مكتبة المبرّةالباحث الذكي
المزاح في تراث الآل والأصحابالقراءة المتصلة
صفحة 7
حجم النص28
صفحة 1 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعةتفاصيل الصفحة
صفحة 2 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعةتفاصيل الصفحة
صفحة 3 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعةتفاصيل الصفحة
صفحة 4 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعةتفاصيل الصفحة
صفحة مطبوعة 5 · ورقة PDF 5رابط الصفحة المنفردة

المزاح

فِي تُرَاثِ الآلِ وَالأصْحَاب

أ. د. مصطفى رجب

أستاذ التربية الإسلامية

عميد كلية التربية — جامعة سوهاج

(سابقًا)

مراجعة مركز البحوث والدراسات بالمبرة

صفحة مطبوعة 5 · ورقة PDF 6رابط الصفحة المنفردة

فهرس

صفحة مطبوعة 7 · ورقة PDF 7رابط الصفحة المنفردة
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
مقدمة مبرة الآل والأصحاب7
المقدمة11
المزاح لغةً واصطلاحًا15
* المزاح في اللغة15
* المزاح في الاصطلاح ومشروعيته16
* مفهوم المزاح.8
* أهمية المزاح.20
الطرائق النبوية في تربية الآل والأصحاب وموضع المزاح منها31
1 — طريقة الأسوة الحسنة.33
2 — الطريقة التفاعلية.37
3 — طريقة الوصية.39
4 — طريقة التكليف.44
5 — طريقة استعمال الحركة في المزاح.46
الضوابط الشرعية للمزاح49
نبع شرعي51
نبع اجتماعي51
1 — الصدق.52
2 — الالتزام الخُلُقي.54
3 — الاعتدال.54
4 — تجنب المزاح المحرِّك للأحقاد والضغائن.54
5 — عدم الترويع والتخويف.56
6 — تجنب المزاح مع غير المحارم من النساء.56
7 — استعمال حسن الفعل والقول في المزاح.57
المزاح في تراث آل البيت59
* من هم آل البيت؟61
* فضل آل البيت ومكانتهم66
صور من مزاح آل البيت67
أ — مع أمهات المؤمنين رضي الله عنهن67
ب — مع آل البيت العلويين77
من مزاح السيدة سكينة رضي الله عنها79
موقف مزاح طريف مع الحسن بن الحسن بن علي رضي الله عنهم79
من مواقف عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي رضي الله عنهم83
ج — مواقف مزاح في سير بني العباس85
مواقف مع الرشيد87
موقف ظريف مع المأمون88
المزاح في تراث الأصحاب91
* من هم الأصحاب؟93
صور من مزاح الأصحاب رضي الله عنهم102
* مواقف كثيرة مع نعيمان رضي الله عنه109
* مع خوات بن جبير رضي الله عنه112
* مع أبي هريرة رضي الله عنه113
* مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه114
* بين عمر وصهيب رضي الله عنهما115
* مواقف ضاحكة مع سيدنا معاوية رضي الله عنه116
قائمة المصادر والمراجع125
صفحة مطبوعة 7 · ورقة PDF 8رابط الصفحة المنفردة

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة مبرة الآل والأصحاب

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وصحابته الطيبين الطاهرين الغر الميامين، أما بعد؛

فلا ريب أن للقدوات الصالحة أثرًا بالغ الأهمية في الارتقاء بحياة الأمم والشعوب؛ وذلك أنهم هم الذين يقدمون الدليل الواقعي والتطبيق العملي للتعاليم التي تمثّل منظومة القيم والأخلاق التي تشكّل هوية تلك الأمم، وتعتبر مثالها السامي الذي تستهدف احتذاء حذوه والاهتداء بهديه.

وقد نبّه القرآن الكريم على ذلك المعنى وأشاد به في آيات كثيرة، مبينًا فضلَ الاقتداء بالأنبياء والصالحين، قال تعالى: ﴿لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا﴾ [الأحزاب: 21]، وقال عز وجل: ﴿قَدۡ كَانَتۡ لَكُمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ فِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ﴾ [الممتحنة: 4]، وقال سبحانه: ﴿لَقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِيهِمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَۚ﴾ [الممتحنة: 6]، وقال عقب ذكر صفوةٍ من رسله وأنبيائه: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقۡتَدِهۡۗ﴾ [الأنعام: 90]، وقال عزّ مِن قائل: ﴿فَٱصۡبِرۡ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلۡعَزۡمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: 35]،

صفحة مطبوعة 8 · ورقة PDF 9رابط الصفحة المنفردة

وغير ذلك مما يفهم من النصوص بأدنى تأمّل.

والواجب على أمتنا الإسلامية أن تصوغ رؤيتها الأخلاقية والقيمية والحضارية انطلاقًا من الوحي قرآنًا وسنةً، في تناغم مع معطيات العلم في جميع المجالات، ومواكبةٍ لمستجدات العصر الذي نعيش فيه وما يزخز به من تحدياتِ عظيمة. فلا يحسن أن نقتصر في تدبرنا للوحي على مجرد الأمور الدينية العبادية المحضة، فإن الوحي قد أنزله الله هدى ونورًا للإنسانية تنتفع به في معاشها ومعادها، وإن كان مقصوده الأساس الفلاح الأخروي وما يقرب إليه؛ إلا أنه لا شك في كونه يرشدنا بهداياته في جميع مناحي الحياة العملية، ولو في صورة ضوابط ومعايير وقيم كلية نافعة، نستلهم منه ما يرضي ربنا ويحقق فلاحنا في الدنيا، مع عدم إغفال البحث والعلم في جميع المجالات بأدواتها ووسائلها.

ونحن إذا ذهبنا نستلهم قيم الوحي على مختلف الأصعدة العلمية والسلوكية؛ لم نجد امتثالًا وتطبيقًا وتفعيلًا؛ خيرًا مما نجده عن صحابة النبي صلى الله عليه وسلم الأخيار وأهل بيته الأطهار، فهم الذين انتهجوا الوحي كتابًا وسنة في جميع جوانب حياتهم، فسادوا وقادوا، وصاروا أئمة أعلامًا هداة.

وقد أخذت مبرة الآل والأصحاب كعادتها على عاتقها مهمةَ تفعيلِ ذلك المعنى، وتقديمه في صورة بحثية توعوية منضبطة؛ لكونها مؤسسة متخصصة في تراث الآل والأصحاب حتى صار لها بفضل الله

صفحة مطبوعة 9 · ورقة PDF 10رابط الصفحة المنفردة

الريادة في ذلك المجال.

وقد كان أصل هذا المشروع الذي بين أيدينا فكرةً من قِبل رئيس مجلس إدارة المبرة د. عبدالمحسن الجارالله الخرافي تتضمن توسيع نطاق الأبحاث المتعلقة بالآل والأصحاب لتضمّ مجالات جديدة ورحابًا أوسع ولا تقتصر على الموضوعات الدينية المألوفة، ثم أوعز بهذه الفكرة وبعض عناصرها إلى مركز البحوث والدراسات بالمبرة؛ فقام المركز مشكورًا مأجورًا بوضع خطة طموحة تتضمن العديد من الموضوعات الهادفة، العلمية والعملية؛ التي نستهدف أن نستضيء فيها بتراث الآل والأصحاب، ونكشف عن ملامح تطبيقهم الوحي على جميع الأصعدة والأنحاء، بشكل يتجلّى فيه الجانب الإبداعي من تخصص المبرة في خدمة تراث الآل والأصحاب، و«التخصص يقود إلى الإبداع» بحمد الله وتوفيقه، بحيث نقدم للمكتبة العلمية والدعوية تجميعًا غير مسبوق لبعض الجوانب الدقيقة في تراث الآل والأصحاب؛ ومِن ثَمَّ نسَّق المركز مع مجموعة من الباحثين ليقدموا جهودهم في تحويل تلك الأفكار والموضوعات إلى أبحاث علمية وفق منهجية مركز البحوث والدراسات المنضبطة، القائمة على التحقيق العلمي، والاستدلال الصحيح، والاسترشاد بكتب أهل العلم السابقين والمعاصرين، واستمر جهد المركز في متابعة الأبحاث ومراجعتها وتعديل ما يحتاج منها إلى تعديل، عبر خلية عمل تفرغت للمشروع تحت إشراف رئيس مركز البحوث والدراسات الشيخ محمد سالم الخضر

صفحة مطبوعة 10 · ورقة PDF 11رابط الصفحة المنفردة

مباشرة، فالشكر موصول لجميع الباحثين الكرام في المركز.

ثم تضافرت جهود أقسام المبرة الأخرى كقسم الإعلام في إتمام العمل بتنسيق الكتب وإخراجها؛ فكانت هذه السلسلة من الموضوعات، التي تندرج في سلسلة (تراث الآل والأصحاب)؛ ثمرةً لهذا التعاون المبارك.

وقد أرفقنا في ذيل هذا الكتاب قائمةً بعناوين هذه المجموعة المتكاملة من الموضوعات الدقيقة والمهمة في تراث الآل والأصحاب.

نرجو من الله عز وجل أن يوفقنا في مسعانا، وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وأن يجمع لنا الأجرين: أجر الاجتهاد وأجر الصواب، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

مبرة الآل والأصحاب

بسم الله الرحمن الرحيم

صفحة مطبوعة 11 · ورقة PDF 12رابط الصفحة المنفردة

الحمد لله الذي خلق فسوى، وقدر فهدى، نحمده سبحانه وتعالى على سابغ أفضاله وجزيل عطائه، ونصلي ونسلم على سيدنا محمد الذي بلغ الرسالة وأدى الأمانة، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وسلام الله على أزواجه وأصحابه الغر الميامين.

وبعد؛

فهذا بحث متواضع حاولت فيه تجميع التراث الخاص بالمزاح الوارد في تراجم وتواريخ الآل والأصحاب جهد الطاقة، ومهدت له بتعريف المزاح لغة واصطلاحًا، ومفهومه وغاياته وضوابطه الخلقية والشرعية، والحكمة من استعماله، وقد اجتهدت كثيرًا في استبعاد ما قد يكون في بعض

صفحة مطبوعة 12 · ورقة PDF 13رابط الصفحة المنفردة

حالات المزاح من استخدام لألفاظ جارحة أو خادشة للحياء، كما اجتهدت قدر الطاقة في التأكد من صحة المرويات.

وأسأل الله تعالى أن يجعل منه علما ينتفع به، إنه سبحانه سميع مجيب.

مصطفى رجب

جامعة سوهاج

صعيد مصر — مارس 2017

المزاح لغةً واصطلاحًا

صفحة مطبوعة 14 · ورقة PDF 14رابط الصفحة المنفردة
* المزاح في اللغة. * المزاح في الاصطلاح ومشروعيته. * مفهوم المزاح. * أهمية المزاح.

المزاح لغةً واصطلاحًا

صفحة 15 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعةتفاصيل الصفحة
صفحة مطبوعة 15 · ورقة PDF 16رابط الصفحة المنفردة

المزاح في اللغة

جاء في «مختار الصِّحاح»: المَزْحُ: الدعابة، وبابه (قَطَعَ)، والاسم: المُزَاحُ والمُزَاحَةُ بضم الميم فيهما. وأما المِزاحُ بكسر الميم؛ فهو مصدر مَازَحَهُ، وهما يَتَمَازَحَانِ(1) .

وفي «لسان العرب»: المَزْحُ: نقيضُ الجِدِّ. مَزَحَ يَمْزَحُ مَزْحاً ومِزاحاً ومُزاحاً ومُزاحةً، والمُزَّحُ من الرجال: الخارجون من طَبْعِ الثُّقَلاء، المتميزون من طبع البُغَضاء(2) .

وقال صاحب «تاج العَروس»: مَزَحَ — كمَنَع — يَمْزَح مَزْحاً ومُزَاحاً ومُزَاحَةً، بضمّهما وقد ضبط بالكسر في أَوّلهما أَيضاً. والمَزْح: نَقيضُ الجِدّ. وقد قَال الأَئمة: الإِكثارُ منه والخُرُوجُ عن الحدّ مُخِلٌّ بالمرُوءَةِ والوَقَارِ، والتنزُّهُ عنه بالمَرَّةِ والتقبُّضُ مُخِلٌّ بالسُّنَّةِ والسِّيرةِ النَّبَوِيّة المأْمُورِ باتِّباعها والاقتداءِ بها، وخيرُ الأُمور أَوْسطُها. ومَازَحَه مُمازَحَةً ومِزَاحاً، بالكسر. وتَمازَحَا: تَدَاعَبَا، ورجُلٌ مَزَّاحٌ(3) .

صفحة مطبوعة 16 · ورقة PDF 17رابط الصفحة المنفردة

والخلاصة أن مادة الكلمة (م. ز. ح) تدور حول معاني: الانبساط، والدُّعابة، والخِفة، والتلطُّف، والتودُّد إلى الغير، والهَزل.

المزاح في الاصطلاح ومشروعيته

لا يكاد الفكر العربي المعاصر يحدد تعريفًا منضبطا، واضح الحدود لكلمة «المزاح» فالتعريفات الاصطلاحية المتاحة لهذا اللفظ تلتبس كثيرا، ويختلط بعضها ببعض فتدور جميعا حول معنى (المداعبة التي هي نقيض الجِد).

ولعل الأصل فيها ما جاء في كتاب «تاج العروس»، من أن: «المزاح هو المباسطة إلى الغير على جهة التلطُّف والاستعطاف دون أذيَّة؛ حتّى يَخْرُجَ الاستهزاءُ والسُّخْرية»(4) .

وقد يجمع المزاح بين قول وفعل كما في حديث صحيح رواه البخاري عن أبيْ هُريرةَ رضي الله عنه قال: بينما نحنُ جُلوسٌ عندَ النبيِّ — صلى الله عليه وسلم — إذ جاءَهُ رجلٌ، فقال: يا رسولَ الله! هَلَكْتُ. قال «ما لَكَ؟». قال: وقعتُ على امْرأَتي وأنا صائمٌ [في رمضان]. فقال رسولُ الله — صلى الله عليه وسلم:

«هلْ تَجِدُ رَقَبةً تُعْتِقُها؟». قالَ: لا. قال: «فهلْ تَسْتطيعُ أَنْ تصومَ شهرينِ مُتتابعَين؟». قال: لا. فقال صلى الله عليه وسلم: «فهلْ تجدُ إطعامَ سِتَينَ مِسكيناً؟». قال: لا. قال: «اجلس». فجلس فمكثَ عندَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم

صفحة مطبوعة 17 · ورقة PDF 18رابط الصفحة المنفردة

فبينا نحنُ على ذلك أُتِيَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم (وفي روايةٍ: فجاءَ رجلٌ من الأَنصارِ) بعَرَقٍ فيهِ تَمرٌ، والعَرَقُ المِكْتَلُ [الضخم] (وفي روايةٍ: الزَّبيلُ).

فقال صلى الله عليه وسلم: «أينَ السائلُ؟».

فقال: أنا، قال: «خذها فَتصدَّقْ بهِ». فقال الرَّجُلُ: أَعَلى أَفْقَرَ (وفي روايةٍ: أحوجَ) مِنِّي يا رسولَ الله؟! فَوَالله (وفي روايةٍ: فوالذي بعثكَ بالحقِ) ما بَينَ لابَتَيها (وفي روايةٍ: طُبَيَيِ المدينةِ) (يُريدُ الحَرَّتَينِ) أَهْلُ بَيْتٍ أَفقرَ من أَهْلِ بَيتي!

فَضحكَ النبيُّ — صلى الله عليه وسلم — حتى بَدَتْ أَنيابُهُ (وفي روايةٍ: نواجذه)، ثُم قال: «[اذهب فَ] أَطعِمهُ أهْلَكَ»(5) .

ففي هذا الحديث موقف إنساني نبيل جاء المزاح فيه ضروريًا لرفع الحرج عن مؤمن ضعف أمام نزوة عارضة، وجاء مستغفرًا تائبًا مستفتيًا عن كفارة لذنبه، ولكنه كان رجلاً ضحوكًا مزج شكواه بخفة ظل لمست قلب النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم فتصدق عليه بيده الشريفة بتمر مما جاءه به بعض الصحابة.

وإذا ضممنا كلمة «المزاح» إلى أخواتها: الفكاهة، المداعبة، المرح، الضحك، مع ما بين هؤلاء الأخوات من فروق معجمية ودلالية

صفحة مطبوعة 18 · ورقة PDF 19رابط الصفحة المنفردة

أمكننا أن نصطلح على أن المزاح في رأينا الخاص هو: «قولٌ أو فعلٌ، يقوم به إنسان بهدف مداعبة غيره، وإسعاده، والترويح عنه».

مفهوم المزاح

«المزاح» معروف في تراثنا العربي؛ لأنه وسيلة للسعادة، ومبعث للضحك، والضحك استعداد فطري في الإنسان لا يكتسبه بالتجربة، وهو انفعال إنساني خاص يتميز به الإنسان عن بقية المخلوقات، ولذلك يُعرَّف الإنسان عند علماء الاجتماع بأنه حيوان ضاحك، وله ككل الغرائز أركان ثلاثة: مؤثر أو باعث يستثيره، وحالة انفعالية مصاحبة، ووظيفة أو غاية يسعى إلى تحقيقها.

وقد استثارت ظاهرة الضحك من قديم الزمان اهتمام الفلاسفة وعلماء النفس، فعُني بدراستها كل من أفلاطون وأرسطو وشيشرون وديكارت واسبينوزا وهوبز ولوك وبرجسون وفرويد ومكدوجل وهوفدنج وغيرهم، ولا شك في أن هؤلاء العلماء والفلاسفة قد تعرضوا لبحث هذه الظاهرة من جميع جوانبها سواء من حيث العوامل المؤثرة في نموها أو من حيث وظائفها.

والضحك كأثر من آثار المزاح ظاهرة نفسية تصدر عن تلك الطبيعة البشرية المتقلبة التي سرعان ما تمل حياة الجد والصرامة والعبوس، فتلتمس في المزاح والضحك ترويحا عن نفسها، وتبحث في الفكاهة عن منفذ للتنفيس عن آلامها، وتسعى عن طريق النكتة نحو

صفحة مطبوعة 19 · ورقة PDF 20رابط الصفحة المنفردة

التهرب من الواقع الذي كثيرا ما يثقل كاهلها.

وفي تراثنا الإسلامي كنوز دفينة في هذا المجال تبدو في تضمين بعض رواة السُّنة أبوابًا لمرويات المزاح في كتبهم(6) ، واهتمام بعضهم بإفراد المزاح بمؤلفات كاملة تجمع شتات الوارد فيه من آثار(7) .

وعلى مستوى الأدباء يحفظ لنا تراثنا الأدبي ولع الجاحظ بالحديث عن المزاح والضحك، وهذا الولع والاهتمام من الجاحظ ليس قائمًا فقط على نزعته العلمية والفلسفية التي صبغت معظم ما تعرض له في دراساته العديدة من قضايا ومسائل ولكنه كان — إلى جانب ذلك — متصلاً بتكوينه النفسي المتسم بالظرف والدعابة وخفة الروح، فلقد تجاوز الجاحظ مرارة الإحساس بدمامة خلقته فانطلق من وراء ذلك إلى أفق عريض من السمو العقلي والنفسي، جعله يستقبل أمور الحياة كلها في رضا وابتسام حتى أنه كان يضحك من نفسه في بعض الأحيان لأنه كان يرى أن الضحك شيء في أصل الطباع وفى أساس التركيب، وهو أول خير يظهر من الصبي، وبه تطيب نفسه وعليه ينبت شحمه، ويكثر دمه الذي هو علة سروره ومادة قوته.

صفحة مطبوعة 20 · ورقة PDF 21رابط الصفحة المنفردة

ويلح الجاحظ في الدفاع عن الضحك مبينا أثره في حياة الإنسان وأنه جزء من طبيعته فيقول في بعض كتبه (ولو كان الضحك قبيحًا من الضاحك وقبيحًا من المضحك لما قيل للزهرة والحبرة والحلي والقصر المبني: «كأنه يضحك ضحكًا». وقد قال الله جل ذكره ﴿وَأَنَّهُۥ هُوَ أَضۡحَكَ وَأَبۡكَىٰ٤٣ وَأَنَّهُۥ هُوَ أَمَاتَ وَأَحۡيَا٤٤﴾ فوضع الضحك بحذاء الحياة، ووضع البكاء بحذاء الموت.

ثم يمضي الجاحظ في حديث طويل يحتج فيه للضحك، ويدافع عنه ويبين أثره وقيمته، ولكنه مع ذلك يضع للضحك حدودًا، وأنه لا ينبغي لأحد أن يجاوز هذه الحدود، يقول الجاحظ:

«وللضحك موضع وله مقدار، وللمزاح موضع وله مقدار، متى جاوزهما أحد وقصر عنهما أحد، صار الفاضل خطلاً والتقصير نقصًا. فالناس لم يعيبوا الضحك إلا بقدر، ولم يعيبوا المزاح إلا بقدر، ومتى أريد بالمزاح النفع، وبالضحك الشيء الذي جعل له الضحك، صار المزاح جدًا، والضحك وقارًا».

أهمية المزاح

إن الحاجة للترفيه عن النفس حاجة إنسانية ولها أهميتها، وعادة ما نجد أننا نضع الترفيه والنشاط الترفيهي في مكان جانبي من حياتنا، ولا نعطيه من الأهمية ما يليق به، ويتوقف ذلك على الوعي الترفيهي عند الفرد، وأن يدرك مدى أهميته بالنسبة له وللمجتمع. فالترفيه مظهر من مظاهر النشاط

صفحة مطبوعة 21 · ورقة PDF 22رابط الصفحة المنفردة

الإنساني، يتميز بالصحة والاتزان، والصحة هنا بمعناها الواسع الذي يشمل الصحة الجسمانية والعقلية والعاطفية، وليس فقط خلو الفرد من الضعف والمرض، فالمزاح يهدف إلى السعادة التي ينشدها كل فرد مهما يختلف الجنس واللون والعقيدة.

وقد أشار القرآن الكريم إلى السعادة الحقيقية موضحًا عواملها وأسبابها، فقال تعالى: ﴿مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ٩٧﴾ [النحل: 97].

والمزاح عادة يستطيع الإنسان أن يكتسبها وينميها في نفسه، ويتخذها منهجا لحياة تتسم بالاتزان والترفيه، مما يسهم في تحقيق التوازن في الحياة بين العمل والراحة، فتكتسب الحياة جمالاً في معناها، ويسهل تقبُّل صعوباتها بالترفيه والمزاح، وتصبح أكثر إشراقًا وأكثر بهجة.

ويُعَد المزاح أحد أهم الأنشطة الإنسانية الترويحية لما له من نتائج إيجابية تُجَمِّل حياة الفرد العلمية والعملية، فهو يساعده في تجديد طاقاته وتقويتها لمواكبة الأعمال الشاقة، والابتعاد عن رتابة العمل اليومي، كما يسهم المزاح بشكل ملحوظ في تقويم سلوكيات، مما يجعل إنجاز الأعمال في أعلى مستوياته.

