك من الإبل والبقر والغنم والرقيق، فقال: يا عبد الله لا تستهزئ بي، فقلت: إني لا أستهزئ بك، فأخذه كله، فاستاقه، فلم يترك منه شيئًا، اللهم فإن كنتُ فعلتُ ذلك ابتغاء وجهك، فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة، فخرجوا يمشون»(37)

وروي عن عمرَ أنَّ رجلًا قال له: قتلتُ نفسًا، قال: أمُّك حية؟ قال: لا، قال: فأبوك؟ قال: نعم، قال: فبِرَّه وأحسن إليه، ثم قال عمر: لو كانت أمُّه حيَّةً فبرَّها، وأحسن إليها، رجوتُ أنْ لا تطعَمه النارُ أبدًا(38) .

وعن عطاء بن يسار، عن ابن عباس: «أنَّه أتاه رجل فقال: «إني خطبت امرأة، فأبت أن تنكحني، وخطبها غيري فَأحَبَّتْ أن تنكحه، فَغِرْتُ عليها، فقتلتها، فهل لي من توبة؟»، قال: «أمُك حية؟»، قال: «لا!»، قال: «تُب إلى الله عز وجل وتقرب إليه ما استطعت»، فذهبت، فسألت ابن عباس: «لم سألتَه عن حياة أمه؟»، فقال: «إني لا أعلم عملًا

صفحة مطبوعة 30 · ورقة PDF 31رابط الصفحة المنفردة

أقرب إلى الله عز وجل من بر الوالدة»»(39)

لذلك لما قص علينا رسول الله — صلى الله عليه وسلم — قصة جريج العابد الذي دعته أمه وهو في الصلاة فلم يجبها، فدعت عليه، أن إجابة دعوة أمه كانت أفضل له.

عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى ابن مريم، قال: وكان في بني إسرائيل رجل يقال له: جريج، وكان عابدا، فابتنى صومعة فجعل يصلي فيها، فأتته أمه، فقالت: يا جريج، فقال: يا رب أمي وصلاتي، فأقبل على صلاته، فانصرفت ثم جاءته يوما آخر ففعل مثل ذلك، ثم جاءته يوما ثالثا ففعل مثل ذلك، فقالت له أمه: اللهم لا تمته حتى يرى أو ينظر في وجوه المومسات، قال: فذكر يوما بنو إسرائيل جريجا وفضله، فقالت: بغي من بغايا بني إسرائيل: إن شئتم لأفتننه لكم، فقالوا: قد شئنا، فانطلقت فعرضت لجريج فلم يلتفت إليها، فأتت راعيا كان يأوي إلى صومعة جريج بغنمه، فأمكنته من نفسها فحملت فولدت غلاما، فقالت: هو من جريج، فأتاه بنو إسرائيل فضربوه وشتموه وهدموا صومعته، فقال: ما شأنكم؟ فقالوا: زنيت بهذه البغي، وولدت غلاما، قال: فأين الغلام؟ قال: فجيء به فقام وصلى ودعا، ثم انصرف إلى الغلام فطعنه بإصبعه في صدره وقال: يا

صفحة مطبوعة 31 · ورقة PDF 32رابط الصفحة المنفردة

غلام، من أبوك؟ قال: أبي الراعي، قال فوثب الناس إليه فجعلوا يقبلونه وقالوا: نبني صومعتك من ذهب، قال: لا حاجة لي في ذلك، ابنوها كما كانت من قبل»(40)

وفي رواية: قال رسول الله — صلى الله عليه وسلم —: «لو كان جريج الراهب فقيهًا عالمًا لعلم أن إجابته أمه أفضل من عبادة ربه»(41) .

وكان مكحول — رحمه الله — يُفَرِّق، فيرى وجوب تلبية نداء الأم، ولا يوجب تلبية نداء الأب في الصلاة.

قال مكحول: «إذا دعتك والدتك وأنت في الصلاة فأجبها، وإذا دعاك أبوك فلا تجبه حتى تفرغ من صلاتك»(42) .

وعن طيسلة بن مَياس قال: «كنت مع النجدات(43) فأصبت ذنوبًا لا أراها إلا من الكبائر، فذكرت ذلك لابن عمر، قال: ما هي؟ قلت: كذا وكذا، قال: ليست هذه من الكبائر»، إلى أن قال: «قال لي ابن عمر: أتفْرَق من النار، وتحب أن تدخل الجنة؟ قلت: إي والله!، قال: أحَي والداك؟ قلت: عندي أمي، قال: فوالله لو ألنت لها الكلام، وأطعمتها

صفحة مطبوعة 32 · ورقة PDF 33رابط الصفحة المنفردة

الطعام، لتدخلن الجنة، ما اجتنبت الكبائر»(44)

وعن بشر بن الحارث، يقول: «الولد بالقرب من أمه حيث سمع نفسه أفضل من الذي يضرب بسيفه في سبيل الله — عز وجل —، والنظر إليها أفضل من كل شيء»(45) .

وعد النبي — صلى الله عليه وسلم — عقوق الوالدين من أكبر الكبائر، وخص الأمهات بالذكر، فقال — صلى الله عليه وسلم —: «إنَّ الله حرم عليكم عقوق الأمهات، ومنعًا وهات، ووأد البنات، وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال»(46) .

وتوعد باللعن لمن لعن والديه.

عن أبي الطفيل، قال: قلنا لعلي بن أبي طالب، أخبرنا بشيء أسَرَّه إليك رسول الله — صلى الله عليه وسلم —، فقال: ما أسَرَّ إلي شيئًا كتمه الناس، ولكني سمعته يقول: «لعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من آوى محدثًا، ولعن الله من لعن والديه، ولعن الله من غيَّر المنار»(47) .

حتى ولو لم يكن لعنًا مباشرًا، بل مجرد التسبب في لعن الوالدين من أكبر الكبائر.

صفحة مطبوعة 33 · ورقة PDF 34رابط الصفحة المنفردة

عن عبد الله بن عمرو — رضي الله عنهما — قال: قال رسول الله — صلى الله عليه وسلم —: «إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه»، قيل: يا رسول الله، وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: «يسب الرجل أبا الرجل، فيسب أباه، ويسب أمه»(48) .

وكان من أشد ما يغضب النبي — صلى الله عليه وسلم —: أن يسمع الرجل يعير الرجل بأمه، كما جاء عن المعرور بن سويد، قال: «رأيت أبا ذر الغفاري، وعليه حُلة، وعلى غلامه حلة، فسألناه عن ذلك، فقال: إنِّي ساببتُ رجلًا، فشكاني إلى النبي — صلى الله عليه وسلم —، فقال لي النبي — صلى الله عليه وسلم —: «أعيَّرْتَهُ بأمه؟»، ثم قال: «إن إخوانكم خَوَلُكُم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه ممَّا يأكل، وليُلبسه ممَّا يلبس، ولا تكلفوهم ما يَغْلِبُهم، فإن كلفتموهم ما يغلبهم فأعينوهم»(49) .

وبيَّن صلى الله عليه وسلم أن عقوبة العقوق تعجل لصاحبه في الدنيا.

عن أبي بكرة — رضي الله عنه — قال: قال رسول الله — صلى الله عليه وسلم —: «كل ذنوب يؤخر الله منها ما شاء إلى يوم القيامة، إلا البغي وعقوق الوالدين، أو قطيعة الرحم، يعجل لصاحبها في الدنيا قبل الموت»(50) .

صفحة مطبوعة 34 · ورقة PDF 35رابط الصفحة المنفردة

البر بالأم بعد وفاتها

هذا عن بر الأم في حياتها، كذلك فإن لها برًا بعد وفاتها.

عن أبي هريرة — رضي الله عنه — أنَّ رسول الله — صلى الله عليه وسلم — قال: «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له»(51) . وعن أبي قتادة — رضي الله عنه — قال رسول الله — صلى الله عليه وسلم —: «خير ما يُخَلِّف الرجل من بعده ثلاثٌ: ولد صالح يدعو له، وصدقة تجري يبلُغُه أجرها، وعلم يُعْمَلُ به من بعده»(52) .

وعن أبي هريرة — رضي الله عنه — قال: «ترْفَع للميت بعد موته درجته، فيقول: أي رب، أي شيء هذه؟ فيقال: ولدك استغفر لك»(53) .

ومن عظيم البر أن يتحرى الإنسان الدعاء لهما، والاستغفار في الأوقات العظيمة، مثل السجود.

عن حفص بن الفرافصة، أنه سمع عروة بن الزبير، يقول في صلاته وهو ساجد: «اللهم اغفر للزبير بن العوام، ولأسماء بنت أبي بكر»(54) .

بل إنَّ الإنسان لو كان مقصرًا في بر والديه في حياتهما، فقد يكون

صفحة مطبوعة 35 · ورقة PDF 36رابط الصفحة المنفردة

كثرة دعائه واستغفاره لهما بعد موتهما سببًا في أن ينال أجر بر الوالدين.

عن محمد بن سيرين، قال: قال رسول الله — صلى الله عليه وسلم —: «إنَّ الرجل ليموت والداه وهو عاق لهما، فيدعو لهما من بعد مماتهما، فيكتبه الله من البارين»(55) .

ومن البر بهما بعد موتها: قضاء صوم النذر أو الكفارة عنهما:

فعن عائشة — رضي الله عنها — أنَّ رسول الله — صلى الله عليه وسلم — قال: «من مات وعليه صيام، صام عنه وَلِيُّه»(56) .

ومن البر: التصدق عنها:

فعن عبد الله بن عباس — رضي الله عنهما — أنَّ رجلًا قال للنبي — صلى الله عليه وسلم —: إن أمي تُوُفيَتْ، أينفعها إن تصدَّقتُ عنها؟»، قال: «نعم»، قال: «فإن لي مَخْرَفًا، وإني أشهدك أني قد تصدقت به عنها»(57) .

وعن عائشة رضي الله عنها «أن رجلًا قال: «إن أمي افْتُلِتت نفسها ولم

صفحة مطبوعة 36 · ورقة PDF 37رابط الصفحة المنفردة

توص، وأظنها لو تكلمت تصدقت، فهل لها أجر إن تصدقت عنها ولي أجر؟»، قال: «نعم، فتصدق عنها»»(58)

ويُروى عن أبي أسيد مالك بن ربيعة الساعدي — رضي الله عنه — قال: «بينما نحن جلوسٌ عند رسول الله — صلى الله عليه وسلم —؛ إذ جاءه رجل من بني سَلِمة، فقال: «يا رسول الله: هل بقي مِنْ بِر أبَوَي شيء أبَرهما بعد موتهما؟»، فقال: «نعم، الصلاةُ عليهما، والاستغفارُ لهما، وإنفاذ عهدهما مِن بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصَلُ إلا بهما، وإكرام صديقهما»»(59) .

ومن البر: الإحسان إلى صديقاتها وإكرامهن:

عن ابن عمر، أنه كان إذا خرج إلى مكة، كان له حمار يتروح عليه، إذا ملَّ ركوب الراحلة، وعمامة يشد بها رأسه، فبينا هو يومًا على ذلك الحمار، إذ مر به أعرابي، فقال: ألست ابن فلان بن فلان؟ قال: بلى، فأعطاه الحمار، وقال: اركب هذا. والعمامة، قال: اشدد بها رأسك، فقال له بعض أصحابه: غفر الله لك، أعطيتَ هذا الأعرابي حمارًا كنت تروح عليه، وعمامة كنت تشد بها رأسك؟ فقال: إني سمعت رسول الله — صلى الله عليه وسلم — يقول: «إن من أبر البر صلة الرجل أهل وُدِّ أبيه بعد أن يُوَلِّي، وإن أباه كان صديقًا لعمر»(60) .

صفحة مطبوعة 37 · ورقة PDF 38رابط الصفحة المنفردة

وفي رواية: عن ابن عمر: مر أعرابي في سفر، فكان أبو الأعرابي صديقًا لعمر — رضي الله عنه —، فقال للأعرابي: ألست ابن فلان؟ قال: بلى، فأمر له ابن عمر بحمار كان يستعقب، ونزع عمامته عن رأسه فأعطاه. فقال بعض من معه: أما يكفيه درهمان؟ فقال: قال النبي — صلى الله عليه وسلم —: «احفظ ود أبيك، لا تقطعه فيطفئ الله نورك»(61) .

البر بالأم في تراث الصحب والآل

حين ننظر في تراث الصحب والآل نجد الحرص الشديد والتأكيد على البر بالوالدين خصوصًا الأم، وبيان العاقبة العظيمة والثواب الجزيل لمن يحرص على برها، والقيام بحقها، ورعايتها، والتأكيد على وصية ربنا — سبحانه وتعالى — فيها.

فهذا حارثة بن النعمان يخبرنا عنه رسول الله — صلى الله عليه وسلم — أنه دخل الجنة وكان له فيها منزل عظيم، لبره بأمه.

عن عائشة أم المؤمنين — رضي الله عنها — عن النبي — صلى الله عليه وسلم — أنَّه قال: «دخلت الجنة، فسمعت منها قراءة، قلت: «من هذا؟»، فقالوا: «حارثة بن النعمان»، فقال: «كذلكم البر، كذلكم البر»»، وزاد عبد الرزاق في روايته: «وكان أبر الناس بأمه»(62) .

صفحة مطبوعة 38 · ورقة PDF 39رابط الصفحة المنفردة

أما أبو هريرة — رضي الله عنه — فبره بأمه ومواقفه معها عظيمة وكثيرة.

عن أبي كثير السُّحَيمي قال: حدثني أبو هريرة — رضي الله عنه —، قال: «والله، ما خلق الله مؤمنًا يسمع بي ولا يراني إلا أحبني»، قلت: «وما علمك بذلك يا أبا هريرة؟!»، قال: «إن أمي كانت مشركة، وكنت أدعوها إلى الإسلام، وكانت تأبى عَلَي، فدعوتها يومًا، فأسمعتني في رسول الله — صلى الله عليه وسلم — ما أكره، فأتيت رسول الله — صلى الله عليه وسلم —، وأنا أبكى، فأخبرتُهُ، وسألتهُ أن يدعو لها، فقال: «اللهم اهْدِ أمً أبي هريرة»، فخرجْت أعدو أبشرها، فأتيت، فإذا الباب مُجَاف، وسمعتُ خضخضةَ الماء، وسَمِعَتْ حِسِّي، فقالت: «كما أنت»، ثم فتحتْ، وقد لبِست درعها، وعَجِلت عن خمارها، فقالت: «أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله»، قال: فرجعت إلى رسول الله، أبكي من الفرح كما بكيت من الحزن؛ فأخبرته، وقلت: «ادعُ الله أن يحببني وأمي إلى عباده المؤمنين»، فقال: «اللهم حَبِّبْ عُبَيْدَكَ هذا وأمه إلى عبادك المؤمنين، وحببهم إليهما»(63) .

وها هو رضي الله عنه يحكي أنه كان يشتد به الألم من الجوع، فيخرج من بيته إلى المسجد، لا يخرجه إلا الجوع، فيجد نفرًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون: «يا أبا هريرة ما أخرجك هذه الساعة؟»، فيقول: «ما أخرجني إلا الجوع»، يقول أبو هريرة: «فقمنا، فدخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ما جاء بكم هذه الساعة؟»، فقلنا: «يا رسول الله جاء بنا

صفحة مطبوعة 39 · ورقة PDF 40رابط الصفحة المنفردة

الجوع»، قال: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بطبق فيه تمر، فأعطى كل رجل منا تمرتين، فقال: «كلوا هاتين التمرتين، واشربوا عليهما الماء، فإنهما ستجزيانكم يومكم هذا»، قال أبو هريرة: فأكلت تمرة، وخبأت الأخرى؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يا أبا هريرة لم رفعت هذه التمرة؟»، فقلت: «رفعتها لأمي»، فقال: «كُلْها، فإنا سنعطيك لها تمرتين، فأكلتها، فأعطاني لها تمرتين»»(64)

وعن أبي مُرَّة: «أنَّ أبا هريرة كان يستخلفه مروان، وكان يكون بذي الحُلَيْفَة، فكانت أمه في بيت، وهو في آخر، قال: فإذا أراد أن يخرج وقف على بابها، فقال: «السلام عليكِ — يا أمتاه — ورحمة الله وبركاته»، فتقول: «وعليك يا بني ورحمة الله وبركاته»، فيقول: «رحمكِ الله كما ربَّيْتِني صغيرًا»، فتقول: «رحمك الله كما بررتني كبيرًا»، ثم إذا أراد أن يدخل صنع مثله»(65) ، «ولازم أبو هريرة أمه، ولم يحج حتى ماتت لصحبتها»(66) .

وهذا الزبير بن العوام الذي يواجه الجيوش ولا يخاف، يرتجف أمام أمه: «لما كانت موقعة أحد أغرت هند بنت عتبة بحمزة بن عبد المطلب من خالسه فصرعه وكان قد قتل آلها يوم بدر ثم نفذت إليه فبقرت بطنه، ونزعت كبده، وجدعت أنفه، وصلمت أذنيه، وجاء

صفحة مطبوعة 40 · ورقة PDF 41رابط الصفحة المنفردة

بعدها أبو سفيان، فأخذ يطعنه بالرمح في فمه حتى مزقه... انقضت الموقعة، وجثمان حمزة تكاد تَحيل معالمه لفرط ما مُثلَ به، فلما وقف به رسول الله صلى الله عليه وسلم اشتد حزنه لما أصاب عمه البطل الكريم، ووقف بنجوة منه، ثم أبصر فوجد عمته صفية بنت عبد المطلب مقبلة لتنظر ما فعل القوم بأخيها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابنها الزبير بن العوام: «دونَك أمَّك فامنعْها»، وأكبر همه ألا يَجِدَّ بها الجزع لما ترى، فلما وقف ابنها يعترضها قالت: «دونك، لا أرض لك، لا أمَ لك!»، وهنالك رجفت أحناء بطل قريش، وزلزلت قدماه، واعتقل لسانه، وكَر راجعًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدثه حديث أمه، فقال: «خَل سبيلها». كذلك انفرجت صفوف الناس لعمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فسارت حَتى أتت أخاها فنظرت إليه، فصلت عليه، واسترجعت، واستغفرت له، وقالت لابنها: «قل لرسول الله: ما أرضانا بما كان في سبيل الله! لأحتسبنَ، ولأصبرن إن شاء الله»».

أما ابنه عبد الله بن الزبير فله مع أمه أسماء بنت أبي بكر — رضي الله عنها — حديث خاص.

لبث عبد الله بن الزبير على إمرة المؤمنين، ودانت له العراق والحجاز واليمن ثماني سنين، ثم أخذ عبد الملك بن مروان يقارعه، فانتقص منه العراق، ورماه بعد ذلك بالحجاج بن يوسف، فأخذ يطوي بلاده عنه حتى أتى إلى مكة فطوقها، ونصب المجانيق على الكعبة،

صفحة مطبوعة 41 · ورقة PDF 42رابط الصفحة المنفردة

وأهوى بالحجارة عليها، وفي الكعبة يومئذٍ أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما.

وكان عبد الله يقَاتل جند الحجاج مسندًا ظهره إلى الكعبة، فيعيث فيهم، ويروعُ أبطالهم، وليس حوله إلا القوم الأقلون عددًا، والحجاج بين ذلك كله يرسل إليه يُمَنِّيه الخير، ويَعِدُه بالإمارة في ظل بني أميَّة لو أغمد سيفه، وبسط للبيعة يده.

دخل عبد الله على أثر ذلك على أمه، فقال: «يا أُمَّه! خذلني الناس حتى أهلي وولدي، ولم يبقَ معي إلا اليسير، ومن لا دفع له أكثر من صبر ساعة من النهار، وقد أعطاني القوم ما أردت من الدنيا فما رأيك؟»، فقالت: «الله الله يا بني! إن كنت تعلم أنك على حق تدعو إليه، فامض عليه، ولا تمكن من رقبتك غلمان بني أمية فيلعبوا بك، وإن كنت أردت الدنيا فبئس العبد أنت، أهلكت نفسك ومن معك، وإن قلت إني كنت على حق فلما وهن أصحابي ضعفت نيتي، فليس هذا فعل الأحرار، ولا مَن فيه خير، كم خلودك في الدنيا؟ القتل أحسن ما يقع بك يا ابن الزبير، والله لضربة بالسيف في عِز، أحب إلي من ضربة بالسوط في ذل»، فقال: «يا أماه، أخاف إن قتلني أهل الشام أن يمثلوا بي ويصلبوني»، قالت: «يا بني إن الشاة لا يضرها السلخ بعد الذبح، فامض على بصيرتك، واستعن بالله»، فقبل رأسها، وقال لها: «هذا والله رأيي، والذي قمت به داعيًا إلى الله، والله ما دعاني إلى الخروج إلَّا الغضب لله عز وجل أن تُهتَك محارمه، ولكنِّي أحببت أن أطلع على رأيك فيزيدني قوة وبصيرة مع قوتي

صفحة مطبوعة 42 · ورقة PDF 43رابط الصفحة المنفردة

وبصيرتي، والله ما تعمدت إتيان منكر، ولا عملًا بفاحشة، ولم أجُر في حكم، ولم أغدِر في أمان، ولم يبلغني عن عمالي حيف فرضيت به، بل أنكرت ذلك، ولم يكن شيء عندي آثر من رضاء ربي، اللهم إني لا أقول ذلك تزكية لنفسي، ولكن أقوله تعزية لأمي لتسلوَ عَني»، فقالت: «والله إنِّي لأرجو أن يكون عزائي فيك جميلًا، إن تَقَدَّمْتَني احتسبْتُك، وإن ظفرتَ سررتُ بظفرك، اخرج حتى أنظر إلام يصير أمرك»، ثم قالت: «اللهم ارحم طول ذلك القيام بالليل الطويل، وذلك النحيب والظمأ في هواجر مكة والمدينة، وبره بأمه، اللهم إنِّي قد سلمت فيه لأمرك، ورضيت فيه بقضائك، فأثبني في عبد الله ثواب الشاكرين»، قال: «يا أُمَّه لا تدَعي الدعاء لي قبل قتلي ولا بعده»، فقالت: «لن أدعه، فمن قتِلَ على باطل، فقد قُتِلْتَ على حق»، فتناول يدها ليقبلها، فقالت: «هذا وداع فلا تبعد»، فقال لها: «جئت مودعًا لأني أرى هذا آخر أيامي من الدنيا»، قالت: «امض على بصيرتك، وادن مني حتى أودعك»، فدنا منها فعانقته، وقبلته، فوقعت يدها على الدرع، فقالت: «ما هذا صنيع من يريد ما تريد!»، فقال: «ما لبستها إلا لأشد متنكِ»، قالت: «إنَّها لا تشد متني»، فنزعها، ثم درج لِمته، وشد قميصه وجبته، وخرج وهو يقول:

أبى لابن سلمى أن يُعير خالدًاملاقي المنايا أي صرف تيمما
فلست بمبتاع الحياة بسُبَّةٍولا مرتقٍ من خشية الموت سُلَّما

وقال لأصحابه: «احملوا على بركة الله، وليشغل كل منكم

صفحة مطبوعة 43 · ورقة PDF 44رابط الصفحة المنفردة

رجلًا، ولا يلهينَّكم السؤال عني؛ فإنِّي على الرعيل الأول»، ثم حمل عليهم حتى بلغ بهم الحجون، وهنالك رماه رجل من أهل الشام بحجر فأصاب وجهه، فأخذته منه رعدة، فدخل شعبًا من شعاب مكة يستدمي، فبصُرت به مولاة له، فقالت: «وا أمير المؤمنينا!»، فتكاثر عليه أعداؤه عند ذلك فقتلوه، وصلبه الحجاج، فأقام جثمانه على الجذع، حتى إذا أمر عبد الملك بإنزاله، أخذته أمه فغسلته بعد أن ذهبوا برأسه، وذهب البلى بأوصاله، ثم كفنته، وصلت عليه، ودفنته(67)

وعن صفية بنت شيبة قالت: دخل ابن عمر المسجد فأبصر ابن الزبير مطروحًا قبل أن يصلب، فقيل له: «هذه أسماء»، فمال إليها وعزاها، وقال: «إن هذه الجثث ليست بشيء، وإن الأرواح عند الله — عز وجل —»، فقالت له أسماء: «وما يمنعني، وقد أُهدي رأس يحيى إِلى بغي من بغايا بني إسرائيل»(68) .