ولهذا وجد الإنسان على مرّ الزمان طريقة للتعبير عن نفسه في شكل من الأشكال الترفيهية، ومهما يختلف الزمان والمكان فإن طبيعة الإنسان البشرية

صفحة مطبوعة 22 · ورقة PDF 23رابط الصفحة المنفردة

واحتياجات البشر واحدة، لا يميزها اللون أو الجنس أو العقيدة، وهناك نزعة طبيعية للإنسان ليمارس أنشطة يعبر فيها عن نفسه وأفكاره، واتجاهاته وآرائه، من خلال ما نسميه بالأنشطة الترفيهية والترويحية، ومن خلال النشاط الترفيهي يعبر الفرد عن مشاعره وأحاسيسه، وينمي ملكاته ويبتكر ويتفهم وينتج، وتنطلق طاقاته، وتظهر مواهبه، وتنمو معلوماته، وتتأثر اتجاهاته، ويتغير ويتطور سلوكه في اتجاه طيب، وهذا في ذاته هدف التربية الترويحية والترفيهية.

وقد ورد في السنة المطهرة معنى جليل من هذه المعاني النفسية، ينبني على المزاح فيما رواه أنس رضي الله عنه قال: إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخالطنا، حتى إن كان ليقول لأخ لي صغير: «يا أبا عمير! ما فعل النغير؟»(8) .

فقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما ظهر من أمارات في وجه الصبي من الحزن الكامن، حتى حكم بأنه حزين، فسأل أمه عن حزنه، وتلطف به ليدخل عليه الفرح والسرور(9) .

ويرى علماء النفس أن القابلية للفكاهة هى منبع السرور والبهجة فى الفطرة الإنسانية.

وكأن المزاح والفكاهة أسلحة تواجه بها الفطرة الإنسانية تجهم

صفحة مطبوعة 23 · ورقة PDF 24رابط الصفحة المنفردة

الجدية الصارمة.

ويعتقد علماء النفس أن المزاح ذو طبيعة متميزة تتجلى عبر صفات يوصف بها الإنسان الفرِح، مثل: تألق وجهه بشراً، وإشعاع الفرح من عينيه، وفيضان نور البشر من أساريره، ومن عناصرها الفعالة، أو مكوناتها النشطة: المرونة، والمفاجأة، أو مخالفة التوقع.

أما عن آراء الفلاسفة حول الضحك فقد تباينت.. فقد رأى «أفلاطون» أن الناس يضحكون من سوء حظ الآخرين، وقال «أرسطو»: إننا نجد المُضحك في النقائص غير المؤلمة لدى الآخرين، وتحدث «هوبز» عن البهجة المفاجئة المصحوبة بالفخر، والتي تؤدي إلى الضحك، وربط «فولتير» بين الضحك والاحتقار، وقال «كانط»: إن الضحك محصلة لتحول التوقعات والتمنيات الكبيرة إلى لا شيء، فنحن نسعى إلى عظائم الأمور، ونلقي فقط بعض الفتات والصغائر، وربط «برجسون» الضحك بذلك التناقض المدرك بين الحى والآلي الميكانيكي، وقال «ديكارت»: إن الضحك ينشأ عن اختلاط الصدمة بالبهجة أو المرح المعتدل، وقال «هربرت سبنسر»: إن الضحك في جوهره يشبه التفريغ للطاقة العصبية البالغة القوة التي لا تجد تنفساً آخر لها، وقال «جون ديوى»: إن الضحك هو العلامة المميزة لحالة الدهشة. وهذا «نيتشة» فيلسوف الحياة الخصبة العميقة، والإرادة القوية المنتصرة، يتحدث عن الضحك فيقول: «إننى لأعرف تماماً لماذا كان الإنسان هو الحيوان الوحيد الذى يضحك، فإنه لما كان الإنسان هو أعمق الموجودات

صفحة مطبوعة 24 · ورقة PDF 25رابط الصفحة المنفردة

ألماً، فقد كان لابد له من أن يخترع الضحك!... وإذن فإن أكثر الحيوانات تعساً وشقاء، هو بطبيعة الحال أكثرها بشاشة وانشراحًا».

ومن أهم نتائج الدراسات العلمية التي أجريت في مجال الضحك ما يجمله شاكر عبد الحميد في كتابه الصادر في سلسلة عالم المعرفة عن الفكاهة فيما يلي:

1 — يعمل الضحك على زيادة حالة الاستثارة والنشاط في المخ والجهاز العصبي.

2 — أثبتت الدراسات الحديثة أن الفكاهة والضحك والتفاؤل، أو أي انفعالات إيجابية أخرى، تعمل جميعها على تعزيز الجهاز المناعي وتقويته.

3 — يُحدث الضحك نشاطًا زائدًا في عضلات الوجه والحلق والفك، والحجاب الحاجز، والصدر والبطن، والعنق والظهر، وأحياناً الأطراف. أي يشترك في نشاط الضحك كثير من المراكز والمناطق العصبية والحركية للوجه والعنق والجهاز التنفسى، وغيرها....

4 عندما يضحك الإنسان تصدر عنه أصوات تكون على هيئة اندفاعات هواء من الرئتين تأخذ صيغة علامة الرفع في اللغة «ها ها ها»، أو علامة الضم «هو هو هو»، أو علامة الجر «هي هي هي»، ويحدث ذلك من خلال حركات تنفس على هيئة زفير إيقاعى ذي نمط متقطع، تستمر كل حركة واحدة منها نحو خمس ثواني (أما كل صوت

صفحة مطبوعة 25 · ورقة PDF 26رابط الصفحة المنفردة

مفرد مثل: «ها» أو «هي» فيستغرق جزءاً من 15 جزء من الثانية، ويعقب ذلك شهيق عميق لمدة ثلاث ثوان.

5 — خلال حالات أو انفجارات الضحك الطويلة المستمرة، قد يجد المرء صعوبة في أن يجلس أو يقف بشكل طبيعي، وقد يجد نفسه يهتز ويترنح ويحرك جسمه، أو يدفع رأسه إلى الوراء، ولا يستطيع السيطرة على نفسه، وقد يقوم ويجلس، وتتلوى عضلات الوجه وتعبيراته. إنه يكون في حالة من الانتشاء، وقد يحدث الضحك المستمر ألماً فعلياً في عضلات ما بين الضلوع والبطن، ولكنه يكون محتملاً في ضوء تلك المتعة التي يحققها.

6 — أوضحت الدراسات باستخدام جهاز رسم المخ أن الضحك يصاحبه نشاط تكاملي متزامن (يتم في الوقت نفسه) بين نصفي المخ الأيمن والأيسر، حيث يتعلق نصف المخ الأيمن بالنشاطات الخاصة بالتفكير في الصور والخيال والإبداع والانفعال والحركة، ويتعلق النصف الأيسر بالنشاطات اللغوية بشكل عام، والنشاطات ذات الطبيعة المتتابعة والمتسلسلة بشكل خاص، مما يعني أن الفكاهة والضحك تُحدث نشاطات متزامنة ومتكاملة في نصفي المخ.

كل هذه القيم التي يحفل بها جو المزاح والفكاهة، نجد لها جذورًا، وصورًا تطبيقية في تراثنا العربي والإسلامي، في إطار الضوابط الشرعية المبينة في ثنايا هذا البحث.

صفحة مطبوعة 26 · ورقة PDF 27رابط الصفحة المنفردة

فعلى سبيل المثال: ربما استهجن بعض آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم شيئا من المزاح في بيت النبوة، وقد حدث ذات مرة أن مزحت السيدة عائشة رضي الله عنها، فخشيت أمها أن تكون قد تجاوزت في ذلك، فاعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن هذا الحي من كنانة مشهور بالمزاح، وأن عائشة أخذت ذلك منهم، فأجابها صلى الله عليه وسلم بأن هذا المزاح من عادات حيهم أيضا من أهل قريش، فعن ابن أبي مليكة قال: مزحت عائشة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت أمها: يا رسول الله بعض دعابات هذا الحي من كنانة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بل بعض مزحنا هذا الحي(10) .

وقد توسع العلماء في حصر فوائد المزاح وما يترتب عليه من المرح والضحك، حتى في الجوانب الصحية فذكروا من الفوائد الفسيولوجية للضحك أنه:

يُحسِّن الأداء العقلي.

صفحة مطبوعة 27 · ورقة PDF 28رابط الصفحة المنفردة

يُنشط عضلات الجسم.

يزيد كفاءة عملية التنفس.

يُحفِّز.

يُقلل هرمونات التوتر.

يحد من ارتفاع ضغط الدم ويقلل أمراض القلب.

يُنشط دفاعات الجهاز المناعي.

ولقد أصبح المزاح في عالم اليوم ضرورة مهمة من ضرورات الحوار في هذا العصر، من أجل التغلب على المشكلات التي يموج بها عالمنا المعاصر، وعلى جميع المستويات: الدولية والقومية والمحلية، كون المزاح جزءًا لا يتجزأ في الحوارات العامة والخاصة التي تحكم العلاقات الإنسانية.

ومما تجدر الإشارة إليه أسس المزاح الفعال، ومن أهم هذه الأسس التزام أطراف المزاح بالصداقة بدلاً من العداوة، والتفهم بدلاً من الجهل، والانفتاح بدلاً من الانغلاق، والتعاون بدلاً من المجابهة. وبالطبع فإن التزام أطراف المزاح بهذه الأسس يثري بيئة الحوار، وتدفع عن المجالس كآبة الملل.

وتتضح إسهامات مهارة «أدب المزاح» في توفير بيئة تعليمية مثلى في مجال التعليم بصفة خاصة من خلال النقاط التالية:

1 — يشجع أسلوب المزاح على أخذ المتعلمين بأسلوب الممارسة العملية اللغوية والكلامية، وأحيانا البدنية، ولهذا الأسلوب فوائد جمة منها على سبيل المثال وليس الحصر أنه أسلوب يؤدي إلى إتقان العمل، والتعود على الدقة، وليس ذلك فحسب، بل توخي صحة النتائج، وتزايد الشعور بالمسئولية عن جودة العمل. وهذا بالطبع يشجع على توفير بيئة تعليمية جيدة.

2

صفحة مطبوعة 28 · ورقة PDF 29رابط الصفحة المنفردة

يساعد إتقان مهارة أدب المزاح على ابتعاد المتعلم عن الغرور، بل ميله إلى التواضع؛ لأنه من خلال هذه المهارة يضع يده على قدرات الآخرين الذين منهم أشخاص قد يتفوقون عليه في قدراتهم العقلية أو القدرة العامة، ومن ثم يتجه نحو التعامل مع الغير بندية وموضوعية وتواضع.

3 — يساعد إتقان مهارة «أدب المزاح» على ابتعاد المتعلم عن التواكل، وترك الكسل، مع تشجيع المتعلم على التركيز، وعدم شرود الذهن، ذلك لأنه يتوقع أن يمازحه المعلم وهو يحاوره ويناقشه في أية لحظة.

4 — يغرس أسلوب المزاح والمناقشة في نفوس المعلمين والمتعلمين على السواء قيم المرونة والانبساط والاعتدال، ويبتعد بهم عن مزالق الكبر والغرور.

5 — يساعد أسلوب المزاح والمناقشة في جذب انتباه المتعلمين وشحذ هممهم، وإعمال عقولهم، وابتعادهم عن الانقياد الأعمى.

6 — يساعد إتقان مهارة المزاح على غرس حب الإقناع والاقتناع في نفوس المتعلمين، ويبعدهم عن التفكير الخرافي، كما يبعدهم أيضًا عن الشعوذة والخزعبلات.

7 إتقان مهارة المزاح تنمي لدى المعلمين والمتعلمين وإن كانت في المتعلمين أشد القدرة على المواجهة، مع الثقة في النفس والميل

صفحة مطبوعة 29 · ورقة PDF 30رابط الصفحة المنفردة

إلى سعة الصدر.

8 — إذا كان الفهم سبيلاً للتعلم، فإن اقتران الفهم بالسرور، وانشراح الصدور الناجم عن المزاح، يزيد التعلم رسوخًا، سواء في التلقي والاحتفاظ، أو في التذكر والتحصيل، أو العمل بما تعلم، وإذا كان الإقناع والاقتناع لا يتأتيان إلا من خلال إجادة وإتقان مهارة أدب المزاح، إذاً تكون النتيجة أن إتقان هذه المهارة يساعد على توفير بيئة تعليمية مُثلى في ميدان التربية والتعليم بوجه عام.

9 — أدب المزاح يساعد كلا من المعلم والمتعلم على اكتساب مهارة «حرية التفكير»، ذلك لأن المزاح يقوم أول ما يقوم على الإقناع والاقتناع.

صفحة 31 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعةتفاصيل الصفحة
صفحة مطبوعة 32 · ورقة PDF 32رابط الصفحة المنفردة

الطرائق النبوية في تربية الآل والأصحاب

وموضع المزاح منها

1 — طريقة الأسوة الحسنة. 2 — الطريقة التفاعلية. 3 — طريقة الوصية. 4 — طريقة التكليف. 5 — طريقة استعمال الحركة في المزاح.
صفحة 33 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعةتفاصيل الصفحة
صفحة مطبوعة 33 · ورقة PDF 34رابط الصفحة المنفردة

الطرائق النبوية في تربية الآل والأصحاب وموضع المزاح منها

لقد ربى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم آل بيته وأصحابه أسمى تربية على المنهج القرآني، فكانت أمته خير أمة أخرجت للناس، بما قدمت من مبادئ ومثل، وقيم عليا متعددة، يكاد يجمعها حديث صححه الشيخ شعيب الأرناؤوط في تخريجه لصحيح ابن حبان عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تبسمك في وجه أخيك صدقة لك، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرجل في أرض الضلالة لك صدقة، وبصرك للرجل الرديء البصر لك صدقة، وإماطتك الحجر والشوكة والعظم عن الطريق لك صدقة، وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة)(11) .

وقد اتبع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في تربيته لآل بيته ولأصحابه عدة أساليب منها:

1 — طريقة الأسوة الحسنة

حاجة الناس إلى الأسوة الحسنة والقدوة الطيبة حاجة

صفحة مطبوعة 34 · ورقة PDF 35رابط الصفحة المنفردة

فطرية، تنبع من غريزة تكمن في نفوس البشر، هي حب التقليد، وهي رغبة ملحة تدفع التابع إلى محاكاة المتبوع، بحكم غريزة الانقياد الإيجابي الذي يرتقي بارتقاء المجتمع، حتى يبلغ في التربية الإسلامية ذروته من الوعي والسمو والهدف النبيل(12)

ووجود الأسوة الحسنة في أي مؤسسة أو جماعة من الناس، يترك أثرًا ملموسًا في إصلاح شأن هذه المؤسسة، لأن الأسوة الحسنة أعمق أثرًا من آلاف الدروس أو الخطب أو المحاضرات، فالناس لا يقتنعون بالكلام فقط، وإنما يؤثر فيهم الفعل والنموذج المحسوس الملموس، ولا قيمة لمعلومة بدون عمل بها، ولا لموعظة بدون تطبيقها.

وقد أثبتت إحدى الدراسات التربوية الحديثة أن انتشار الإسلام في بنجلاديش يرجع إلى اعتماد الصحابة في نشر الإسلام على التمسك بمبادئ التقوى والورع بدلاً من الإجبار(13) .

والرسول صلى الله عليه وآله وسلم هو المثل الأعلى لكل المسلمين بصفة عامة في حياته العامة والخاصة، كما نصَّ على ذلك الكتاب العزيز بقوله سبحانه وتعالى: ﴿لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا٢١﴾

صفحة مطبوعة 35 · ورقة PDF 36رابط الصفحة المنفردة

[الأحزاب: 21].

وقد كان الرسول عليه الصلاة والسلام خير قدوة للآل والأصحاب في السمات الشخصية، والأخلاقيات الخاصة والعامة أيضًا، ففي المعارك الحربية كان الرسول عليه الصلاة والسلام يضرب لهم المثل في الشجاعة والثبات في المعركة، فقد قيل للبراء بن عازب: أفررتم عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم حنين؟ فقال: لكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يفر، كانت هوازن رماة، وإنا لما حملنا عليهم انكشفوا، فأكببنا على الغنائم فاستقبلنا السهام، ولقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على بغلته البيضاء، وإن أبا سفيان آخذ بزمامها وهو يقول: «أنا النبي لا كذب»(14) .

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قدوة حسنة للآل والأصحاب في أداء الحقوق لأصحابها مهما تكن يسيرة أو كبيرة، وقد يكون المزاح في حالة كهذه وسيلة مناسبة لتليين القلوب وتحبيبها في رد الحقوق.

وكذلك كان عليه الصلاة والسلام القدوة للآل والأصحاب في الحلم وسعة الصدر، وتحمل أذى المخطئ غير المتعمد بل والمتعمد، فعندما قسّم غنائم حنين؛ قال رجل من المنافقين: هذه قسمة ما أريد بها وجه الله، فاحمرّ وجهه عليه الصلاة والسلام غضبًا، وقال: ويحك من يعدل إذا لم أعدل؟ ووثب خالد وعمر يستأذنان في ضرب عنقه فأبى، وقال: لا، لعله أن يكون يصلي، فقال خالد: وكم من مصلٍّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه! فعاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إني لم أومر أن أنقب عن قلوب

صفحة مطبوعة 36 · ورقة PDF 37رابط الصفحة المنفردة

الناس، ولا أن أشق عن بطونهم(15)

كما كان صلى الله عليه وآله وسلم المثل الأعلى للآل والأصحاب في مراعاة أحوال المتعلمين، فعن معاوية بن الحكم السلمي قال: «بينا نحن نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثكل أمّياه، ماشأنكم تنظرون إليّ؟ قال: فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يُصمّتوني لكنّي سكت، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فبأبي هو وأمي ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه، والله ما كهَرني، ولا شتمني، ولا ضربني، قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس هذا، إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن»(16) فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم يضرب المثل للمعلمين والدعاة في معاملة المتعلم بالرفق واللين، وعدم كهره أو نهره، بل ينبغي تصحيح الخطأ بالحكمة والموعظة الحسنة، ولعل مما يدلل على ذلك أيضا ما رواه أبو أمامة قال: إن فتى شابًا أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله، ائذن لي بالزنا، فأقبل القوم عليه فزجروه، قالوا: مه مه، فقال: ادنه، فدنا منه قريبًا، قال: فجلس، قال: أتحبه لأمك؟ قال: لا والله، جعلني الله فداك، قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم، قال: أفتحبه لابنتك؟ قال: لا

صفحة مطبوعة 37 · ورقة PDF 38رابط الصفحة المنفردة

والله يا رسول الله، جعلني الله فداك، قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم، قال: أفتحبه لأختك؟ قال: لا والله، جعلني الله فداك، قال: ولا الناس يحبونه لأخواتهم، قال: أفتحبه لعمتك؟ قال: لا والله، جعلني الله فداك، قال: ولا الناس يحبونه لعماتهم، قال: أفتحبه لخالتك؟ قال: لا والله، جعلني الله فداك، قال: ولا الناس يحبونه لخالاتهم، قال: فوضع يده عليه وقال: اللهم اغفر ذنبه، وطهّر قلبه، وحصّن فرْجه، فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء(17)

وقد حدثت مواقف مع الآل والأصحاب اهتم فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأن يكون قدوة حسنة لهم في الرفق والعفو، وكان للمرح والمزاح منها جانب واضح، فمن ذلك ما أخرجه مسلم في صحيحه وغيره عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه، أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ اتَّخَذَتْ يَوْمَ حُنَيْنٍ خِنْجَرًا، فَكَانَ مَعَهَا، فَرَآهَا أَبُو طَلْحَةَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذِهِ أُمُّ سُلَيْمٍ مَعَهَا خِنْجَرٌ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا هَذَا الْخِنْجَرُ؟» قَالَتْ: اتَّخَذْتُهُ إِنْ دَنَا مِنِّي أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، بَقَرْتُ بِهِ بَطْنَهُ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَضْحَكُ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، اقْتُلْ مَنْ بَعْدَنَا مِنَ الطُّلَقَاءِ انْهَزَمُوا بِكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «يَا أُمَّ سُلَيْمٍ، إِنَّ اللهَ قَدْ كَفَى وَأَحْسَنَ»(18) .

صفحة مطبوعة 38 · ورقة PDF 39رابط الصفحة المنفردة

2 — الطريقة التفاعلية

إن الاستماع إلى آراء الآخرين وأقوالهم، وتدارس الأفكار عن طريق تفتيق الكلام، وفحص الاحتمالات، طريقة ناجحة في التربية، تصقل مواهب الجلساء، وقدراتهم العقلية، وتزيد من خبراتهم، فهي تمثل أسلوبًا لاكتشاف القدرات والمواهب القيادية بين الأتباع من خلال الاستماع لآرائهم، ثم هي بعد ذلك أسلوب لتعليمهم وتدريبهم من خلال مشاركتهم في التخطيط، وسماعهم للآراء المختلفة، وخاصة في المواقف العصيبة، وهي طريقة تنمي عند الأتباع التفكير العلمي والعملي لمواجهة المواقف المختلفة.

وقد اتبع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هذه الطريقة مع الآل والأصحاب، وأمرهم باتباعه امتثالاً لقول الله عز وجل: ﴿وَشَاوِرۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِۖ فَإِذَا عَزَمۡتَ فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَوَكِّلِينَ١٥٩﴾ [آل عمران: 159]، وقوله تعالى: ﴿وَأَمۡرُهُمۡ شُورَىٰ بَيۡنَهُمۡ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ٣٨﴾ [الشورى: 38]، فحرص عليه الصلاة والسلام على تبادل الآراء مع آل بيته وأصحابه في كل أمور حياتهم، كما حدث في استشارته أصحابه في الخروج لجهاد المشركين في غزوة بدر، والاستماع لمشورة الحباب بن المنذر، والتي أسفرت عن عقلية ذكية وعبقرية حربية في تغيير موقع المسلمين ليسيطروا على مواقع المياه فيشربون ولا يشرب المشركون، وكذلك الاستماع لمشورة سعد بن معاذ ببناء عريش له عليه

صفحة مطبوعة 39 · ورقة PDF 40رابط الصفحة المنفردة

الصلاة والسلام(19)

وكان للمزاح مكانه الواضح في هذه الطريقة من التربية النبوية، كما يظهر فيما أخرجه ابن حبان في صحيحه عن جابر بن سمرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى الفجر جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس، وكانوا يجلسون فيتحدثون ويأخذون في أمر الجاهلية فيضحكون ويتبسم صلى الله عليه وسلم(20) .

فهذه الطريقة خير وسيلة لتربية الأمم وإعدادها للقيادة الرشيدة أن تُرَبى بالشورى، وأن تدرَّب على حمل التبعة، وأن تخطئ — مهما يكن الخطأ مريرًا وذا نتائج مريرة — لتعرف كيف تصحح خطأها، وكيف تتحمل تبعات رأيها وتصرفها، فهي لا تعلم الصواب إلا إذا زاولت الخطأ(21) .