وقال عروة بن الزبير: «دخلت أنا وأخي قبل أن يُقتل، على أمنا بعشر ليال، وهى وَجِعَة، فقال عبد الله: «كيف تجدينك؟»، قالت: «وَجِعة»، قال: «إن في الموت لعافية!»، قالت: «لعلك تشتهي موتي؛ فلا تفعل، وضَحِكَتْ»، وقالت: «والله، ما أشتهي أن أموت، حتى تأتي على أحد طرفَيْك: إما أن تُقْتَلَ فأحتسبك، وإما أن تظفر فتقر عيني، إياك أن تُعرض على خُطة فلا توافق، فتقبلها كراهية الموت»، قال:

صفحة مطبوعة 44 · ورقة PDF 45رابط الصفحة المنفردة

«وإنَّما عَنى أخي أن يُقتل، فيَحزنها ذلك»(69)

وعلى مثل هذه المعاني أكد الصحابة — رضوان الله عليهم —.

قال رجل لعمر بن الخطاب — رضي الله عنه —: «إنَّ لي أمًّا بلغ منها الكِبَرُ أنها لا تقضي حاجتها إلَّا وظهري لها مطية — يعني: أحملها إلى مكان قضاء الحاجة — فهل أدَّيت حقها؟»، فقال عمر: «لا؛ لأنَّها كانت تصنع بك ذلك، وهي تتمنى بقاءك، وأنت تصنعه، وتتمنى فراقها»(70) .

وقد رأى ابن عمر — رضي الله عنهما — رجلًا يطوف بالكعبة حاملًا أمه على رقبتَه، فقال: يا ابن عمر أترى أني جزيتها؟ قال: «لا، ولا بطلقة واحدة، ولكنك أحسنت، والله يثيبك على القليل كثيرًا».

وفي رواية البخاري في «الأدب المفرد»: «أنَّ أبا بردة بن أبي موسى الأشعري حدث أنَّه شهد ابنُ عمر رجلًا يمانيًّا يطوف بالبيت، حمل أمه وراء ظهره يقول:

إني لها بعيرُها المذلَّلْإن أذعِرت ركابُهَا لم أذعَرْ

ثم قال: يا ابن عمر! أتراني جزيتها؟ قال: لا، ولا بزفرة واحدة)(71) .

ولا ينبغي في الحديث عن بر الأم أن ننسى أويس بن عامر القرني،

صفحة مطبوعة 45 · ورقة PDF 46رابط الصفحة المنفردة

ذلك الرجل الذي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بظهوره، وكشف عن منزلته عند الله ورسوله، وأمر البررة الأخيار من آله وصحابته بالتماس دعوته وابتغاء القربى إلى الله بها، وما كانت آيته إلا بره بأمه.

وذلك الحديث الذي أخرجه مسلم عنه: «كان عمر — رضي الله عنه — إذا أتى عليه أمداد أهل اليمن سألهم: «أفيكم أويس بن عامر؟»، حتى أتى عَلَى أويس بن عامر، فقال: «أنت أويس بن عامر؟»، قال: «نعم»، قال: «مِن مراد ثم مِن قرن؟»، قال: «نعم»، قال: «فكان بك بَرَصٌ فبرأتَ منه إلا موضع درهم؟»، قال: «نعم»، قال: «لك والدة؟»، قال: «نعم»، قال: «سمعت رسول الله — صلى الله عليه وسلم — يقول: يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن، من مراد، ثم من قَرَن، كان به برص فبرأ منه إلا موضع درهم، له والدة هو بها برٌّ، لو أقسم على الله لأبَرَّه، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل»، فاستغفِرْ لي، فاستغَفر له، فقال له عمر: «أين تريد؟ قال: «الكوفة»، قال: «ألا اكتب لك إلى عاملها؟»، قال: «أكون في غبراء الناس أحب إلي»...»(72) .

وعن أصبغ بن زيد، قال: «إنما منع أويسًا أن يَقْدَم على النبي — صلى الله عليه وسلم — بِره بأمه»(73) .

وهذا أبو الحسن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما وهو المسمى زين العابدين كان من سادات التابعين، وكان كثير البر بأمه،

صفحة مطبوعة 46 · ورقة PDF 47رابط الصفحة المنفردة

حتى قيل له: «إنَّك من أبر الناس بأمك، ولسنا نراك تأكل معها في صحفة»، فقال: «أخاف أن تسبق يدي إلى ما سبقت إليه عَيْنها، فأكون قد عققتها»(74)

البر بالأم الأرملة

إذا كان للأم منزلة عظيمة وحقٌ كبيرٌ في البر، فالأم إذا مات زوجها وقامت على رعاية أيتامها، فحقها أعظم وثوابها أجَلّ، ومنزلتها كبيرة كما نجد في تراث الصحب والآل.

عن أبي هريرة — رضي الله عنه — قال: قال رسول الله — صلى الله عليه وسلم —: أنا أول من يفتح باب الجنة، إلا أني أرى امرأة تبادرني، فأقول لها: «مالك؟ ومن أنت؟»، فتقول: «أنا امرأة قعدتُ على أيتام لي»(75) .

وعن عوف بن مالك الأشجعي — رضي الله عنه — قال: قال رسول الله — صلى الله عليه وسلم — «أنا وامرأة سفعاء الخدين كهاتين يوم القيامة» — وأومأ يزيد بن زريع الراوي بالوسطى والسبابة —، «امرأة آمت من زوجها، ذات منصب وجمال، حبست نفسها على يتاماها حتى بانوا أو ماتوا»(76) .

صفحة مطبوعة 47 · ورقة PDF 48رابط الصفحة المنفردة

وعن أم المؤمنين عائشة — رضي الله عنها — قالت: «دخلتْ عليَّ امرأةٌ ومعها ابنتان لها تسأل، فلم تجد عندي شيئًا غير تمرة واحدة، فأعطيتها إياها، فقسمتها بين ابنتيها، ولم تأكل منها، ثم قامت فخرجت، فدخل النبي — صلى الله عليه وسلم — فأخبرته، فقال النبي — صلى الله عليه وسلم —: « من ابتلي من هذه البنات بشيء فأحسن إليهن كن له سترًا من النار(77) »» .

وفي رواية لمسلم: «جائتني مسكينة تحمل ابنتين لها، فأطعمتها ثلاث تمرات، فأعطت كل واحدة منهما تمرة، ورفعت إلى فيها تمرة لتأكلها، فاستطعمتها ابنتاها، فشقت التمرة التي كانت تريد أن تأكلها بينهما، فأعجبني شأنها فذكرت الذي صنعت للنبي — صلى الله عليه وسلم — فقال: إنَّ الله — عز وجل — قد أوجب لها بها الجنة أو أعتقها بها من النار»(78) .

وهذه أم هانئ فاختة بنت أبي طالب رضي الله عنها أخت أمير المؤمنين علي رضي الله عنه وبنت عم رسول الله صلى الله عليه وسلم فَرق الإسلام بينها وبين زوجها (هبيرة)، وكانت قد انكشفت منه عن أربعة بنين، فخطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت أم هانئ: «يا رسول الله؛ لأنت أحب إليَّ من سمعي وبصري، وحق الزوج عظيم، فأخشى إن أقبلت على زوجي، تعني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أضيعَ بعض شأني وولدي، وإن أقبلت على ولدي أن أضَيِّعَ حق الزوج»، وهنا امتدحها النبي صلى الله عليه وسلم وشكر لها ذلك، فقال: «خير

صفحة مطبوعة 48 · ورقة PDF 49رابط الصفحة المنفردة

نساءٍ ركبن الإبل صالح نساء قريش، أحْناه على ولدٍ في صِغَرِه، وأرْعاهُ على زوج في ذات يده»(79)

وكان ذلك بعض عذر أم سلمة حين خطبها رسول الله — صلى الله عليه وسلم — فأرسلت تقول له: «إنِّي مُصْبِيَة (أي عندي صبية صغار)»، فأرسل إليها: «أما ما ذكرتِ من أيتامك فعلى الله وعلى رسوله»، فقالت عند ذلك: مرحبًا برسول الله صلى الله عليه وسلم(80) .

وتلك أم سُليم الغُمَيْصاء رضي الله عنها إحدى السابقات إلى الإسلام، أسلمت ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، وبايعته حين مقدمه إلى المدينة، وكان إسلامها مراغمة لزوجها مالك بن النضر، وكان ولدها أنس بن مالك يومئذٍ طفلًا رضيعًا، فكانت تقول له: قل: «لا إله إلا الله»، قل: «أشهد أن محمدًا رسول الله»، فجعل ينطق بذلك أولَ ما ينطق، فكان ممَّا يثير الغضب في نفس مالك، فيقول لها: «لا تفسدي علي ولدي»، فتقول: «إنِّي لا أفسده!»، ثم أيأسه أمرها فخرج عنها إلى الشام، وهنالك لقي عدوًّا له، فقتله، فلما بلغها قتله وكانت شابة حَدَثَة، وكثر خُطَّابُها قالت: «لا جَرَمَ، لا أفطم أنسًا حتى يدع الثدي، ولا أتزوج حتى يجلس في المجالس ويأمرني»، فوفت بعهدها وَبَرَّتْ، وكان أنس رضي الله عنه يعرف

صفحة مطبوعة 49 · ورقة PDF 50رابط الصفحة المنفردة

لها تلك المنة، ويقول: «جزى الله أمي عني خيرًا، لقد أحسنت ولايتي».

حتى إذا شب أنس تقدم لخِطبتها أبو طلحة زيد وكان مشركًا فأبت، ثم قالت له يومًا فيما تقول: «أرأيت حجرًا تعبده لا يضرك ولا ينفعك، أو خشبة تأتي بها النجار، فينجرها لك: هل يضرك؟ هل ينفعك؟»، وأكثرت من أشباه ذلك الكلام، فوقع في قلبه الذي قالت، فأتاها فقال: «لقد وقع في قلبي الذي قلتِ»، وآمن بين يديها، قالت: «فإنِّي أتزوجك، ولا أريد منكَ صَداقًا غير الإسلام»، قال ثابت: «فما سمعت بامرأة قط

صفحة مطبوعة 51 · ورقة PDF 51رابط الصفحة المنفردة

صفحة مطبوعة 52 · ورقة PDF 52رابط الصفحة المنفردة

كانت أكرم مهرًا من أم سليم الإسلام»(81)

الفصل الثاني

آداب التعامل مع الزوجة

الفصل الثاني

صفحة 53 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعةتفاصيل الصفحة
صفحة مطبوعة 53 · ورقة PDF 54رابط الصفحة المنفردة

آداب التعامل مع الزوجة

شرع الله الزواج أساسًا لنظام هذا الكون وعِمارته، وهو من آيات الله الدالة على حكمته — سبحانه — قال — تعالى —: ﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنۡ خَلَقَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا لِّتَسۡكُنُوٓاْ إِلَيۡهَا وَجَعَلَ بَيۡنَكُم مَّوَدَّةٗ وَرَحۡمَةًۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ٢١﴾ [الروم: ٢١].

ولا تستعمل لفظة (آية) في القرآن المجيد إلَّا في الأمور الجليلة العظيمة؛ ليدل على قوة وقدرة الخالق — تبارك وتعالى —، وقد قرن الله — تبارك وتعالى — آية تكوين الأسرة، بآية تكوين العالم أجمع، فعقب هذه الآية بقوله — جل وعلا —: ﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ خَلۡقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفُ أَلۡسِنَتِكُمۡ وَأَلۡوَٰنِكُمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّلۡعَٰلِمِينَ٢٢﴾ [الروم: ٢٢].

وذلك أنَّ الأسرة هي أساس المجتمع، منها تتفرق الأمم وتنتشر الشعوب، ونواة بنائها هي الزوجان، قال — تعالى —: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ...﴾ [الحجرات: ١٣]. فبقيام الزواج تنتظم الحياة، ويحفظ الحياء، وينعم البال، ويستقيم الحال. وبالزواج المشروع يتحقق العفاف والحصان.

صفحة مطبوعة 54 · ورقة PDF 55رابط الصفحة المنفردة

يقول كمال الدين ابن الهمام — رحمه الله —: «ومن تأمل ما يشتمل عليه النكاح من تهذيب الأخلاق وتوسعة الباطن بالتحمل في معاشرة أبناء النوع، وتربية الولد، والقيام بمصالح المسلم العاجز عن القيام بها، والنفقة على الأقارب والمستضعفين، وإعفاف الحرم ونفسه، ودفع الفتنة عنه وعنهن، ودفع التقتير عنهن بحبسهن لكفايتهن مئونة سبب الخروج، ثم الاشتغال بتأديب نفسه وتأهيله للعبودية، ولتكون هي أيضًا سببًا لتأهيل غيرها وأمرها بالصلاة؛ فإنَّ هذه الفرائض كثيرة لم يكد يقف عن الجزم بأنه أفضل من التخلي»(82) .

ولهذا: فإنَّ العلاقة بين الزوجين أمرٌ مهمٌّ، فاستقامتها سببٌ لاستقامة الحال وعمارةِ المنزل، وانتظامِ شأن الولد وحياة الأولاد بين الأبوين المتعاونين في سبيل إصلاح الأولاد وتربيتهم التربية الصالحة، والله — سبحانه وتعالى — في كتابه العزيز وضع للزوجين نظامًا إنْ هما سارا عليه؛ فإنَّ ذلك سبب لسعادتهما واجتماعهما وتآلف قلوبهما، فقوله — سبحانه —: ﴿وَلَهُنَّ مِثۡلُ ٱلَّذِي عَلَيۡهِنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، يبين أن للمرأة حقًا كما عليها حق، وللرجل حق على امرأته كما لها عليه حق، فإذا قام الزوجُ بالواجب عليه، وقامت المرأة المسلمة بالحق الواجب عليها، وتعاون الجميع على ذلك، فعند ذلك تكون الحياة الزوجية حياةً طيبة سعيدة.

وفيما يلي بعض الآداب التي تنبغي للزوجة على زوجها.

صفحة مطبوعة 55 · ورقة PDF 56رابط الصفحة المنفردة

(1) الصداق

من أهم الحقوق التي تتطلبها الحياة الزوجية كما ورد في النصوص، وكما جاء في التشريعات المختلفة، هي الحقوق المادية للزوجة على زوجها؛ لأنَّ قيام الزوج بتلك الحقوق، وسدَّه لمطالب الزوجة، دليل على صدق علاقته بها.

فلذلك أول ما تبدأ به الحياة الزوجية هو المهر الذي يقدمه الزوج هدية لزوجته كرمز على انطلاق الحياة الزوجية، وعلى قدرته على الوفاء بما تتطلبه الحياة الزوجية من عناء.

وقد اتفق الفقهاء على أنَّ المهر حقٌّ واجبٌ للمرأة على الرجل، وقد دلَّ على ذلك الكتاب والسنة والإجماع:

أمَّا الكتابُ: فقوله — تعالى —: ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَآءَ ذَٰلِكُمۡ أَن تَبۡتَغُواْ بِأَمۡوَٰلِكُم مُّحۡصِنِينَ غَيۡرَ مُسَٰفِحِينَۚ فَمَا ٱسۡتَمۡتَعۡتُم بِهِۦ مِنۡهُنَّ فَ‍َٔاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةٗۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ فِيمَا تَرَٰضَيۡتُم بِهِۦ مِنۢ بَعۡدِ ٱلۡفَرِيضَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمٗا٢٤﴾ [النساء: ٢٤]، وقال — تعالى —: ﴿وَءَاتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَٰتِهِنَّ نِحۡلَةٗۚ﴾ [النساء: ٤]، وقال — تعالى —: ﴿فَمَا ٱسۡتَمۡتَعۡتُم بِهِۦ مِنۡهُنَّ فَ‍َٔاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةٗۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ فِيمَا تَرَٰضَيۡتُم بِهِۦ مِنۢ بَعۡدِ ٱلۡفَرِيضَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمٗا٢٤﴾ [النساء: ٢٤].

وأما السنة: فقد دلَّت على ذلك الأحاديث الكثيرة، ومنها:

أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى

صفحة مطبوعة 56 · ورقة PDF 57رابط الصفحة المنفردة

على عبد الرحمن بن عوف وَضَرًا من صُفْرَة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم مَهْيَم؟ فقال: يا رسول الله، تزوجت امرأة من الأنصار. فقال: «ما سُقْتَ إليها؟»، قال: نواة من ذهب، أو وزن نواة من ذهب. فقال: «أولِم ولو بشاة»(83)

أمَّا الإجماع: فقد أجمع المسلمون على مشروعية الصداق في الزواج، قال القرطبي في تفسير قوله — تعالى —: ﴿وَءَاتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَٰتِهِنَّ نِحۡلَةٗۚ﴾: «هذه الآية تدل على وجوب الصداق للمرأة، وهو مجمع عليه، ولا خلاف فيه إلا ما رُوي عن بعض أهل العلم من أهل العراق أن السيد إذا زوّج عبده من أمته أنه لا يجب فيه صداق، وليس بشيء، لقوله — تعالى —: ﴿وَءَاتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَٰتِهِنَّ نِحۡلَةٗۚ﴾، فعمَّ، وقال: ﴿فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذۡنِ أَهۡلِهِنَّ وَءَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِ﴾ [النساء: ٢٥](84) .

وقد وردت عدة آثار عن الصحابة وآل البيت — رضوان الله عليهم — تؤكد على أهمية المهر وضرورته، ومنها:

عن ابن عباس أنَّه: «يكره أن يدخل بامرأته حتى يعطيها شيئًا»(85) .

وعن علي — رضي الله عنه — أنه قال: «من أصفق بابًا، وأرخى سترًا، فقد وجب الصداق والعدة»(86) .

صفحة مطبوعة 57 · ورقة PDF 58رابط الصفحة المنفردة

وعن علي بن حسين قال: قال لي: «أُرْخِي عليك الستر، وأُغْلِق عليك الباب؟ قلت: نعم، قال: وجب عليك الصداق»(87) .

ومع التأكيد على ضرورة الصداق؛ إلَّا أنَّه أيضًا وردت الدعوة بتيسير المهور، فعن عائشة — رضي الله عنها — أنَّ النبي — صلى الله عليه وسلم — قال: «إنَّ أعظم النساء بركةً أيسرُهن صداقًا»(88) ، وفي رواية: «أيسرهن مؤنة»(89) .

وعنها قالت: قال لي رسول الله — صلى الله عليه وسلم —: «من يُمنِ المرأة تسهيل أمرها، وقلة صداقها»، قال عروة: «وأنا أقول من عندي: ومن شؤمِها تعسير أمرها، وكثرة صداقها»(90) .

وقد وردت عن الصحابة صور متعددة للمهر والصداق، كلُّها تدل على التسهيل والتيسير، منها:

(1) حفظ ما تيسر من القرآن: فقد قال الرسول — صلى الله عليه وسلم — للصحابي الذي لم يكن لديه شيءٌ، ولا خاتم من حديد: «ماذا معك من القرآن؟»، فقال: معي سورة كذا وسورة كذا، لسور يعددها، فقال النبي — صلى الله عليه وسلم —: «أَمْلَكْنَاكَهَا بما معك من القرآن»(91) .

صفحة مطبوعة 58 · ورقة PDF 59رابط الصفحة المنفردة

وعن النبي — صلى الله عليه وسلم — أنه قال لرجل من أصحابه: «أي فلان، هل تزوجتَ؟»، قال: لا، وليس عندي ما أتزوج به، قال: «أليس معك: ﴿قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ١﴾؟»، قال: بلى، قال: «ربع القرآن»، قال: «أليس معك: ﴿قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡكَٰفِرُونَ١﴾؟»، قال: بلى، قال: «ربع القرآن»، قال: «أليس معك ﴿إِذَا زُلۡزِلَتِ ٱلۡأَرۡضُ﴾؟»، قال: بلى، قال: «ربع القرآن»، قال: «أليس معك: ﴿إِذَا جَآءَ نَصۡرُ ٱللَّهِ﴾؟» قال: بلى، قال: «ربع القرآن». قال: «أليس معك آية الكرسي ﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ﴾؟» قال: بلى، قال: «ربع القرآن». قال: «تزوَّجْ تزوَّج تزوج»(92) .