3 — طريقة الوصية

تغطي الوصايا النبوية للآل والأصحاب جميع جوانب الحياة، وفي شتى مواقفها من عسكرية، وسياسية، وتربوية، فمن الوصايا العسكرية التي أوصى بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم آل بيته وصيته لأسامة بن زيد رضي الله عنه حيث قال له: «يا أسامة، سر على اسم الله وبركته حتى تنتهي إلى موضع مقتل أبيك، فأوطئهم الخيل، فقد ولّيتك على هذا الجيش، فأغِرْ صباحًا على أهل أبنى وحرِّق عليهم، وأسرع السير تسبق الخبر، فإن أظفرك الله فأقلل اللبث فيهم، وخذ معك الأدلاء، وقدم العيون أمامك والطلائع»(22) .

ومن الوصايا العسكرية لآل البيت وصيته لسيدنا علي بن أبي

صفحة مطبوعة 40 · ورقة PDF 41رابط الصفحة المنفردة

طالب رضي الله عنه حيث قال له: «امض ولا تلتفت، فإذا نزلت بساحتهم فلا تقاتلهم حتى يقاتلوك(23) وبالإضافة إلى ما اشتملت عليه الوصايا النبوية للقيادات العسكرية من مهارات قيادية؛ فقد اشتملت أيضًا على مبادئ وأخلاقيات للقيادة الإسلامية؛ سواء ما يتعلق منها بمعاملة الأتباع، أم ما يتعلق بمعاملة الأعداء، فمن الأول وصية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم للقائد بمن معه من المسلمين خيرًا، فلا غطرسة ولا تكبّر ولا ديكتاتورية، وإنما هي قيادة إسلامية تقوم على التعاون والتناصح والإيمان بالله والحب فيه، ومن الثاني بيان الرسول عليه الصلاة والسلام في وصاياه أن الجهاد في الإسلام ليس عدوانًا، بل إن أهدافه تتلخص في ثلاثة، أولها: حماية حرية نشر الدعوة، فليس من أهداف الجهاد في الإسلام نشر الدعوة قسرًا، وإنما حماية نشرها؛ لأن نشرها بالقوة معناه الإكراه، والله تعالى يقول ﴿لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشۡدُ مِنَ ٱلۡغَيِّۚ...﴾ [البقرة: 256]، ولكن هدف الجهاد في الإسلام هو حماية حرية العقيدة، وتأمين حرية انتشارها بين الناس(24) وثانيها: توطيد أركان السلام؛ حيث إن الأمة بغير جيش قوي عرضة للضياع، إذ يطمع فيها أعداؤها، ولا يهابون قوتها، فإذا كان لها جيش قوي؛ احترم العدو إرادتها، فلا

صفحة مطبوعة 41 · ورقة PDF 42رابط الصفحة المنفردة

تحدثه نفسه بالاعتداء عليها، فيسود عند ذلك السلام(25) قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَيۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمۡ لَا تَعۡلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعۡلَمُهُمۡۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيۡءٖ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيۡكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تُظۡلَمُونَ٦٠ ۞وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلۡمِ فَٱجۡنَحۡ لَهَا وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ٦١﴾ [الأنفال: 60، 61]، وقال: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱدۡخُلُواْ فِي ٱلسِّلۡمِ كَآفَّةٗ...﴾ [البقرة: 208]، وثالثها: الدفاع عن المسلمين، فالحرب في الإسلام حرب دفاعية، لا يبدأ المسلمون فيها بالاعتداء على أحد، ولا يقاتلون إلا مكرهين على القتال(26) وزاد (البنّا) على هذه الأهداف: تأديب ناكثي العهد من المعاهدين أو الفئة الباغية على جماعة المؤمنين، وإغاثة المظلومين من المؤمنين أينما كانوا، والانتصار لهم من الظالمين(27) وهكذا يتضح أن أهداف الجهاد في الإسلام أخلاقية بحتة، قوامها إحقاق الحق، وإزهاق الباطل، وترسيخ العدل، ونفي الظلم، وتعميم الخير، وكف الشر، وتأكيد الحرية والمساواة، ووأد القهر والتسلط، فالجهاد لا يكون إلا لله وفي سبيل الله(28)

فالوصايا النبوية للآل والأصحاب حثت على الرحمة والرفق بالرعية؛ كما اشتملت على بعض أحكام المعاملات بين الناس، منها ما هو عام كالنهي عن بيع ما لم يُقبض، وعن ربح ما لم

صفحة مطبوعة 42 · ورقة PDF 43رابط الصفحة المنفردة

يُضمن، وعن شرطين في بيع وسلف، فقد كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حريصًا على أن يزود الآل والأصحاب بكثير من النصائح التي تكفل لهم النجاح في مهماتهم، كوصيته لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه حين بعثه إلى اليمن قاضيًا، حيث قال له: «إذا جلس بين يديك الخصمان؛ فلا تقضين حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول، فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء»(29) ووصيته صلى الله عليه وآله وسلم لأبي موسى الأشعري، ومعاذ بن جبل عند إرسالهما إلى اليمن، حيث قال لهما: «يسّرا ولا تعسّرا، وبشّرا ولا تنفّرا، وتطاوعا ولا تختلفا»(30)

ووصيته لمعاذ بن جبل رضي الله عنه وهي كثيرة ومتنوعة، منها وصيته له حين بعثه إلى اليمن قائلا: «إنك ستأتي قومًا من أهل الكتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك؛ فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تُؤخذ من أغنيائهم فتُرد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك؛ فإياك وكرائم أموالهم، واتّقِ دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين

صفحة مطبوعة 43 · ورقة PDF 44رابط الصفحة المنفردة

الله حجاب»(31)

وكذلك ما روي من قوله عليه السلام لمعاذ: «يا معاذ، أوصيك وصية الأخ الشفيق، أوصيك بتقوى الله، وصدق الحديث، ووفاء العهد، وأداء الأمانة، وترك الخيانة، ورحمة اليتيم، وحفظ الجار، وكظم الغيظ، وخفض الجناح، وبذل السلام، ولين الكلام، ولزوم الإيمان، والتفقه في القرآن، وحب الآخرة، والجزع من الحساب، وقصر الأمل، وحسن العمل، وأنهاك أن تشتم مسلمًا، أو تكذّب صادقًا، أو تصدّق كاذبًا، أو تعصي إمامًا عادلاً، يا معاذ، اذكر الله عند كل حجر وشجر، وأحدث مع كل ذنب توبة، السر بالسر، والعلانية بالعلانية»، وزاد في رواية: «وعُد المريض، وأسرع في حوائج الأرامل والضعفاء، وجالس الفقراء والمساكين، وأنصف الناس من نفسك، وقل الحق ولا تأخذك في الله لومة لائم»(32) وقال له أيضًا: «إياك والتنعم؛ فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمّين»(33) ومن وصاياه له أيضًا عندما أرسله إلى اليمن: «يا معاذ، إني أحب لك ما أحب لنفسي، وأكره لك ما أكره لها، يا معاذ إني لو أعلم أنا نلتقي إلى يوم القيامة لأقصرت لك من الوصية، يا معاذ إن أحبكم إلي من لقيني يوم القيامة على مثل الحالة التي فارقني عليها»(34) وكتب له في عهده أن لا طلاق لامرئ فيما لا يملك، ولا عتق فيما لا يملك، ولا نذر في معصية، ولا في قطيعة رحم، ولا فيما لا يملك ابن آدم، وعلى أن تأخذ من كل حالم دينارًا أو

صفحة مطبوعة 44 · ورقة PDF 45رابط الصفحة المنفردة

عدله معافر، وعلى أن لا تمس القرآن إلا طاهرًا، وإنك إذا أتيت اليمن يسألونك نصارها عن مفتاح الجنة فقل: مفتاح الجنة لا إله إلا الله وحده لا شريك له(35)

وقد تختلط الوصية بالموعظة في المجالس النبوية، وفي هذه الحالات لا مناص من قبول المزاح والمفاكهة حتى يسهل تقبل المواعظ والوصايا، ولا تكون تعليمًا مباشرًا له ثقل على النفس، فقد أخرج البخاري في صحيحه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ يَوْمًا وَهُوَ يُحَدِّثُ وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ: «إِنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ عز وجل فِي الزَّرْعِ، فَقَالَ لَهُ رَبُّهُ عز وجل: أَلَسْتَ فِيمَا شِئْتَ؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنْ أُحِبُّ أَنْ أَزْرَعَ. قَالَ: فَبَذَرَ فَبَادَرَ الطَّرْفَ نَبَاتُهُ وَاسْتِوَاؤُهُ وَاسْتِحْصَادُهُ، فَكَانَ أَمْثَالَ الْجِبَالِ، قَالَ: فَيَقُولُ لَهُ رَبُّهُ عز وجل: دُونَكَ يَا ابْنَ آدَمَ، فَإِنَّهُ لَا يُشْبِعُكَ شَيْءٌ». قَالَ: فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: وَاللهِ لَا تَجِدُهُ إِلَّا قُرَشِيًّا أَوْ أَنْصَارِيًّا، فَإِنَّهُمْ أَصْحَابُ زَرْعٍ، وَأَمَّا نَحْنُ فَلَسْنَا بِأَصْحَابِهِ. قَالَ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم(36) .

4 — طريقة التكليف

من طرائق تربية النبي صلى الله عليه وآله وسلم للآل والأصحاب طريقة التكليف، والمقصود بها: إسناد مهمة لشخص ثم مراقبة سلوكه وطرق أدائه عن طريق الخبرة والممارسة(37) وهي طريقة تسهم في

صفحة مطبوعة 45 · ورقة PDF 46رابط الصفحة المنفردة

صقل المهارات؛ واكتشاف القدرات، فقد يمتلك شخص ما مقومات القيادة الفطرية ولكنها تبقى كامنة لديه، لا يقدرِّها هو أو لا يقدرها سواه، ودور ولي الأمر في اكتشافها هو تعريض من يأنسها فيه لمواطن التجربة؛ حيث توضع مواهبه على المحك الذي يُظهر حقيقتها؛ لأنّ معظم المقومات الذاتية لا تبرز بوضوح إلا عبر التجربة الحقيقية، وإثبات الوجود في مواطن الخبرة(38)

كما أن طريقة التكليف بمهام تغرس وتعزز في شخصية المكلَّف أخلاقًا تجعل حياة الفرد أكثر استقامة وسعادة، وتجعل المجتمع أكثر تماسكًا، منها الإتقان العملي، وتعوّد الدقة، وتوخي صحة النتائج، وشعور الإنسان بالمسؤولية عن صحة العمل، وهذا يجعل منهجية التربية الإسلامية منهجية حركية فكرية عاطفية، مبنية على الوعي والدقة وصحة الأداء(39) ، لذلك كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يضع من يتوسم فيهم امتلاك مقومات القيادة في بؤرة التجربة ويتابع أداءهم بنفسه.

وقد كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يكلف بعض الآل والأصحاب قيادة المدينة المنورة عاصمة الدولة، عند خروجه للغزو أو السفر، فقد كان غياب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في الغزوات يستمر لفترة طويلة، وفي هذه الفترة كان يستخلف على المدينة وهي حاضرة الدولة أحد الآل أو الأصحاب، بحيث يكون عليه أن يجتهد رأيه ويكد ذهنه ويفَعّل طاقاته ومواهبه وقدراته، لتسيير أمور الناس في غياب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بكل تريث وحكمة.

إن الرسول صلى الله

صفحة مطبوعة 46 · ورقة PDF 47رابط الصفحة المنفردة

عليه وآله وسلم حين اتبع طريقة التكليف بمهام في تربية الآل والأصحاب، أتاح لهم فرصة التطبيق العملي لما تعلموه نظريًّا من مهارات وأخلاقيات القيادة الإسلامية.

5 — طريقة استعمال الحركة في المزاح

ويظهر لنا من سيرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أنه في تربيته للآل والأصحاب كان يميل للمزاح بين الحين والآخر تطييبًا لنفوسهم، وتربية لمشاعرهم، وترقيقًا لأحاسيسهم، ولا يقف هذا المزاح عند حدود المزاح اللفظي، بل قد تظهر الحركة في المزاح كما في حديث عن أنس بن مالك أن رجلاً من أهل البادية يقال له: زاهر بن حرام كان يهدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم الهدية، فيجهزه رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن زاهرًا بادينا ونحن حاضروه). قال: فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبيع متاعه فاحتضنه من خلفه والرجل لا يبصره، فقال: أرسلني، من هذا؟ فالتفت إليه، فلما عرف أنه النبي صلى الله عليه وسلم جعل يلزق ظهره بصدره، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من يشتري هذا العبد؟)، فقال زاهر: تجدني يا رسول الله كاسدًا. قال: (لكنك عند الله لست بكاسد). أو قال صلى الله عليه وسلم: (بل أنت عند الله غالٍ)(40) .

ومن المزاح بالحركة مع آل البيت أيضًا ما أخرجه البغوي في السنن عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لَيَدْلَعُ

صفحة مطبوعة 47 · ورقة PDF 48رابط الصفحة المنفردة

لِسَانَهُ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، فَيَرَى الصَّبِيُّ حُمْرَةَ لِسَانِهِ، فَيَبْهَشُ إِلَيْهِ». (يقَالَ للْإنْسَان إِذا نظر إِلَى شَيْء فأعجبه، فأسرع إِلَيْهِ، وتناوله: بهش إِلَيْهِ)(41)

صفحة 49 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعةتفاصيل الصفحة
صفحة مطبوعة 50 · ورقة PDF 50رابط الصفحة المنفردة

الضوابط الشرعية للمزاح

1 — الصدق . 2 — الالتزام الخُلُقي. 3 — الاعتدال. 4 — تجنب المزاح المحرِّك للأحقاد والضغائن . 5 — عدم الترويع والتخويف. 6 — تجنب المزاح مع غير المحارم من النساء. 7 — استعمال حسن الفعل والقول في المزاح.
صفحة 51 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعةتفاصيل الصفحة
صفحة مطبوعة 51 · ورقة PDF 52رابط الصفحة المنفردة

الضوابط الشرعية للمزاح

تنبثق الضوابط الشرعية للمزاح من نبعين:

نبع شرعي

ينظر فيه المسلم المازح إلى المزاح على أنه وسيلة لا غاية، ويهتدي في ممارسته المزاح بالثابت الصحيح من السنة، وآثار الأنبياء السابقين، والصحابة، والتابعين، وبالأخص العلماء منهم لأنهم ورثة الأنبياء في إبلاغ رسالتهم الدينية والتعليمية إلى من لم يعاصرهم ولهذا النبع الشرعي أسانيده الصحيحة.

نبع اجتماعي

يُنظر فيه إلى المازح على أنه قدوة لأصحابه، وإذا كان معلمًا فهو قدوة لطلابه، ومن هنا يستحب أن تتوافر فيه شخصيًا وفيما يمازح به من أقوال وأفعال مزايا أخلاقية ليس من الضروري أن تتوفر في غيره من أرباب المهن الأخرى، وهذه المزايا الأخلاقية قد ترتفع أحيانًا إلى درجة المثالية، ومع ذلك تظل في المفهوم الاجتماعي «واقعية» بالنظر إلى مهنة التعليم بوصفها مهنة

صفحة مطبوعة 52 · ورقة PDF 53رابط الصفحة المنفردة

مقدسة اجتماعيًا.

والمراجعة المدققة لأنواع المزاح في تراثنا العربي الإسلامي كما ظهرت في السنة المطهرة، وتراث وتراجم كبار آل البيت والأصحاب، والأدباء والمؤرخين، توقفنا على أن هناك آدابًا وحدودًا تؤلف ضوابط شرعية لاستخدام المزاح. منها:

1 — الصدق

فالمزاح في الإسلام لا يقصد إلى اجتلاب الضحك والسرور بأي طريق، ولو كان بالاعتداء على الضوابط الأخلاقية، بل يقصد بالمزاح تنشيط العقول المجهَدَة لتبدع، والترويح عن النفوس المبتلاة لتهدأ وتطمئن وتتقبل الحياة بحلوها ومرها، وتتفاعل معها راضية مرضية، والتخفيف عن القلوب المتوجسة لتسكن وتهدأ، وتنفرج كربتها فتنطلق، وتدفع أصحابها للتكيف مع آلام الحياة وآمالها.

والأصل في هذا قول بعض الصحابة رضي الله عنهم: يا رسول الله! إنك تداعبنا؟! فقال: «إني لا أقول إلا حقًا»(42) .

وخرّج أبو داود والبخاري في الأدب المفرد من حديث خالد عن حميد، عن أنس رضي الله عنه أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله احملني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا حاملوك على ولد ناقة، قال: وما أصنع بولد ناقة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وهل تلد الإبل إلا النّوق؟(43) .

صفحة مطبوعة 53 · ورقة PDF 54رابط الصفحة المنفردة

وخرّج أبو داود من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: استأذن أبو بكر رضي الله عنه على النبي صلى الله عليه وسلم فسمع صوت عائشة — رضي الله عنها — عاليًا، فلما دخل تناولها ليلطمها وقال: ألا أراك ترفعين صوتك على رسول الله، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يحجزه، وخرج أبو بكر مغضبًا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم حين خرج أبو بكر: كيف رأيتني أنقذتك من الرجل؟ قال: فمكث أبو بكر رضي الله عنه أيامًا، ثم استأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدهما قد اصطلحا، فقال لهما: أدخلاني في سلمكما كما أدخلتماني في حربكما، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قد فعلنا قد فعلنا(44) .

كما خرج أبو داود حديث عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك وهو في قبة من أدم فسلمت فردّ، وقال: ادخل، فقلت: أكلّي يا رسول؟ قال: كلّك، فدخلت.

قال عثمان ابن أبي العاتكة، إنما قال أدخل كلى من صغر القبّة(45) .

وخرّج أبو عبد الله محمد بن أحمد بن يحيى بن مفرّج الأندلسي من حديث عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: مازح النبي صلى الله عليه وسلم رجلا فقال: ضرب الله عنقك!!، فقال الرجل: في سبيله يا رسول الله! قال صلى الله عليه وسلم: في سبيله.

صفحة مطبوعة 54 · ورقة PDF 55رابط الصفحة المنفردة

2 — الالتزام الخُلُقي

يجب على المسلم خلال ممارسته لأيِّ نوع من أنواع المزاح المختلفة أن يلتزم حدود ما أباحه الشَّرع المطهَّر، فلا يتعدّاه إلى غيره. ونعني بهذا أن تتم عملية المزاح في إطار أخلاقي يوفر للمتمازحين أعلى درجات الاحترام والتقدير، فلابد للمازح من أن يتحلى بحسن الخلق إذا أراد تحقيق هدفه الترويحي من المزاح، بحيث لا يجرح جلساءه أو محاوريه جميعًا بلفظ نابٍ، أو تعبير شاذ، أو موقف سخيف، وبحيث لا يجرح واحدًا من جلسائه يمزح معه بحيث يضحك منه غيره.

3 — الاعتدال

لا بد أن يقع المزاح في أوقات مناسبة، وبهدف سليم، أما أن يتخذه الإنسان مهنة وعملًا دائمًا، فهو من الغلط الكبير(46) .

أما المداومة؛ فلأنه اشتغال باللعب والهزل، واللعب مباح، ولكن المواظبة عليه مذمومة، وأما الإفراط فيه؛ فإنه يورث كثرة الضحك، وكثرة الضحك تميت القلب، وتورث الضغينة في بعض الأحوال، وتسقط المهابة والوقار(47) .

4 — تجنب المزاح المحرِّك للأحقاد والضغائن

قد أشار النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى التلازم الواقع بين المزاح والمخاصمة

صفحة مطبوعة 55 · ورقة PDF 56رابط الصفحة المنفردة

في كثير من الحالات؛ فقال: «لا تمار أخاك ولا تمازحه»(48) والمعنى: لا تجادل أخاك ولا تخاصمه ولا تمازحه بما يتأذى منه(49) فما يؤدي إلى تحريك العداوة بين الناس، وإشعال نار الحقد بينهم، أمر مذموم شرعًا ولو كان مزاحًا، أو غرضه المزاح.

وتجنبًا لإثارة الضغائن، يجب أن يتحلى المتمازحون بصفة الصبر التي تعني: (حبس النفس عن الجزع، والتسخط، وحبس اللسان عن الشكوى)، فلا يتم الحوار الذي يتخلله المزاح إلا بالحلم والصبر؛ لأن في الحلم خصلة وهي ضبط النفس، ومن كظم غيظه أمكنه معالجة الأمور الطارئة باتزان نفسي.

لذا يجب على المتمازحين أن تتسع صدورهم، ويكظموا غيظهم عند خطأ مازح لا يقصد الأذى بمزاحه، وأن يتخلقوا بهذا الخلق في مجالسهم بالصفح عن المخطئ، وتعديل سلوكه بأدب جم، وإن لهذه التطبيقات التربوية أثرها في واقعنا المعاصر في مجالس الناس:

1 — توثيق عرى المحبة بين المسلمين بعضهم وبعض.

2 — تحديد السلوك الإيجابي في الفرد والمجتمع.

3 — وجوب تحلي شخصية المازح بكفاية عالية من الأدب والحلم والاتزان.

وقال رسول

صفحة مطبوعة 56 · ورقة PDF 57رابط الصفحة المنفردة

الله صلى الله عليه وسلم وهو يحض على هذه الصفة (من كظم غيظًا وهو يستطيع أن ينفذه دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيِّره في أيِّ الحور شاء)(50)

5 — عدم الترويع والتخويف

حيث شرع المزاح في الإسلام لإدخال السرور والسعادة على النفس، لا لإدخال الخوف عليها، وذلك كأن يحمل طفلًا ويقذفه إلى أعلى بشكل يخيفه، أو يخفي متاعًا لصاحبه يعلم أن قلبه ينخلع عند فقده، أو يلقي على إنسان خبرًا حقيقيًّا ولكن بصورة مروِّعة، والأصل في ذلك قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم «لا يأخذ أحدكم متاع صاحبه لاعبًا ولا جادًّا، وإذا أخذ أحدكم عصا صاحبه فليردها إليه»(51) .

6 — تجنب المزاح مع غير المحارم من النساء

لا سيما إذا كان المزاح مع غير المحارم بابًا إلى الفاحشة(52) . وقد كان مزاحه صلى الله عليه وآله وسلم مع بعض النساء معالجة لضعف قلوبهن، من غير ميل إلى هزل(53) .

صفحة مطبوعة 57 · ورقة PDF 58رابط الصفحة المنفردة

7 — استعمال حسن الفعل والقول في المزاح

بأن يتجنب الكلام الفاحش والبذيء والثقيل الذي لا تقبله النفوس، ويبتعد في مزاحه عن القذف أو الغيبة أو النميمة، ويختار من أساليب الكلام أطيبها وأحبها إلى النفوس(54) .