(2) اثنتا عشْرةَ أوقية(93) ، وهو ما يعادل خمسمائة درهم، وهو أعلى ما وصل إليه مهر زوجاتِ وبنات النبي — صلى الله عليه وسلم — فعن عائشةَ — رضي الله عنها — قالت: «كان صداقُه لأزواجه ثنتي عشْرة أوقية ونشًّا، قالت: أتدري ما النَّشُّ؟ قال: قلت: نصف أوقية، فتلك خمسمائة درهم»(94) .

(3) خاتم

صفحة مطبوعة 59 · ورقة PDF 60رابط الصفحة المنفردة

من حديد: عندما جاءت امرأةٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم تعرض عليه النكاح، قام أحد الصحابة يُريدُ نكاحًا، فقال له: «التمس ولو خاتمًا من حديد»(95)

(4) العتق والحرية: كان أنسُ بن مالك — رضي الله عنه — يقول: «سبى النبيُّ — صلى الله عليه وسلم — صفيَّةَ، فأعتقها، وتزوجها، فقال ثابت لأنس: ما أصدَقَها؟ قال: أصدقها نفسها، فأعتقها»(96) ، وذكر ابن حجر: أن صفية — رضي الله عنها — قالت: «أعتقني النبي — صلى الله عليه وسلم — وجعَل عِتقي صداقي»، قال ابن الصلاح: معناه أن العتق يحل محل الصداق، وإن لم يكن صداقًا، وقال ابن الجوزي: فإن قيل: ثواب العتق عظيم، فكيف فَوَّتَهُ حيث جعله مهرًا، وكان يمكن جعل المهر غيره؟ فالجواب: أن صفيةَ بنتُ ملِكٍ، ومثلها لا يقنع إلا بالمهر الكثير، ولم يكن عنده — صلى الله عليه وسلم — إذ ذاك ما يُرضيها به، ولم يُرِدْ أن يقصر فجعل صداقها نفسها، وذلك عندها أشرفُ من المال الكثير(97) .

(5) أداة الحرب كالدرع: لما تزوج عليٌّ — رضي الله عنه — فاطمة — رضي الله عنها — قال له رسول الله — صلى الله عليه وسلم —: «أعطِها شيئًا»، قال: ما عندي، قال: «فأين دِرْعُك الحُطَمِيَّة؟»(98) .

(2) التصريح بالحب

لا ينقص من هيبة الرجل، ولا من وقاره أبدًا أن يصرح بحبه لزوجته، وقد صرح النبي — صلى الله عليه وسلم — بحبه لأم المؤمنين خديجة في أكثر من موضع.

صفحة مطبوعة 60 · ورقة PDF 61رابط الصفحة المنفردة

عن عائشة — رضي الله عنها — قالت: ما غِرْتُ على أحد من نساء النبي — صلى الله عليه وسلم — ما غِرْتُ على خديجة وما رأيتها، ولكن كان النبي — صلى الله عليه وسلم — يكثر ذكرها — وفي رواية(99) : لكثرة ذكره إياها، وثنائه عليها — وربما ذبح الشاة، ثم يُقطِّعها أعضاءً، ثم يبعثها في صدائق خديجة، فربما قلت له: كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة! فيقول: «إنَّها كانت، وكانت، وكان لي منها ولد»(100) .

وعن عائشة ‑ رضي الله عنها ‑، قالت: استأذنت هالة بنت خويلد، أخت خديجة، على رسول الله — صلى الله عليه وسلم —، فعرف استئذان خديجة فارتاع لذلك، فقال: «اللهم هالة». قالت: فغرت، فقلت: ما تذكر من عجوز من عجائز قريش، حمراء الشدقين، هلكت في الدهر، قد أبدلك الله خيرًا منها»(101) .

وفي رواية أحمد: «ما أبدلني الله — عز وجل — خيرًا منها، قد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله ولدها؛ إذ حرمني أولاد النساء»(102) .

ولم يمنعه حبه لعائشة أن يصرح بفضل خديجة، ومكانها في قلبه،

صفحة مطبوعة 61 · ورقة PDF 62رابط الصفحة المنفردة

فقال لعائشة: «إنِّي قد رزقت حبَّها»(103) كما صرَّح النبي صلى الله عليه وسلم بحبه لأم المؤمنين عائشة، فقد جاء في الصحيح عن عمرو بن العاص أنَّه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم أيُّ الناس أحبُّ إليك؟ قال: «عائشة»(104)

وعلى هذا الهدي سار صحابة رسول الله — صلى الله عليه وسلم —.

جاء رجل إلى عمر — رضي الله عنه — يشكو إليه خُلق زوجته، فوقف ببابه ينتظره، فسمع امرأته تستطيل عليه بلسانها، وهو ساكت لا يرد عليها، فانصرف الرجل قائلًا: إذا كان هذا حال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فكيف حالي؟ فخرج عمر فرآه موليًا فناداه: ما حاجتك يا أخي؟ فقال: يا أمير المؤمنين جئت أشكو إليك خُلق زوجتي واستطالتها علي، فسمعتُ زوجتك كذلك، فرجعتُ وقلتُ: إذا كان هذا حال أمير المؤمنين مع زوجته، فكيف حالي؟ فقال عمر: تحمَّلتُها لحقوق لها علي؛ فإنَّها طباخة لطعامي، خبازة لخبزي، غسالة لثيابي، مرضعة لأولادي، وليس ذلك بواجب عليها، وسكن قلبي بها عن الحرام، فأنا أتحملها لذلك. فقال الرجل: يا أمير المؤمنين وكذلك زوجتي. قال: فتحملها يا أخي فإنما هي مدة يسيرة(105) .

وهذا الخبر ممَّا اشتهر على الألسنة، وإن لم يعرف له إسناد، لكن يكفينا المعنى المستفاد منه، وهو هدي نبوي أنَّ الحب لا يسقط بين

صفحة مطبوعة 62 · ورقة PDF 63رابط الصفحة المنفردة

الزوجين ولو كان هناك صفة لا يرضاها الزوج؛ فإنَّه يذكر لها صفات أخرى كثيرة يحبها.

عن أبي هريرة — رضي الله عنه —، قال: قال رسول الله — صلى الله عليه وسلم —: «لا يَفْرَك مؤمنٌ مؤمنةً، إن كره منها خلقًا رضي منها آخر»، أو قال: «غيره»(106) .

(3) المعاشرة الزوجية

شرع الإسلام المعاشرة الزوجية للاستمتاع الطيب، وأباح ممارستها في عامة الظروف والأحوال، وجعل مجالات الحظر محدودة للغاية، وذلك في فترة الحج عندما يكون كل من الزوجين في حالة الإحرام، وفيما إذا كان كل من الزوجين، أو أحدهما صائمًا، وفيما إذا كانت المرأة في حالتي الحيض والنفاس، بل إنَّ الحق — تبارك وتعالى — قد قرر بأن حب الشهوات من النساء من متع الحياة فقال: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلۡبَنِينَ وَٱلۡقَنَٰطِيرِ ٱلۡمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلۡفِضَّةِ وَٱلۡخَيۡلِ ٱلۡمُسَوَّمَةِ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ وَٱلۡحَرۡثِۗ ذَٰلِكَ مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسۡنُ ٱلۡمَ‍َٔابِ١٤﴾ [آل عمران: ١٤]، وقد أكد النبي — صلى الله عليه وسلم — هذا المعنى عندما قال: «الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة»(107) .

وإذا كانت المرأة من أفضل متع الحياة، فلا غرابة أن نجدها من

صفحة مطبوعة 63 · ورقة PDF 64رابط الصفحة المنفردة

الأمور التي حببت إلى النبي صلى الله عليه وسلم

عن أنس — رضي الله عنه — قال: قال رسول الله — صلى الله عليه وسلم —: «حُبِّبِ إليَّ من الدنيا: النساء والطِّيب، وجُعِلَ قرة عيني في الصلاة»(108) .

ولما أراد عثمان بن مظعون أن يتبتل نهاه رسول الله — صلى الله عليه وسلم(109) — . وقال له: «إن الله قد أبدلنا بالرهبانية الحنيفية السمحة»(110) .

ولما قرر بعض أصحابه ألا يتزوج النساء، قال النبي — صلى الله عليه وسلم —: «... أما والله إنِّي لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني»(111) .

بل علم النبي — صلى الله عليه وسلم — أنَّ المعاشرة الزوجية مع النية الصالحة قد يكون فيها أجر، فقال: «وفي بُضع أحدكم صدقة»، قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: «أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجرٌ»(112) .

وقال صلى الله عليه وسلم لأبي ذر رضي الله عنه ضمن وصية جامعة له: «ولك في جِماعِكَ زوجتَك أجر»، قال أبو ذر: «كيف يكون لي أجْر في شهوتي؟»، فقال صلى الله عليه وسلم «أرأيت لو كان لك ولد، فأدرك، ورجوتَ خيره، فمات، أكنت تحتسب

صفحة مطبوعة 64 · ورقة PDF 65رابط الصفحة المنفردة

به؟»، قلت: «نعم»، قال: «فأنت خلقتَه؟»، قال: «بل الله خلقه»، قال: «فأنت هديتَه؟»، قال: «بل الله هداه»، قال: «فأنت ترزقه؟»، قال: «بل الله كان يرزقه»، قال: «كذلك فَضَعهُ في حلاله، وجَنبهُ حرامَهُ، فإن شاء الله أحياه، وإن شاء أماته، ولك أجر»(113)

ومن قصَّر فيها فقد قصَّر في أداء الحقوق المترتبة عليه، يدل على ذلك قوله — صلى الله عليه وسلم —: «وإن لزوجك عليك حقًّا...»(114) .

وعن عائشة — رضي الله عنها — قالت: «دخلت عَليَّ خويلة بنت حكيم بن أمية بن حارثة بن الأوقص السلمية، وكانت عند عثمان بن مظعون، قالت: فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذاذة هيئتها، فقال لي: «يا عائشة ما أبذَّ هيئة خويلة؟»، قالت: فقلت: «يا رسول الله امرأة لا زوج يصوم النهار، ويقوم الليل، فهي كمن لا زوج لها، فتركت نفسها، وأضاعتها»، قالت: فبعث رسول الله — صلى الله عليه وسلم — إلى عثمان بن مظعون، فجاءه، فقال: «يا عثمان أرغبةً عن سنتي؟!»، قال: فقال: «لا والله يا رسول الله، ولكن سُنَّتكَ أطلبُ»، قال: «فإنِّي أنام وأصلي، وأصوم وأفطر، وأنكح النساء، فاتق الله يا عثمان؛ فإنَّ لأهلك عليك حقًّا، وإن لضيفك عليك حقًّا، وإن لنفسك عليك حقًّا، فصم وأفطر، وصل ونم»(115) .

ولم يكتفِ

صفحة مطبوعة 65 · ورقة PDF 66رابط الصفحة المنفردة

النبي صلى الله عليه وسلم بتقريره حقًّا، بل ذهب إلى أبعد من ذلك عندما عدَّ المرأة الصالحة من السعادة، فقال: «أربع من السعادة: المرأة الصالحة، والمسكن الواسع، والجار الصالح، والمركب الهنيء»(116)

وللزوجة حق أن تشكو زوجها، لتقصيره في حقها.

عن الشعبي قال: جاءت امرأة إلى عمر، فقالت: زوجي خير الناس يقوم الليل، ويصوم النهار، فقال عمر: «لقد أحسنتِ الثناء على زوجك».

فقال كعب بن سور: لقد اشتكت فأعرضت الشكية. فقال عمر: «اخرج ممَّا قلت». قال: أرى أن تنزله بمنزلة رجل له أربع نسوة، له ثلاثة أيام ولياليهن، ولها يوم وليلة(117) .

وعن الشعبي قال: أتت امرأةٌ عمرَ فقالت: يا أمير المؤمنين، زوجي خير الناس؛ يصوم النهار، ويقوم الليل، والله إنِّي لأكره أن أشكوه، وهو يعمل بطاعة الله — عز وجل — والسلام عليكم ورحمة الله. فقال كعب بن سور: ما رأيت كاليوم شكوى أشد، ولا عدوى أجمل.

فقال عمر: «ما تقول؟»

قال: تزعم أنه ليس لها من زوجها نصيب.

صفحة مطبوعة 66 · ورقة PDF 67رابط الصفحة المنفردة

قال: «فإذا فهمت ذلك فاقض بينهما».

قال: يا أمير المؤمنين أحل الله من النساء مثنى وثلاث ورباع، فلها من كل أربعة أيام يوم يفطر، ويقيم عندها، ومن كل أربع ليال ليلة يبيت عندها(118) .

ويروى أن عمر — رضي الله عنه — كان يطوف في المدينة، فسمع امرأة وهي مغلقة عليها بابها، تقول:

تطاول هذا الليلُ ما تَمُرُّ كواكبُهوأرَّقني ألَّا ضجيعٌ ألاعبُهْ
فوالله لولا الله لا شيء غيرهلَحُرِّكَ من هذا السرير جوانبه
وبِتُّ أُلاهي غيرَ بِدْعٍ مُلَعَّنٍلطيف الحشا لا يحتويهِ مُصاحِبُه
يُلاعبني طورًا وطورًا كأنمابدا قمرًا في ظلمةِ الليل حاجبُه
يُسَرُّ به من كان يلهو بقربهيُعاتبني في حُبِّهِ أو أُعاتِبُه
ولكنني أخشى رقيبًا مُوَكَّلًابأنفسنا لا يَفْتُرُ الدهرَ كاتبُه

ثم تنفست الصعداء، وقالت: «لهان على ابن الخطاب وحشتي في بيتي، وغيبة زوجي عني، وقلة نفقتي»، فقال لها عمر: «رحمكِ الله»، فلما أصبح بعث إليها بنفقة وكسوة، وكتب إلى عامله يُسَرِّع إليها زوجها(119) .

وقيل:

صفحة مطبوعة 67 · ورقة PDF 68رابط الصفحة المنفردة

إن عمر رضي الله عنه أوَّه، ثم خرج، حتى دخل على حفصة أم المؤمنين رضي الله عنها فقالت: «يا أمير المؤمنين، ما جاء بك في هذا الوقت؟»، قال: «أي بنية كم تحتاج المرأة إلى زوجها؟»، فقالت: «في ستة أشهر»، فكان لا يغزي جيشًا له أكثر من ستة أشهر. وفي بعض الروايات تحديد المدة بأربعة أشهر، وقيل: «إن عمر كتب إلى أمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم من أهل المدينة، فأمرهم إما أن يرجعوا إلى نسائهم، وإما أن يفارقوا، فمن فارق منهم فليبعث بنفقة ما ترك، وأن تكون النفقة على قدر السعة»(120)

(4) الترفيه والملاعبة

من آداب التعامل مع الزوجة أن يلاطف الرجل زوجته ويلاعبها، وقد علَّم النبي — صلى الله عليه وسلم — الصحابة ذلك، وفي تعامله — صلى الله عليه وسلم — مع زوجاته كان يأذن لهن باللهو المباح، ومن ذلك:

إقراره النظر إلى اللهو المباح

يدل على ذلك ما جاء عن عائشة رضي الله عنها قالت: وكان يوم عيد يلعب فيه السودان بالدَّرَقِ والحراب، فإما سألت النبي صلى الله عليه وسلم وإما قال: «تشتهين تنظرين؟». قلت: نعم، فأقامني وراءه، خدي على خده، وهو يقول: «دونكم يا بني أَرْفِدة»، حتى إذا مللتُ قال: «حسبك؟» قلت:

صفحة مطبوعة 68 · ورقة PDF 69رابط الصفحة المنفردة

نعم. قال: «فاذهبي»(121)

كان هذا في يوم العيد، وكذلك في غير يوم العيد، فقد جاء عن عائشة — رضي الله عنها — أنَّها قالت: «ولما قدم وفد الحبشة على رسول الله — صلى الله عليه وسلم — قاموا يلعبون في المسجد فرأيت رسول الله — صلى الله عليه وسلم — يسترني بردائه، وأنا أنظر إليهم، وهم يلعبون في المسجد، حتى أكون أنا الذي أسأم، فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن، الحريصة على اللهو»(122) .

وفي رواية أخرى: قالت: «لقد رأيت رسول الله — صلى الله عليه وسلم — يومًا على باب حجرتي، والحبشة يلعبون بحرابهم في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم»(123) .

وفي رواية قالت: «كان رسول الله — صلى الله عليه وسلم — جالسًا، فسمعنا لغطًا وصوت صبيان، فقام رسول الله — صلى الله عليه وسلم — فإذا حبشية تزفن، والصبيان حولها، فقال: «يا عائشة، تعالي فانظري»، فجئت فوضعت لَحْيَيَّ على منكب رسول الله — صلى الله عليه وسلم —، فجعلت أنظُر إليها ما بين المنكب إلى رأسه، فقال لي: «أما شبعتِ، أما شبعتِ؟»، قالت: فجعلتُ أقول: لا؛ لأنظر منزلتي عنده، إذ طلع عمر، قال: فارفضَّ الناس عنها، قالت: فقال رسول الله — صلى الله عليه وسلم —: «إني لأرى شياطين الأنس والجن قد فروا من عمر»، قالت: فرجعت»(124) .

صفحة مطبوعة 69 · ورقة PDF 70رابط الصفحة المنفردة

وفي رواية أنَّ النبي — صلى الله عليه وسلم — قال يومئذٍ: «لتعلم اليهود أن في ديننا فسحة، إني أُرسِلت بحنيفية سمحة»(125) .

وقد ورد حديث آخر يبين لنا بعض ما كانت الحبشة تقول في لعبهم ذلك، وهو: ما جاء عن أنس — رضي الله عنه —: أن الحبشة كانوا يزفنون بين يدي رسول الله — صلى الله عليه وسلم —، ويتكلمون بكلام لا يفهمه، فقال رسول الله — صلى الله عليه وسلم —: «ما يقولون؟»، قالوا: يقولون: محمد عبد صالح(126) .

إقراره — صلى الله عليه وسلم — أهله على سماع الغناء المباح من الجارية يوم العيد

يدل على ذلك ما جاء عن عائشة — رضي الله عنها — قالت: «دخل عليَّ رسول الله — صلى الله عليه وسلم — في يوم فطر — أو أضحى — وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بغناء بُعاث، قالت: وليستا بمغنيتين، فاضطجع على الفراش، وحوَّل وجهه، ودخل أبو بكر فانتهرني، وقال: مزمارة الشيطان عند النبي — صلى الله عليه وسلم —! فأقبل عليه رسول الله — عليه السلام — فقال: «دعهما يا أبا بكر، إن لكل قوم عيدًا، وهذا عيدنا. فلما غفل غمزتهما فخرجتا»(127) .

سماحهُ لهنَّ بمصاحبة النساء، واللهو معهن

ومن نماذج ذلك ما جاء عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كنت ألعب بالبنات عند النبي صلى الله عليه وسلم وكان لي صواحب يلعبن معي، فكان رسول

صفحة مطبوعة 70 · ورقة PDF 71رابط الصفحة المنفردة

الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل يتَقمَّعْنَ منه فيُسَرِّبُهُنَّ إليَّ فيلعبن معي»(128)

ممارسة الرياضة البدنية

يدل على ذلك ما جاء عن عائشة — رضي الله عنها — أنَّها كانت مع رسول الله — صلى الله عليه وسلم — في سفر، وهي جارية قالت: لم أحمل اللحم ولم أَبْدُن، فقال لأصحابه: «تقدموا» فتقدموا.

ثم قال لي: «تعالي حتى أسابقك»، فسابقته فسبقته على رجلي، فلما كان بعدُ، خرجت معه في سفر، فقال لأصحابه: «تقدموا»، ثم قال: «تعالي حتى أسابقك»، ونسيت الذي كان، وقد حملت اللحم، فقلت: كيف أسابقك يا رسول الله، وأنا على هذه الحال؟! فقال: «تفعلين»، فسابقته فسبقني، فجعل يضحك، وقال: «هذه بتلك السبقة»(129) .

إقراره المزاح والدعابة وتبسمه لهما

يدل على ذلك ما جاء عن عائشة — رضي الله عنها — قالت: «زارتنا سودة يومًا، فجلس رسول الله — صلى الله عليه وسلم — بيني وبينها، إحدى رجليه في حجري، والأخرى في حجرها، فعملتُ له حَريرة... فقلت: كُلي، فأبت.

فقلت: لتأكلي أو لألطخن وجهك فأبت، فأخذتُ من القصعة شيئًا

صفحة مطبوعة 71 · ورقة PDF 72رابط الصفحة المنفردة

فلطختُ به وجهها، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجله من حجرها تستقيد مني، فأخذتْ من القصعة شيئًا فلطختْ به وجهي، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك...»(130)

ومن الأمثلة على الدعابة اللطيفة، وتبسمه لهنَّ ما جاء عن عائشة — رضي الله عنها — قالت: رجع رسول الله — صلى الله عليه وسلم — من جنازة بالبقيع، فوجدني وأنا أجد صداعًا في رأسي، وأنا أقول: وارأساه، فقال: بل أنا يا عائشة وارأساه، ثم قال: «ما ضرك لو مِتِّ قبلي، فقمتُ عليك، فغسلتك، وكفنتك، وصليتُ عليك، ودفنتك؟».

فقالت: لكأني بك — والله — لو فعلت ذلك، لرجعتَ إلى بيتي، فعرست فيه ببعض نسائك. قالت: فتبسم رسول الله — صلى الله عليه وسلم —، ثم بدئ بوجعه الذي مات فيه...»(131) .

ويخطئ كثيرٌ من الرجال حين يظنون أن التبسط مع المرأة، وحُسن معاشرتها، والتلطُّف معها، ومشاركتها في بعض شؤون بيتها — تعتبر ضعفًا منه، وسيطرةً لها عليه، فتراهم يصرُّون على أن تكون كلمتهم هي الأولى والأخيرة، ورأيهم هو النافذَ الذي لا يَقبل المراجعة أو المحاورة.

صفحة مطبوعة 72 · ورقة PDF 73رابط الصفحة المنفردة

وهذا ليس من القوة أو الرجولة في شيء، وليس من أخلاق الكرام؛ فإنَّ الكريم مَن غلبه أهلُه داخلَ بيته؛ لسماحته وحسن معاشرته، وغلب الأعداءَ خارج بيته؛ لرجولته وقوَّته.

قال رجل لمعاوية — رضي الله عنه —: «يا أمير المؤمنين، كيف ننسبك إلى العقل وقد غلبك نصفُ إنسان؟ — يعني زوجته — فقال معاوية: يا هذا، إنهن يغلبن الكرامَ، ويغلبهن اللئامُ»(132) .

وقال عمر بن الخطاب — رضي الله عنه —: «ينبغي أن يكون الرجل بين أهله كالصبي، فإذا التمسوا ما عنده، وجدوا رجلًا»(133) .

(5) التشاور مع الزوجة

من آداب التعامل مع الزوجة: أن يتشاور معها، ليس فقط في شئون البيت، وإنَّما قد تكون المشورة في أمور أخرى، وقد رأينا كيف كانت مشورة أم المؤمنين أم سلمة — رضي الله عنها — فيها الخير للمسلمين جميعًا.

عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قالا: «... فلما فرغ — أي رسول الله صلى الله عليه وسلم — من قضية الكتاب — أي: كتاب صلح الحديبية — قال رسول الله — صلى الله عليه وسلم — لأصحابه: «قوموا فانحروا ثم احلقوا».

صفحة مطبوعة 73 · ورقة PDF 74رابط الصفحة المنفردة

قال: فوالله ما قام منهم رجلٌ حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس.

فقالت أم سلمة: يا نبي الله أتحب ذلك؟ أخرج ثم لا تكلم أحدًا منهم كلمة، حتى تنحر بُدنك، وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج فلم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك، نحر بُدنه، ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضًا...»(134) .

ويتأكد مثل هذا التشاور في القضايا التي لها أثر كبير في حياة الأبناء والبنات ومستقبلهم، يدل على ذلك ما جاء عن أنس قال: خطب رسول الله — صلى الله عليه وسلم — على جُليبيب امرأةً من الأنصار إلى أبيها، قال: حتى أستامر أمها — أي حتى أستشير أمها —، قال: «فنعم إذن»، قال: فانطلق الرجل إلى امرأته فذكر ذلك لها...»(135) .

وفي رواية أخرى: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل من الأنصار: «زوجني ابنتك»، فقال: نعم وكرامة يا رسول الله، ونُعْمَ عيني أي نكرمك، ونسر عينك بها قال: «إني لست أريدها لنفسي»، قال: فلمن يا رسول الله؟ قال: «لجُليبيب»، قال: فقال: يا رسول الله أشاور أمها، فأتى أمها، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب ابنتك، فقالت: ونعمت عيني، زوِّج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أنه ليس يخطبها لنفسه، إنما

صفحة مطبوعة 74 · ورقة PDF 75رابط الصفحة المنفردة

يخطبها لجليبيب، قالت: حَلْقَى أجليبيب...؟ لا، لعمر الله، لا أزوج جُليبيبًا، فلما قام أبوها ليأتي النبي صلى الله عليه وسلم قالت الفتاة من خدرها لأمها: من خطبني إليكما؟ قالا: رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت أتردون على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره؟ ادفعوني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنَّه لن يضيعني، فذهب أبوها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: شأنك بها، فزوَّجها جليبيبًا...»(136)

(6) التعامل مع الغيرة

ممَّا يقع في طبيعة النساء: الغيرة، وقد تكون زائدة بصورة تؤدي إلى مشكلات، وفي هدي رسول الله — صلى الله عليه وسلم — وآل البيت نتعلم كيف يكون التعامل مع الغيرة.

عن عائشة — رضي الله عنها — قالت: قلت يا رسول الله أرأيت لو نزلت واديًا وفيه شجرة قد أُكل منها، ووجدت شجرًا لم يؤكل منها، في أيِّها كنت تُرتع بعيرك؟

قال: «في الذي لم يُرتع منها»، زاد في رواية البيهقي: قالت: فأنا هي؛ يعني أن رسول الله — صلى الله عليه وسلم — لم يتزوج بكرًا غيرها(137) .

وفي رواية أخرى: قالت: دخل عليَّ يومًا رسول الله — صلى الله عليه وسلم —، فقلت: أين كنت منذ اليوم؟ قال: «يا حميراء كنت عند أم سلمة».

صفحة مطبوعة 75 · ورقة PDF 76رابط الصفحة المنفردة

فقلت: ما تشبع من أم سلمة؟ قالت: فتبسم.

ثم قلت: يا رسول الله، ألا تخبرني عنك لو أنك نزلت بعدوتين إحداهما لم تُرْعَ، والأخرى قد رُعِيت أيهما كنت ترعى؟

قال: «التي لم تُرْعَ».

قلت: فأنا لست كأحدٍ من نسائك، كل امرأة من نسائك كانت عند رجل غيري.

قالت: فتبسم رسول الله — صلى الله عليه وسلم(138) — .

وهنا نرى أن رسول الله — صلى الله عليه وسلم — تعامل مع غيرة أم المؤمنين عائشة، بالابتسامة، والدعابة اللطيفة، وانتهى الأمر.

وفي موقف آخر استخدم النبي — صلى الله عليه وسلم — أسلوب التغافل والسكوت، حتى لا تتفاقم المشكلة.

ومن الأمثلة على ذلك ما جاء عن أنس — رضي الله عنه — أنه قال: كان للنبي — صلى الله عليه وسلم — تسع نسوة، فكان إذا قسم بينهن لا ينتهي إلى المرأة الأولى إلَّا في تسع، فكن يجتمع كل ليلة في بيت التي يأتيها. فكان في بيت عائشة، فجاءت زينب فمدَّ يده إليها.

فقالت: هذه زينب، فكف النبي — صلى الله عليه وسلم — يده. فتقاولنا حتى اسْتَخَبَتَا، وأقيمت الصلاة.

صفحة مطبوعة 76 · ورقة PDF 77رابط الصفحة المنفردة

فمرّ أبو بكر على ذلك، فسمع أصواتهما.

فقال: اخرج يا رسول الله إلى الصلاة، واحث في أفواههن التراب. فخرج النبي — صلى الله عليه وسلم —.

فقالت عائشة: الآن يقضي النبي — صلى الله عليه وسلم — صلاته فيجيء أبو بكر فيفعل بي ويفعل.

فلما قضى النبي — صلى الله عليه وسلم — صلاته أتاها أبو بكر، فقال لها قولًا شديدًا.

وقال: «أتصنعين هذا؟»(139) .

وواضح من هذا الحديث أنَّ النبي — صلى الله عليه وسلم — لم يباشر معالجة الموقف في قمة ثورته؛ بل تغاضى عنه، وانصرف إلى الصلاة، وقد عالجها أبو بكر — رضي الله عنه — خير معالجة؛ إذ زجر عائشة على ما بدر منها.

ولم يكن رسول الله — صلى الله عليه وسلم — يكتفي بهذا الأسلوب فقط، بل كان — عليه الصلاة والسلام — يحول بين هذا الطرف الثالث — حتى ولو كان أبًا — وبين الإساءة إلى الزوجة، وبذلك تشعر هذه الزوجة أن زوجها أرأف بها من أبيها.

يدل على ذلك ما جاء عن النعمان بن بشير قال: أستأذن أبو بكر على النبي صلى الله عليه وسلم

صفحة مطبوعة 77 · ورقة PDF 78رابط الصفحة المنفردة

فسمع صوت عائشة عاليًا، وهي تقول: والله لقد علمتُ أن عليًّا أحبُّ إليك من أبي.

فأهوى إليها أبو بكر ليلطمها، وقال: يا ابنة أم رومان، أراك ترفعين صوتك على رسول الله — صلى الله عليه وسلم —؟ فأمسكه رسول الله — صلى الله عليه وسلم —، وخرج أبو بكر مغضبًا، فقال رسول الله — صلى الله عليه وسلم —: «يا عائشة، كيف رأيتني، أنقذتك من الرجل».

— في رواية مسند أحمد: فلما خرج أبو بكر جعل النبي — صلى الله عليه وسلم — يترضاها يقول لها: «ألا ترين أني حلت بين الرجل وبينك».

ثم استأذن أبو بكر بعد ذلك، وقد اصطلح رسول الله — صلى الله عليه وسلم — وعائشة.

— وفي رواية مسند أحمد: فوجده يضاحكها.

فقال أبو بكر: أدخلاني في السلم كما أدخلتماني في الحرب.

فقال رسول الله — صلى الله عليه وسلم —: «قد فعلنا»(140) .

لهذا كانت وصية الصحابة — رضوان الله عليهم — بالصبر على غضب الزوجة وغيرتها.

عن نعيم

صفحة مطبوعة 78 · ورقة PDF 79رابط الصفحة المنفردة

بن حنظلة، قال: قدم جرير بن عبد الله على عمر، فشكا إليه ما يلقى من النساء من سوء أخلاقهن، قال: فقال عمر: إني ألقى مثل ما تلقى منهن، إني لآتي، «قال: السوق أو الناس»، أشتري منهم الدابة، أو الثوب فتقول المرأة: إنما انطلق ينظر إلى فتاتهم أو يخطب إليهم، قال: فقال عبد الله بن مسعود: أوما تعلم أن شكا إبراهيم من درء في خلق سارة، فأوحى الله إليه: إنما هي من ضلعٍ فخذ الضلع، فأقمه، فإن استقام، وإلا فالبسها على ما فيها(141)

(7) الوعظ والتذكير بالله والدعاء

الرجل هو المسؤول عن البيت؛ لهذا كان الأمر من رب العالمين أن يحرص الرجل على نجاة أهله، وسلامة دينهم، قال — تعالى —: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَأَهۡلِيكُمۡ نَارٗا﴾ [التحريم: ٦].

وقال — عليه الصلاة والسلام —: «كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته...، والرجل راعٍ في أهله، وهو مسؤول عن رعيته...»(142) .

قال علي — رضي الله عنه — في قوله — تعالى —: ﴿قُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَأَهۡلِيكُمۡ نَارٗا﴾: «علموا أنفسكم وأهليكم الخير، وأدبوهم»(143) .

صفحة مطبوعة 79 · ورقة PDF 80رابط الصفحة المنفردة

ولهذا كان من آداب التعامل مع الزوجة: أن يعظ الرجل أهله، ويذكرهم بالله إذا رأى منهم خطأً.

ومن أمثلة ذلك ما جاء عن عائشة — رضي الله عنها — قالت: قلت للنبي — صلى الله عليه وسلم —: حسبك من صفية كذا وكذا؛ تعني: قصيرة. فقال: «لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته».

قالت: وحكيت له إنسانًا، أي: بأن أفعل مثل فعله، أو أقول مثل قوله على وجه التنقيص.

فقال: «ما أحب أني حكيت إنسانًا، وأن لي كذا وكذا»(144) .

ومن الوعظ والتذكير بالله: أن يدعو الرجل لزوجته.

يدل على ذلك ما جاء عن عائشة — رضي الله عنها — قالت: دخل رسول الله — صلى الله عليه وسلم —، وأنا غضبي، فأخذ بطرف المفصل من أنفي، فعركه، ثم قال: «يا عويش، قولي: اللهم اغفر لي ذنبي، وأذهب غيظ قلبي، وأجرني من الشيطان»(145) .

وفي رواية: كانت عائشة رضي الله عنها إذا غضبت عرك النبي صلى الله عليه وسلم بأنفها

صفحة مطبوعة 80 · ورقة PDF 81رابط الصفحة المنفردة

ثم يقول: «يا عويش، قولي: اللهم رب محمد اغفر لي ذنبي، وأذهب غيظ قلبي، وأجرني من مضلات الفتن»(146)

وفي رواية: كان رسول الله — صلى الله عليه وسلم — إذا غضب على عائشة وضع يده على منكبها، فقال: «اللهم اغفر لها ذنبها، وأذهب غيظ قلبها، وأعذها من مضلات الفتن»(147) .

وكان عروة بن الزبير — رضي الله عنه — إذا دخل على أهل الدنيا، فرأى من دنياهم طرفًا، فإذا رجع إلى أهله، فدخل الدار، قرأ: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيۡنَيۡكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعۡنَا بِهِۦٓ أَزۡوَٰجٗا مِّنۡهُمۡ زَهۡرَةَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا لِنَفۡتِنَهُمۡ فِيهِۚ وَرِزۡقُ رَبِّكَ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰ١٣١﴾ [طه: ١٣١]، ثم يقول: «الصلاةَ الصلاة، رحمكم الله»(148) .

وكان عمر بن الخطاب — رضي الله عنه — يصلي من الليل ما شاء الله — تعالى — أن يصلي، حتى إذا كان آخر الليل أيقظ أهله للصلاة، ويقول لهم: «الصلاةَ، الصلاةَ»، ويتلو هذه الآية: ﴿وَأۡمُرۡ أَهۡلَكَ بِٱلصَّلَوٰةِ﴾ [طه: ١٣٢](149) .

صفحة مطبوعة 81 · ورقة PDF 82رابط الصفحة المنفردة

(8) التأديب عند الحاجة

قد يصل الخلاف أحيانًا لدرجة يحتاج فيها الزوج إلى تأديب زوجته، لكن التأديب يكون على قدر الخطأ، ومن الأساليب التي استعملها رسول الله — صلى الله عليه وسلم — في معالجة الخلافات الزوجية أسلوب التأديب بالدفع. يدل على ذلك ما جاء عن عائشة — رضي الله عنها — أنَّها قالت: ألا أحدثكم عن رسول الله — صلى الله عليه وسلم — وعني؟

قلنا: بلى.

قالت: لما كانت ليلتي التي كان النبي — صلى الله عليه وسلم — فيها عندي، انقلب، فوضع نعليه عند رجليه، ووضع رداءه، وبسط طرف إزاره على فراشه، فلم يلبث إلا ريثما ظن أني قد رقدت.

ثم انتقل رويدًا، وأخذ رداءه رويدًا، ثم فتح الباب رويدًا، وخرج فأجافه رويدًا.

قالت: وجعلت درعي في رأسي، واختمرت، وتقنَّعتُ إزاري، وانطلقت في أثره.

فجاء صلى الله عليه وسلم البقيع، فرفع يديه ثلاث مرات، وأطال القيام ثم انحرف، فانحرفت، فأسرعت، وهرول، فهرولت، فأحضر، فأحضرت، وسبقته فدخلت، فليس إلَّا أن اضطجعت، فدخل فقال: «ما لكِ

صفحة مطبوعة 82 · ورقة PDF 83رابط الصفحة المنفردة

يا عائشة، حشيا رابية؟»(150)

قلت: لا شيء يا رسول الله.

قال: «لتخُبريني، أو ليُخبرنِّي اللطيف الخبير».

قلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، فأخبرته الخبر.

قال: «فأنت السواد الذي رأيتُ أمامي؟».

قلت: نعم.

قالت: فلهدني لهدة في صدري أوجعتني.

ثم قال: «أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله؟!».

قالت: مهما يكتم الناس، فقد علمه الله.

قال: «نعم؛ فإنَّ جبريل أتاني حين رأيت، ولم يكن يدخل عليك، وقد وضعت ثيابك، فناداني فأخفى منك، فأجبته، فأخفيتُ منك، وظننت أن قد رقدت، فكرهت أن أوقظك، وخشيت أن تستوحشي. فقال: إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم...»(151) .

صفحة مطبوعة 83 · ورقة PDF 84رابط الصفحة المنفردة

والشاهد في هذا الحديث قول السيدة عائشة: «فلهدني لهدة في صدري أوجعتني».

واللهد كما قال علماء اللغة هو: الدفع الشديد في الصدر.

قال العلامة السندي رحمه الله

صفحة مطبوعة 85 · ورقة PDF 85رابط الصفحة المنفردة

صفحة مطبوعة 86 · ورقة PDF 86رابط الصفحة المنفردة

وهذا كان تأديبًا لها من سوء الظن(152)

الفصل الثالث

آداب التعامل مع البنت

الفصل الثالث

صفحة 87 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعةتفاصيل الصفحة
صفحة مطبوعة 87 · ورقة PDF 88رابط الصفحة المنفردة

آداب التعامل مع البنت

كان العرب في الجاهلية لا يُحبون البنات، وقد وصَف كتاب الله حالة مَن يُبلَّغ ولادة ابنة له، فقال — سبحانه —: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِٱلۡأُنثَىٰ ظَلَّ وَجۡهُهُۥ مُسۡوَدّٗا وَهُوَ كَظِيمٞ٥٨ يَتَوَٰرَىٰ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ مِن سُوٓءِ مَا بُشِّرَ بِهِۦٓۚ أَيُمۡسِكُهُۥ عَلَىٰ هُونٍ أَمۡ يَدُسُّهُۥ فِي ٱلتُّرَابِۗ أَلَا سَآءَ مَا يَحۡكُمُونَ٥٩﴾ [النحل: 58 — ٥٩].

ومن سوء أدبهم وفساد عقيدتهم أنهم يجعلون لله البنات — سبحانه — ولهم ما يشتهون من الذكور؛ قال — سبحانه —: ﴿وَيَجۡعَلُونَ لِلَّهِ ٱلۡبَنَٰتِ سُبۡحَٰنَهُۥ وَلَهُم مَّا يَشۡتَهُونَ٥٧﴾ [النحل: ٥٧]، وقد أنكر الله عليهم هذه العقيدة الباطلة فقال: ﴿أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخۡلُقُ بَنَاتٖ وَأَصۡفَىٰكُم بِٱلۡبَنِينَ١٦ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحۡمَٰنِ مَثَلٗا ظَلَّ وَجۡهُهُۥ مُسۡوَدّٗا وَهُوَ كَظِيمٌ١٧﴾ [الزخرف: ١٧].

بل قد يَعمد بعضهم إلى وأد ما يأتيه من البنات، وهذا أمر مُنكَر؛ قال — تعالى —: ﴿وَإِذَا ٱلۡمَوۡءُۥدَةُ سُئِلَتۡ٨ بِأَيِّ ذَنۢبٖ قُتِلَتۡ٩﴾ [التكوير: ٩].

وجاء الإسلام فحرَّم قتل الأولاد من بنين وبنات؛ قال تعالى ﴿وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَوۡلَٰدَكُم مِّنۡ إِمۡلَٰقٖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُكُمۡ وَإِيَّاهُمۡۖ﴾ [الأنعام: ١٥١]، وقال أيضًا: ﴿وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَوۡلَٰدَكُمۡ خَشۡيَةَ إِمۡلَٰقٖۖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُهُمۡ وَإِيَّاكُمۡۚ إِنَّ قَتۡلَهُمۡ كَانَ خِطۡ‍ٔٗا كَبِيرٗا٣١﴾ الإسراء: ٣١]،

صفحة مطبوعة 88 · ورقة PDF 89رابط الصفحة المنفردة

وأوصى بالبنات لِمَا كنَّ يعانين من الإهانة والظلم. وأكرم الإسلام البنات غاية الإكرام.

عن النعمان بن بشير يقول: سمعت عمر بن الخطاب يقول: وسئل عن هذه الآية: ﴿وَإِذَا ٱلۡمَوۡءُۥدَةُ سُئِلَتۡ٨﴾ [التكوير: ٨]، فقال: جاء قيس بن عاصم إلى رسول الله — صلى الله عليه وسلم — فقال: إني وأدت ثماني بنات لي في الجاهلية. فقال. أعتق عن كل واحدة منهن رقبة. قال: إني صاحب إبل، قال: اهد إن شئت عن كل واحدة منهن(153) بدنة .

وقد كان للبنات عند النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة وآل البيت من المعاملة الكريمة والتنشئة الحسنة ما لم يكن للبنات قبل الإسلام، وتكريم البنات في الإسلام عند النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة وآل البيت له مظاهر عديدة، نتناولها فيما يلي.

(1) حسن اختيار الاسم

عند الكلام على المرأة عند النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة وآل البيت فلعل أول ما يجذب انتباهنا ذلك التعامل الرائع مع البنات، فقد كان للبنت عند الصحابة وآل البيت ومن قبلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانة عظيمة نلحظها جيدًا

صفحة مطبوعة 89 · ورقة PDF 90رابط الصفحة المنفردة

كما سيتبين. وكان من حسن معاملة الصحابة وآل البيت للبنت حسن اختيار الاسم، فإن الإنسان إذا أحب شيئًا دعاه باسم حسن، وإذا كره شيئًا دعاه باسم سيء، إذ إنَّ الاسم عنوان المسمَّى، ودليل عليه، وعلَم يميزه عن غيره، وسبيل للتفاهم معه، وهو زينة وكمال، ورمز يعبر عن هويته، وشعار يُدعى به في الدنيا والآخرة.

لذلك فإنَّا نجد أنَّ النبي — صلى الله عليه وسلم — حث على حسن اختيار الاسم، فقد قال — صلى الله عليه وسلم —: «إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم فأحسنوا أسماءكم»(154) .

ونهى النبي — صلى الله عليه وسلم — عن التسمي بالأسماء السيئة أو القبيحة، فقال: «لا تسمين غلامك يسارًا، ولا رباحًا، ولا نجاحًا، ولا أفلح، فإنك تقول أَثَمَّ هو؟ فلا يكون، فتقول: لا. إنما هن أربع فلا تزيدُنَّ علي»(155) .

وكان النبي — صلى الله عليه وسلم — يشتد عليه الاسم القبيح، ويكرهه جدًّا، سواء كان لشخص أو مكان أو قبيلة أو غيرها، وغيَّر أسماء كثيرة قبيحة إلى أسماء حسنة تضادها في المعنى، أو تقاربها في اللفظ.

قال أبو داود: وغيَّر النبي صلى الله عليه وسلم اسم العاصي، وعزيز، وعتلة، وشيطان، والحكم، وغراب، وحباب، وشهاب، فسماه هاشمًا، وسمى حربًا

صفحة مطبوعة 90 · ورقة PDF 91رابط الصفحة المنفردة

سلمًا، وسمى المضطجع المنبعث، وأرضًا يُقال لها عقرة سماها خضرة، وشعب الضلالة سماه شعب الهدى، وبنو الزِّنْية سماهم بني الرشدة، وسمى بني مغوية بني رشدة. قال أبو داود: تركت أسانيدها للاختصار(156)

وفي صحيح مسلم، عن ابن عباس قال: كانت جويرية اسمها برة، فحوّل رسول الله — صلى الله عليه وسلم — اسمها جويرية، وكان يكره أن يقال خرج من عند برة(157) .