المزاح في تراث آل البيت

صفحة 59 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعةتفاصيل الصفحة
صفحة مطبوعة 60 · ورقة PDF 60رابط الصفحة المنفردة
* من هم آل البيت؟ * فضل آل البيت ومكانتهم

صور من مزاح آل البيت

أ — مع أمهات المؤمنين ب — مع آل البيت العلويين ج — مواقف مزاح في سير بني العباس.
صفحة 61 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعةتفاصيل الصفحة
صفحة مطبوعة 61 · ورقة PDF 62رابط الصفحة المنفردة

المزاح في تراث آل البيت

من هم آل البيت؟

قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذۡهِبَ عَنكُمُ ٱلرِّجۡسَ أَهۡلَ ٱلۡبَيۡتِ وَيُطَهِّرَكُمۡ تَطۡهِيرٗا٣٣﴾ [الأحزاب: 33].

اختلف المفسرون في المقصودين بقوله تعالى ﴿أَهۡلَ ٱلۡبَيۡتِ﴾، فقال بعضهم: عُني به رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليّ وفاطمة والحسن والحسين رضوان الله عليهم(55) .

ورأي آخر يرى أنها نزلت في نساء النبي صلى الله عليه وسلم خاصة(56) .

وقد ذكر الطبري في تفسيره تفاصيل هذا الخلاف وأدلة كل فريق ولم يرجح، لكنه ساق أدلة كثيرة لأصحاب الرأي الثاني، في حين لم يسق إلا دليلاً واحدًا للفريق الأول، وكذلك فعل ابن أبي حاتم(57) ، والثعلبي(58) ، والواحدي(59) ، والبغوي(60) ، والقرطبي(61) ، وابن كثير(62) ، وغيرهم.

قال ابن

صفحة مطبوعة 62 · ورقة PDF 63رابط الصفحة المنفردة

كثير: «فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ أَنَّهُنَّ كُنَّ سَبَبَ النُّزُولِ دُونَ غَيْرِهِنَّ فَصَحِيحٌ، وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّهُنَّ الْمُرَادُ فَقَطْ دُونَ غيرهن ففيه نَظَرٌ، فَإِنَّهُ قَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ»(63)

الفريق الأول وأدلته

يرى هذا الفريق أن المقصود بأهل البيت: زوجات النبي صلى الله عليه وسلم.

قال الشوكاني: «وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي أَهْلِ الْبَيْتِ الْمَذْكُورِينَ فِي الْآيَةِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعِكْرِمَةُ، وَعَطَاءٌ، وَالْكَلْبِيُّ، وَمُقَاتِلٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إِنَّ أَهْلَ الْبَيْتِ الْمَذْكُورِينَ فِي الْآيَةِ هُنَّ زوجات النبيّ صلى الله عليه وسلم خَاصَّةً»(64) .

وَأخرج ابْن سعد عَن عُرْوَة رضي الله عنه ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذۡهِبَ عَنكُمُ ٱلرِّجۡسَ أَهۡلَ ٱلۡبَيۡتِ﴾ قَالَ: يَعْنِي أَزوَاج النَّبِي صلى الله عليه وسلم نزلت فِي بَيت عَائِشَة رضي الله عنها(65) .

وأخرج ابْن جرير وَابْن مرْدَوَيْه عَن عِكْرِمَة فِي قَوْله تعالى ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذۡهِبَ عَنكُمُ ٱلرِّجۡسَ أَهۡلَ ٱلۡبَيۡتِ﴾ قَالَ: لَيْسَ بِالَّذِي تذهبون إِلَيْهِ، إِنَّمَا هُوَ نسَاء النَّبِي صلى الله عليه وسلم(66) .

صفحة مطبوعة 63 · ورقة PDF 64رابط الصفحة المنفردة

حجة أصحاب هذا القول

قال الشوكاني: «قَالُوا: وَالْمُرَادُ بِالْبَيْتِ: بَيْتُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَمَسَاكِنُ زَوْجَاتِهِ لِقَوْلِهِ: ﴿وَٱذۡكُرۡنَ مَا يُتۡلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾. وَأَيْضًا السِّيَاقُ فِي الزَّوْجَاتِ مِنْ قوله: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّأَزۡوَٰجِكَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَٱذۡكُرۡنَ مَا يُتۡلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ وَٱلۡحِكۡمَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا٣٤﴾»(67) .

الفريق الثاني وأدلته

يرى هذا الفريق أن المقصود بأهل البيت: عَلِيٌّ، وَفَاطِمَةُ، وَالْحَسَنُ، وَالْحُسَيْنُ خَاصَّةً. رضي الله عنهم أجمعين.

قَالَه أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، وَمُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَرُوِيَ عَنْ الْكَلْبِيِّ(68) .

وقد أخرج ابن كثير أحاديث كثيرة تدل على ذلك فقال: «إنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَمُرُّ بباب فاطمة رضي الله عنها سِتَّةَ أَشْهُرٍ إِذَا خَرَجَ إِلَى صَلَاةِ الْفَجْرَ يَقُولُ: «الصَّلَاةُ يَا أَهْلَ الْبَيْتِ، إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.

وأخرج الْإِمَامُ أَحْمَدُ في مسنده: عن عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ

صفحة مطبوعة 64 · ورقة PDF 65رابط الصفحة المنفردة

عَنْ عَطَاءٍ بن أبي رباح، حدثني من سمع أم سلمة رضي الله عنها تَذْكُرُ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ فِي بَيْتِهَا، فَأَتَتْهُ فَاطِمَةُ رضي الله عنها ببرمة فيها خزيرة، فدخلت عليه بها فقال صلى الله عليه وسلم لَهَا: «ادْعِي زَوْجَكِ وَابْنَيْكِ»، قَالَتْ: فَجَاءَ عَلِيٌّ وحسن وحسين رضي الله عنهم، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَجَلَسُوا يَأْكُلُونَ مِنْ تِلْكَ الْخَزِيرَةِ وهو على منامة له، وكان تحته صلى الله عليه وسلم كِسَاءٌ خَيْبَرِيٌّ، قَالَتْ: وَأَنَا فِي الْحُجْرَةِ أُصَلِّي، فَأَنْزَلَ اللهُ عز وجل هَذِهِ الْآيَةَ ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذۡهِبَ عَنكُمُ ٱلرِّجۡسَ أَهۡلَ ٱلۡبَيۡتِ وَيُطَهِّرَكُمۡ تَطۡهِيرٗا٣٣﴾، قالت رضي الله عنها: فأخذ صلى الله عليه وسلم فَضْلَ الْكِسَاءِ فَغَطَّاهُمْ بِهِ، ثُمَّ أَخْرَجَ يَدَهُ فَأَلْوَى بِهَا إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي وَخَاصَّتِي، فَأَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا».

قَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها: خرج النبي صلى الله عليه وسلم ذَاتَ غَدَاةٍ وَعَلَيْهِ مِرْطٌ مُرَحَّلٌ مِنْ شَعْرٍ أَسْوَدَ، فَجَاءَ الْحَسَنُ رضي الله عنه فَأَدْخَلَهُ مَعَهُ، ثُمَّ جَاءَ الْحُسَيْنُ فَأَدْخَلَهُ مَعَهُ ثُمَّ جَاءَتْ فَاطِمَةُ فَأَدْخَلَهَا مَعَهُ ثُمَّ جَاءَ علي رضي الله عنه فأدخله معه، ثم قال صلى الله عليه وسلم: إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وعن الأعمش عن عطية عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم «نزلت هذه الآية في خمسة: في، وفي علي، وحسن، وحسين، وفاطمة، ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذۡهِبَ عَنكُمُ ٱلرِّجۡسَ أَهۡلَ ٱلۡبَيۡتِ وَيُطَهِّرَكُمۡ تَطۡهِيرٗا٣٣﴾(69) .

صفحة مطبوعة 65 · ورقة PDF 66رابط الصفحة المنفردة

وعَنْ أَبِي الْحَمْرَاءِ، قَالَ: رَابَطَتِ الْمَدِينَةُ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَيَوْمٍ وَاحِدٍ فَسَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ جَاءَ إِلَى بَابِ عَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ، فَقَالَ: الصَّلاةَ، ثَلاثًا: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذۡهِبَ عَنكُمُ ٱلرِّجۡسَ أَهۡلَ ٱلۡبَيۡتِ وَيُطَهِّرَكُمۡ تَطۡهِيرٗا٣٣﴾ [الأحزاب: 33](70) .

قال ابن حجر الهيتمي: «﴿إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذۡهِبَ عَنكُمُ ٱلرِّجۡسَ أَهۡلَ ٱلۡبَيۡتِ وَيُطَهِّرَكُمۡ تَطۡهِيرٗا٣٣﴾ [الأحزاب: 33]: أكثر المفسّرين على أنها نزلت في عليّ وفاطمة والحسن والحسين»(71) .

وقال في موضع آخر بعد تصحيح الصلاة على الآل:.. فالمراد بأهل البيت فيها وفي كلّ ما جاء في فضلهم أو فضل الآل أو ذوي القربى جميع آله صلى الله عليه وسلم وهم مؤمنو بني هاشم والمطّلب، وبه يعلم أنّه صلى الله عليه وسلم قال ذلك كلّه (مراده الروايات التي حذفت الآل كما في الصحيحين، والروايات التي أثبتت الآل) فحفظ بعض الرواة ما لم يحفظه الآخر، ثمّ عطف الأزواج والذرّيّة على الآل في كثير من الروايات يقتضي أنّهما ليسا من الآل، وهو واضح في الأزواج بناء على الأصحّ في الآل أنّهم مؤمنو بني هاشم والمطّلب، وأمّا الذرّيّة فمن الآل على سائر الأقوال، فذكرهم بعد الآل للإشارة إلى عظيم شرفهم(72) .

صفحة مطبوعة 66 · ورقة PDF 67رابط الصفحة المنفردة

فضل آل البيت ومكانتهم

ورد في فضل آل البيت أحاديث كثيرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تؤكد علو مكانتهم وسمو قدرهم في نفوس الصحابة والتابعين ومن تبعهم من أمة المسلمين في كل عصور الإسلام.

فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده، لا يُبغضنا — أهلَ البيت — رجل إلا أدخله الله النار»؛ رواه ابن حبان في صحيحه(73) في باب ذكر إيجاب الخلود في النار لمبغض أهل بيت المصطفى صلى الله عليه وسلم ، وحسنه الأرناؤوط.

وعن عروة قال: قالت عائشة لفاطمة رضي الله عنها بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا أبشرك؟! إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «سيدات نساء أهل الجنة أربع: مريم بنت عمران، وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وخديجة بنت خويلد، وآسية»(74) .

صفحة مطبوعة 67 · ورقة PDF 68رابط الصفحة المنفردة

صور من مزاح آل البيت

أ — مع أمهات المؤمنين رضي الله عنهن

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم المثل الأعلى والأسوة الحسنة في حياته الزوجية، وكان بيت النبوة — على جلال قدره — نموذجًا للبيت المسلم الحق في تفعيل معاني المودة والرحمة والسكينة، التي هي خلاصة معاني الزوجية في شريعة الإسلام. ومن الطبيعي، في هذه الحالة، أن نجد في تراث أمهات المؤمنين صورًا من التفاعل الحياتي المفعم بأرق معاني الحب والتواد والتراحم، وما يتطلبه ذلك من مزاح بين الحين والحين. وقد سأل رجل ابن عباس رضي الله عنهما فقال: أكان النبي صلى الله عليه وسلم يمزح؟ وكأن هذا السائل توجه إلى ابن عباس خاصة بهذا السؤال، ولعله كان يسأل عن حال النبي صلى الله عليه وسلم مع أقاربه، ومع أهل بيته، فقال: نعم. فقال الرجل: ما كان مزاحه؟ فقال ابن عباس: كسا النبي صلى الله عليه وسلم بعض نسائه ثوبًا واسعًا، فقال: البسيه واحمدي الله، وجُرِّي من ذيلك هذا كذيل العروس(75) .

وتدل كتب السيرة النبوية بوجه عام على مدى ما كانت تفيض به نفس النبي/ الزوج، والنبي/ الأب صلى الله عليه وسلم من حب وحنان

صفحة مطبوعة 68 · ورقة PDF 69رابط الصفحة المنفردة

ورحمة مع آل بيته.

فمن أمثلة ذلك ما ورد من أن أم المؤمنين السيدة سوْدة بنت زمعة زوج النبي صلى الله عليه وسلم كانت تُضحك النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالت له يومًا: صليتُ البارحة خلفك يا رسول الله، فركعتَ، فأمسكتُ بأنفي مخافة الدم أن يقطر — أي: مما طوَّلت في الركوع — فضحك النبي صلى الله عليه وسلم(76) .

ويروي لنا سيدنا أبو هريرة رضي الله عنه موقفًا طريفًا يُظهر لنا مدى ما كانت تتمتع به أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها وعن أبيها من روح الدعابة، وحب المرح، وإتقان المزاح المباح في غير إسراف، ولا جرح لمشاعر أحد.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن الضحاك بن سفيان الكلابي كان رجلاً دميمًا قبيحًا، فلما بايعه النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن عندي امرأتين أحسن من هذه الحميراء — وكانت عائشة حاضرة، قبل أن تنزل آية الحجاب — أفلا أنزل لك يا رسول الله عن إحداهما فتتزوجها؟ فقالت عائشة: أهي أحسن أم أنت؟ فقال: بل أنا أحسن منها وأكرم. فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم من سؤالها إياه؛ لأنه كان دميمًا(77) .

وهناك موقف آخر يؤكد لنا كيف كان البيت النبوي مؤسسًا على الحب

صفحة مطبوعة 69 · ورقة PDF 70رابط الصفحة المنفردة

الصادق، والمودة والرحمة، ويتسع لصنوف المرح والمزاح اليومي اللطيف.

ومن مزاحه مع أهل بيته ما رواه النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: استأذن أبو بكر على النبي صلى الله عليه وسلم فسمع صوت عائشة عاليًا، فلما دخل تناولها ليلطمها، وقال: لا أراك ترفعين صوتك على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يحجزه(78) ، وخرج أبو بكر مغضبًا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم حين خرج أبو بكر: «كيف رأيتني أنقذتك(79) من الرجل».

قال الراوي: فمكث أبو بكر أيامًا، ثم استأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدهما قد اصطلحا، فقال لهما: أدخلاني في سلمكما كما أدخلتماني في حربكما، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «قد فعلنا»(80) .

وعنها رضي الله عنها وعن أبيها، قالت: خرجتُ مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره وأنا جارية لم أحمل اللحم ولم أبدن، فقال للناس: تقدموا؛ فتقدموا. ثم

صفحة مطبوعة 70 · ورقة PDF 71رابط الصفحة المنفردة

قال لي: تعالي حتى أسابقك؛ فسابقته فسبقته. فسكت عني حتى إذا حملت اللحم وبَدِنت ونسيت، خرجت معه في بعض أسفاره، فقال للناس: تقدموا؛ فتقدموا. ثم قال: تعالي حتى أسابقك؛ فسابقته فسبقني، فجعل يضحك وهو يقول: «هذه بتلك»(81)

وروى مسلم عنها — رضي الله عنها — قالت: تزوجني رسول الله — صلى الله عليه وسلم — وأنا بنت ست سنين، وبنى بي وأنا بنت تسع سنين(82) .

قالت: وكانت تأتيني صواحبي، فكنّ ينقمعن من رسول الله — صلى الله عليه وسلم ، قالت: فكان النبي — صلى الله عليه وسلم — يسربهن إليَّ(83) .

وروى ابن سعد عنها — رضي الله عنها — قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولِ اللهِ — صلى الله عليه وسلم — يَوْمًا وَأَنَا أَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ فَقَالَ: مَا هَذَا يَا عَائِشَةُ؟ فَقُلْتُ خَيْلُ سُلَيْمَانَ. فَضَحِكَ(84) .

وروى ابن أبي خيثمة عنها — رضي الله عنها — قالت: تزوجني رسول الله — صلى الله عليه وسلم — وأنا ابنة ست بمكة وتركني ثلاثًا، ثم دخل بي وأنا ابنة تسع بالمدينة مع بناتي يعني اللعب، وصواحباتي جوار صغار، يأتينني، فيطلعن، فإذا رأين رسول الله — صلى الله عليه وسلم — رجفن، فكان إذا رأى ذلك يجود ثم يسربهن علي رسول الله — صلى الله عليه وسلم(85) — .

تدلنا

صفحة مطبوعة 71 · ورقة PDF 72رابط الصفحة المنفردة

هذه الروايات على ما يجب على المؤمنين من التبسط مع أهل البيت والأبناء والبنات والأصدقاء والزملاء في العمل، اقتداءً بحسن أخلاقه وطلاقة وجهه صلى الله عليه وسلم.

ولفظ: (يتقمعن) أو (ينقمعن) في الحديث يعنى أنه صلى الله عليه وسلم لمَّا دخل البيت خافت الجواري صديقات أم المؤمنين، وتسربن إلى خارج البيت النبوي لهيبته وخوفهن منه صلى الله عليه وسلم، يقال للإنسان قد انقمع وقمع: إذا دخل في الشيء أو دخل بعضه فى بعض. وقال اللغويون: ومنه سمي القمع الذى يصب فيه الدهن وغيره؛ لأنه يدخل فى الإناء. ويستفاد من الحديث: الرخصة فى اللُّعَب التي تلعب بها الجواري وهى البنات فجاءت فيها الرخصة وهى تماثيل.

قال شيخنا العلامة الدكتور موسى شاهين لاشين رحمه الله في كتابه القيم (المنهل الحديث في شرح الحديث)(86) :

«وما يباح أيام العيد للشاب والفتاة، لا يباح للعالم والشيخ الصالح، وما يباح للصبي والصبية، لا يباح للرجل والمرأة، ثم لا بد من التحكم في مقدار هذا اللهو المباح، بحيث لا يطول ويطغى على هدف المسلم من الحياة، فحين لعب الحبش بالحراب في الشوارع يوم العيد، وأخذوا يرقصون والصبيان حولهم، ومروا ببيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال لعائشة: أتحبين أن تنظري إليهم؟ قالت: نعم، ففتح النافذة وأقامها وراءه يسترها بثوبه تنظر من بين أذنيه، فلما طال بها

صفحة مطبوعة 72 · ورقة PDF 73رابط الصفحة المنفردة

اللهو قال لها: أما شبعت؟ قالت: لا، فانتظر قليلاً، ثم قال: أما شبعت؟ قالت: لا. فقال لها بعد الثالثة: حسبك.

ولقد دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على عائشة وهي دون البلوغ، وكان يقول عنها إذا رأى ميلها إلى اللهو: «اقدروا قدر الجارية الحديثة السن الحريصة على اللهو»، وكان صلى الله عليه وسلم خير من يقدر لعائشة هذا الميل، ويسمح لها بمزاولة هذا اللهو، لقد رأى مرة في رف حجرتها خيلاً من صلصال صنعته عائشة بيدها، فقال: ما هذا يا عائشة؟ قالت: خيل. قال: خيل لها أجنحة؟ قالت: أما علمت أن خيل سليمان كانت لها أجنحة، فتبسم صلى الله عليه وسلم، وموضوع حديثنا من هذا القبيل، في يوم من أيام العيد دعت عائشة جاريتين تجيدان الغناء والضرب بالدف إلى بيتها، وجلست معهما تغني وتغنيان بأشعار من أشعار الجاهلية، ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم والبيت يضج بالغناء وصوت الطبل، فلم يؤنب، ولم يزجر، ولم ينكر، بل مر مرور الكرام حتى وصل إلى سريره فاضطجع محولاً وجهه عن الساحة، وتغشى بثوبه، وجاء بعده أبو بكر، فدخل فارتاع للمنظر ونهر عائشة والجاريتين، وقال: مزمارة الشيطان في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! هذا لا يليق، فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وجهه، وقال: دعها يا أبا بكر، فإن لكل قوم عيدًا، وهذا اليوم عيدنا، فاستجاب أبو بكر للأمر، وانشغل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأت عائشة انشغالهما، غمزت الجاريتين، وطلبت منهما الانصراف فانصرفتا.

صفحة مطبوعة 73 · ورقة PDF 74رابط الصفحة المنفردة

[ويؤخذ من الحديث]:

من تحويل وجهه صلى الله عليه وسلم يؤخذ ترفع ذوي المروءات وأصحاب المقامات عن مجالسة مثل ذلك. مشروعية التوسعة على العيال في أيام الأعياد بأنواع ما يحصل لهم بسط النفس، وترويح البدن، من متاعب الحياة، ومشاق العبادة مشروعية إظهار السرور في الأعياد، وأن ذلك من شعار الدين جواز دخول الرجل على ابنته وهي عند زوجها إذا كان له بذلك عادة ورضي به الزوج. إنكار ما استقر عنده أنه منكر، فقد أنكر أبو بكر مزمارة الشيطان ظنًا منه أنهن فعلن ذلك بغير علمه صلى الله عليه وسلم، لكونه دخل فوجده مغطى بثوبه، فظنه نائماً، فتوجه بالإنكار على ابنته مستصحبًا ما تقرر عنده من منع الغناء واللهو، فلا يقال: كيف أنكر الصديق شيئًا أقره النبي صلى الله عليه وسلم وفي الحديث الرفق بالزوجة واستجلاب مودتها. ومراعاة الخواطر والأحاسيس، ذلك أن عائشة رضي الله عنها راعت خاطر أبيها، وخشيت غضبه، فغمزت الجاريتين وأخرجتهما، على الرغم من ترخيص النبي صلى الله عليه وسلم لها، واكتفت رضي الله عنها بالإشارة والغمز حياء من الكلام بحضرة من هو أكبر منها، والله

صفحة مطبوعة 74 · ورقة PDF 75رابط الصفحة المنفردة

أعلم.

ومن أشهر مواقف المزاح عند أمهات المؤمنين ما ورد عن عائشة رضي الله عنها، قالت: «كان عندي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسودة بنت زمعة، فصنعتُ حريرة — عصيدة، تصنع من الدقيق واللبن والدسم — وجئت به، فقلت لسودة: كلي. فقالت: لا أُحب. فقلتُ: والله لتأكلن أو لألطخن به وجهك. فقالت: ما أنا بذائقته. فأخذتُ بيدي من الصحفة شيئًا منه فلطَّختُ به وجهها، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس بيني وبينها، فخفض رسول الله ركبتيه لتستقيد مني، فتناولتْ من الصحفة شيئًا، فمسحتْ به وجهي، وجعل رسول الله يضحك»(87) .

وكما قلنا، كان البيت النبوي في جميع الأوقات منبعًا ثريًّا للرحمة والتواد، ولا تخلو مواقفه اليومية من جو المرح والممازحة، فقد أخرج الطبراني في المعجم الكبير رواية عن أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها، تظهر فيها رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بالأطفال الصغار، وحبه ممازحتهم إدخالاً للسرور على أمهاتهم.

فعن أُمُّ سَلَمَةَ رضي الله عنها قالت: لَمَّا خَطَبَنِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قُلْتُ لَهُ: فِيَّ خِلَالٌ ثَلَاثٌ، أَنَا كَبِيرَةُ السِّنِّ، وَأَنَا امْرَأَةٌ مُطَفَّلٌ، وَأَنَا امْرَأَةٌ شَدِيدَةُ الْغَيْرَةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «أَمَّا الْأَطْفَالُ فَهُمْ إِلَى اللهِ وَإِلَى رَسُولِهِ، وَأَمَّا الْغَيْرَةُ فَأَدْعُو اللهَ أَنْ يُذْهِبَهَا عَنْكِ، وَأَمَّا السِّنُّ فَأَنَا أَكْبَرُ مِنْكِ سِنًّا»، فَتَزَوَّجَهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَهِيَ تُرْضِعُ بِنْتَهَا زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ، فَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَدْخُلُ وَيَخْرُجُ وَلَا يَقْرَبُهَا، وَكَانَ يُمَازِحُ ابْنَتَهَا إِذَا دَخَلَ،

صفحة مطبوعة 75 · ورقة PDF 76رابط الصفحة المنفردة

فَدَخَلَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، فَقَالَ: أَيْنَ ابْنَتَكُمْ هَذِهِ الَّتِي قَدْ شَغَلَتْ أَهْلَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَأَخَذَهَا فَاسْتَرْضَعَ لَهَا سَعْيًا، فَدَخَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: «أَيْنَ زُنَابُ؟»، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: دَخَلَ عَمَّارٌ فَأَخَذَهَا فَاسْتَرْضَعَ لَهَا سَعْيًا، فَدَخَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِأَهْلِهِ(88)

وحتى حين يتعلق الأمر بالطبيعة الإنسانية، وما تتضمنه بالضرورة من مشاعر الغيرة التي لا تخلو منها النساء، نجد في سيرة أمهات المؤمنين مواقف لا تخلو من مزاح ومرح يخفف من غلواء تلك المشاعر.

فمن ذلك ما رواه الطبراني في الكبير وأبو يعلى في مسنده بسنديهما عن عُلَيْلَة بِنْتِ الْكُمَيْتِ، قَالَتْ: حَدَّثَتْنِي أُمِّي أَمِينَةُ، أَنَّهَا حَدَّثَتْهَا أَمَةُ اللهِ بِنْتُ رُزَيْنَةَ، عَنْ أُمِّهَا رُزَيْنَةَ مَوْلَاةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّ سَوْدَةَ الْيَمَانِيَّةَ جَاءَتْ عَائِشَةَ تَزُورُهَا، وَعِنْدَهَا حَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ، فَجَاءَتْ سَوْدَةُ فِي هَيْئَةٍ، وَفِي حَالٍ حَسَنَةٍ، عَلَيْهَا دِرْعٌ مِنْ بُرُودِ الْيَمَنِ، وَخِمَارٌ كَذَلِكَ، وَعَلَيْهَا نُقْطَتَانِ مِثْلُ الْعَدَسَتَيْنِ مِنْ صَبِرٍ وَزَعْفَرَانَ فِي مُؤْقَيْهَا قَالَتْ عُلَيْلَةُ: وَأَدْرَكْتُ النِّسَاءَ يَتَزَيَّنَّ بِهِ

صفحة مطبوعة 76 · ورقة PDF 77رابط الصفحة المنفردة

فَقَالَتْ حَفْصَةُ لِعَائِشَةَ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، يَجِيءُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَشِقًا، وَهَذِهِ بَيْنَنَا تَبْرُقُ؟

[الفَشَق: المباغتة. والمعنى يجيئنا فجأة. وفي لسان العرب: وَقِيلَ: الفَشَقُ أَن يَتْرُكَ هَذَا وَيَأْخُذَ هَذَا رَغْبَةً]

فَقَالَتْ لَهَا أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ: اتَّقِي اللهَ يَا حَفْصَةُ، اتَّقِي اللهَ يَا حَفْصَةُ. قَالَتْ: لَأُفْسِدَنَّ عَلَيْهَا زِينَتَهَا!! قَالَتْ: مَا تَقُلْن؟، وَكَانَ فِي أُذُنِهَا ثِقَلٌ، قَالَتْ لَهَا حَفْصَةُ: يَا سَوْدَةُ خَرَجَ الْأَعْوَرُ [أي الدجال]!! قَالَتْ: نَعَمْ، فَفَزِعَتْ فَزَعًا شَدِيدًا، فَجَعَلَتْ تَنْتَفِضُ، وقَالَتْ: أَيْنَ أَخْتَبِئُ؟ قَالَتْ: عَلَيْكِ بِالْخَيْمَةِ — خَيْمَةٌ لَهُمْ مِنْ سَعَفٍ يَطْبُخُونَ فِيهَا — فَذَهَبَتْ فَاخْتَبَأَتْ فِيهَا، وَفِيهَا الْقَذَرُ وَنَسْجُ الْعَنْكَبُوتِ!! فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَهُمَا تَضْحَكَانِ لَا تَسْتَطِيعَانِ أَنْ تَتَكَلَّمَا مِنَ الضَّحِكِ، قَالَ: «مَاذَا الضَّحِكُ؟»، ثَلَاثَ مِرَارٍ، فَأَوْمَأَتَا بِأَيْدِيهِمَا إِلَى الْخَيْمَةِ، فَذَهَبَ فَإِذَا سَوْدَةُ تُرْعَدُ، فَقَالَ لَهَا: «يَا سَوْدَةُ، مَا لَكِ؟»، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، خَرَجَ الْأَعْوَرُ!! قَالَ: «مَا خَرَجَ، وَلَيَخْرُجَنَّ، مَا خَرَجَ وَلَيَخْرُجَنَّ، مَا خَرَجَ وَلَيَخْرُجَنَّ»، ثُمَّ دَخَلَ فَأَخْرَجَهَا، فَجَعَلَ يَنْفُضُ عَنْهَا الْغُبَارَ وَنَسْجَ الْعَنْكَبُوتِ(89) .

وعن ابن أبي مليكة قال: مزحت عائشة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت أمها: يا رسول الله بعض دعابات هذا الحي من كنانة. قال النبي صلى الله عليه وسلم بل بعض مزحنا هذا الحي(90) .

صفحة مطبوعة 77 · ورقة PDF 78رابط الصفحة المنفردة

ب — مع آل البيت العلويين

ورد في كتاب بغية الطلب عن صدقة بن بشر قال: سمعت حسين بن زيد يمزح مع جعفر بن محمد فيقول له: خذلت شيعتك أبي حتى قتل، فقال له جعفر: إن أباك اشتهى البطيخ بالسكر(91) .

وقال حميد بن هلال: سأل عقيلٌ عليًّا، وشكى حاجته، قال: اصبر حتى يخرج عطائي، فألح عليه فقال: انطلق فخذ ما في حوانيت الناس.

قال: تريد أن تتخذني سارقًا؟ قال: وأنت تريد أن تتخذني سارقًا، وأعطيك أموال الناس؟ فقال: لآتين معاوية.!! قال: أنت وذاك. فسار إلى معاوية، فأعطاه مئة ألف، وقال: اصعد على المنبر فاذكر ما أولاك علي وما أوليتك، فصعد وقال: يا أيها الناس! إني أردت عليًّا على دينه، فاختار دينه عَلَيَّ، وأردت معاوية على دينه، فاختارني على دينه. فقال معاوية: هذا الذي تزعم قريش أنه أحمق!!.

وقيل: إن معاوية قال لهم: هذا عقيل وعمه أبو لهب، فقال: هذا معاوية وعمته حمالة الحطب(92) .

وعن بكر بن أبي محمد قال: أَهدى المجوس لعلي بن أبي طالب فالوذجاً فقال علُّي: ما هذا؟ فقيل له: اليوم النيروز. فقال عليّ: ليكن كلُّ يومٍ نيروزاً، وأَكَل.

صفحة مطبوعة 78 · ورقة PDF 79رابط الصفحة المنفردة

وفي رواية قيل له: اليوم المِهرَجان، فقال: مَهرِجُونا كل يوم!!

وعن عمرو بن دينار، عن محمد بن علي، قال: طرحت لعلي بن أبي طالب وسادة فجلس عليها، وقال: لا يأَبي الكرامةَ إِلاّ حمارٌ!!.

من مزاح السيدة سكينة رضي الله عنها

يصف الرواة السيدة سكينة بنت الحسين رضي الله عنهما بأنها كانت صاحبة دعابة وممازحة في غير إسفاف، قال محمد بن سلام كانت سُكينة مزاحة، فلسعتها دبرة، فولولت، فقالت لها أمتها: مالك يا سيدتي؟ وجزعت، فقالت: لسعتني دبيرة مثل الأبيرة فأوجعتني قطيرة(93) .

وروى عنها واقعة أخرى فقال: قال هارون بن أبي عبيد الله: حدثني ضمرة بن ضمرة قال: أجلست سكينة شيخًا فارسيًا على سلة بيض، وبعثت إلى سليمان بن يسار كأنها تريد أن تسأله عن شيء، فجاءها إكرامًا لها، فأمرت من أخرج إليه ذلك الشيخ جالسًا على السلة فيها البيض فولى يسبح.

قال: وبعثت سكينة إلى صاحب الشرطة بالمدينة أنه دخل علينا شامي، فابعث إلينا بالشُّرَط، فركب ومعه الشُّرَط، فلما أتى إلى الباب أمرت ففتح له، وأمرت جارية من جواريها فأخرجت إليه برغوثًا!! فقال: ما هذا؟ قالت: هذا الشامي الذي شكوناه!! فانصرفوا يضحكون.

صفحة مطبوعة 79 · ورقة PDF 80رابط الصفحة المنفردة

موقف مزاح طريف مع الحسن بن الحسن بن علي رضي الله عنهم

روى صاحب الأغاني وصاحب الوافي بالوفيات وغيرهما حكاية طريفة ضاحكة عن مُغَنٍّ شهير عاش بالمدينة المنورة يقال له «ابن عائشة»، قالوا: إنه لم يكن بالمدينة أظرف مجلسًا ولا أكثر تطيبًا منه!!

وكان يصلح أن يكون نديم خليفة أو سمير ملك، ولكنه كان تائهًا [من التِّيه = متكبرًا] سيىء الخلق، فإن قال له إنسان تَغَنَّ. قال: ألِمثلي يُقال هذا؟ وإن قال له إنسان وقد ابتدأ هو بغناء: أحسنت، قال: ألمثلي يُقال أحسنت؟ ثم يسكت!!

فكان قليلاً ما يُنتفَع به، فسال وادي العقيق يومًا ما، فخرج الناس جميعًا ليروا أثر السيل في البيوت التي تضررت منه، وخرج ابن عائشة فيمن خرج، فبينا هم كذلك، إذ طلع الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام على بغلة، وخلفه غلامان أسودان كأنهما من الشياطين!! فقال لهما: امضيا رويدًا حتى تقفا بأصل القرن الذي عليه ابن عائشة. فخرجا حتى فعلا ذلك، ثم ناداه الحسن: كيف أصبحت يا ابن عائشة؟ قال: بخير فداك أبي وأمي. قال الحسن: انظر مَنْ إلى جنبك؟ فنظر فإذا العبدان المُخيفان!! فقال له الحسن: أتعرفهما؟ قال: نعم. قال الحسن: فهما حُرَّانِ، لئن لم تغنني مائة صوت لآمرنَّهما بطرحك في البئر وهما حران لئن لم يفعلا لأقطعن أيديهما!! فاندفع ابن عائشة فكان أول ما ابتدأ به:

صفحة مطبوعة 80 · ورقة PDF 81رابط الصفحة المنفردة
ألا لله درُّكَ منفَتى قومٍ إذا رَهِبُوا
وقالوا مَنْ فتىً للحربيَرْقُبُنا ويَرْتَقبُ
فكنتَ فتاهمُ فيهاإذا تُدْعَى لها تَثِبُ
ذكرتُ أخي فعاوَدَنِيرُدَاعُ السُّقْمِ والوَصَبُ
كما يعتاد ذات «البَوّ»بعد سُلُوّها الطَّربُ
على عَبْد بن زُهْرةَ بتّطولَ الليل أنتحبُ

[البو: جلد يحشى تبنًا ويجفف ليكلا تخبث رائحته، ويدنى إلى الناقة التي قد نحر فصيلها أو مات لتشمه فتدر عليه]

ثم لم يسكت حتى غنى مائة صوت.

فيقال إن الناس لم يسمعوا من ابن عائشة أكثر مما سمعوا في ذلك اليوم، وكان آخر ما غنى:

قل للمنازل بالظَّهْرَانِ قد حاناأن تنطقي فتُبِينِي القول تِبْيَانَا

قال جرير: فما رئي يوم أحسن منه، ولقد سمع الناس شيئًا لم يسمعوا مثله، وما بلغني أن أحدًا تشاغل عن استماع غنائه بشيء، ولا انصرف أحد لقضاء حاجة ولا لغير ذلك حتى فرغ، ولقد تبادر الناس من المدينة وما حولها حيث بلغهم الخبر لاستماع غنائه، فيقال إنه ما رئي جمع في ذلك الموضع مثل ذلك الجمع، ولقد رفع الناس أصواتهم يقولون له: أحسنت والله، أحسنت والله، ثم انصرفوا حوله يزفونه إلى المدينة زفًا(94) .

صفحة مطبوعة 81 · ورقة PDF 82رابط الصفحة المنفردة

وعن موقف آخر للحسن بن الحسن قال صاحب الأغاني راويًا عن شعيب بن عبيدة بن أشعب، عن أبيه، قال:

كان الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام يعبث بأبي أشد عبث، وربما أراه في عبثه أنه قد ثمل، وأنه يعربد عليه، ثم يخرج إليه بسيف مسلول، ويريه أنه يريد قتله، فيجري بينهما في ذلك كل مُستمع، فهجره أبي مدة طويلة، ثم لقيه يومًا فقال له: يا أشعب هجرتني وقطعتني ونسيت عهدي. فقال له: بأبي أنت وأمي، لو كنت تعربد بغير السيف ما هجرتك، ولكن ليس مع السيف لعب. فقال له: فأنا أعفيك من هذا فلا تراه مني أبداً، وهذه عشرة دنانير، ولك حماري الذي تحتي أحملك عليه وصر إلي، ولك الشرط ألا ترى في داري سيفاً. قال: لا والله، أو تخرج كل سيف في دارك قبل أن نأكل. قال: ذلك لك. قال: فجاءه أبي ووفى له بما قال من الهبة، وإخراج السيوف، وخلف عنده سيفاً في الدار، فلما توسط الأمر، قام إلى البيت فأخرج السيف مشهوراً، ثم قال: يا أشعب إنما أخرجت هذا السيف لخير أريده بك. قال: بأبي أنت وأمي فأي خير يكون مع السيف؟ ألست تذكر الشرط بيننا؟ قال له: فاسمع ما أقول لك، لست أضربك به، ولا يلحقك منه شيء تكرهه، وإنما أريد أن أضجعك، وأجلس على صدرك، ثم آخذ جلدة حلقك بإصبعي، من غير أن أقبض

صفحة مطبوعة 82 · ورقة PDF 83رابط الصفحة المنفردة

على عصب ولا ودج ولا مقتل، فأحزها بالسيف، ثم أقوم عن صدرك، وأعطيك عشرين ديناراً! فقال: نشدتك الله يا ابن رسول الله ألا تفعل بي هذا، وجعل يصرخ ويبكي ويستغيث، والحسن لا يزيده على الحلف له أنه لا يقتله، ولا يتجاوز به أن يحز جلده فقط، ويتوعده مع ذلك بأنه إن لم يفعله طائعاً فعله كارهاً، حتى إذا طال الخطب بينهما، واكتفى الحسن من المزح معه، أراه أنه يتغافل عنه، وقال له: أنت لا تفعل هذا طائعاً، ولكن أجيء بحبل فأكتفك به، ومضى كأنه يجيء بحبل، فهرب أشعب وتسور حائطاً بينه وبين عبد الله بن حسن أخيه، فسقط إلى داره، فانفكت رجله وأغمي عليه، فخرج عبد الله فزعاً، فسأله عن قصته، فأخبره، فضحك منه، وأمر له بعشرين دينارًا، وأقام في منزله يعالجه ويعوله إلى أن صلحت حاله، قال: وما رآه الحسن بن الحسن بعدها(95)

كما روى رواية أخرى عن الحرمي بن أبي العلاء قال: حدثنا الزبير بن بكار قال: حدثني عمي قال:

دعا الحسن بن الحسن بن علي عليهم السلام أشعب فأقام عنده، فقال لأشعب يوماً: أنا أشتهي كبد هذه الشاة، لشاة عنده عزيزة عليه فارهة، فقال له أشعب: بأبي أنت وأمي أعطنيها وأنا أذبح لك أسمن شاة بالمدينة، فقال: أخبرك أني أشتهي كبد هذه، وتقول لي أسمن شاة بالمدينة! اذبح يا غلام! فذبحها وشوى له من كبدها وأطايبها، فأكل، ثم قال لأشعب من الغد: يا أشعب أنا أشتهي من كبد نجيبي هذا، لنجيب كان عنده، ثمنه

صفحة مطبوعة 83 · ورقة PDF 84رابط الصفحة المنفردة

ألوف دراهم! فقال له أشعب: يا سيدي في ثمن هذا والله غناي فأعطينه، وأنا والله أطعمك من كبد كل جزور بالمدينة. فقال: أخبرك أني أشتهي من كبد هذا، وتطعمني من غيره؟ يا غلام، انحر، فنحر النجيب، وشوى كبده، فأكلا، فلما كان اليوم الثالث، قال له: يا أشعب أنا والله أشتهي أن آكل من كبدك!! فقال له: سبحان الله أتأكل من أكباد الناس؟ قال: قد أخبرتك! فوثب أشعب فرمى بنفسه من درجة عالية، فانكسرت رجله، فقيل له: ويلك أظننت أنه يذبحك؟ فقال: والله لو أن كبدي وجميع أكباد العالمين جميعاً اشتهاها لأكلها، وإنما فعل حسن بالشاة والنجيب ما فعل توطئة للعبث بأشعب(96)

من مواقف عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي رضي الله عنهم

قال الرياشي: حدثني أبو سلمة الغفاري قال: قال ابن ربيح راوية ابن هرمة، قال: حدثني ابن هرمة قال: أول من رفعني في الشعر عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك، فأخذ علي ألا أمدح أحدًا غيره، وكان واليًا على المدينة، وكان لا يدع بِرِّي، وصِلَتي، والقيام بمؤونتي، فلم ينشب أن عُزل، وولي غيره مكانه، وكان الوالي من بني الحارث بن كعب، فدعتني نفسي إلى مدحه طمعًا أن يهب لي كما كان عبد الواحد يهب لي، فمدحته فلم يصنع بي ما ظننت، ثم قدم عبد الواحد المدينة، فأخبر أني مدحت الذي عزل به، فأمر بي فحجبت عنه، ورمت الدخول عليه فمنعت، فلم أدع بالمدينة وجهًا ولا رجلاً له

صفحة مطبوعة 84 · ورقة PDF 85رابط الصفحة المنفردة

نباهة وقدر من قريش إلا سألته أن يشفع لي في أن يعيدني إلى منزلتي عنده، فيأبى ذلك فلا يفعله، فلما أعوزتني الحيل، أتيت عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب صلوات الله عليه وعليهم، فقلت: يا ابن رسول الله، إن هذا الرجل قد كان يكرمني، وأخذ علي ألا أمدح غيره، فأعطيته بذلك عهدًا، ثم دعاني الشره والكد إلى أن مدحت الوالي بعده، وقصصت عليه قصتي، وسألته أن يشفع لي، فركب معي، فأخبرني الواقف على رأس عبد الواحد أن عبد الله بن حسن لما دخل إليه قام عبد الواحد فعانقه وأجلسه إلى جنبه، ثم قال: أحاجة غدت بك أصلحك الله؟ قال: نعم، قال: كل حاجة لك مقضية، إلا ابن هرمة! فقال له: إن رأيت ألا تستثني في حاجتي فافعل. قال: قد فعلت، قال: فحاجتي ابن هرمة! قال: قد رضيت عنه، وأعدته إلى منزلته. قال: فتأذن له أن ينشدك؟ قال: تعفيني من هذه. قال: أسألك أن تفعل. قال: ائتوا به، فدخلت عليه وأنشدته قولي فيه:

وجدنا غالباً كانت جناحاًوكان أبوك قادمةَ الجناحِ

قال: فغضب عبد الله بن الحسن حتى انقطع رِزُّه، ثم وثب مغضبًا وتجوزت في الإنشاد، ثم لحقته فقلت له: جزاك الله يا ابن رسول الله. فقال: ولكن لا جزاك الله خيرًا... وتقول لابن مروان: وكان أبوك قادمةَ الجَنَاحِ بحضرتي، وأنا ابن رسول الله، وابن علي بن أبي طالب عليه السلام؟! فقلت: جعلني الله فداك، إني قلت قولاً أخدعه به طلبًا لدنياه، ووالله ما قِسْتُ بكم أحدًا قط، أفلم تسمعني قد قلت فيها:

صفحة مطبوعة 85 · ورقة PDF 86رابط الصفحة المنفردة

وبعضُ القول يذهب بالرياحِ؟

فضحك عبد الله، وقال: قاتلك الله ما أظرفك(97) .

ج — مواقف مزاح في سير بني العباس

إذا قصرنا مفهوم (آل البيت) على ما ورد في حديث الكساء الشهير، كان البحث عن مواقف مزاحية في تراث العلويين شديد الصعوبة، بالنظر إلى ما واجهوه من محن ونكبات على يدي أكثر الحكام الأمويين، وازداد الأمر معهم تعقيدًا أيام العباسيين، الذين قتلوا منهم رجالاً كثيرًا ونساءً، على نحو ما هو مفصل في كتب التاريخ، فغلب على سيرهم أحداث الدم والحرب والصراع، وما يحيط بذلك كله من حزن ودموع وحسرات... تكاد مواقف المزاح معها لا تكاد تظهر.

ومع ذلك ففيما يلي اخترنا عدة مواقف للمزاح مع عدد من خلفاء العباسيين، توسيعًا لمفهوم (آل البيت) باعتبارهم جميعًا من ذرية عبد الله بن عباس رضي الله عنه.

فمن ذلك ما روي عَنْ أَبِي يُوسُفَ، قَالَ: «دَعَا الْمَنْصُورُ أَبَا حَنِيفَةَ، فَقَالَ الرَّبِيعُ الْحَاجِبُ وَكَانَ يُعَادِي أَبَا حَنِيفَةَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَذَا يُخَالِفُ جَدَّكَ ابْنَ عَبَّاسٍ، كَانَ يَقُولُ: إِذَا حَلَفَ ثُمَّ اسْتَثْنَى بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ جَازَ الاسْتِثْنَاءُ، وَهَذَا لا يُجَوِّزُ الاسْتِثْنَاءَ إِلا مُتَّصِلًا بِالْيَمِينِ!