وفي صحيح مسلم أيضًا: عن ابن عمر — رضي الله عنهما —؛ أنَّ النبي — صلى الله عليه وسلم — غيّر اسم عاصية، وقال: «أنت جميلة»، وفي رواية لمسلم أيضًا: أن ابنة لعمر كان يقال لها عاصية، فسماها رسول الله — صلى الله عليه وسلم — جميلة(158) .

وسنقف هنا على بعض النماذج من تسميات الصحابة وآل البيت لبناتهم، واختيارهم أسماء حسنة لهن.

ومما نلاحظه أيضًا في هذه الأسماء: أنهم في بعض النماذج يسمون البنات بأسماء أمهاتهم، ومعلوم مدى حب الانسان لأمه، ممَّا يدل على حبهم للبنات، ونفس الأمر أيضًا عندما نرى في بعض النماذج تسمية البنات بأسماء زوجات النبي صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين، وبنات النبي صلى الله عليه وسلم.

نماذج لأسماء البنات

النبي صلى الله عليه وسلم

سمى: فاطمة، وزينب، ورقية، وأم كلثوم.

صفحة مطبوعة 91 · ورقة PDF 92رابط الصفحة المنفردة

أبو بكر الصديق

أسماء، وعائشة، وأم كلثوم.

عمر بن الخطاب

حفصة، وفاطمة، ورقية، وزينب.

عثمان بن عفان

أم سعيد، وأم أبان، وأم عمرو، وعائشة.

علي بن أبي طالب

أم كلثوم الكبرى، وزينب الكبرى، ورملة، وأم الحسن، وأم كلثوم الصّغرى، وزينب الصغرى، وجمانة، وميمونة، وخديجة، وفاطمة، وأم الكرام، ونفيسة، وأم سلمة، وأمامة، وأم أبيها.

ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب

أروى، وهند.

علي بن الحسين

عبدة، وخديجة، وأم عمرو، وفاطمة، وعلية، وأم كلثوم، وأم حسن.

صفحة مطبوعة 92 · ورقة PDF 93رابط الصفحة المنفردة

علي بن عبد الله بن عباس

فاطمة، وأم عيسى، وأمينة ولبابة، وبريهة، وميمونة، وأم علي، والعالية(159) .

(2) العقيقة عن البنت

من اللحظة الأولى لولادة البنت بعد تسميتها؛ فإنَّ لها حقوقًا، ومن أولها العقيقة عنها.

وقد حارب النبي — صلى الله عليه وسلم — العادات الجاهلية التي تحط من قدر الأنثى، فيفرحون ويبتهجون لولادة الذكر، وبالتالي يعقون عنه، ولا يعقون عن الأنثى.

ومع ذلك فقد راعى النبي — صلى الله عليه وسلم — أيضًا الأحوال البشرية، فالفرحة بقدوم الولد الذكر أكثر، فناسب معها زيادة الشكر؛ لهذا أمر النبي — صلى الله عليه وسلم — أن تكون العقيقة للذكر وللأنثى، لكن عن الذكر شاتان، وعن الأنثى شاة.

عن أبي هريرة، أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ اليهود تعق عن الغلام، ولا تعق عن الجارية، فعقوا عن الغلام شاتين، وعن

صفحة مطبوعة 93 · ورقة PDF 94رابط الصفحة المنفردة

الجارية شاة»(160)

* قال الإمام ابن القيم:

وهذه قاعدة الشريعة؛ فإنَّ الله — سبحانه — فاضل بين الذكر والأنثى، وجعل الأنثى على النصف من الذكر في المواريث والديات والشهادات والعتق والعقيقة، كما رواه الترمذي وصححه من حديث أبي أمامة عن النبي — صلى الله عليه وسلم — قال: «أيما امرئ مسلم أعتق مسلمًا كان فكاكه من النار، يجزئ كل عضو منه عضوًا منه، وأيما امرئ مسلم أعتق امرأتين مسلمتين كانتا فكاكه من النار، يجزئ كل عضو منهما عضوًا منه»، وفي مسند الإمام أحمد من حديث مرة بن كعب السلمي عن النبي — صلى الله عليه وسلم —: «أيما رجل أعتق رجلًا مسلمًا كان فكاكه من النار، يجزئ بكل عضو من أعضائه عضوًا من أعضائه، وأيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة كانت فكاكها من النار، يجزئ بكل عضو من أعضائها عضوًا من أعضائها». رواه أبو داود في السنن.

فجرت المفاضلة في العقيقة هذا المجرى(161) .

(3) عدم تفضيل الأولاد الذكور على البنات

لم يفرق الإسلام في المعاملة الرحيمة والعطف الأبوي بين رجل وامرأة، وذكر وأنثى، وإنَّما دعا إلى المساواة والعدل الشامل بينهما في

صفحة مطبوعة 94 · ورقة PDF 95رابط الصفحة المنفردة

هذا الباب، قال الله تعالى ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ﴾ [النحل: ٩٠]، وقال سبحانه ﴿ٱعۡدِلُواْ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۖ﴾ [المائدة: ٨].

وعن النعمان بن بشير — رضي الله عنهما — أن رسول الله — صلى الله عليه وسلم — قال: «اعدِلوا بين أبنائكم، اعدلوا بين أبنائكم»(162) .

وقال له حين أراد أن يفضل بعضَ ولده على بعض في الهبة: «أعْطَيتَ سائرَ ولدِك مثل هذا؟»، قال: «لا»، قال: «فاتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم»(163) .

وفي رواية أخرى أنَّه لما جاء يشهده — صلى الله عليه وسلم — قال له: «فلا تشهدني إذًا، فإني لا أشهد على جور»(164) .

وعن ابن عباس — رضي الله عنهما — مرفوعًا: «سوُّوا بين أولادكم في العطية، فلو كنت مفضلًا أحدًا لفضَّلتُ النساء»(165) .

وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله — صلى الله عليه وسلم —: «من ولدت له أنثى فلم يئدها، ولم يهنها، ولم يؤثر ولده عليها — يعني الذكور — أدخله الله بها الجنة»(166) .

صفحة مطبوعة 95 · ورقة PDF 96رابط الصفحة المنفردة

حتى في التقبيل!

عن أنس، أن رجلًا كان جالسًا مع النبي — صلى الله عليه وسلم —، فجاء بني له، «فأخذه فقبله وأجلسه في حجره، ثم جاءت بنية له، فأخذها وأجلسها إلى جنبه، فقال النبي — صلى الله عليه وسلم —: «فما عدلت بينهما»(167) .

قال الألوسي — رحمه الله —: «المعهود من ذوي المروءة جبر قلوب النساء لضعفهن؛ ولذا يندب للرجل إذا أعطى شيئًا لولده أن يبدأ بأنثاهم»(168) .

وقال في تفسير قوله — تعالى —: ﴿وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَٰذِهِ ٱلۡأَنۡعَٰمِ خَالِصَةٞ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰٓ أَزۡوَٰجِنَاۖ...﴾ [الأنعام: ١٣٩]: واسْتُدِلَّ بالآية على أنه لا يجوز الوقف على أولاده الذكور دون الإناث، وأن ذلك الوقف يفسخ ولو بعد موت الواقف؛ لأنَّ ذلك من فعل الجاهلية، واستدل بذلك بعض المالكية على مثل ذلك في الهبة(169) .

لهذا كان الوارد من حال الصحابة وآل البيت — رضوان الله عليهم — أنهم لا يفرقون بين الذكور والإناث، ويذمون من يفعل ذلك.

عن عائشة رضي الله عنها قالت: «يعمد أحدكم إلى المال فيجعله للذكور

صفحة مطبوعة 96 · ورقة PDF 97رابط الصفحة المنفردة

من ولده! إنَّ هذا إلا كما قال الله تعالى ﴿خَالِصَةٞ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰٓ أَزۡوَٰجِنَاۖ﴾(170)

حتى في الإنجاب، لا ينبغي للرجل أن يغضب إذا رزقه الله بالبنات، بل اعتبروه من يُمن المرأة. قال واثلة بن الأسقع — رضي الله عنه —: إنَّ من يمن المرأة تبكيرها بالأنثى قبل الذكر، وذلك أن الله — تعالى — قال: ﴿يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَٰثٗا وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ٤٩﴾، فبدأ بالإناث(171) .

(4) رعاية البنت ومحبتها

حث الإسلام على رعاية البنات، وأوصى بهن خاصة، وهناك الكثير من الأحاديث والآثار التي ورد فيها الوصية بالبنات، والاهتمام بشأن البنت، وتبين أن البنت لا تقل عن الولد الذكر، وإنَّما قد تفضله، جاء هذا في القرآن.

قال — تعالى —: ﴿لِّلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَٰثٗا وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ٤٩ أَوۡ يُزَوِّجُهُمۡ ذُكۡرَانٗا وَإِنَٰثٗاۖ وَيَجۡعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيمًاۚ إِنَّهُۥ عَلِيمٞ قَدِيرٞ٥٠﴾ [الشورى: 49 — ٥٠].

صفحة مطبوعة 97 · ورقة PDF 98رابط الصفحة المنفردة

وذكرنا قول واثلة بن الأسقع: إن من يمن المرأة تبكيرها بالأنثى قبل الذكر، وذلك أن الله — تعالى — قال: ﴿يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَٰثٗا وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ٤٩﴾ فبدأ بالإناث(172) .

* قال ابن القيم — رحمه الله — :

فقسم — سبحانه — حال الزوجين إلى أربعة أقسام، اشتمل عليها الوجود، وأخبر أن ما قدَّره بينهما من الولد فقد وهبهما إياه، وكفى بالعبد تَعرُّضًا لمقته أن يتسخط ما وهبه.

وبدأ — سبحانه — بذكر الإناث، فقيل: جبرًا لهنَّ لأجل استثقال الوالدين لمكانهن، وقيل — وهو أحسن —: إنَّما قدَّمهن لأنَّ سياق الكلام أنه فاعل ما يشاء، لا ما يشاء الأبوان، فإن الأبوين لا يُريدان إلَّا الذكور غالبًا، وهو — سبحانه — قد أخبر أنه يخلق ما يشاء، فبدأ بذكر النصف الذي يشاء، ولا يريده الأبوان.

وعندي وجه آخر: وهو أنه — سبحانه — قدَّم ما كانت تؤخره الجاهلية من أمر البنات حتى كانوا يئدونهن، أي: هذا النوع المؤخر عندكم مقدُّم عندي على الذكَر.

وتأمل كيف نكَّر سبحانه الإناث، وعرَّف الذكور، فجبر نقص الأنوثة بالتقديم، وجبر نقص التأخير بالتعريف؛ فإنَّ التعريف تنويه كأنه

صفحة مطبوعة 98 · ورقة PDF 99رابط الصفحة المنفردة

قال ويهب لمن يشاء الفرسان الأعلام المذكورين الذين لا يخفون عليكم، ثم لما ذكر الصنفين معًا قدم الذكور إعطاء لكل من الجنسين حقه من التقديم والتأخير، والله أعلم بما أراد من ذلك.

والمقصود أنَّ التسخط بالإناث من أخلاق الجاهلية الذين ذمهم الله — تعالى — في قوله: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِٱلۡأُنثَىٰ ظَلَّ وَجۡهُهُۥ مُسۡوَدّٗا وَهُوَ كَظِيمٞ٥٨ يَتَوَٰرَىٰ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ مِن سُوٓءِ مَا بُشِّرَ بِهِۦٓۚ أَيُمۡسِكُهُۥ عَلَىٰ هُونٍ أَمۡ يَدُسُّهُۥ فِي ٱلتُّرَابِۗ أَلَا سَآءَ مَا يَحۡكُمُونَ٥٩﴾ [النحل: ٥٩]، وقال: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحۡمَٰنِ مَثَلٗا ظَلَّ وَجۡهُهُۥ مُسۡوَدّٗا وَهُوَ كَظِيمٌ١٧﴾ [الزخرف: ١٧](173) .

* وقال صالح بن أحمد بن حنبل — رحمهما الله — :

كان أبي إذا وُلد له ابنة يقول: الأنبياء كانوا آباء بنات.

ويقول: قد جاء في البنات ما قد علمت(174) .

وقال يعقوب بن بختان:

وُلِد لي سبع بنات، فكنت كلما وُلِد لي ابنة دخلت على أحمد بن حنبل، فيقول لي: يا أبا يوسف، الأنبياء آباء بنات، فكان يُذْهِبُ قولُه هَمِّي(175) .

صفحة مطبوعة 99 · ورقة PDF 100رابط الصفحة المنفردة

وقد حارب النبي — صلى الله عليه وسلم — العادات القبيحة التي كان يفعلها الجاهليون من كراهية إنجاب البنات وبغضهن وخلافه، فخص البنات بالذكر، وأمر الآباء المربين بحسن صحبتهن، والعناية بهن، والقيام على أمورهن، وحض على رحمتهن، والشفقة عليهن.

يروَى عن ابن عباس — رضي الله عنهما — أنَّ رسول الله — صلى الله عليه وسلم — قال: «من كان له أنثى فلم يئدْها، ولم يُهِنْهَا، ولم يؤثر وَلَده — يعني الذكور — عليها، أدخله الله — تعالى — الجنة»(176) .

وعن عائشة — رضي الله عنها — قالت:

دخلتْ عليَّ امرأةٌ ومعها ابنتان لها تسأل، فلم تجد عندي شيئًا غير تمرة واحدة، فأعطيتها إياها، فقسمتْها بين ابنتيها ولم تأكل منها شيئًا، ثم قامت فخرجتْ، ودخل النبي — صلى الله عليه وسلم — علينا فأخبرتُه، فقال: «مَن ابُتلي من هذه البنات بشيء فأحسَنَ إليهنَّ، كنَّ له سترًا من النار»(177) .

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: جاءتني مسكينة تحمل ابنتين لها، فأطعمتُها ثلاث تمرات، فأعطتْ كل واحدة منهما تمرة، ورفعتْ إلى فِيها تمرة لتأكلها، فاستطعمتْها ابنتاها، فشقَّت التمرة التي كانت تُريد أن تأكلها

صفحة مطبوعة 100 · ورقة PDF 101رابط الصفحة المنفردة

بينهما، فأعجبني شأنُها، فذكرتُ الذي صنعتْ لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إنَّ الله أوجب لها بهما الجنة، أو أعتقها بهما من النار»(178)

وعن أنس — رضي الله عنه — عن النبي — صلى الله عليه وسلم — قال: «من عال جاريتين حتى تَبلُغا، جاء يوم القيامة أنا وهو»، وضم أصابعه(179) .

وعن ابن عباس — رضي الله عنهما — قال: قال رسول الله — صلى الله عليه وسلم —: «ما من مسلم له ابنتان فيُحسن إليهما ما صحبتاه — أو صحبهما — إلا أدخلتاه الجنة»(180) .

وعن أبي سعيد الخدري — رضي الله عنه — قال قال رسول الله — صلى الله عليه وسلم —: «لا يكون لأحد ثلاث بنات أو ثلاث أخوات، أو بنتان أو أختان، فيتقي الله فيهن، ويحسن إليهن، إلا دخل الجنة»(181) .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله — صلى الله عليه وسلم — قال: «من كان له ثلاث بنات فصبر على لأوائهن، وعلى ضرائهن، دخل الجنة»، وفي رواية: فقال رجل: يا رسول الله، واثنتين؟ قال: «واثنتين»، قال: يا رسول الله، وواحدة؟ قال: «وواحدة»(182) .

صفحة مطبوعة 101 · ورقة PDF 102رابط الصفحة المنفردة

وعن عوف بن مالك رضي الله عنه أنَّ رسول الله — صلى الله عليه وسلم — قال: «من كان له ثلاث بنات ينفق عليهن حتى يَبِنَّ أو يمتن كن له حجابًا من النار»(183) .

وعنه قال: قال رسول الله — صلى الله عليه وسلم —: «أنا وامرأة سفعاء الخدين كهاتين في الجنة»، وأومأ يزيد بالوسطى والسبابة «امرأة آمت من زوجها ذات منصب، وجمال، حبست نفسها على يتاماها حتى بانوا أو ماتوا»(184) .

وعن عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه قال: يقول سمعت رسول الله — صلى الله عليه وسلم — يقول: «من كانت له ثلاث بنات فصبر عليهن فأطعمهن وسقاهن وكساهن من جِدَتِه، كن له حجابًا من النار»(185) .

وعن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه، أنه قال: قال رسول الله — صلى الله عليه وسلم —: «من كانت له ثلاث بنات يَكْفِهِنَّ، ويرحمهن، وينفق عليهن، وجبت له الجنة»، قال: فنادى رجل من الناس: يا رسول، أو ابنتان؟ قال: «نعم»، حتى ظن الناس لو قال ابنة واحدة؟ لقال: نعم(186) .

صفحة مطبوعة 102 · ورقة PDF 103رابط الصفحة المنفردة

لقد كان العرب في الجاهلية يأنفون أن يداعب الرجل وليدته، أو يسمح لها أن تمرح بين يديه، فأمَّا رسول الله — صلى الله عليه وسلم — فقد نقض تلك السنة السيئة، ولم يكن يضن بوقته أن يداعب فيه الولائد من بناته أو بنات صحابته:

عن أبي قتادة — رضي الله عنه — قال: «خرج علينا النبي — صلى الله عليه وسلم — وأمامة بنت أبي العاص على عاتقه، فصلى، فإذا ركع وضعها، وإذا رفع رفعها، حتى قضى صلاته يفعل ذلك بها»(187) .

وحدثت أم خالد بنت خالد بن سعيد قالت: أتيت رسول الله — صلى الله عليه وسلم — مع أبي وعَلي قميص أصفر، قال رسول الله: سَنَهْ سَنَهْ — وهي بالحبشية حسنة —، قالت: فذهبت ألعب بخاتم النبوة، فانتهرني أبي، قال رسول الله — صلى الله عليه وسلم —: «دعها»، ثم قال رسول الله — صلى الله عليه وسلم —: «أبلي وأخلِقي، ثم أبلي وَأخْلِقي»، فعُمّرَتْ بعد ذلك ما شاء الله أن تُعَمَّرَ»(188) .

وقد كان حب النبي — صلى الله عليه وسلم — لابنته فاطمة، وشغفه بها، وحنانه عليها، وإكرامه إياها، عظيمًا جدًّا، وقد لحظ الصحابة ذلك، ورأوه وتأثروا به

وقد قال — صلى الله عليه وسلم —: «فاطمة بضعة مني، فمن أغضبها أغضبني»(189) .

صفحة مطبوعة 103 · ورقة PDF 104رابط الصفحة المنفردة

وقالت أم المؤمنين عائشة — رضي الله عنها : كن أزواج النبي — صلى الله عليه وسلم — عنده، لم يغادر منهن واحدة، فأقبلت فاطمة تمشي، ما تخطئ مشيتها من مشية رسول الله — صلى الله عليه وسلم — شيئًا، فلما رآها رحب بها، فقال: «مرحبًا بابنتي»، ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله، ثم سارَّها فبكت بكاء شديدًا، فلما رأى جزعها سارَّها الثانية فضحكت، فقلت لها: خصَّك رسول الله — صلى الله عليه وسلم — من بين نسائه بالسرار، ثم أنت تبكين؟ فلما قام رسول الله — صلى الله عليه وسلم ، سألتها ما قال لك رسول الله — صلى الله عليه وسلم ؟ قالت: ما كنت أفشي على رسول الله — صلى الله عليه وسلم — سره، قالت: فلمَّا توفي رسول الله — صلى الله عليه وسلم — قلت: عزمتُ عليك بما لي عليك من الحق لما حدثتني ما قال لك رسول الله — صلى الله عليه وسلم ، فقالت: أما الآن، فنعم، أما حين سارَّني في المرة الأولى، فأخبرني أنَّ جبريل كان يعارضه القرآن في كل سنة مرة أو مرتين، وإنه عارضه الآن مرتين، وإني لا أرى الأجل إلا قد اقترب، فاتقي الله واصبري؛ فإنَّه نعم السلف أنا لك، قالت: فبكيت بكائي الذي رأيت، فلما رأى جزعي سارَّني الثانية، فقال: يا فاطمة، أما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين، أو سيدة نساء هذه الأمة، قالت: فضحكت ضحكي الذي رأيت(190) .

ومن الآثار الواردة في ذلك:

عن معاوية — رضي الله عنه — قوله في شأن البنت: «والله ما مرض المرضى، ولا ندب الموتى، ولا أعان على الزمان، ولا أذهب جيشَ الأحزان مِثْلُهُنَّ، وإنك لواجِدٌ خالًا قد نفعه بنو أخته، وأبًا قد رفعه نسلُ بنته»(191) .

وعن

صفحة مطبوعة 104 · ورقة PDF 105رابط الصفحة المنفردة

عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنَّها قالت: إن أبا بكر الصديق كان نحلها جادَّ عشرين وسقًا من ماله بالغابة، فلما حضرته الوفاة قال: «والله يا بنية ما من الناس أحد أحب إلي غنى بعدي منك، ولا أعز علي فقرًا بعدي منك، وإني كنت نحلتك جادَّ عشرين وسقًا، فلو كنت جددتيه واحتزتيه كان لك. وإنَّما هو اليوم مال وارث، وإنما هما أخواك، وأختاك، فاقتسموه على كتاب الله، قالت عائشة، فقلت: يا أبت، والله لو كان كذا وكذا لتركته، إنما هي أسماء، فمن الأخرى؟ فقال أبو بكر: ذو بطن بنت خارجة، أراها جارية»(192)

وعن البراء قال: «أتى أبو بكر — رضي الله عنه — ابنته عائشة — رضي الله عنها — وقد أصابتها الحمى، فقال: «كيف أنتِ يابنية؟»، وقبَّل خدَّها»(193) .

(5) التأديب والتربية

لا يتوقف الأمر في حق البنات على الرعاية والحب وفقط، وإنَّما يجب على الوالد وولي الأمر النصح والتوجيه والدعوة والإرشاد.