صفحة مطبوعة 86 · ورقة PDF 87رابط الصفحة المنفردة

فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ الرَّبِيعَ يَزْعُمُ أَنَّهُ لَيْسَ لَكَ فِي رِقَابِ جُنْدِكَ بَيْعَةٌ! قَالَ: وَكَيْفَ؟ قَالَ: يَحْلِفُونَ لَكَ، ثُمَّ يَرْجِعُونَ إِلَى مَنَازِلِهِمْ فَيَسْتَثْنُونَ فَتَبْطُلُ أَيْمَانُهُمْ، فَضَحِكَ الْمَنْصُورُ، وَقَالَ: يَا رَبِيعَ، لا تَعْرِضْ لأَبِي حَنِيفَةَ»(98)

وقد كان الشعراء المشهورون بالمجون والخلاعة كبشَّار بن برد وغيره مقربين في بلاط العباسيين، وربما بدر منهم، وهم محصَّنون برضا الخلفاء والأمراء والوزراء، إساءات كثيرة للدين الإسلامي الحنيف نفسه، أو للمغضوب عليهم من الخلفاء، سواء أكان أولئك المغضوب عليهم من العلويين، أم من العلماء والفقهاء.

فقد دخل يزيد بن منصور الحميري يومًا على الشاعر بشار بن برد وهو واقف بين يدي المهدي ينشد شعراً، فلما فرغ من إنشاده، أقبل يزيد بن منصور على بشار وقال له: ما صناعتك، يا شيخ، فقال له: أثقب اللؤلؤ. فضحك المهدي، وقال لبشار: اغرب ويلك! أتتنادر على خالي؟ فقال بشار مازحًا هازئًا: وما أصنع به؟!! يرى شيخاً أعمى قائماً ينشد الخليفة مديحاً، يقول له: ما صناعتك؟(99) .

ومرة أخرى، كان بشار جالساً في دار المهدي، والناس ينتظرون الإذن، فقال بعض موالي المهدي لمن حضر: ما عندكم في قول الله عز وجل ﴿وَأَوۡحَىٰ رَبُّكَ إِلَى ٱلنَّحۡلِ أَنِ ٱتَّخِذِي مِنَ ٱلۡجِبَالِ بُيُوتٗا﴾؟ فقال له بشار: النحل

صفحة مطبوعة 87 · ورقة PDF 88رابط الصفحة المنفردة

التي تعرفها الناس، فقال: هيهات يا أبا معاذ، النحل بنو هاشم، وقوله: ﴿يَخۡرُجُ مِنۢ بُطُونِهَا شَرَابٞ مُّخۡتَلِفٌ أَلۡوَٰنُهُۥ فِيهِ شِفَآءٞ لِّلنَّاسِۚ﴾ يعني أهل العلم، فقال له بشار: أرني الله شرابك وطعامك وشفاءك مما يخرج من بطون بني هاشم فقد أوسعت غثاثة، فغضب وشتم بشاراً، وبلغ المهدي الخبر فدعا بهما وسألهما عن القصة، فحدثه بشار بها، فضحك حتى أمسك على بطنه، ثم قال للرجل: فجعل الله طعامك وشرابك مما يخرج من بطون بني هاشم فإنك بارد غث(100)

وقيل: إن المنصور قال يوماً لجلسائه: أخبروني عن ملك جبار أول اسمه عين، قتل ثلاثة أول اسمهم عين، فقال أحد من حضر: عبد الملك بن مروان قتل عمرو بن سعيد، وعبد الله بن الزبير، وعبد الرحمن بن الأشعث، قال: فخليفة آخر أول اسمه عين فعل كذلك، فقال: أنت يا أمير المؤمنين! قتلت أبا مسلم، واسمه عبد الرحمن، وقتلت عبد الجبار، وسقط البيت على عمك عبد الله بن علي. فضحك المنصور فقال: ويحك، وما ذنبي أن سقط عليه البيت؟ فقال: أتعرفون عين بن عين بن عين، قتل ميم بن ميم بن ميم؟ قال الرجل: نعم، عمك عبد الله بن علي بن عبد الله قتل مروان بن محمد بن مروان(101) .

مواقف مع الرشيد

وهناك مواقف تظهر تساهل العباسيين مع بعض المغامرين الظرفاء،

صفحة مطبوعة 88 · ورقة PDF 89رابط الصفحة المنفردة

حتى لو وصل الأمر بهم إلى الكذب في الرواية. يدل على ذلك ما رواه عَبْد الرَّحْمَن بْن مسهر، قَالَ: ولّاني أَبُو يوسف الْقَاضِي القضاء بجبل، وبلغني أن الرشيد ينحدر إلى البصرة، فسألت أهل جبل أن يُثنوا عليّ، فوعدوني أن يفعلوا ذَلِكَ إذا انحدر. فلما قرب سألتهم الحضور فلم يفعلوا وتفرقوا، فلما آيسوني من أنفسهم سرحت لحيتي وخرجتُ، فوقفت لَهُ، فوافى [أي وصل المكان] وأَبُو يوسف معه في الحراقة [نوع من المركبات]، فقلتُ: يا أمير المؤمنين، نِعْم الْقَاضِي قاضي جبل!! قد عدل فينا وفعل وصنع، وجعلت أثني عَلَى نفسي...، ورآني أَبُو يوسف، فطأطأ رأسه وضحك! فضحك هارون وسأله: مم ضحكت؟ قَالَ: إن المُثْنِي عَلَى الْقَاضِي هُوَ الْقَاضِي! فضحك هارون حتى فحص رجليه، وقَالَ: هذا شيخ سخيف سفلة فاعزله، فعزلني.

فلما رجع جعلت أختلف إِلَيْهِ وأسأله أن يوليني قضاء ناحية أخرى فلم يفعل، فحدثتُ النَّاسَ عَن مجالد، أن كنية الدجال أَبُو يوسف، وبلغه ذلك، فَقَالَ: هذه بتلك فحسبك، وصِر إلي حتى أوليك ناحية أخرى، ففعل، وأمسكت عَنْه(102) .

موقف ظريف مع المأمون

قال سعيد بن سلم بن قتيبة: خرجتُ حاجًّا ومعي قباب وكنائس، فدخلت البادية فتقدمت القباب والكنائس على حمير لي، فمررت بأعرابي محتب على باب خيمة له، وإذا هو يرمق القباب والكنائس، فسلمت عليه،

صفحة مطبوعة 89 · ورقة PDF 90رابط الصفحة المنفردة

فقال: لمن هذه القباب والكنائس؟ قال: قلت: لرجل من باهلة. قال: تالله ما أظن الله يعطي الباهلي كل هذا! قال: فلما رأيت إزراءه بالباهلية دنوت منه، فقلت: يا أعرابي أتحب أن يكون لك القباب والكنائس وأنت رجل من باهلة؟ فقال: لا ها الله، [أي: لا والله]. قال: فقلت: أتحب أن تكون أمير المؤمنين وأنت رجل من باهلة؟ قال: لا ها الله. قال: قلت: أتحب أن تكون من أهل الجنة وأنت رجل من باهلة؟ قال: بشرط. قال: قلت: وما ذاك الشرط؟ قال: لا يعلم أهل الجنة أني باهلي!!

قال: وكان معي صرة دراهم، فرميت بها إليه فأخذها، وقال: لقد وافَقَتْ مني حاجة، [أي أن تلك الأموال جاءت في وقت الحاجة إليها].

قال: فقلت له لما أن ضمها إليه: أنا رجل من باهلة!!! قال: فرمى بها إليَّ، وقال: لا حاجة لي فيها. قال: فقلت: خذها إليك يا مسكين فقد ذكرت من نفسك الحاجة!! فقال: لا أحب أن ألقى الله وللباهلي عندي يد!! قال: فقدمت فدخلت على المأمون فحدثته بحديث الأعرابي، فضحك حتى استلقى على قفاه، وقال لي: يا أبا محمد، ما أصبرك!! وأجازني بمائة ألف(103) .

ومن مواقف الْمَأْمُون أيضًا أنه كان في أحد الأيام جَالِسًا مَعَ ندمائه، مشرفًا على دجلة، يتذاكرون أَخْبَار النَّاس، فَقَالَ الْمَأْمُون: مَا طَالَتْ لحية إِنْسَان قطّ إِلَّا وَنقص من عقله بِقدر مَا طَالَ مِنْهَا، وَمَا رَأَيْت عَاقِلاً قطّ طَوِيل اللِّحْيَة!! فَقَالَ بعض جُلَسَائِهِ: وَلَا يرد على أَمِير

صفحة مطبوعة 90 · ورقة PDF 91رابط الصفحة المنفردة

الْمُؤمنِينَ أَنه قد يكون فِي طولهَا عقل؟

فَبَيْنَمَا هم يتذاكرون، إِذْ أقبل رجل طَوِيل اللِّحْيَة، حسن الْهَيْئَة، فاخر الثِّيَاب، فَقَالَ الْمَأْمُون: مَا تَقولُونَ فِي هَذَا؟ فَقَالَ بَعضهم: عَاقل. وَقَالَ بَعضهم: يجب كَونه قَاضِيًا. فَأمر الْمَأْمُون بإحضاره، فَوقف بَين يَدَيْهِ، فَسلم فأجاد، فأجلسه الْمَأْمُون واستنطقه فَأحْسن النُّطْق. فَقَالَ الْمَأْمُون: مَا اسْمك؟ قَالَ أَبُو حمدويه، والكنية علوِيَّة. فَضَحِك الْمَأْمُون وغمز جلساءه، ثمَّ قَالَ: مَا صنعتك؟ قَالَ: أنا فَقِيه أجيد الشَّرْع فِي الْمسَائِل. فَقَالَ المأمون نَسْأَلك عَن مَسْأَلَة: مَا تَقول فِي رجل اشْترى شاةً فَلَمَّا تسلمها المُشْتَرِي، خرجت من استها بَعرَة، ففقأت عين رجل، فعلى مَنْ الدِّيَة؟

قَالَ: على البَائِع دون المُشْتَرِي، لأنه لما بَاعهَا لم يشْتَرط أَن فِي استها منجنيقًا.

فضحك الْمَأْمُون حَتَّى اسْتلْقى على قَفاهُ، ثمَّ أنْشد:

مَا أحد طَالَتْ لَهُ لحيةفزادت اللِّحْيَة فِي هَيئته
إِلَّا وَمَا ينقص من عقلهأَكثر مِمَّا زَاد فِي لحيته(104) ( 104 )

المزاح في تراث الأصحاب

* من هم الأصحاب؟
صفحة مطبوعة 92 · ورقة PDF 92رابط الصفحة المنفردة

صور من مزاح الأصحاب رضي الله عنهم

* مواقف كثيرة مع نعيمان رضي الله عنه * مع خوات بن جبير رضي الله عنه * مع أبي هريرة رضي الله عنه * مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه * بين عمر وصهيب رضي الله عنهما * مواقف ضاحكة مع سيدنا معاوية رضي الله عنه
صفحة 93 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعةتفاصيل الصفحة
صفحة مطبوعة 93 · ورقة PDF 94رابط الصفحة المنفردة

المزاح في تراث الأصحاب

من هم الأصحاب؟

تحدث الكتاب العزيز عن الأصحاب رضوان الله عليهم في مواضع كثيرة كقوله تعالى ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرۡتَدَّ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَسَوۡفَ يَأۡتِي ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ يُحِبُّهُمۡ وَيُحِبُّونَهُۥٓ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ يُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوۡمَةَ لَآئِمٖۚ ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ٥٤﴾ [المائدة: 54]. وقد روى الحاكم في المستدرك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما نزلت عليه هذه الآية أشار إلى أبي موسى الأشعري وقال: «هم قوم هذا». كما تحدث القرآن عن بعض القبائل التي أظهرت تمسكها بالدين، وحبها لرسول الله صلى الله عليه وسلم مثل جهينة ومزينة اللتين نزل فيهما قوله الله تعالى ﴿وَمِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مَن يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَٰتٍ عِندَ ٱللَّهِ وَصَلَوَٰتِ ٱلرَّسُولِۚ أَلَآ إِنَّهَا قُرۡبَةٞ لَّهُمۡۚ سَيُدۡخِلُهُمُ ٱللَّهُ فِي رَحۡمَتِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ٩٩ ﴾ [التوبة: 99].

إلا أن هناك آيتين امتازتا بأنهما تناولتا بصورة مباشرة أوصاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجزاءهم ومكانتهم عند الله سبحانه وتعالى، وعلى هاتين الآيتين وما آزرهما من أحاديث شريفة بنى العلماء أحكامهم الخاصة بالتعامل مع الأصحاب، وما ينبغي من التأدب عند ذكرهم.

صفحة مطبوعة 94 · ورقة PDF 95رابط الصفحة المنفردة

أما أولاهما فهي قوله تعالى: ﴿وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلۡأَوَّلُونَ مِنَ ٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحۡسَٰنٖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُ وَأَعَدَّ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي تَحۡتَهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ١٠٠ ﴾ [التوبة: 100].

والثانية قوله تعالى: ﴿مُّحَمَّدٞ رَّسُولُ ٱللَّهِۚ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلۡكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيۡنَهُمۡۖ تَرَىٰهُمۡ رُكَّعٗا سُجَّدٗا يَبۡتَغُونَ فَضۡلٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٗاۖ سِيمَاهُمۡ فِي وُجُوهِهِم مِّنۡ أَثَرِ ٱلسُّجُودِۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمۡ فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِۚ وَمَثَلُهُمۡ فِي ٱلۡإِنجِيلِ كَزَرۡعٍ أَخۡرَجَ شَطۡ‍َٔهُۥ فَ‍َٔازَرَهُۥ فَٱسۡتَغۡلَظَ فَٱسۡتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِۦ يُعۡجِبُ ٱلزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلۡكُفَّارَۗ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِنۡهُم مَّغۡفِرَةٗ وَأَجۡرًا عَظِيمَۢا٢٩﴾ [الفتح: 29].

هاتان الآيتان هما الأصل فيما ينبغي للمسلم من التأدب مع الأصحاب جميعاً، فإن الله سبحانه وتعالى اختارهم لصحبة نبيه، ونقل رسالته لمن بعدهم من الأجيال المسلمة، وإلحاق العيب أو النقص بهم فيه غمز في الشريعة عموماً لأنهم كانوا وسيلة نقلها.

ومن ذا الذي ينكر فضل بعض الصحابة وسبقهم في المنزلة على جميع المسلمين، كأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، ومعاذ، وأبي عبيدة، وسلمان، وأبي هريرة، وأبي بن كعب.. وأمهات المؤمنين.. وأولئك الذين بشرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم أحياء بالجنة؟

وإن ما ورد في كتب الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم يشير إلى فضل الصفوة من الصحابة، لا تمييزًا لذواتهم، وإنما تذكيرًا بصفات وخصائص كل منهم الفاضلة الخيرة.

صفحة مطبوعة 95 · ورقة PDF 96رابط الصفحة المنفردة

وقد اختلف أهل العلم في تصنيف طبقات الصحابة. فابن سعد يجعلهم في خمس طبقات، والحاكم يجعلهم في اثني عشرة طبقة، وهو ما يذهب إليه أكثر العلماء:

1 — قوم تقدم إسلامهم بمكة، كالخلفاء الأربعة.

2 — الصحابة الذين أسلموا قبل تشاور أهل مكة في دار الندوة.

3 — مهاجرة الحبشة.

4 — أصحاب العقبة الأولى.

5 — أصحاب العقبة الثانية وأكثرهم من الأنصار.

6 — أول المهاجرين الذين وصلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم بقباء قبل أن يدخل المدينة.

7 — أهل بدر.

8 — الذين هاجروا بين بدر والحديبية.

9 — أهل بيعة الرضوان في الحديبية.

10 — من هاجر بين الحديبية وفتح مكة، كخالد بن الوليد وعمرو بن العاص.

11 — مسلمة الفتح، الذي أسلموا في فتح مكة.

12 — صبيان وأطفال رأوا النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح وفي حجة الوداع وغيرهم.

صفحة مطبوعة 96 · ورقة PDF 97رابط الصفحة المنفردة

والذي يعجب له الإنسان السوي أن يأتي قوم متأخرون عن عصر الأصحاب الزاهر فيطلقون ألسنتهم الشائهة وعقولهم التائهة في أولئك النفر الكرام الذين مدحهم الله جل جلاله من فوق سبع سماوات بأنهم:

* أشداء على الكفار : لا يمالئون، ولا يهادنون، ولا يشجبون، ويكتفون بالثرثرة، بل جاهدوا في الله حق جهاده وكان الواحد منهم يحب الله ورسوله أكثر من حبه لأبيه أو ابنه، وكانوا يفتدون دين الله بأرواحهم وأموالهم.

* رحماء بينهم : يرحم بعضهم بعضاً، وينزل الواحد منهم لأخيه عن ماله وأرضه، بل وأحياناً ترك بعض الأنصار خير أزواجه ليتزوجها المهاجر من إخوانه المؤمنين.

* رُكَّع سُجَّد : كناية عن كثرة صلاتهم وعبادتهم.

* يبتغون فضلاً من الله ورضوانًا : لا يطلبون متاعاً دنيوياً زائفاً، ولا نعيماً مؤقتاً زائلاً، وإنما يطلبون الجنة ورضا الحق عليهم.

* سيماهم في وجوههم من أثر السجود .

ووصف الأنصار بأنهم ﴿وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلۡإِيمَٰنَ مِن قَبۡلِهِمۡ يُحِبُّونَ مَنۡ هَاجَرَ إِلَيۡهِمۡ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمۡ حَاجَةٗ مِّمَّآ أُوتُواْ وَيُؤۡثِرُونَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ وَلَوۡ كَانَ بِهِمۡ خَصَاصَةٞۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفۡسِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ٩ [الحشر: 9]: أي لا يجدون في صدورهم غيظاً ولا حسداً ولا حزازة مما كان يناله المهاجرون من الفيء، وذلك حين قسم الرسول صلى الله عليه وسلم أموال بني النضير بين

صفحة مطبوعة 97 · ورقة PDF 98رابط الصفحة المنفردة

المهاجرين، ولم يعط الأنصار شيئاً منها، فطابت أنفس الأنصار بهذه القسمة إيثاراً منهم لإخوانهم الضعفاء الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم بغير حق، فكانت النتيجة أن امتدح الله تعالى صنيعهم هذا في آيات بينات تظل تتلى لتخلد لهم هذا الموقف الإنساني النبيل.

فكيف يقبل مسلم لم يأت بعشر معشار ما أتى به هؤلاء العظماء أن يجرحهم، أو يستدرك عليهم، أو يطعن في عدالتهم؟

إن الأهواء الفاسدة، والنفوس المريضة، هي التي تقف وراء من لا يرضون عمن رضي الله عنهم ورضوا عنه، وشياطينهم تزين لهم أن ذلك من الدين!!.

حساسية الأصحاب تجاه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم:

روى البخاري وأحمد وغيرهما عن أنس بن مالك رحمهما الله قال (واللفظ لأحمد): «لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرۡفَعُوٓاْ أَصۡوَٰتَكُمۡ فَوۡقَ صَوۡتِ ٱلنَّبِيِّ إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَأَنتُمۡ لَا تَشۡعُرُونَ٢ وَكَانَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ الشَّمَّاسِ رَفِيعَ الصَّوْتِ، فَقَالَ: أَنَا الَّذِي كُنْتُ أَرْفَعُ صَوْتِي عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، حَبِطَ عَمَلِي، أَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَجَلَسَ فِي أَهْلِهِ حَزِينًا، فَتَفَقَّدَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَانْطَلَقَ بَعْضُ الْقَوْمِ إِلَيْهِ فَقَالُوا لَهُ: تَفَقَّدَكَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، مَا لَكَ؟ فَقَالَ: أَنَا الَّذِي أَرْفَعُ صَوْتِي فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ، وَأَجْهَرُ بِالْقَوْلِ، حَبِطَ عَمَلِي، وَأَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَأَتَوُا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرُوهُ بِمَا قَالَ، فَقَالَ: لَا بَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. قَالَ أَنَسٌ:

صفحة مطبوعة 98 · ورقة PDF 99رابط الصفحة المنفردة

وَكُنَّا نَرَاهُ يَمْشِي بَيْنَ أَظْهُرِنَا وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْيَمَامَةِ، كَانَ فِينَا بَعْضُ الِانْكِشَافِ، فَجَاءَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ وَقَدْ تَحَنَّطَ وَلَبِسَ كَفَنَهُ، فَقَالَ: بِئْسَمَا تُعَوِّدُونَ أَقْرَانَكُمْ فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ»(105)

هذه القصة وعشرات أمثالها مبثوثة في كتب السيرة والسنة تدلنا على مدى ما كان يتمتع به الأصحاب من حساسية ورهافة حس في معاملتهم للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وقد ذكر العلماء عند تفسير آية الفتح ﴿مُّحَمَّدٞ رَّسُولُ ٱللَّهِۚ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ أن رجلاً كان ينتقص أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في عصر الإمام مالك بن أنس، فذكروا أمره في مجلس مالك، فقرأ الإمام رحمه الله هذه الآية حتى بلغ قوله تعالى: ﴿يُعۡجِبُ ٱلزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلۡكُفَّارَۗ فقال مالك: «من أصبح من الناس في قلبه غيظ على أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أصابته هذه الآية»، نقل القرطبي هذه الرواية عن الخطيب البغدادي ثم عقب عليها بقوله: لقد أحسن مالك في مقالته، وأصاب في تأويله، فمن نقص واحداً منهم، أو طعن عليه في روايته فقد رد على الله رب العالمين، وأبطل شرائع المسلمين، قال الله تعالى ﴿مُّحَمَّدٞ رَّسُولُ ٱللَّهِۚ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلۡكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيۡنَهُمۡۖ الآية، وقال ﴿۞لَّقَدۡ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ يُبَايِعُونَكَ تَحۡتَ ٱلشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمۡ فَأَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيۡهِمۡ وَأَثَٰبَهُمۡ فَتۡحٗا قَرِيبٗا١٨ [الفتح: 18] وقال ﴿مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ رِجَالٞ صَدَقُواْ مَا عَٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيۡهِۖ فَمِنۡهُم مَّن قَضَىٰ نَحۡبَهُۥ وَمِنۡهُم مَّن يَنتَظِرُۖ وَمَا بَدَّلُواْ تَبۡدِيلٗا٢٣ [الأحزاب: 23] وقال ﴿لِلۡفُقَرَآءِ ٱلۡمُهَٰجِرِينَ ٱلَّذِينَ أُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِمۡ وَأَمۡوَٰلِهِمۡ يَبۡتَغُونَ فَضۡلٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٗا وَيَنصُرُونَ

صفحة مطبوعة 99 · ورقة PDF 100رابط الصفحة المنفردة

ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصَّٰدِقُونَ٨ [الحشر: 8](106) فالآيات القرآنية شهدت للأصحاب جميعاً بأنهم مرضي عنهم من رب العالمين، وبأنهم مفلحون وصادقون، فكأن من يذم صحابياً يرفض خبر القرآن، ويعطي نفسه حق الحكم على رجال رفع الله تعالى مكانتهم فوق أحكام الرجال حين حكم هو جل جلاله عليهم بأنهم من الصادقين، وأنهم هم المفلحون.