عن الحسن، في قوله: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَأَهۡلِيكُمۡ نَارٗا﴾ [التحريم: ٦]، قال: «يأمرهم بطاعة الله ويعلمهم الخير».

صفحة مطبوعة 105 · ورقة PDF 106رابط الصفحة المنفردة

وعن علي — رضي الله عنه ، قال: «علموهم وأدبوهم»(194) .

قال الإمام أحمد — رحمه الله : وأما التعليم والتأديب فوقتهن أن يبلغ المولود من السن والعقل مبلغًا يحتملها، وذلك يتفرع، فمنها أن ينشئه على أخلاق صلحاء المسلمين، ويصونه عن مخالطة المفسدين، ومنها: أن يعلمه القرآن ولسان الأدب ويسمعه السنن، وأقاويل السلف، ويعلمه من أحكام الدين ما لا غنى به عنه، ومنها: أن يرشده من المكاسب إلى ما يحمد ويرجى أن يرد عليه كفايته، فإذا بلغ أحدهم حد العقل عرف البارئ — جل جلاله — إليه بالدلائل التي توصله إلى معرفته من غير أن يسمعه من مقالات الملحدين شيئًا، ويذكرهم له في الجملة أحيانا، ويحذره إياهم، وينفره عنهم، ويبغضهم إليه ما استطاع، ويبدأ من الدلائل بالأقرب الأجلى، ثم ما يليه، وكذلك يفعل بالدلائل الدالة على نبوة نبينا — صلى الله عليه وسلم — بهديه فيها إلى الأقرب الأوضح(195) .

* وقال الحليمي:

وأما التعليم والتأديب فوقتهما أن يبلغ المولود من السن والعقل مبلغًا يحتملهما، وذلك يتفرع منه أن يشبه على أخلاق صلحاء المسلمين، ويصونه من مخالطة المفسدين. ومنها أي من شعب الإيمان أن يعلمه القرآن ولسان العرب، ويسمعه السنن وأقاويل السلف، ويعلمه من أحكام

صفحة مطبوعة 106 · ورقة PDF 107رابط الصفحة المنفردة

الدين ما لا غناء به عنه. ومنها أي من شعب الإيمان أن يرشده إلى المكاسب إلى ما يحمده، ويرجى أن يرد عليه كفايته. فأما التأذين فقد خولنا به، والسنة فيه ما رواه عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن في أذن الحسن حين ولدته فاطمة بالصلاة. ومعنى هذا عندنا أنه أذن في أذنه اليمنى وأقام في اليسرى. وقد تسمى أذانًا، كما جاء في الحديث «بين كل أذانين صلاة لمن يشاء». وإنما أراد الأذان والإقامة.

وجاء عن عمر بن عبد العزيز — رضي الله عنه — ما يدل عليه، وهو أنه كان إذا ولد له مولود أذن في أذنه اليمنى وأقام في اليسرى. وروي عن بعض السلف خلاف ذلك، فإن عبد الله بن الحسين كان يقول: من أراد أن لا يقرب ولده تابعة أبدًا، فإذا ولد فليؤذن في أذنه اليسرى، وليقم في أذنه اليمنى.

ووجه هذا في النظر أن يكون أول ما يسمعه الصبي من كلام الناس كلام الإيمان، والذكر الذي يدعى به الناس إلى الصلاة التي هي ثانية الإيمان. ألا ترى أن التكبير يستحب كلما أصبح أن يذكر الله — عز وجل — ويمجده، فيكون افتتاحُه نهارَه بالذكر، وكلام البر والخير، ويستحب له مثل ذلك عند رؤية الهلال ليكون افتتاح الشهر بكلام الخير. فأولى إذا ولد المولود وكان بنفسه عاجزًا عن الذكر أن يتولى ذلك عليه، وأن يكون افتتاحه ورد الدنيا، واستقباله عمره بكلام التقوى والبر.

روى عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم

صفحة مطبوعة 107 · ورقة PDF 108رابط الصفحة المنفردة

إذا أصبح قال: «أصبحنا على فطرة الإسلام وكلمة الإخلاص ودين نبينا محمد وملة أبينا إبراهيم حنيفًا مسلمًا وما كان من المشركين». وعن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أصبح قال: «أصبحنا وأصبح الملك والكبرياء والعظمة والخلق والأمر والليل والنهار وما يسكن فيهما من شيء لله وحده لا شريك له. اللهم اجعل أول النهار لي صلاحًا، وأوسطه فلاحًا وآخره نجاحًا. اسلك خير الدنيا والآخرة، يا أرحم الراحمين»(196)

لهذا كانت وصية الصحابة — رضوان الله عليهم — بحسن تربية الأبناء.

عن عثمان الحاطبي، قال: سمعت ابن عمر يقول لرجل: «أدِّب ابنك؛ فإنَّك مسئول عن ولدك، ماذا أدبته؟ وماذا علمته؟ وإنه مسئول عن برك وطواعيته لك»(197) .

ومن تأديب البنت ألا يمنعها من الزواج إن احتاجت إليه.

ويروى عن عمر بن الخطاب، عن رسول الله — صلى الله عليه وسلم ، قال: «مكتوب في التوراة: من بلغت له ابنة اثنتي عشرة سنة فلم يزوجها فركبت إثمًا فإثم ذلك عليه»(198) .

صفحة مطبوعة 108 · ورقة PDF 109رابط الصفحة المنفردة

وليس المقصود هنا الرقم بعينه، وإنَّما المقصود هو السن الذي تحتاج فيه البنت إلى الزواج.

(6) اشتراط الكفاءة في الزوج المتقدم لابنته، وأخذ إذنها

من الأمور المعتبرة في الزواج، والتي ينبغي على الولي أن يحرص عليها بالنسبة لابنته: اختيار الزوج الكفء، فالكفاءة تعتبر في جانب الرجال للنساء، ولا تعتبر في جانب النساء للرجال؛ لأنَّ المعنى الذي شرعت الكفاءة من أجله يوجب اختصاص اعتبارها بجانب الرجال؛ لأنَّ المرأة هي التي تستنكف لا الرجل.

قال الكمال ابن الهمام: مقتضى الأدلة وجوب إنكاح الأكفاء، وهذا الوجوب يتعلق بالأولياء حقًّا لها، وبها حقًّا لهم، لكن إنَّما تتحقق المعصية في حقهم إذا كانت صغيرة؛ لأنَّها إذا كانت كبيرة لا ينفذ عليها تزويجهم إلا برضاها، فهي تاركة لحقها، كما إذا رضي الولي بترك حقه حيث ينفذ(199) .

لذلك كان الحث على أن يختار الولي لبنته الزوج الكفء.

عن عروة بن الزبير، قال: قالت لنا أسماء بنت أبي بكر: «يا بَنِيَّ وبني بَنِيَّ، إن هذا النكاح رِقٌّ، فلينظر أحدكم عند من يرق كريمته»(200) .

صفحة مطبوعة 109 · ورقة PDF 110رابط الصفحة المنفردة

وأول صور الكفاءة هو الدين.

عن الشعبي، قال: «من زوج كريمته من فاسق فقد قطع رحمها»(201) .

وعن عبد الصمد بن يزيد قال: سمعت رجلاً يقول للفضيل: من زوج كريمته من فاسق فقد قطع رحمها، فقال له الفضيل: «من زوج كريمته من مبتدع فقد قطع رحمها»(202) .

والتدين الحقيقي شيء خفي؛ لأنَّ حقيقة الدين تتعلق بالقلوب أعظم ممَّا تتعلق بالظواهر دلالات وعلامات على الدين، ولكنَّها ليست دلالات ظنية فليس كل من أعفى لحيته، وقص شاربه، ووقف في صفوف الصلاة مع المسلمين كان متدينًا مؤمنًا؛ بل هذه ظواهر قد تدل على هذا، وقد يكون هذا نوعًا من النفاق والمجاراة والاعتياد، لا يغني قليلًا أو كثيرًا في حقيقة الدين.

والمقصود في اختيار الزوج الصالح البحث عن التدين الحقيقي، وهو لا يعمل به على وجه القطع ولكن بغلبة الظن، وأداء الشعائر والحفاظ عليها قرائن ظاهرية؛ إذ ضممنا بعضها إلى بعض قد نحصل على نتيجة حقيقية.

ولذلك كان سؤال عمر بن الخطاب عن الرجال هو التعامل بالدينار والدرهم، فقد سأل رجلًا فقال: هل تعرف فلانًا؟ قال: نعم. قال:

صفحة مطبوعة 110 · ورقة PDF 111رابط الصفحة المنفردة

هل عاملته بالدينار والدرهم؟ قال: لا. قال: إذن لا تعرفه.

عن خرشة بن الحر، قال: شهد رجل عند عمر بن الخطاب بشهادة، فقال له: «لست أعرفك، ولا يضرك أن لا أعرفك، ائت بمن يعرفك»، فقال رجل من القوم: أنا أعرفه قال: «بأي شيء تعرفه؟»، قال: بالعدالة والفضل فقال: «فهو جارك الأدنى الذي تعرف ليله ونهاره، ومدخله، ومخرجه؟ قال: لا. قال: فعاملته بالدينار والدرهم اللذين بهما يستدل على الورع؟ قال: لا. قال: «فرفيقك في السفر الذي يستدل به على مكارم الأخلاق؟» قال: لا. قال: «لست تعرفه»، ثم قال للرجل: «ائت بمن يعرفك»(203) .

فمعرفة الدين الحقيقي لا يكون إلَّا بالمواقف والتعامل، ومن أحرج المواقف التي تُظهر الرجال المعاملةُ بالدينار والدرهم؛ لأنَّ النفوس مجبولة على حب المال، فإذا تغلب الدين ومراقبة الله على النفس في هذه القضية، دلَّ هذا على وجود الدين.

ولذلك يجب في البحث عن الزواج أن نبحث عن حقيقة الدين، وأن نأخذ من مجموع التصرفات والمعاملات هديًا ومرشدًا إلى معرفة دين الرجل والمرأة.

وممَّا اعتبره بعض العلماء في كفاءة الزوج هو الحسب والشرف، فلا تزوج ذات النسب إلَّا من كفء لها، وقد ورد في الأثر عن عمر بن الخطاب — رضي الله عنه : «لأمنعن تزويج ذوات الأحساب إلا من الأكفاء»(204) .

صفحة مطبوعة 111 · ورقة PDF 112رابط الصفحة المنفردة

والإسلام وإن جاء يدعو الناس إلى أن أصلهم واحد، وأنه لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى؛ إلَّا أنه أخبر أيضًا بالأمر بالتنافس في الفضائل، والبعد عن الرذائل، والتقوى التي جاء الإسلام بالأمر بتحصيلها لا تحصل إلا إذا رافق الدين طبعًا نقيًا، ونفسًا صافية، وخلقًا مساعدًا، وعلى كل حال ينبغي أن نضع الأحساب في موضعها الصحيح، فالحسب والشرف بالمعنى الصحيح ينبغي أن يكون هو المعدن الطيب، والخلق الكريم والدين، وأما الشهرة التي انبنت على شيء آخر، فهي بما لا يقيد به في الحسب والشرف.

كذلك ممَّا ينبغي الالتفات إليه في الاختيار: المال، فيكون الزوج قادرًا على أن يكفي حاجات زوجته.

وممَّا يدل على ذلك أن فاطمة بنت قيس حينما خطبها معاوية، قَال لها النبي — صلى الله عليه وسلم : «أما معاوية فصعلوك لا مال له» بمعنى رجل فقير(205) .

فالمال من الصفات التي لا غنى عنها مطلقًا، ولا اختلاف عليها بين الناس، وأقل الغنى هو الكفاف والقيام بواجبات الزوجية، وقد فسر العلماء حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج»(206)

صفحة مطبوعة 112 · ورقة PDF 113رابط الصفحة المنفردة

أنَّ المقصود بالباءة هو نفقات الزواج، وإمكان إعاشة الرجل للمرأة، والإسلام يشترط في صحة عقد النكاح واستمراره قدرة الرجل على الإنفاق.

ولكن الناس ينظرون في الرجل الآن إلى كثرة المال، لا مجرد الكفاف والغنى عن الناس، وذلك بعد تعاظم الحياة المادية، وانفتاح الأساليب المذهلة للاستمتاع بالحياة، واقتناء الزينة التي لا تقف عند حد في أثمانها أو أشكالها...، والمسلمون فقط من يسألون عن طالب الزواج الغني كيف اكتسب ماله؟ وذلك بعد أن فسدت وسائل الكسب في العصر الراهن، وأصبحت المقامرات والرياء؛ وبيع الأعراض والذمم والرشاوي، من أعظم وسائل الكسب في هذه الجاهلية الحديثة.

ولا شك أن كل فتاة تريد السعادة الحقيقية يجب أن تعلم من أين اكتسب المتقدم للزواج بها ماله. فالرجل الشريف العفيف نظيف اليد هو أولى الناس بأن يؤسس بيتًا قائمًا على الاستقرار والسعادة، وأصحاب الدخول والأموال القذرة يتعاملون مع زوجاتهم بنفس تعاملهم مع الدينار والدرهم، ويقدرونهم بقدر منافعهم المادية فقط. باختصار تصبح المرأة عندهم كالسلعة تمامًا، تفقد قيمتها بالقِدَم، وبنضوب المنافع المادية، وقد كان من علامات الشرف (علو المكانة والمنزلة) في الجاهلية القديمة الكسب.

صفحة مطبوعة 113 · ورقة PDF 114رابط الصفحة المنفردة

وذلك أن المتكسب المكافح العامل لا يقارن مطلقًا مع العاجز الكسول العالة على غيره، ولذلك كان من أقسى أنواع الذم في الجاهلية هذا السب:

دع المكارم لا ترحل لبُغْيَتِهاواقْعُد فإنك أنت الطاعم الكاسي

أي المطعوم المَكْسُوّ.

كذلك من مقومات الكفاءة: الجمال، وما يريده الرجل في المرأة من الجمال، تريده أيضًا المرأة في الرجل، وإن كانت المرأة بوجه عام مطلوبة لا طالبة؛ إلَّا أنَّها أيضًا تنتظر أن يتقدم إليها الوسيم الجميل، ولا ينافي الخلق الطيب والاستقامة للمرأة المسلمة أن ترفض رجلًا ليس بجميل، وإن كان على دين وخلق، وقد فرق رسول الله — صلى الله عليه وسلم — بين ثابت بن قيس بن شماس وزوجته؛ لأنَّها كرهته لدمامته(207) ، وكذلك لا ينافي تقواها ودينها أن تطلب وترجو أن يتقدم إليها الوسيم الجميل.

لذلك ينبغي أن نضع قضية الجمال مكانها من حيث مجموع الصفات المثالية التي يبحث عن توفرها في الزوج الصالح والزوجة الصالحة، فالجمال حقًا شكل وظاهر، ومع ذلك فهو مراد ومطلوب، ومحبوب ومرغوب، دينًا وطبعًا، وإن كان الجمال في ذاته صفة وهبية من الخالق سبحانه وتعالى ولا كسب للإنسان غالبًا فيه، ولكنَّنا أيضًا شرعًا ودينًا

صفحة مطبوعة 114 · ورقة PDF 115رابط الصفحة المنفردة

في حرية وإباحة للتخير والمفاضلة، وهذا من رحمة الله وتوفيقه. ولكن المنهي عنه شرعًا أن يغلب هذا الظاهر على الجوهر الأساسي للإنسان من الأصل والدين، بل يجب علينا أن نضع الجمال في المستوى والحد اللائق به، والمتناسب مع الصفات العامة التي يجب علينا مراعاتها في اختيار شريك الحياة.

هذه هي الأمور الرئيسية التي ينبغي أن يبحث عنها الولي في تزويجه لبنته، ثم بعد ذلك ينبغي عليه أن يستأذنها، فعقد الزواج اختياري، ولا يجوز فيه الإكراه بوجه من الوجوه، وذلك أنه يتعلق بحياة الزوجين (الرجل والمرأة)، ومستقبلهما وأولادهما، ولذلك فلا يجوز أن يدخل طرف من طرفي العقد مكرهًا.

والأصل في ذلك ما جاء عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر تُستأذن في نفسها، وإذنها صُماتها»(208) .

وفي رواية لأبي هريرة أن النبي — صلى الله عليه وسلم — قال: «لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا البكر حتى تستأذن». قالوا: يا رسول الله، وكيف إذنها؟ قال: «أن تسكت»(209) .

وعن عائشة قالت: يا رسول الله: يُستأمر النساء في أبضاعهن، قال: «نعم»، قلت: فإن البكر تُستأمر

صفحة مطبوعة 115 · ورقة PDF 116رابط الصفحة المنفردة

فتستحي فتسكت. قال: «سُكاتُها إذنُها»(210)

وهذه الأدلة جميعها نص في أنَّه لا سبيل على المرأة بإجبار في النكاح ثيبًا كانت أو بكرًا، وأن الفرق بينهما إنَّما هو الفرق في صورة الإذن، فالثيب — عادة — لا تستحي من الكلام في الزواج، ولذلك فهي تخطب إلى نفسها، أو ترضى وتأمر وليها بولاية عقد نكاحها؛ ولذلك قال — صلى الله عليه وسلم : [تستأمر] أي يُطلَب أمرها. وأما البكر فالغالب عليها الحياء، ولذلك تخطب من وليها، والولي يستأذنها، فإن أذنت بمقال أو بسكوت يدل على الرضا تزوجت، وإلا فلا.

فإن زُوِّجت البنت بدون استئذانها فلها الحق في التخيير.

عن ابن عباس أن جارية بكرًا أتت النبي — صلى الله عليه وسلم — فذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة فخيَّرها النبي — صلى الله عليه وسلم(211) .

وكذلك ما رواه ابن عمر قال: «توفي عثمان بن مظعون وترك ابنة له من خولة بنت حكيم بن أمية حارثة، وأوصى إلى أخيه قدامة بن مظعون، قال عبد الله: وهما خالاي. فخطبتُ إلى قدامة بن مظعون ابنة عثمان بن مظعون فزوجنيها، ودخل المغيرة بن شعبة يعني إلى أمها فأرغبها في المال، فحطت إليه، وحطت الجارية إلى هوى أمها، فأبتا، حتى ارتفع أمرهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال قدامة بن مظعون: يا

صفحة مطبوعة 116 · ورقة PDF 117رابط الصفحة المنفردة

رسول الله، ابنة أخي أوصى بها إلي، فزوجتها ابن عمتها، فلم أقصر بها في الصلاح، ولا في الكفاءة، ولكنها امرأة، وإنما حطت إلى هوى أمها. قال: فقال رسول الله: «هي يتيمة ولا تُنكح إلا بإذنها». قال: فانتُزِعت والله مني بعد أن ملكتُها، فزوجوها المغيرة(212)

وهذا ما جرى عليه عمل الصحابة — رضوان الله عليهم — في الوصية باستئذان البنت قبل تزويجها.

عن إبراهيم قال: كتب عمر: «أن تستأمر اليتيمة في نفسها، فإن سكتت فهو رضاها»، قال: وقال الشعبي: «إن سكتت، أو بكت، أو ضحكت، فهو رضاها، وإن أبت فلا يجوز عليها»(213) .

وعن بكير بن الأشج حدثه أنَّ رجلًا أنكح ابنة له، وهي كارهة، فأدركت وهي تريد أن تَحْتَقَّ نفسها، فرفع ذلك إلى عثمان بن عفان، فأبطل نكاحه(214) .

وعن علي — رضي الله عنه — أنَّه قال: «لا تزوج اليتيمة حتى تستأمر، وسكوتها رضاها»(215) .

الفصل الرابع

صفحة مطبوعة 118 · ورقة PDF 118رابط الصفحة المنفردة

آداب التعامل مع المرأة الأجنبية

الفصل الرابع

صفحة 119 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعةتفاصيل الصفحة
صفحة مطبوعة 119 · ورقة PDF 120رابط الصفحة المنفردة

آداب التعامل مع الأجنبية

لم يعتبر الإسلام المرأة جرثومة خبيثة كما اعتبرها الآخرون، ولكنه قرر حقيقة تزيل هذا الهوان عنها، وهي أن المرأة بين يدي الإسلام قسيمة الرجل، لها ما لها من الحقوق، وعليها أيضًا من الواجبات ما يلائم تكوينها وفطرتها، وعلى الرجل بما اخْتُص بهِ من شرف الرجولة، وقوة الجَلَدِ، وبسطة اليد، واتساع الحيلة، أن يلي رياستها، فهو بذلك وليُّها؛ يحوطُها بقوته، ويذود عنها بدمه، وينفق عليها من كسب يده.

ذلك ما أجمله الله، وضم أطرافه، وجمع حواشيه، بقوله تباركت آياته: ﴿وَلَهُنَّ مِثۡلُ ٱلَّذِي عَلَيۡهِنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيۡهِنَّ دَرَجَةٞۗ﴾ [البقرة: ٢٢٨].

تلك هي درجة الرعاية والحياطة، لا يتجاوزها إلى قهر النفس، وجحود الحق.

وكما قرن الله — سبحانه — بينهما في شئون الحياة، كذلك ساوى بينهما في الإنسانية، والموالاة، وتكاليف الإيمان، وحسن المثوبة، وادخار الأجر، وارتقاء الدرجات العلى في الجنة(216) .

صفحة مطبوعة 120 · ورقة PDF 121رابط الصفحة المنفردة

عن عمر بن الخطاب — رضي الله عنه — قال: «كنا في الجاهلية لا نعدُّ النساء شيئًا، فلما جاء الإسلام وذكَرَهُن الله رأينا لهن — بذلك — علينا حَقًّا»(217) .

وهذه بعض الآداب المتعلقة بالمرأة الأجنبية:

آداب النظر

اتفق الفقهاء على أنَّه يحرم نظر الرجل إلى عورة المرأة الأجنبية الشابة.

واستدلوا على ذلك بأدلة منها قوله — تعالى : ﴿قُل لِّلۡمُؤۡمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنۡ أَبۡصَٰرِهِمۡ﴾ [النور: ٣٠]، وبقوله — صلى الله عليه وسلم : «إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة: فزنا العين النظر»(218) .

ثم اختلفوا في تحديد العورة التي يحرم النظر إليها على أقوال:

القول الأول

يجوز النظر إلى الوجه والكفين من الأجنبية، إن لم يكن بشهوة، ولم يغلب على الظن وقوعها، ويحرم النظر إلى ما عدا ذلك بغير عذر شرعي، وهذا القول ذهب إليه الحنفية والمالكية، وهو مقابل الصحيح عند الشافعية، وعند الحنفية يقصد بالكف باطنه فقط، وأما ظهره فيعتبر عورة لا يجوز النظر إليها في ظاهر الرواية، وعند المالكية لا فرق بين ظاهر الكفين وباطنهما، فلا يحرم النظر إليهما بشرط أن لا يكون بقصد

صفحة مطبوعة 121 · ورقة PDF 122رابط الصفحة المنفردة

اللذة، ولم تخش الفتنة بسببه، وأن يكون الرجل مسلمًا إذا كانت المرأة مسلمة، فأما الكافر فلا يحل للمرأة المسلمة أن تبدي له أي عضو من أعضائها، ويعتبر جميع جسدها عورة بالنسبة له.

واستدلوا بقوله — تعالى : ﴿وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنۡهَاۖ﴾ [النور: ٣١]، فقد روي عن ابن عباس وعلي وعائشة — رضي الله عنهم — أن المقصود بما ظهر من الزينة الوجه والكفان.

وبما ورد عن سهل بن سعد قال: كنا عند النبي — صلى الله عليه وسلم — جلوسًا، فجاءته امرأة تعرض نفسها عليه، فخفض فيها البصر ورفعه، فلم يُرِدْها، فقال رجل من أصحابه: زوجنيها يا رسول الله. قال: أعندك من شيء؟ قال: ما عندي من شيء. قال: ولا خاتم من حديد، قال: ولا خاتم، ولكن أشق بردتي هذه فأعطيها النصف وآخذ النصف. قال: لا، هل معك من القرآن شيء؟ قال: نعم. قال: اذهب فقد زوجتكها بما معك من القرآن(219) . ففي الحديث أنَّ الرسول — صلى الله عليه وسلم — نظر إليها، يدل عليه قول الراوي: فخفض فيها البصر ورفعه، وفي رواية: فصعَّد النظر فيها وصوَّبه، فدل ذلك على إباحة النظر إلى الوجه.

وما ورد أنه لما قال عمر رضي الله عنه في خطبته: ألا لا تغالوا في أصدقة النساء، قالت امرأة سفعاء الخدين: أنت تقوله برأيك أم سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنا نجد في كتاب الله تعالى بخلاف ما تقول، قال الله تعالى ﴿وَءَاتَيۡتُمۡ إِحۡدَىٰهُنَّ قِنطَارٗا فَلَا تَأۡخُذُواْ مِنۡهُ شَيۡ‍ًٔاۚ﴾ [النساء: ٢٠]، فبقي عمر رضي الله

صفحة مطبوعة 122 · ورقة PDF 123رابط الصفحة المنفردة

عنه باهتًا وقال: كل الناس أفقه من عمر، حتى النساء في البيوت(220)

فذكر الراوي أنها كانت سفعاء الخدين، وفي هذا إشارة إلى أنها كانت مسفرة عن وجهها.

القول الثاني

يحرم نظر الرجل بغير عذر شرعي إلى وجه المرأة الحرة الأجنبية وكفيها، كسائر أعضائها، سواء أخاف الفتنة من النظر باتفاق الشافعية، أم لم يخف ذلك، وهذا هو قول الشافعية على الصحيح، وهو المذهب عند الحنابلة، وظاهر كلام أحمد، فقد قال: لا يأكل الرجل مع مطلقته وهو أجنبي، لا يحل له أن ينظر إليها، كيف يأكل معها ينظر إلى كفها، لا يحل له ذلك.

واستدلوا بقوله — تعالى : ﴿وَإِذَا سَأَلۡتُمُوهُنَّ مَتَٰعٗا فَسۡ‍َٔلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٖۚ﴾ [الأحزاب: 53]، فلو كان النظر إلى الوجه والكفين مباحًا، لما أمرهم الله — تعالى — أن يسألوهن من وراء حجاب، ولأباح لهم أن يسألوهن مواجهة.

وبقوله تعالى ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّأَزۡوَٰجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ يُدۡنِينَ عَلَيۡهِنَّ مِن جَلَٰبِيبِهِنَّۚ ذَٰلِكَ أَدۡنَىٰٓ أَن يُعۡرَفۡنَ فَلَا يُؤۡذَيۡنَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا٥٩﴾

صفحة مطبوعة 123 · ورقة PDF 124رابط الصفحة المنفردة

[الأحزاب: ٥٩].

واستدلوا بالأخبار التي جاءت تنهى عن النظر المتعمد، والزيادة على النظرة الأولى، وهي نظر الفجاءة، وقد جاءت عامة تشمل جميع بدن المرأة، وكل ما ورد بعد ذلك في الأخبار من جواز النظر إلى شيء من أعضاء المرأة فإنما أريد به حالة الضرورة أو الحاجة.

واستدلوا بالمعقول من جهتين:

الأولى: أن اتفاق الفقهاء على تحريم النظر إلى جميع بدن المرأة بشهوة أو عند خوف حدوثها يقتضي عدم جواز النظر إلى الوجه والكفين وسائر الأعضاء لغير حاجة أو ضرورة في جميع الأحوال؛ لأن خوف الفتنة في النظر إلى المرأة موجود دائمًا، وبخاصة إلى الوجه؛ لأنَّه مجمع المحاسن، وخوف الفتنة من النظر إليه أشد من غيره.

الثانية: أن إباحة نظر الخاطب إلى المرأة التي يريد أن يخطبها يدل على التحريم عند عدم إرادة خطبتها؛ إذ لو كان مباحًا على الإطلاق، فما وجه التخصيص.

القول الثالث: يحرم النظر بغير عذر أو حاجة إلى بدن المرأة الأجنبية غير الوجه والكفين، ويكره النظر إليهما، ويندب غض البصر عنهما ولو بغير شهوة، وهذا القول نص عليه بعض المتأخرين من الحنفية وأصحاب الفتاوى، وعبارة ابن عابدين أن الأحوط عدم النظر مطلقًا، وهو رواية عن أحمد، وقول القاضي من الحنابلة.

القول الرابع: يجوز النظر إلى الوجه والكفين والقدمين من المرأة

صفحة مطبوعة 124 · ورقة PDF 125رابط الصفحة المنفردة

الأجنبية بغير شهوة، وهذا القول رواه الحسن بن زياد عن أبي حنيفة، وذكره الطحاوي، وهو قول بعض فقهاء المالكية.

هذا عن المرأة الشابة، أما المرأة العجوز فلا خلاف بين الفقهاء أنه يحرم النظر بغير عذر إلى العجوز بقصد اللذة أو مع وجدانها، وإنما اختلفوا في حكم النظر إليها من غير شهوة ولا قصد التلذذ على قولين:

القول الأول: يجوز النظر إلى وجهها وكفيها إذا كانت لا تشتهى وغير متبرجة بزينة، وهذا هو قول جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والحنابلة.

لقول الله — عز وجل : ﴿وَٱلۡقَوَٰعِدُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ ٱلَّٰتِي لَا يَرۡجُونَ نِكَاحٗا فَلَيۡسَ عَلَيۡهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعۡنَ ثِيَابَهُنَّ غَيۡرَ مُتَبَرِّجَٰتِۢ بِزِينَةٖۖ وَأَن يَسۡتَعۡفِفۡنَ خَيۡرٞ لَّهُنَّۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٞ٦٠﴾ [النور: ٦٠]، والقواعد هن العجائز اللواتي قعدن عن التصرف بسبب كبر السن، وقعدن عن الولد والمحيض، وذهبت شهوتهن، فلا يَشتهين ولا يُشتَهَيْن، فأبيح لهن وضع الجلباب والخمار، لانصراف الأنفس عنهن، وعدم التفات الرجال إليهن، فأبيح لهن ما لم يبح لغيرهن، فجاز النظر إليهن ومصافحتهن لانعدام خوف الفتنة، ويشترط في ذلك أن لا يكن متبرجات بزينة، أي مظهرات ولا متعرضات بالزينة لينظر إليهن.

القول الثاني: أنه لا فرق بين الأجنبية الشابة والعجوز في حكم النظر إليهما، فيحرم كله، ولا يجوز النظر إلى شيء من بدن العجوز وإن لم تكن تشتهى، وهذا القول هو الأرجح والمعتمد عند

صفحة مطبوعة 125 · ورقة PDF 126رابط الصفحة المنفردة

الشافعية، لعموم الأدلة المانعة من النظر إلى المرأة الأجنبية، ولأن الشهوة لا تنضبط بضابط.

كما اتفق الفقهاء على أن النظر إلى الصغيرة بشهوة حرام، مهما كان عمرها، ومهما كان العضو المنظور إليه منها، واتفقوا أيضًا على أنه يجوز للرجل أن ينظر بغير شهوة إلى جميع بدن الصغيرة التي لم تبلغ حد الشهوة سوى الفرج منها.

واختلف الفقهاء في نظر الصغير إلى المرأة الأجنبية، فذهب الحنفية إلى أن الصغير الذي لم يظهر على عورات النساء، ولا يعرف العورة من غير العورة يجوز للنساء أن يبدين مواضع الزينة منهن له.

وصحح القرطبي من المالكية أن هذا النوع من الأطفال لا يلزم المرأة ستر شيء من بدنها أمامه، وحكى قولًا آخر أنه يلزمها ستر ما سوى الوجه والكفين؛ لأنَّها قد تشتهي هي إذا أبدت عورتها له.

وذهب الشافعية إلى أن الطفل الذي لم يظهر على عورات النساء لا حجاب منه، لكن فرّق الإمام في نظر الصبي بين ثلاث درجات: الأولى: أن لا يبلغ أن يحكي ما يرى فهذا حضوره كغيبته، ويجوز التكشف له، والثانية: أن يبلغ أن يحكي ما يرى، ولكن لا يكون فيه ثوران شهوة وتشوف نحو النساء، فهذا يجوز للمرأة أن تبدي أمامه ما يجوز لها أن تبديه أمام محارمها، والثالثة: أن يبلغ أن يحكي ما يرى ويكون فيه ثوران شهوة وتشوف فهذا كالبالغ.

صفحة مطبوعة 126 · ورقة PDF 127رابط الصفحة المنفردة

وذهب الحنابلة إلى أن الطفل غير المميز لا يجب الاستتار منه، وأما الصبي المميز فإن كان غير ذي شهوة فله النظر إلى ما فوق السرة وتحت الركبة، وهو المذهب عندهم، ووجهه أنه لا شهوة له فأشبه الطفل؛ لأن المحرم للرؤية في حق البالغ كونه محلًا للشهوة، وهو معدوم هنا. وفي رواية أنه كالمحرم لا ينظر من الأجنبية سوى ما يظهر غالبًا، ووجهها ما يفهم من قوله — تعالى : ﴿أَوِ ٱلطِّفۡلِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يَظۡهَرُواْ عَلَىٰ عَوۡرَٰتِ ٱلنِّسَآءِۖ﴾ [النور: ٣١]، حيث جاء عطفه على ذوي المحارم، فدل على أن حكمه كحكم ذوي المحارم.

وأما إن كان ذا شهوة، فالمذهب عندهم أنه كذي المحرم(221) .

هذا عن الخلاف الفقهي، والنظر إلى ما نهى الله عنه من العورات من أشد مداخل الشيطان، به أغرق الكثير في نار جهنم، وجند به في حزبه الكثير، وبسببه يضعف الإيمان، وتنعدم لذته، وتنعدم الفراسة وصفاء الفكر والتفكر.

يقول الإمام ابن القيم: «علق — سبحانه — فلاح العبد على حفظ فرجه من الزنا، فلا سبيل إلى الفلاح بدونه، فقال: ﴿قَدۡ أَفۡلَحَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ١ ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي صَلَاتِهِمۡ خَٰشِعُونَ٢ وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَنِ ٱللَّغۡوِ مُعۡرِضُونَ٣ وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِلزَّكَوٰةِ فَٰعِلُونَ٤ وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِفُرُوجِهِمۡ حَٰفِظُونَ٥ إِلَّا عَلَىٰٓ أَزۡوَٰجِهِمۡ أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُمۡ فَإِنَّهُمۡ غَيۡرُ مَلُومِينَ٦﴾، إلى قوله: ﴿فَمَنِ ٱبۡتَغَىٰ وَرَآءَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡعَادُونَ٧﴾ [المؤمنون: 1 — ٧].

صفحة مطبوعة 127 · ورقة PDF 128رابط الصفحة المنفردة

وهذا يتضمن ثلاثة أمور: أن من لم يحفظ فرجه لم يكن من المفلحين، وأنه من الملومين، ومن العادين، ففاته الفلاح، واستحق اسم العدوان، ووقع في اللوم، فمقاساة ألم الشهوة ومعاناتها أيسر من بعض ذلك.

ونظير هذا أنه ذم الإنسان، وأنه خلق هلوعًا لا يصبر على سراء ولا ضراء، بل إذا مسه الخير منع وبخل، وإذا مسه الشر جزع، إلا من استثناه بعد ذلك من الناجين من خلقه، فذكر منهم: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِفُرُوجِهِمۡ حَٰفِظُونَ٥ إِلَّا عَلَىٰٓ أَزۡوَٰجِهِمۡ أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُمۡ فَإِنَّهُمۡ غَيۡرُ مَلُومِينَ٦ فَمَنِ ٱبۡتَغَىٰ وَرَآءَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡعَادُونَ٧﴾ [المؤمنون: 5 — ٧].

فأمر الله — تعالى — نبيه أن يأمر المؤمنين بغض أبصارهم، وحفظ فروجهم، وأن يعلمهم أنه مشاهد لأعمالهم، مطلع عليها، ﴿يَعۡلَمُ خَآئِنَةَ ٱلۡأَعۡيُنِ وَمَا تُخۡفِي ٱلصُّدُورُ١٩﴾ [غافر: ١٩].

ولما كان مبدأ ذلك من قبل البصر، جعل الأمر بغضه مقدمًا على حفظ الفرج، فإن الحوادث مبدؤها من البصر، كما أن معظم النار من مستصغر الشرر، فتكون نظرة، ثم تكون خطرة، ثم خطوة، ثم خطيئة.

ولهذا قيل: من حفظ هذه الأربعة أحرز دينه: اللحظات، والخطرات، واللفظات، والخطوات.

فينبغي للعبد أن يكون بواب نفسه على هذه الأبواب الأربعة، ويلازم الرباط على ثغورها، فمنها يدخل عليه العدو، فيجوس خلال الديار، ويتبر

صفحة مطبوعة 128 · ورقة PDF 129رابط الصفحة المنفردة

ما علا تتبيرًا.

وأكثر ما تدخل المعاصي على العبد من هذه الأبواب الأربعة، فأما اللحظات: فهي رائد الشهوة ورسولها، وحِفْظها أصل حفظ الفرج، فمن أطلق بصره أورد نفسه موارد المهلكات.

وقال النبي — صلى الله عليه وسلم : «لا تتبع النظرة النظرة، فإنما لك الأولى وليست لك الأخرى»(222) .

وفي المسند عنه — صلى الله عليه وسلم : «النظرة سهم مسموم من سهام إبليس، فمن غض بصره عن محاسن امرأة لله، أورث الله قلبه حلاوة إلى يوم يلقاه»(223) هذا معنى الحديث.

وقال: «غضوا أبصاركم، واحفظوا فروجكم»، وقال: «إياكم والجلوس على الطرقات، قالوا: يا رسول الله مجالسنا ما لنا بد منها، قال: فإن كنتم لا بد فاعلين، فأعطوا الطريق حقه، قالوا: وما حقه؟ قال: غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام»(224) .

والنظر أصل عامة الحوادث التي تصيب الإنسان، فالنظرة تولد خطرة، ثم تولد الخطرة فكرة، ثم تولد الفكرة شهوة، ثم تولد الشهوة

صفحة مطبوعة 129 · ورقة PDF 130رابط الصفحة المنفردة

إرادة، ثم تقوى فتصير عزيمة جازمة، فيقع الفعل ولا بد، ما لم يمنع منه مانع، وفي هذا قيل: الصبر على غض البصر أيسر من الصبر على ألم ما بعده.

قال الشاعر:

كل الحوادث مبداها من النظرومعظم النار من مستصغر الشرر
كم نظرة بلغت في قلب صاحبهاكمبلغ السهم بين القوس والوتر
والعبد ما دام ذا طرف يقلبهفي أعين العين موقوف على الخطر
يسر مقلته ما ضر مهجتهلا مرحبا بسرور عاد بالضرر

ومن آفات النظر: أنه يورث الحسرات والزفرات والحرقات، فيرى العبد ما ليس قادرًا عليه ولا صابرًا عنه، وهذا من أعظم العذاب، أن ترى ما لا صبر لك عن بعضه، ولا قدرة على بعضه.

ومن العجيب: أن النظرة تجرح القلب جرحًا، فيتبعها جرح على جرح، ثم لا يمنعه ألم الجراحة من استدعاء تكرارها، ولي في هذا المعنى:

ما زلت تتبع نظرة في نظرةفي إثر كل مليحة ومليح
وتظن ذاك دواء جرحك وهو في التحقيق تجريح على تجريح
فذبحت طرفك باللحاظ وبالبكافالقلب منك ذبيح أي ذبيح
صفحة مطبوعة 130 · ورقة PDF 131رابط الصفحة المنفردة

وقد قيل: إن حبس اللحظات أيسر من دوام الحسرات(225) .

ولهذا كله كان الصحابة — رضوان الله عليهم — يشددون ويؤكدون على حفظ البصر، والبعد عن مزالقه.

قال عبد الله بن مسعود — رضي الله عنه : «حفظ البصر أشدّ من حفظ اللّسان»(226) .

وقال — رضي الله عنه : «الإثم حوّاز القلوب، وما من نظرة إلّا وللشّيطان فيها مطمع»(227) .

وقال أنس بن مالك — رضي الله عنه : «إذا مرّت بك امرأة فغمّض عينيك حتّى تجاوزك»(228) .

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «من تضييع الأمانة، النظر في الحجرات والدور»(229) .

وقال ابن عباس — رضي الله عنه — في قوله — تعالى : ﴿يَعۡلَمُ خَآئِنَةَ ٱلۡأَعۡيُنِ وَمَا تُخۡفِي ٱلصُّدُورُ١٩﴾ [غافر: ١٩]، قال: «هو الرجل يدخل على أهل البيت بيتهم وفيهم المرأة الحسناء، أو تمر به، فإذا غفلوا لحظ إليها، فإذا فطنوا غض بصره عنها، فإذا غفلوا لحظ، فإذا فطنوا غض»(230) .

صفحة مطبوعة 131 · ورقة PDF 132رابط الصفحة المنفردة

وإنما يستعين المسلم على غض البصر باستشعار عظمة الله، والشعور بأن الله ينظر إليك، وأنت تنظر إلى محارمه.

يقول الجنيد وقد سألوه قالوا: «كيف نستعين على غض البصر؟»، قال: «بعلمك بأن نظر الله إليك أسرع من نظرك إلى المنظور إليه»(231) .

آداب الكلام

يقول الله — جل وعلا — للمسلمين في شأن نساء النبي — صلى الله عليه وسلم : ﴿وَإِذَا سَأَلۡتُمُوهُنَّ مَتَٰعٗا فَسۡ‍َٔلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٖۚ ذَٰلِكُمۡ أَطۡهَرُ لِقُلُوبِكُمۡ وَقُلُوبِهِنَّۚ﴾، فإذا كان هذا في شأن نساء النبي — صلى الله عليه وسلم ، والمخاطبون لهن هم أصحابه — رضي الله عنهم — وهن لهم أمهات، فما بالك بغيرهن وغير الصحابة؟

فالأصل في خطاب الرجل للمرأة الأجنبية أن يكون على قدر الحاجة، وأن يكون من وراء حجاب، وألا يشتمل على خضوع بالقول ولا على خلوة بها في مكان منفرد.

فصوت المرأة ليس عورة، إذا كان كلام المرأة طبيعيًا، وبدون خضوع بالقول، وبدون تبرج وإبداء زينة... فهذا لا مانع منه شرعًا.

قال — سبحانه : ﴿يَٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ لَسۡتُنَّ كَأَحَدٖ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِنِ ٱتَّقَيۡتُنَّۚ فَلَا تَخۡضَعۡنَ بِٱلۡقَوۡلِ فَيَطۡمَعَ ٱلَّذِي فِي قَلۡبِهِۦ مَرَضٞ وَقُلۡنَ قَوۡلٗا مَّعۡرُوفٗا٣٢﴾ [الأحزاب: ٣٢].

صفحة مطبوعة 132 · ورقة PDF 133رابط الصفحة المنفردة

وقد كان بعض الصحابة يكلمون بعض الصحابيات، وقد كانت أم المؤمنين عائشة — رضي الله عنها — يدخل عليها الصحابة والتابعون يسألونها ويتعلمون منها.

من ذلك ما ورد عن القاسم بن محمد، أن عائشة اشتكت، فجاء ابن عباس فقال: «يا أم المؤمنين تقدمين على فرط صدق على رسول الله — صلى الله عليه وسلم — وعلى أبي بكر»(232) .

وعن مسروق: أنه أتى عائشة، فقال لها: يا أم المؤمنين، إن رجلًا يبعث بالهدي إلى الكعبة، ويجلس في المصر، فيوصي أن تقلد بدنته، فلا يزال من ذلك اليوم محرمًا حتى يحل الناس، قال: فسمعت تصفيقها من وراء الحجاب، فقالت: لقد «كنت أفتل قلائد هدي رسول الله — صلى الله عليه وسلم ، فيبعث هديه إلى الكعبة، فما يحرم عليه ممَّا حل للرجال من أهله، حتى يرجع الناس»(233) .

وعن علقمة، قال: سألت أم المؤمنين عائشة، قلت: يا أم المؤمنين، كيف كان عمل النبي — صلى الله عليه وسلم ، هل كان يخص شيئًا من الأيام؟ قالت: «لا، كان عمله ديمة، وأيكم يستطيع ما كان النبي — صلى الله عليه وسلم — يستطيع»(234) .