وقد ثبت في الصحيح المتفق عليه قوله صلى الله عليه وسلم: «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم»(107) . وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أُحد ذهباً ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه»(108) ، وروى البزار عن جابر مرفوعاً صحيحاً: «إن الله اختار أصحابي على العالمين سوى النبيين والمرسلين، واختار لي من أصحابي أربعة — يعني الخلفاء الراشدين — فجعلهم أصحابي»، ونقل القرطبي حديث عويم بن ساعدة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله عز وجل اختارني، واختار لي أصحابي، فجعل لي منهم وزراء وأختاناً وأصهاراً، فمن سبهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، ولا يقبل الله منه يوم القيامة صرفاً لا عدلاً».

صفحة مطبوعة 100 · ورقة PDF 101رابط الصفحة المنفردة

وعن عمر بن حبيب قال: «حضرت مجلس هارون الرشيد، فجرت مسألة تنازعها الحضور، وعلت أصواتهم، فاحتج بعضهم بحديث يرويه أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرفع بعضهم الحديث، وزادت المدافعة والخصام، حتى قال قائلون منهم: لا يقبل هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن أبا هريرة متهم فيما يرويه، وصرحوا بتكذيبه! ورأيت الرشيد قد نحا نحوهم، ونصر قولهم، فقلت أنا: (أي عمر بن حبيب): الحديث صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو هريرة صحيح النقل، صدوق فيما يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم، فنظر إليّ الرشيد نظر مغضب، وقمت من المجلس فانصرفت إلى منزلي، فلم ألبث حتى قيل لي: صاحب البريد بالباب، فدخل فقال لي: أجب أمير المؤمنين إجابة مقتول، وتحنط وتكفن، فقلت: «اللهم إنك تعلم أني دفعت عن صاحب نبيك، وأجللت نبيك أن يطعن على أصحابه فسلمني منه»، فأدخلت على الرشيد وهو جالس على كرسي من ذهب، حاسر عن ذراعيه، بيده السيف وبين يديه النطع، فلما بصر بي قال لي: يا عمر بن حبيب ما تلقاني أحد من الرد والدفع لقولي بمثل ما تلقيتني به. فقلت: يا أمير المؤمنين، إن الذي قلته وجادلت عنه فيه ازدراء على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى ما جاء به، إذا كان أصحابه كذابين، فالشريعة باطلة، والفرائض والأحكام في الصيام والصلاة والطلاق والنكاح والحدود كله مردود غير مقبول، فرجع الرشيد إلى نفسه ثم قال: «أحييتني يا عمر بن حبيب أحياك الله»، وأمر لي بعشرة آلاف درهم(109) .

والخلاصة:

صفحة مطبوعة 101 · ورقة PDF 102رابط الصفحة المنفردة

أن من الواجب على المسلم أن ينزه نفسه عن الوقوع في أكبر خطأ وهو الطعن في هؤلاء الرجال العظام الذي رضي الله عنهم ورضوا عنه، رحمهم الله وألحقنا بهم على مرضاة الله وحب رسوله صلى الله عليه وسلم.

صفحة مطبوعة 102 · ورقة PDF 103رابط الصفحة المنفردة

صور من مزاح الأصحاب رضي الله عنهم

سبق أن ذكرنا أن أساليب تربية النبي صلى الله عليه وسلم كانت متنوعة، متجددة، حافلة بالقيم الإنسانية النبيلة، وفي مقدمتها: التراحم والتواد، وكان المزاح يتخلل تلك المواقف التربوية كما ذكرنا، ولذلك نجد في كتب السيرة والشمائل، وكتب الطبقات والتراجم، انعكاسات لهذا كله واضحة الدلالة على عبقرية التربية النبوية.

وقد كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يداعب أصحابه بالقول والفعل، ويمزح معهم رجالًا ونساء، حتى تعجَّب الصحابة من ذلك، وقالوا: «يا رسول الله إنك تداعبنا! فقال: إني لا أقول إلا حقًا»(110) . بل كان صلى الله عليه وآله وسلم يخبرهم أن من أفضل الأعمال: «سرور تدخله على مسلم»(111) ، حتى قال أنس بن مالك رضي الله عنه: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أفكَهِ الناس مع الصبي(112) .

وجاء أن رجلاً سأل ابن عباس رضي الله عنهما فقال: أكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يمزح؟ فقال: نعم. فقال الرجل: ما

صفحة مطبوعة 103 · ورقة PDF 104رابط الصفحة المنفردة

كان مزاحه؟ فقال ابن عباس: كسا النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعض نسائه ثوبًا واسعًا، فقال: البسيه واحمدي الله، وجري من ذيلك هذا كذيل العروس(113)

ومعنى هذا أن المزاح النبوي كان أسلوباً تربويًّا راقيًا، لما للمزاح من بُعدٍ نفسيٍّ مُهِمٍّ تُرى آثاره في نفوس الناس، ووجوههم، وسلوكياتهم المرحة المتفائلة، من خلال مواقف الفكاهة والضحك.

فالمزاح — بهذا المعنى — من دعائم التربية الروحية للمسلم؛ إذ هو تربية تقوم على حضور القلب، وتلفظ اللسان، وتسهم في تصفية روح المسلم من الأكدار النفسية التي تحول بينه وبين الفرح بنعمة الله، واستشعار كرمه وفضله عليه(114) .

وقد سَرَت هذه الروح السمحة المرحة إلى نفوس أصحابه صلى الله عليه وآله وسلم ، فكانوا على ما هم عليه من جد وجهاد وعبادة وعمل، يتمازحون ويداعب بعضهم بعضًا، حتى اشتهر بعضهم بذلك مثل: نعيمان البدري وغيره على نحو ما سنرى بعد قليل في السطور القادمة(115) .

وكان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يتقبل المزاح ويتذوقه، ولا يستنكف ذلك ما لم يتعد حدود الله، فكان من مزاحه القولي أن أتته عجوز فسألته أن يدعو الله لها بالجنة، فداعبها قائلًا: «لا يدخل الجنة عجوز». فبكت، فقال: «إنك لست بعجوز يومئذ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّآ أَنشَأۡنَٰهُنَّ إِنشَآءٗ٣٥ فَجَعَلۡنَٰهُنَّ أَبۡكَارًا٣٦ عُرُبًا أَتۡرَابٗا٣٧﴾»(116)

صفحة مطبوعة 104 · ورقة PDF 105رابط الصفحة المنفردة

[الواقعة: 35 37]. ومن ذلك أنه عليه الصلاة والسلام كان ينادي صاحبه أنس بن مالك بقوله: «يا ذا الأذنين»(117) وهو صادق في وصفه إياه بذلك.

وتضم كتب السيرة والطبقات صفحات طوالاً من مواقف ظهر فيها أثر المزاح في سلوكيات الصحابة الكرام:

فمرة نجد عبد الله بْنَ مَسْعُودٍ رضي الله عنه يقول: خَالِطِ النَّاسَ، وَدِينَكَ لا تَكْلِمَنَّهُ [أي احذر أن تسيء إلى شعائر الدين]، وَالدُّعَابَةِ مَعَ الأهْلِ [أي الزم مداعبة أهلك](118) .

ومرة نجد سيدنا أَنَساً رضي الله عنه يقول: إِنْ كَانَ النَّبِى صلى الله عليه وسلم لَيُخَالِطُنَا، حَتَّى يَقُولَ لأخٍ لِي صَغِيرٍ: (يَا أَبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟)(119) . فالرسول صلى الله عليه وسلم يمازح أخًا صغيرًا لأنس رضي الله عنه ليذهب عنه حزنه على طائره الذي مات، وهنا يتحول المزاح إلى طاقة نفسية إيجابية يجب أن يلزمها المسلم للتغلب على ما يواجهه من أزمات حياتية.

ولا عجب في ذلك، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الأمة أخلاقًا وأبسطهم وجهًا، ولا غرابة في ذلك بعد ما وصفه الله تعالى في

صفحة مطبوعة 105 · ورقة PDF 106رابط الصفحة المنفردة

كتابه العزيز بأنه على خلق عظيم، فكان ينبسط إلى النساء والصبيان ويمازحهم ويداعبهم.

فعن زيد بن أسلم رضي الله عنه قال: إن امرأة يقال لها أم أيمن، جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم في حاجة لزوجها، فقال لها: من زوجك؟ فقالت: فلان. فقال: أهو الذي في عينه بياض؟ قالت: واللهِ ما بعينه بياض. فقال صلى الله عليه وسلم: ما من أحد إلا بعينه بياض، وأراد به البياض المحيط بالحدقة. وفي رواية: فانصرفت عجلى إلى زوجها، وجعلت تتأمل عينيه، فقال لها: ما شأنك؟ فقالت: أخبرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن في عينك بياضًا، فقال لها: أما ترين بياض عيني أكثر من سوادها؟(120) .

والمتتبع لسير الأصحاب وترجماتهم يقف من ذلك على تراث عظيم، فقد روى الطبراني بسنده عن قرة قال: قلت لابن سيرين: هل كانوا يمازحون؟ قال: ما كانوا إلا كالناس!! كان ابن عمر يمزح وينشد الشعر:

يُحبُّ الخمرَ من مال الندامىويكره أن تفارقه الفلوس(121) ( 121 ) !!

وعن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي قال: حدثني أبي أنهم كانوا غزاة في البحر زمن معاوية، فانضم مركبنا إلى مركب أبي أيوب الأنصاري، فلما حضر غداؤنا أرسلنا إليه فأتانا، فقال: دعوتموني وأنا صائم،

صفحة مطبوعة 106 · ورقة PDF 107رابط الصفحة المنفردة

فلم يكن لي بد من أن أجيبكم؛ لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن للمسلم على أخيه ست خصال واجبة، إن ترك منها شيئًا فقد ترك حقًّا واجبًا لأخيه عليه: يسلم عليه إذا لقيه، ويجيبه إذا دعاه، ويشمته إذا عطس، ويعوده إذا مرض، ويحضره إذا مات، وينصحه إذا استنصحه».

قال: وكان معنا رجلٌ مَزَّاح يقول لرجل أصاب طعامنا: جزاك الله خيرا وبُرًّا. فغضب عليه حين أكثر عليه، فقال لأبي أيوب: ما ترى في رجل إذا قلتُ له جزاك الله خيرا وبُرًّا غضب وشتمني؟

فقال أبو أيوب: إنا كنا نقول: إن مَن لم يصلحه الخير أصلحه الشر!! فاقلبْ عليه.

فقال له حين أتاه: جزاك الله شرًّا وعُرًّا!! فضحك الرجل ورضي، وقال: ما تدع مزاحك. فقال الرجل: جزى الله أبا أيوب الأنصاري خيرًا(122) .

وعن عبد الله بن الحارث بن جَزْءٍ رضي الله عنه قال: ما رأيت أحدًا أكثر تبسمًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم(123) .

وعن بكر بن عبد الله قال: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يتبادحون بالبطيخ (يضرب بعضهم بعضًا بقشره)، فإذا كانت الحقائق كانوا هم

صفحة مطبوعة 107 · ورقة PDF 108رابط الصفحة المنفردة

الرجال(124)

وعن ابن أبي الوَرْدِ، عن أبيه، قال: رآني النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فرآني رجلاً أحمر، فقال: أنت أبو الوَرْدِ. قال جبارة: مازحه(125) .

وعن عوف بن مالك الأشجعي قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك وهو في قبة من أدم، فسلمت فردَّ، وقال: «ادخل». فقلت: أكُلِّي يا رسول الله؟ قال: «كلُّك»؛ فدخلت(126) .

وكان بعض الصحابة رضي الله عنهم يحبون أن يُضحكوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد روى أنس قال: جاء أبو طلحة يوم حنين يُضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم من أم سليم، قال: يا رسول الله، ألم تر إلى أم سليم معها خنجر؟!! فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما تصنعين به يا أم سليم؟ قالت: أردت إن دنا مني أحد منهم طعنته به(127) .

وعن أنس أن رجلاً من أهل البادية كان اسمه زاهر بن حزام أو حرام، قال: وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحبه، وكان دميمًا، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يومًا وهو يبيع متاعه، فاحتضنه من خلفه وهو لا يبصره، فقال: أرسِلْني.. مَنْ هذا؟ فالتفت فعرف النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل لا يألو ما ألزق ظهره بصدر النبي صلى الله عليه وسلم حين عرفه، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: مَنْ يشترى العبد؟ فقال يا رسول الله: إذا والله تجدني كاسدًا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لكن عند

صفحة مطبوعة 108 · ورقة PDF 109رابط الصفحة المنفردة

الله لست بكاسد. أو قال: لكن عند الله أنت غال(128)

وعنه رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس خلقًا، فأرسلني يومًا لحاجة، فقلت: والله لا أذهب! وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به نبي الله صلى الله عليه وسلم. فخرجت حتى أمر على صبيان وهم يلعبون في السوق، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قبض بقفاي من ورائي، قال: فنظرت إليه وهو يضحك، فقال: يا أنيس أذهبت حيث أمرتك؟ قال: قلت: نعم أنا أذهب يا رسول الله(129) .

ولم يكن حب المزاح وقفًا على من عُرفوا به كسيدنا نعيمان رضي الله عنه، وغيره.

فهذا سيدنا أبو بكر رضي الله عنه، صلى يومًا العصر ثم خرج يمشي؛ فرأى الحسنَ بن علي يلعب مع الصبيان، فحمله على عاتقه، وقال مرتجزًا:

بأبي شبيهٌ بالنبيّلا شبيهٌ بعليّ

وعلي رضي الله عنه واقفٌ يضحك(130) .

قال الحافظ ابن حجر: وفي الحديث محبة أبي بكر رضي الله عنه لقرابة النبي صلى الله عليه وسلم،

صفحة مطبوعة 109 · ورقة PDF 110رابط الصفحة المنفردة

ومحبته لعلي رضي الله عنه ولولده كذلك، وإشارة إلى ما كان بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من ألفة وإخاء ومودة، وكيف كانوا يتمازحون ويتزاورون ويهش أحدهم في وجه صاحبه ويضحك له ويصافيه(131)

وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل علقمة بن مجزز المدلجي على خيبر، فبعث سرية، واستعمل عليها عبد الله بن حذافة السهمي، وكان رجلاً فيه دعابة، وبين أيديهم نار قد أججت، فقال لأصحابه: أليس طاعتي عليكم واجبة؟ قالوا: بلى. قال: فقوموا فاقتحموا هذه النار، فقام رجل حتى يدخلها، فضحك وقال: إنما كنت ألعب، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فضحك، فقال: «أما إذا قد فعلوا هذا فلا تطيعوهم في معصية الله عز وجل»(132) .

وقيل لجابر بن سمرة: أكنت تجالس النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم كثيرًا...، وكانوا يتحدثون فيأخذون في أمر الجاهلية، فيضحكون ويتبسم(133) .

مواقف كثيرة مع نعيمان رضي الله عنه

وتروي كتب السيرة النبوية كثيرًا من المواقف عن نعيمان الأنصاري رضي الله عنه، فمن ذلك: أن نعيمان كان لا يدخل المدينة رسل ولا طُرفة إلا

صفحة مطبوعة 110 · ورقة PDF 111رابط الصفحة المنفردة

اشترى منها، ثم أتى بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول: يا رسول الله، هذا قد اشتريته لك، وأهديته لك. فإذا جاء صاحبها يتقاضاه الثمن، جاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله، أعطه ثمن متاعه. فيقول له الرسول صلى الله عليه وسلم: «ألم تهده لنا؟!». فيقول: يا رسول الله، إنه لم يكن عندي ثمنه، وأحببت أن تأكل منه. فيضحك النبي صلى الله عليه وسلم، ويأمر لصاحبه بثمنه(134)

ومما روته كتب السيرة أيضًا عن نعيمان الأنصاري رضي الله عنه ما جاء عن ربيعة بن عثمان قال: أتى أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخل المسجد وأناخ ناقته بفنائه، فقال بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لنعيمان: لو نحرتها فأكلناها، فإنا قد قرمنا إلى اللحم، ويغرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمنها؟ قال: فنحرها نعيمان، ثم خرج الأعرابي فرأى راحلته، فصاح: واعقراه يا محمد! فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فقال: من فعل هذا؟ فقالوا: نعيمان. فأتبعه يسأل عنه، فوجدوه في دار ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب مستخفياً، فأشار إليه رجل ورفع صوته يقول: ما رأيته يا رسول الله. وأشار بإصبعه حيث هو، فأخرجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: ما حملك على هذا؟ قال: الذين دلوك علي يا رسول الله هم الذين أمروني. فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح وجهه ويضحك، وغرم ثمنها(135) .

صفحة مطبوعة 111 · ورقة PDF 112رابط الصفحة المنفردة

وكان مخرمة بن نوفل قد بلغ مئة وخمس عشرة سنة، فقام في المسجد يريد أن يبول فصاح به الناس: المسجد المسجد!! فأخذ نعيمان بن عمرو بيده وتنحى به، ثم أجلسه في ناحية أخرى، فقال له: بُلْ هاهنا!!. فصاح به الناس، فقال: ويحكم!! فمَنْ أتى بي إلى هذا الموضع؟ قالوا: نعيمان. قال: أما إنَّ لله عليَّ إن ظفرتُ به أن أضربه بعصاي هذه ضربة تبلغ منه ما بلغتْ. فبلغ ذلك نعيمان، فمكث ما شاء الله، ثم أتاه يومًا وعثمان رضي الله عنه قائمٌ يصلي في ناحية المسجد، فقال نعيمان لمخرمة: هل لك في نعيمان؟ قال: نعم. فأخذ بيده حتى أوقفه على عثمان!! وكان عثمان رضي الله عنه إذا صلى لا يلتفت، فقال نعيمان لمخرمة موجِّهًا له نحو عثمان: دونك هذا نعيمان!! فجمع يده بعصاه فضرب عثمان فشجَّه! فصاحوا به: ضربت أمير المؤمنين!! وسمعت بذلك بنو زُهرة فاجتمعوا في ذلك، فقال عثمان رضي الله عنه: دعوا نُعيمان فقد شهد بدراً(136) .

وعن أم سلمة قالت: خرج أبو بكر في تجارة إلى بصرى قبل موت النبي صلى الله عليه وسلم بعام، ومعه نعيمان، وسويبط بن حرملة، وكانا شهدا بدرًا. وكان سويبط على الزاد، وكان نعيمان رجلاً مزاحًا. فقال لسويبط: أطعمني. قال: حتى يجيء أبو بكر. قال: فلأغيظنك. فمروا بقوم، فقال لهم نعيمان: تشترون مني عبدًا لي؟ قالوا نعم. قال: إنه عبد له كلامٌ [أي فصيح اللسان]، وهو قائلٌ لكم إني حر، فإن كنتم إذا قال لكم هذه المقالة تركتموه فلا تفسدوا عليَّ عبدي. قالوا: لا، بل نشتريه منك، فاشتروه منه بعشر قلائص، ثم أتوه فوضعوا في عنقه عمامة

صفحة مطبوعة 112 · ورقة PDF 113رابط الصفحة المنفردة

أو حبلاً، فقال سويبط: إن هذا يستهزئ بكم. وإني حرٌّ لستُ بعبد!! فقالوا: قد أُخبِرنا خبرك [أي أننا نعلم أنك ستدّعي أنك حر!!]، فانطلقوا به، فجاء أبو بكر، فأخبروه بذلك، فاتَّبع القوم، وردَّ عليهم القلائص، وأخذ سويبط، فلما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم وأخبروه، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه منه حولاً(137)

وتروي لنا كتب الطبقات والسير أن عيينة بن حصن رضي الله عنه اشتكى إلى نعيمان صعوبة الصيام فقال له نعيمان: صُمِ الليل!! فُروي أَنه دخل عُيَينة على عثمان وهو يُفطر في شهر رمضان، فقال له عثمان رضي الله عنه: العَشاء.. [أي أقبل لتتناول العَشاء معي] فقال: أنا صائم!! فقال عثمان: الصوم بالليل؟ فقال: هو أَخفُّ علَّي!! وقد نصحني بهذا نعيمان! فضحك عثمان رضي الله عنه وقال: إِحدى هَنات نُعيمان(138) !!

مع خوات بن جبير رضي الله عنه

عن زيد بن أسلم أن خوات بن جبير رضي الله عنه كان جالسًا إلى نسوة من بني كعب بطريق مكة، فطلع عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا أبا عبد الله، ما لك مع النسوة؟!». فقال: يفتلن ضفيرًا لجملٍ لي شرود!! قال:

صفحة مطبوعة 113 · ورقة PDF 114رابط الصفحة المنفردة

فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجته ثم عاد، فقال: «يا أبا عبد الله، أما ترك ذلك الجمل الشَّرادَ بعد؟!». قال: فسكتُّ واستحييتُ، وكنتُ بعد ذلك أتَفَرَّرُ منه صلى الله عليه وسلم كلما رأيته حياءً منه، حتى قدمتُ المدينة، فرآني صلى الله عليه وسلم في المسجد يومًا أصلي، فجلس إليّ فطوَّلتُ، فقال صلى الله عليه وسلم: «لا تُطَوِّل، فإني أنتظرك»!! فلما سلَّمتُ قال: «يا أبا عبد الله، أما ترك ذلك الجمل الشِّرادَ بعد؟!» فقلت: والذي بعثك بالحق ما شرد منذ أسلمت. فقال: «الله أكبر، الله أكبر، اللهم اهدِ أبا عبد الله». قال: فحسن إسلامه وهداه الله(139)

مع أبي هريرة رضي الله عنه

عن أبي رافع، قال: كان مروان ربما استخلف أبا هريرة على المدينة، فيركب حمارًا قد شد عليه برذعة، وفي رأسه خلبة من ليف، فيسير فيلقى الرجل فيقول: الطريق، قد جاء الأمير! وربما أتى الصبيان وهم يلعبون بالليل لعبة الأعراب، فلا يشعرون بشيء حتى يلقي نفسه بينهم، ويضرب برجليه فيفزع الصبيان فيفرون(140) .

ومن طرائف مرويات أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يومًا يحدث وعنده رجل من أهل البادية، أنَّ رجلاً من أهل الجنة استأذن

صفحة مطبوعة 114 · ورقة PDF 115رابط الصفحة المنفردة

ربه في الزرع، فقال: أولست فيما شئت؟ قال: بلى، ولكني أحب أن أزرع فأسرع وبذر فتبادر الطرف نباته واستواؤه واستحصاده وتكويره أمثال الجبال، فيقول الله: دونك يا ابن آدم، فإنه لا يشبعك شيء، فقال الأعرابي: يا رسول الله لا تجد هذا إلا قرشيًّا أو أنصاريًّا، فإنهم أصحاب الزرع، فأما نحن فلسنا بأصحاب زرع، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم(141)

مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه

تروي لنا كتب الطبقات مواقف إنسانية مع عمر رضي الله عنه مازحه فيها بعض الناس فقبل منهم ذلك، فمن ذلك ما ورد من أن أعرابيًّا وقف على عمر بن الخطاب فقال مرتجزًا في استعطاف وممازحة وخفة ظل:

يا عمرَ الخير جُزيتَ الجنَّةْ...