وكان أبو بكر وعمر يزوران أم أيمن بعد وفاة النبي — صلى الله عليه وسلم .

صفحة مطبوعة 133 · ورقة PDF 134رابط الصفحة المنفردة

عن أنس، قال: قال أبو بكر — رضي الله عنه ، بعد وفاة رسول الله — صلى الله عليه وسلم — لعمر: «انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها، كما كان رسول الله — صلى الله عليه وسلم — يزورها، فلما انتهينا إليها بكت، فقالا لها: ما يبكيك؟ ما عند الله خير لرسوله — صلى الله عليه وسلم . فقالت: ما أبكي أن لا أكون أعلم أن ما عند الله خير لرسوله — صلى الله عليه وسلم ، ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء، فهيجتهما على البكاء. فجعلا يبكيان معها»(235) .

وهذا عمر — رضي الله عنه — توقفه النساء ويُكَلِّمنَه ويجيبهن.

عن ابن زيد قال: لقي عمر بن الخطاب — رضي الله عنه — امرأة يقال لها (خولة) وهو يسير مع الناس، فاستوقفته، فوقف لها، ودنا منها، وأصغى إليها رأسه، ووضع يديه على منكبيها حتى قضت حاجتها، وانصرفت، فقال له رجل: «يا أمير المؤمنين حبستَ رجالَ قريش على هذه العجوز؟»، قال: «ويحك! وتدري من هذه؟»، قال: «لا!»، قال: «هذه امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سموات، هذه خولة بنت ثعلبة، والله لو لم تنصرف عني إلى الليل، ما انصرفت حتى تقضي حاجتها»(236) .

وعن ثمامة بن حزن قال: بينما عمر بن الخطاب يسير على حماره، لقيته امرأة، فقالت: «قف يا عمر»، فوقف، فأغلظت له القول، فقال رجل: «يا أمير المؤمنين ما رأيت كاليوم»، فقال: «وما يمنعني أن أستمع

صفحة مطبوعة 134 · ورقة PDF 135رابط الصفحة المنفردة

إليها، وهي التي استمع الله لها، وأنزل فيها ما أنزل: ﴿قَدۡ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوۡلَ ٱلَّتِي تُجَٰدِلُكَ فِي زَوۡجِهَا﴾ [المجادلة: ١]».

وفي بعض الروايات أنَّه — رضي الله عنه — مر بها في خلافته، والناس معه، على حمار، فاستوقفته طويلًا، ووعظته، وقالت: «يا عمر: قد كنت تدعى عميرًا، ثم قيل لك: عمر، ثم قيل لك: أمير المؤمنين، فاتق الله يا عمر، فإنَّه من أيقن بالموت خاف الفوت، ومن أيقن بالحساب خاف العذاب»، وهو واقف يسمع كلامها، فقيل له: يا أمير المؤمنين، أتقف لهذه العجوز هذا الوقوف؟!، قال: «والله لو حبستني من أول النهار إلى آخره لازلت إلا للصلاة المكتوبة، أتدرون من هذه العجوز؟ هي خولة بنت ثعلبة، سمع الله قولها من فوق سبع سموات، أيسمع رب العالمين قولها، ولا يسمعه عمر»(237) .

ومن المسائل التي ذكرها الفقهاء: أنه إذا عطست المرأة أمام الرجل، فقد ذكر الفقهاء أنه إن كانت المرأة شابة يخشى الافتنان بها كره لها أن تشمت الرجل إذا عطس، كما يكره لها أن ترد على مشمت لها لو عطست هي. بخلاف لو كانت عجوزًا ولا تميل إليها النفوس فإنها تُشمِّت وتُشَمَّت متى حمدت الله، بذلك قال المالكية ومثلهم في ذلك الحنابلة.

جاء في الآداب الشرعية لابن مفلح عن ابن تميم: لا يشمت الرجل الشابة.

صفحة مطبوعة 135 · ورقة PDF 136رابط الصفحة المنفردة

وقال السامري: يكره أن يشمت الرجل المرأة إذا عطست، ولا يكره ذلك للعجوز. وقال ابن الجوزي: وقد روينا عن أحمد بن حنبل — رضي الله عنه — أنه كان عنده رجل من العبَّاد فعطست امرأة أحمد، فقال لها العابد: يرحمك الله. فقال أحمد — رحمه الله . عابد جاهل.

وقال حرب: قلت لأحمد: الرجل يشمت المرأة إذا عطست؟ فقال: إن أراد أن يستنطقها ليسمع كلامها فلا؛ لأنَّ الكلام فتنة، وإن لم يرد ذلك فلا بأس أن يشمتهن. وقال أبو طالب: إنه سأل أبا عبد الله: يشمت الرجل المرأة إذا عطست؟ قال: نعم قد شمت أبو موسى امرأته. قلت: فإن كانت امرأة تمر أو جالسة فعطست أشمتها؟ قال: نعم. وقال القاضي: ويشمت الرجل المرأة البرزة ويكره للشابة. وقال ابن عقيل: يشمت المرأة البرزة وتشمته ولا يشمت الشابة ولا تشمته، وقال الشيخ عبد القادر: ويجوز للرجل تشميت المرأة البرزة والعجوز، ويكره للشابة(238) .

آداب السلام

سلام المرأة على المرأة يسن كسلام الرجل على الرجل، وردُّ السلام من المرأة على مثلها كالرد من الرجل على سلام الرجل.

وأما سلام الرجل على المرأة؛ فإن كانت تلك المرأة زوجة أو أمة أو من المحارم فسلامه عليها سنة، ورد السلام منها عليه واجب، بل

صفحة مطبوعة 136 · ورقة PDF 137رابط الصفحة المنفردة

يسن أن يسلم الرجل على أهل بيته ومحارمه، وإن كانت تلك المرأة أجنبية فإن كانت عجوزًا، أو امرأة لا تشتهى، فالسلام عليها سنة، ورد السلام منها على من سلم عليها لفظًا واجب. وأما إن كانت تلك المرأة شابة يخشى الافتتان بها، أو يخشى افتتانها هي أيضًا بمن سلم عليها، فالسلام عليها وجواب السلام منها حكمه الكراهة عند المالكية والشافعية والحنابلة، وذكر الحنفية أن الرجل يرد على سلام المرأة في نفسه إن سلمت هي عليه، وترد هي أيضًا في نفسها إن سلم هو عليها، وصرح الشافعية بحرمة ردها عليه.

وأما سلام الرجل على جماعة النساء فجائز، وكذا سلام الرجال على المرأة الواحدة عند أمن الفتنة. وممَّا يدل على جواز سلام الرجل على جماعة النساء ما روي عن أسماء بنت يزيد — رضي الله عنها — قالت: مر علينا رسول الله — صلى الله عليه وسلم — في نسوة فسلم علينا(239) .

وممَّا يدل على جواز السلام على المرأة العجوز ما أخرجه البخاري عن سهل بن سعد — رضي الله عنه — قال: كانت لنا عجوز ترسل إلى بُضاعة — نخل بالمدينة — فتأخذ من أصول السِّلْق فتطرحه في قدر، وتكركر حبات من شعير، فإذا صلينا الجمعة انصرفنا ونسلم عليها فتقدمه إلينا(240) ، ومعنى تكركر؛ أي: تطحن(241) .

هذا

صفحة مطبوعة 137 · ورقة PDF 138رابط الصفحة المنفردة

عن إلقاء السلام، وأما المصافحة التي تقع بين الرجل والمرأة من غير المحارم فقد اختلف قول الفقهاء في حكمها، وفرقوا بين مصافحة العجائز ومصافحة غيرهم:

فمصافحة الرجل للمرأة العجوز التي لا تشتهي ولا تشتهى، وكذلك مصافحة المرأة للرجل العجوز الذي لا يشتهي ولا يشتهى، ومصافحة الرجل العجوز للمرأة العجوز، جائز عند الحنفية والحنابلة ما دامت الشهوة مأمونة من كلا الطرفين، واستدلوا بما روي أن رسول الله — صلى الله عليه وسلم : كان يصافح العجائز(242) ، ولأن الحرمة لخوف الفتنة، فإذا كان أحد المتصافحين ممن لا يشتهي ولا يشتهى فخوف الفتنة معدوم أو نادر.

ونص المالكية على تحريم مصافحة المرأة الأجنبية وإن كانت متجالة، وهي العجوز الفانية التي لا إرب للرجال فيها، أخذًا بعموم الأدلة المثبتة للتحريم.

وعمم الشافعية القول بتحريم لمس المرأة الأجنبية ولم يستثنوا العجوز، فدل ذلك على اعتبارهم التحريم في حق مصافحتها، وعدم التفرقة بينها وبين الشابة في ذلك.

وأما مصافحة الرجل للمرأة الأجنبية الشابة فقد ذهب الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة في الرواية المختارة، وابن تيمية، إلى تحريمها، وقيد الحنفية التحريم بأن تكون الشابة مشتهاة، وقال الحنابلة: وسواء أكانت

صفحة مطبوعة 138 · ورقة PDF 139رابط الصفحة المنفردة

من وراء حائل كثوب ونحوه أم لا.

واستدل الفقهاء على تحريم مصافحة المرأة الأجنبية الشابة بحديث عائشة — رضي الله عنها — قالت: كانت المؤمنات إذا هاجرن إلى رسول الله — صلى الله عليه وسلم — يمتحن بقول الله — عز وجل : ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا جَآءَكَ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ يُبَايِعۡنَكَ عَلَىٰٓ أَن لَّا يُشۡرِكۡنَ بِٱللَّهِ شَيۡ‍ٔٗا وَلَا يَسۡرِقۡنَ وَلَا يَزۡنِينَ﴾ [الممتحنة: ١٢] — الآية — قالت عائشة: فمن أقر بهذا من المؤمنات فقد أقر بالمحنة، وكان رسول الله — صلى الله عليه وسلم — إذا أقررن بذلك من قولهن قال لهن رسول الله — صلى الله عليه وسلم : انطلقن فقد بايعتكن، ولا والله ما مست يد رسول الله — صلى الله عليه وسلم — يد امرأة قط غير أنه يبايعهن بالكلام، قالت عائشة: والله ما أخذ رسول الله — صلى الله عليه وسلم — النساء قط إلا بما أمره الله — تعالى ، وما مست كف رسول الله — صلى الله عليه وسلم — كف امرأة قط، وكان يقول لهن إذا أخذ عليهن: قد بايعتكن كلامًا(243) .

وبما روي عن معقل بن يسار أن رسول الله — صلى الله عليه وسلم — قال: لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له(244) ، ووجه دلالة الحديث على التحريم ما فيه من الوعيد الشديد لمن يمس امرأة لا تحل له، ولا شك في أن المصافحة من المس.

صفحة مطبوعة 139 · ورقة PDF 140رابط الصفحة المنفردة

فهرس المصادر والمراجع

* «الأدب المفرد»، محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري، أبو عبد الله، مكتبة المعارف — الرياض، الطبعة الأولى، (1419ه = 1998م).

* «الأربعين في مناقب أمهات المؤمنين»، عبد الرحمن بن محمد بن الحسن، ابن منصور ابن عساكر الدمشقيّ الشافعي، دار الفكر — دمشق، الطبعة: الأولى، (1406 ه).

* «الإصابة في تمييز الصحابة»، أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني، دار الكتب العلمية — بيروت، الطبعة الأولى، (1415 ه).

* «تاريخ بغداد»، أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي الخطيب البغدادي، دار الغرب الإسلامي — بيروت، الطبعة الأولى، (1422ه =2002 م).

* «تاريخ دمشق»، أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله المعروف بابن عساكر، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، (1415 ه = 1995 م).

* «التجريد لنفع العبيد»، (حاشية البجيرمي على شرح المنهج)، سليمان بن محمد بن عمر البُجَيْرَمِيّ المصري الشافعي، مطبعة الحلبي، (1369ه = 1950م).

* «تحفة المودود بأحكام المولود»، محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية، مكتبة دار البيان — دمشق، الطبعة: الأولى، (1391 ه = 1971م).

«تفسير

صفحة مطبوعة 140 · ورقة PDF 141رابط الصفحة المنفردة

القرآن العظيم لابن أبي حاتم»، أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن إدريس بن المنذر التميمي، الحنظلي، الرازي ابن أبي حاتم، مكتبة نزار مصطفى الباز السعودية، الطبعة الثالثة، (1419 ه).

* «التلخيص الحبير»، أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى (1419ه = 1989 م).

* «الجامع»، أبو محمد عبد الله بن وهب بن مسلم المصري القرشي، دار الوفاء — مصر، الطبعة: الأولى (1425 ه = 2005م).

* «جامع البيان في تأويل القرآن»، محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري، مؤسسة الرسالة، الطبعة: الأولى، (1420 ه = 2000 م).

* «الجامع الكبير»، (سنن الترمذي)، محمد بن عيسى بن سَوْرة بن موسى بن الضحاك، دار الغرب الإسلامي — بيروت، (1998 م).

* «الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي أو الداء والدواء»، محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية، دار المعرفة — المغرب، الطبعة الأولى، (1418ه =1997م).

* «حلية الأولياء وطبقات الأصفياء»، أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران الأصبهاني، السعادة — بجوار محافظة مصر، (1394ه = 1974م).

* «الزهد»، أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني، دار الكتب العلمية، بيروت — لبنان، الطبعة: الأولى، (1420 ه =1999 م).

* «الزهد»، أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو الأزدي السِّجِسْتاني، دار المشكاة للنشر والتوزيع، حلوان، الطبعة: الأولى، (1414 ه =1999 م).

صفحة مطبوعة 141 · ورقة PDF 142رابط الصفحة المنفردة

* «السلسلة الصحيحة»، أبو عبد الرحمن محمد ناصر الدين، بن الحاج نوح بن نجاتي بن آدم، الأشقودري الألباني، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الرياض.

* «سنن ابن ماجه»، أبي عبد الله محمد بن يزيد القزويني، دار الرسالة العالمية، (1430 ه = 2009 م).

* «سنن أبي داود»، أبي داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو الأزدي السِّجِسْتاني، المكتبة العصرية، صيدا — بيروت.

* «سنن سعيد بن منصور»، أبو عثمان سعيد بن منصور بن شعبة الخراساني الجوزجاني، الدار السلفية — الهند، الطبعة الأولى، (1403 ه = 1982م).

* «سنن النسائي»، أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي الخراساني، النسائي، مكتب المطبوعات الإسلامية — حلب، الطبعة: الثانية، (1406 ه = 1986م).

* «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة»، أبو القاسم هبة الله بن الحسن بن منصور الطبري الرازي اللالكائي، دار طيبة — السعودية، الطبعة: الثامنة، (1423ه =2003م).

* «شرح السنة»، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي، المكتب الإسلامي — دمشق، بيروت، الطبعة الثانية، (1403 ه = 1983م).

* «شرح مشكل الآثار»، أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك بن سلمة الأزدي الحجري المصري المعروف بالطحاوي، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، (1415 ه = 1494م).

«شعب الإيمان»، أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِردي الخراساني،

صفحة مطبوعة 142 · ورقة PDF 143رابط الصفحة المنفردة

أبو بكر البيهقي، مكتبة الرشد للنشر والتوزيع بالرياض بالتعاون مع الدار السلفية ببومباي بالهند، الطبعة: الأولى، (1423 ه 2003 م).

* «صحيح البخاري»، محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي، دار طوق النجاة، الطبعة الأولى، (1422 ه).

* «صحيح ابن حبان»، محمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ بن مَعْبدَ، التميمي، أبو حاتم، الدارمي، البُستي، مؤسسة الرسالة — بيروت، الطبعة: الثانية، (1414 ه = 1993م).

* «صحيح مسلم»، مسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري، دار إحياء التراث العربي.

* «الطبقات الكبرى»، أبو عبد الله محمد بن سعد بن منيع الهاشمي بالولاء، البصري، البغدادي المعروف بابن سعد، مكتبة العلوم والحكم — المدينة المنورة، الطبعة: الثانية، (1408 م).

* «عمل اليوم»، أحمد بن محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن أسباط بن عبد الله بن إبراهيم بن بُدَيْح، الدِّيْنَوَريُّ، المعروف ب«ابن السُّنِّي»، دار القبلة للثقافة الإسلامية ومؤسسة علوم القرآن — جدة/ بيروت.

* «عودة الحجاب»، محمد أحمد إسماعيل المقدم، دار ابن الجوزي — القاهرة، الطبعةالأولى (2005 م).

* «عيون الأخبار»، أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، دار الكتب العلمية — بيروت، (1418 ه)

* «فتح القدير»، كمال الدين محمد بن عبد الواحد السيواسي المعروف بابن الهمام، دار الفكر، بدون طبعة وبدون تاريخ.

«الفردوس بمأثور الخطاب»، شيرويه بن شهردار بن شيرو يه بن فناخسرو، أبو شجاع

صفحة مطبوعة 143 · ورقة PDF 144رابط الصفحة المنفردة

الديلميّ الهمذاني، دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة: الأولى، (1406 ه 1986م).

* «محاسن التأويل»، محمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم الحلاق القاسمي، دار الكتب العلميه — بيروت، الطبعة: الأولى، (1418 ه).

* المرأة بين الفقه والقانون، مصطفى بن حسني السباعي، دار الوراق — بيروت، الطبعة السابعة، (1999 م).

* «المستدرك على الصحيحين»، أبو عبد الله الحاكم محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نُعيم بن الحكم الضبي الطهماني النيسابوري المعروف بابن البيع، دار الكتب العلمية — بيروت، الطبعة الأولى، (1411 ه = 1990 م).

* «المسند»، أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد، مؤسسة الرسالة، الأولى، (1421 ه = 2001 م).

* «مسند أبي يعلى»، أبو يعلى أحمد بن علي بن المثُنى بن يحيى بن عيسى بن هلال التميمي، الموصلي، دار المأمون للتراث — دمشق، الطبعة: الأولى، (1404 ه = 1984 م).

* «مسند البزار»، (البحر الزخار)، أبي بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق بن خلاد بن عبيد الله العتكي المعروف بالبزار، مكتبة العلوم والحكم — المدينة المنورة، الطبعة الأولى، (بدأت 1988م، وانتهت 2009م).

* «مصنف ابن أبي شيبة»، أبو بكر بن أبي شيبة، عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن عثمان بن خواستي العبسي، مكتبة الرشد — الرياض، الطبعة: الأولى، (1409 ه).

«مصنف عبد الرزاق»، لأبي بكر عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري اليماني

صفحة مطبوعة 144 · ورقة PDF 145رابط الصفحة المنفردة

الصنعاني، المجلس العلمي الهند، المكتب الإسلامي بيروت، الطبعة: الثانية، (1403 ه).

* «المعجم الكبير»، سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الشامي، أبو القاسم الطبراني، مكتبة ابن تيمية — القاهرة، الطبعة: الثانية.

* «المغني عن حمل الأسفار في الأسفار، في تخريج ما في الإحياء من الأخبار»، (مطبوع بهامش الإحياء)، أبو الفضل زين الدين عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن إبراهيم العراقي، دار ابن حزم، بيروت — لبنان، الطبعة: الأولى، (1426ه = 2005 م).

* «مناقب أمير المؤمنين»، عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي بن الجوزي أبو الفرج، دار ابن خلدون، (1996م).

* «النهاية في غريب الحديث والأثر»، مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد بن محمد ابن عبد الكريم الشيباني الجزري ابن الأثير، المكتبة العلمية — بيروت، (1399ه = 1979 م).

* «الموطأ»، مالك بن أنس، مؤسسة الرسالة، بيروت، (1412 ه).

* «الموسوعة الفقهية الكويتية»، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية — الكويت.

* «الورع»، أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس البغدادي الأموي القرشي، المعروف بابن أبي الدنيا، الدار السلفية — الكويت، الطبعة الأولى، (1408 ه = 1988م).

قائمة بعناوين الأبحاث الجديدة لمشروع

(تراث الآل والأصحاب)

صفحة مطبوعة 146 · ورقة PDF 146رابط الصفحة المنفردة

* القرآن في حياة الآل والأصحاب.

* أدب التربية في تراث الآل والأصحاب: نماذج من تعامل الآل والأصحاب مع صغارهم.

* السفر وآدابه في تراث الآل والأصحاب.

* التجارة والمكاسب في تراث الآل والأصحاب: آداب وقدوات ونماذج متنوعة.

* آداب معاملة الكبار والمرضى في تراث الآل والأصحاب.

* الإعاقة في تراث الآل والأصحاب: نماذج وآداب وعبر.

* آداب التعامل مع غير المسلمين في تراث الآل والأصحاب.

* العبادة والزهد في تراث الآل والأصحاب.

* الذكر والدعاء في تراث آل البيت.

* فضل العلم وآداب طلبه في تراث الآل والأصحاب.

* آداب التعامل مع المرأة في تراث الآل والأصحاب.

* آداب العشرة في تراث الآل والأصحاب: استلهام للقيم الزوجية الناجحة في سير سلفنا الصالح.

* آداب الحوار والاختلاف في تراث الآل والأصحاب: شواهد وآداب.

* قضايا نسائية: قراءات في تراث الآل والأصحاب.

* الأطفال في رحاب الآل والأصحاب: بحث في أسس المعالجة الفنية والأدبية لنشر تراث الآل والأصحاب للمراحل العمرية الصغيرة.

* الوقف في تراث الآل والأصحاب.

* الفَقْد في تراث الآل والأصحاب: دراسة في الجوانب الإيمانية والإنسانية.

* المهارات الإدارية في تراث الآل والأصحاب.

* إدارة الوقت في تراث الآل والأصحاب.

* الطعام وآدابه في تراث الآل والأصحاب.

* المزاح وآدابه في تراث الآل والأصحاب.

* آداب التعامل مع الحيوان في تراث الآل والأصحاب.

صفحة 147 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعةتفاصيل الصفحة
الحاشية
داخل هذا الكتاب فقطالبحث في التعامل مع المرأة

اكتب كلمتين أو أكثر لعرض النتائج داخل هذا الكتاب.

النسخة المصوّرة — التعامل مع المرأةتمرير رأسي متصل