أُكسُ بُنيَّاتي وأُمَّهُنَّه...

وكنْ لنا من الزّمان جُنَّة...

أُقسم بالله لَتفعلنَّه....!!

فقال عمر: وإِن لم أَفعل يكون ماذا؟

فقال الأعرابي:

صفحة مطبوعة 115 · ورقة PDF 116رابط الصفحة المنفردة

إِذاً أَبا حفصٍ لأمضينَّه....

[أي: سأنصرف خائبًا كسير الخاطر]

قال عمر: فإِن مضيتَ يكون ماذا؟

فقال:

واللهِ عنهنَّ لتُسأَلنَّهْ...

يوم تكونُ الأُعطيِاتُ مِنَّةْ....

وموقفُ المسؤول بينهنّه...

إِما إِلى نارِ وإِمَّا جَنَّة...!!

وبهذا تحولت لهجة الأعرابي من الممازحة إلى لغة غليظة تعبر عن مشاعر الحزن وخيبة الأمل، فبكى عمر حتى اخضَلَّت لحيتُه، ثم قال لغلامه: يا غلام أَعطِه قميصي هذا لذلك اليوم لا لشعره، ثم قال: والله لا أَملك غيره(142) .

بين عمر وصهيب رضي الله عنهما

عن صهيب رضي الله عنه قال: رَمدتُ، فأُتِيَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بتمر، فجعلتُ آكل مع النبي صلى الله عليه وسلم، فقال عمر: يا رسول الله ألا ترى إلى صهيب يأكل تمرًا وهو أرمد؟ فقلت: يا رسول الله إنما آكل بشق عيني هذه الصحيحة(143) .

صفحة مطبوعة 116 · ورقة PDF 117رابط الصفحة المنفردة

مواقف ضاحكة مع سيدنا معاوية رضي الله عنه

كثيرًا ما كان أمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه يمازح عمرو بن العاص، حتى في حديثهما المعتاد، فمن ذلك ما حدث يومًا ما حين قال أمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه لعمرو: أينا أدهى؟ قال عمرو: أما في سرعة البديهة فأنا، وأما في الأناة فأنت، فقال أمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه: أصغِ إليَّ أُسارُّك بشيءٍ، فأدنى عمرو رأسه منه، وكانا ساعتئذ يتسايران في الخلاء، فقال أمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه: غلبتُك أيها الداهية!! هل هاهنا أحدٌ أُسارُّك دونه؟(144) .

ومن هذه المواقف الضاحكة بينهما ما رواه المدائني عن فليح بن سليمان قال: وفَدَ عمرو بن العاص على أمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه ومعه قوم من أهل حمص (وهم مشهورون بالغفلة)، فأمرهم إذا دخلوا أن يجلسوا ولا يُسلِّموا على أمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه بالخلافة، فلما دخلوا قالوا واحدًا بعد آخر: السلام عليك يا رسول الله!!، وتتابعوا على ذلك، فضحك أمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه، وزجرهم، وقال: اغربوا، فلما خرجوا قال لهم عمرو: نهيتُكم عن أن تسلموا بالخلافة فسلمتم بالنبوة؟! عليكم لعنة الله(145) !!

وروى المدائني قال:

صفحة مطبوعة 117 · ورقة PDF 118رابط الصفحة المنفردة

قال أمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه لعبد الرحمن بن زيد بن الخطاب: لقد هممتُ بأن أوليك الكوفة غير مرة، فما منعني من ذلك إلا أني قلتُ: أوليه، فيقول: أنا ابن زيد بن الخطاب أحد أبناء المهاجرين البدريين، وعمي الفاروق عمر بن الخطاب أمير المؤمنين، وأنا أحق بالأمر من أمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه، فقال عبد الرحمن ضاحكًا: لو وليتَني لقلتُ ذلك، وأنا أقوله الآن!! فضحك أمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه(146)

وروى المدائني عن أبي أيوب بن عبد الله قال: كان أمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه يحسد الناس على النكاح، فقال لرجل من جلسائه من كلب، وكان شيخاً كبيراً، كيف أنت والنساء؟ قال: ما أشاء أن أفعل إلا فعلت، فجفاه وحرمه صلته، فدس الكلبي امرأته الى ابنة قرظة امرأة أمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه فشكت وقالت: ما أنا وهو في اللحاف إلا بمنزلة امرأتين، ودخل أمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه على ابنة قرظة فقال: من المرأة التي عندك؟ قالت: امرأة فلان الكلبي، قال: وما قالت؟ قالت: شكت حالها وكبر زوجها وأنه لا ينال منها شيئاً ولا يقدر عليه، فقال: ما كذا يزعم، فأرسل إليه وتوارت امرأته عند النساء، فقال له أمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه: يا فلان كيف قوتك على الجماع؟ فقال: ما أشاء أن أفعل إلا فعلت، فقالت امرأته: كذب يا أمير المؤمنين، فقال الشيخ: أقلني هذه الكذبة، فضحك أمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه وقال: أنا أبو عبد

صفحة مطبوعة 118 · ورقة PDF 119رابط الصفحة المنفردة

الرحمن، وأمره فانصرف، وعاد إلى ما كان عليه من بره وصلته(147)

وقالوا: اجتمع الأحنف بن قيس والمنذر بن الجارود بالشام على باب أمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه، وكانت المكانة الاجتماعية للأحنف تجعله الأحقَّ بالدخول قبل المنذر، فرشا المنذرُ حاجبَ أمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه بأربعة آلاف درهم على أن يدخله قبل الأحنف، ففعل الحاجب ذلك، فأدخل المنذر قبل الأحنف، ولم يكن هذا التصرف من الحاجب ليخفى على أمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه، فقال أمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه للحاجب: كيف قدَّمتَ منذراً على الأحنف؟! فحدثه الحديث وأخبره بما فعل المنذر من رشوته، فضحك أمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه وقال: لا تعُدْ. أي لا تفعل هذا الصنيع مرة ثانية(148) .

وجاء في مختصر تاريخ دمشق: خطب أمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه وهو خليفة فقال في خطبته شطر بيت من الشعر، ولم يتم البيت لأنه كان على المنبر:

إذ الناسُ ناسٌ والزمانُ بغُرَّةٍ

وأعاده ولم يتم البيت، فظن بعض العامة أنه أُشْكل عليه بقية البيت، وأنه يريد من يتممه له. فقام ذلك الرجل الساذج وقال بقية البيت:

وإذْ أُمُّ عَمَّارٍ صديقٌ مُساعِفُ!!

فقال له

صفحة مطبوعة 119 · ورقة PDF 120رابط الصفحة المنفردة

أمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه لائمًا وممازحًا: اسكتْ يا أمَّ عمار، ما أردنا هذا منك.!!

فبقي عليه لقباً، فكان إذا مر بالصبيان صاحوا: يا أم عمار يا أم عمار، حتى رُميَ بالآجُرِّ(149) !!

وكان أمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه شاعرًا، وكان ذلك يشجع الشعراء أن يترددوا على مجالسه لينشدوه أشعارهم فتصيبهم عطاياه، وحدث ذات مرة أن دخل عليه رجل متزوج من امرأتين فقال له: ألا أخبرك عن زوجتيَّ؟ قال: بلى. قال: ولدتْ إحداهما غلاماً، والأخرى جارية، فخرجت أم الغلام ذات يوم تُرَقِّصه وتقول:

يا ليته قد راح في الغزيِّعلى جوادٍ مُشْرِفٍ عليٍّ
فآبَ بالمغنم والسبيِّفألحقَ الفقيرَ بالغنيِّ!!

وظلت تُردد ذلك الغناء حتى أغضبت أم الجارية، فخرجت زوجتي الأخرى أم الجارية بابنتها تُرقِّصها وتقول:

وما عليَّ أن تكوني جارية؟تمشُط رأسي وتكون الفالية
وترفعُ الفاضلَ من ردائيهحتى إذا ما بلغتْ ثمانية
زوَّجتُها عتبةَ أو معاويةأصهارُ صدقٍ ومهورٌ غالية!!

فضحك أمير المؤمنين معاوية وقال: وأبيها، إن عتبة

صفحة مطبوعة 120 · ورقة PDF 121رابط الصفحة المنفردة

وأمير المؤمنين معاوية عنها لمشغولان. وأمر لها بأربعة آلاف!!(150)

وروى المدائني قال: ذكر مروان يوماً لأمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه كثرة عدد آل أبي العاص وقلة عدد آل حرب، فتمثل أمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه بقول الشاعر:

تفاخرني بكثرتها قريطوقبلك طالت الحجل الصقور
فإن أك في عدادكم قليلاًفإني في عدوكم كثير
بغاث الطير أكثرها فراخاًوأم الصقر مقلات نزور(151) ( 151 )

ولأن أمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه كان شاعرًا أديبًا عالمًا بتاريخ العرب وأوابدهم، فقد كان كثيرًا ما يمازح ضيوفه، ويذكر لهم مواقف من تواريخهم، فمنهم من يتقبل المزاح باسمًا ضاحكًا راضيًا، ومنه من يسيء فهم المزاح فيرد القول بغلظة وجفاء، فقد قال معاوية رضي الله عنه يومًا ممازحًا لرجل يمنيٍّ من بقايا قوم سبأ: ما كان أجهل قومك حين ملَّكوا عليهم امرأةً!! ثم قالوا لربهم: ﴿رَبَّنَا بَٰعِدۡ بَيۡنَ أَسۡفَارِنَا﴾ فقال الرجل: قومك أجهل من قومي!! حين قالوا ورسول الله يدعوهم: ﴿وَإِذۡ قَالُواْ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَٰذَا هُوَ ٱلۡحَقَّ مِنۡ عِندِكَ فَأَمۡطِرۡ عَلَيۡنَا حِجَارَةٗ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئۡتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٖ٣٢﴾»(152) .

وروى المدائني عن عبد الله بن فائد وغيره قال: أراد أمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه

صفحة مطبوعة 121 · ورقة PDF 122رابط الصفحة المنفردة

ابتياع ضيعة من بعض اليهود، وذكرت له، فبعث إلى صاحبها فُأِتيَ به، وهو شارب نبيذ، فلما رآه أمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه طمع في غَبْنه، فقال له: بِعْني ضَيعتَك، فضحك اليهودي وقال: ليس هذا وقت بيعٍ ولا شراء،!! ولكن إن شئتَ غنيتُك صوتاً، فضحك أمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه وقال: اللهم أخزه، فما أشد عقدته وأثبت عكدته!(153)

ومن المواقف المزاحية الطريفة ما كان يحدث من بعض ضيوف أمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه، حين يأتي بعضهم طامعًا في عطاء، مستغلاًّ ما هو معروف به من الكرم والحِلْم، فمن ذلك ما رواه ابن عبد البر، قال: بلغنا أن رجلاً جاء إلى حاجب أمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه فقال له قل له: على الباب أخوك لأبيك وأمك!! فلما أبلغه الحاجب هذه الرسالة قال له مستغربًا: ما أعرف هذا!! ثم قال: ائذن له!! فدخل الرجل، فقال له معاوية: أيُّ الأخوة أنت؟ فقال الرجل: ابن آدم وحواء!! فضحك معاوية وقال: يا غلام أعطه درهماً!! فقال الرجل: تعطي أخاك لأبيك وأمك درهمًا واحدًا؟ فقال رضي الله عنه: لو أعطيتُ كلَّ أخٍ لي من آدم وحواء ما بلغ إليك هذا(154) .

ومن هذا النوع من ممازحات ضيفه رضي الله عنه ما حدث من ربيعة بن عقيل اليربوعي حين دخل على أمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه فقال: يا أمير المؤمنين أعنِّي على بناء داري. فقال: أين دارك؟ قال: بالبصرة، وهي

صفحة مطبوعة 122 · ورقة PDF 123رابط الصفحة المنفردة

أكثر من فرسخين في فرسخين!! فقال له أمير المؤمنين معاوية ساخرًا من طمعه ممازحًا له: فدارُك في البصرة؟ أم البصرة في دارك؟(155)

ودخل جنادة بن أبي أمية على أمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه، وهو يأكل، فدعاه إلى الأكل، فقال: أنا صائم، فلم تزل الألوان تختلف بين يدي أمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه حتى جئ بجدْي محنوذ سمين، فقال جنادة: ليأمر لي أمير المؤمنين بماء أغسل يدي وآكل من هذا الجدي. فقال له: ألم تقل إنك صائم؟ قال: بلى. ولكني على رد يوم أقدر مني على رد مثل هذا الجدي. فضحك أمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه وأمر بالماء، فغسل يده وأكل معه(156) .

وقد يبلغ المزاح حد رفع التكليف بين أمير المؤمنين وضيوفه لاسيما إن كانوا من ذوي المروءات، فقد حدث مرة أن أنشد ابن الرِّقاع — وهو شاعر له وزنه — قصيدةً يذكر فيها الخمر، فقال له أمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه ممازحًا: أما إني قد ارتبتُ فيك في جودة وصف الشراب!! فقال ابن الرقاع ضاحكًا: وأنا قد ارتبتُ بك في معرفته!!!(157) .

ويحكى عن أمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه: بينا هو يسير وشرحبيل ابن السمط يسايره، إذ راثت دابة شرحبيل؛ فقال أمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه: يا أبا يزيد! إنه يقال إن الهامة إذا عظمت، دلت على وفور

صفحة مطبوعة 123 · ورقة PDF 124رابط الصفحة المنفردة

الدماغ، وصحة العقل. قال: نعم، يا أمير المؤمنين، إلا هامتي فإنها عظيمة، وعقلي ضعيف ناقص(158)

وشهد أعرابّي بشهادة عند أمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه على شيء، فقال: كذبت. فقال: الكاذب والله مزمل في ثيابك. فتبسم أمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه وقال: هذا جزاء من عجل(159) .

وروى المدائني قال: قال أمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه يومًا لعقيل بن أبى طالب: هل من حاجة فأقضيها لك؟ قال: نعم جارية عرضتْ عليَّ وأبى أصحابها أن يبيعوها إلا بأربعين ألفًا!! فأحب أمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه أن يمازحه فقال: وما تصنع بجارية قيمتها أربعون ألفًا، وأنت أعمى تجتزئ بجارية قيمتها خمسون درهمًا؟ فقال عقيل: أرجو أن أطأها فتلد لي غلامًا إذا أغضبتَه يضرب عنقك بالسيف!! فضحك أمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه وقال: مازحناك يا أبا يزيد!! وأمر فابتيعت له الجارية.

قائمة المصادر والمراجع

صفحة 125 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعةتفاصيل الصفحة
صفحة 126 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعةتفاصيل الصفحة
صفحة 127 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعةتفاصيل الصفحة
صفحة مطبوعة 127 · ورقة PDF 128رابط الصفحة المنفردة

قائمة المصادر والمراجع

القرآن الكريم. إبراهيم أنيس، وآخرون: المعجم الوسيط، ط2، بيروت، دار إحياء التراث العربي. الأبشيهي (محمد بن أحمد): المستطرف في كل فنٍّ مستظرف، القاهرة، المكتبة التوفيقية، د. ت. ابن أبي الدنيا (عبد الله بن محمد): قضاء الحوائج، القاهرة، مكتبة القرآن، د. ت. ابن الأثير (المبارك بن محمد): جامع الأصول في أحاديث الرسول، بيروت، دار البيان، 1972م. ابن بطال (علي بن خلف): شرح صحيح البخاري، الرياض، مكتبة الرشد، 2003م. ابن تيمية (أحمد بن عبد الحليم): الصارم المسلول على شاتم الرسول، القاهرة، الكليات الأزهرية، د. ت. ابن حزم (علي بن محمد): الفصل في الملل والأهواء والنِّحَل، جدة، مكتبة عكاظ، د. ت.

صفحة مطبوعة 128 · ورقة PDF 129رابط الصفحة المنفردة

ابن رجب (عبد الرحمن بن أحمد): نزهة الأسماع في مسألة السماع، الرياض، دار العاصمة، 1407ه. ابن عبد البر (يوسف بن عبد الله): الاستيعاب في معرفة الأصحاب، بيروت، دار الجيل، 1412ه. ابن عساكر (علي بن الحسن): تاريخ دمشق، تحقيق: شكري فيصل، وآخرون، المدينة المنورة، مكتبة العلوم والحكم، د. ت. ابن فارس (أحمد بن فارس): مقاييس اللغة، القاهرة، مكتبة مصطفى البابي الحلبي، 1970م. ابن قيم الجوزية (محمد بن أبي بكر): الفروسية، المدينة المنورة، دار التراث، 1410 ه. ابن ماجه (محمد بن يزيد): السنن، بيروت، دار الفكر، د. ت. ابن مسكويه (أحمد بن محمد): تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق، القاهرة، المكتبة التجارية الكبرى، د. ت. ابن منظور (محمد بن مكرم): لسان العرب، بيروت، دار صادر، د. ت. ابن هشام (عبد الملك بن هشام): السيرة النبوية، القاهرة، دار الفجر للتراث، 2002م. أبو داود (سليمان بن الأشعث): السنن، بيروت، دار الكتاب العربي، د. ت. إحسان الأغا: تصميم البحث التربوي، غزة، مطبعة المقداد، 1999م. إحسان محمد الحسن: الفراغ ومشكلات استثماره، بيروت، دار الطليعة

صفحة مطبوعة 129 · ورقة PDF 130رابط الصفحة المنفردة

للطباعة والنشر، 1986م. أحمد أبو سمك: التربية الترويحية في الإسلام.. أحكامها وضوابطها الشرعية، بيروت، دار النفائس، 2007م. أحمد تيمور: لعب العرب، القاهرة، دار نهضة مصر، 1981م. أحمد علي الحاج: أصول التربية، الأردن، دار المناهج، 2001م. أحمد عمر هاشم: زاد الداعية، القاهرة، دار غريب، د. ت. أحمد كمال: الترويح والشخصية الإسلامية، حلقة بحث الترويح، الرياض، الرئاسة العامة لرعاية الشباب، 1402ه. أحمد ماهر البقري: القيم الخلقية في الإسلام، الإسكندرية، مؤسسة شباب الجامعة، 1983م. إسماعيل عبد الفتاح: القيم السياسية في الإسلام، القاهرة، الدار الثقافية، 2001م. إنعام هوساوي: المضامين التربوية في أحاديث الطب النبوي، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية التربية، جامعة أم القرى، 2008م. البخاري (محمد بن إسماعيل): الأدب المفرد، بيروت، دار البشائر، 1989م. بدران أبو العينين: أصول الفقه، الإسكندرية، مؤسسة الشباب، 1984م. البستي (محمد بن حبان): الجامع الصحيح، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1993م. البيضاوي (عبد الله بن عمر): تحفة الأبرار شرح مصابيح الأنوار، بيروت، دار النوادر، 2011م.

صفحة مطبوعة 130 · ورقة PDF 131رابط الصفحة المنفردة

البيهقي (أحمد بن الحسين): السنن الكبرى، حيدر آباد، المعارف النظامية، 1344 ه. الترمذي (محمد بن عيسى): الجامع المختصر، الأردن، دار الأعلام، 2001م. تشارلز بيوتشر: أسس التربية البدنية (ترجمة: حسن معوض، وكمال صالح)، القاهرة، الأنجلو المصرية، 1964م. تهاني عبد السلام: أسس الترويح، القاهرة، دار المعارف، 1979م. توفيق حسن وصفي: التخطيط لمواجهة مشكلات النشاط الترويحي في النمو الحضري، المؤتمر الرابع عشر للشؤون الاجتماعية، جامعة الدول العربية، إدارة الشؤون الاجتماعية والشباب، ليبيا، 1971. الجاحظ (عمرو بن بحر): البخلاء، بيروت، دار صادر، د. ت. الجامع الصحيح المختصر، ط3، بيروت، دار ابن كثير، 1987م. جامع العلوم والحكم، بيروت، دار المعرفة، 1988م. جلال عبد الوهاب: النشاط المدرسي، الكويت، مكتبة الفلاح، 1401 ه. الحاكم (محمد بن عبد الله): المستدرك على الصحيحين، بيروت، دار الكتب العلمية، د. ت. حسن شحاتة: النشاط المدرسي، القاهرة، الدار المصرية اللبنانية، 1410 ه. حسين المصري: توضيح تحفة المريد شرح جوهرة التوحيد، القاهرة،

صفحة مطبوعة 131 · ورقة PDF 132رابط الصفحة المنفردة

مطبعة خليل، 1963م. الحصري (إبراهيم بن علي): جمع الجواهر في المُلح والنوادر، ط2، بيروت، دار الجيل، 1987م. حلمي فودة، وآخرون: المرشد في كتابة الأبحاث التربوية، جدة، دار الشروق، 1395 ه. حمادي صمّود: بلاغة الهزل وقضية الأجناس الأدبية عند الجاحظ، تونس، دار شوقي للنشر، 2002م. حمدي علي الفرماوي: ركائز البناء النفسي، القاهرة، إيتراك للنشر والتوزيع، 2001م. حمزة الناشري: انتهاز الفرص في الصيد والقنص، اليمن، الدار اليمنية، 1405 ه. حنان لحام: هدي السيرة النبوية في التغيير الاجتماعي، دمشق، دار الفكر للعلم، 1987م. الحيوان، بيروت، دار ومكتبة الهلال، 1992م. خالد فهد العودة: الترويح التربوي.. رؤية إسلامية، الرياض، دار المسلم للنشر والتوزيع، 1414 ه. الدارقطني (علي بن عمر): السنن، بيروت، دار المعرفة، 1966م. الرازي (محمد بن أبي بكر): مختار الصِّحاح، بيروت، دار الكتب العلمية، 1983م. الرازي (محمد بن عمر): مفاتح الغيب، بيروت، دار الكتاب العربي، 2000م. زاد المعاد في هدي خير العباد، بيروت، مؤسسة الرسالة، د. ت.

صفحة مطبوعة 132 · ورقة PDF 133رابط الصفحة المنفردة

الزبيدي (محمد مرتضى): تاج العروس من جواهر القاموس، تحقيق: مصطفى حجازي وآخرون، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1984م. سامي ملحم: مناهج البحث في التربية وعلم النفس، بيروت، دار السيرة، 2002م. سعيد إسماعيل القاضي: التربية الإسلامية بقين الأصالة والمعاصرة، القاهرة، عالم الكتب، 2004م. سعيد إسماعيل علي: أصول التربية الإسلامية، القاهرة، دار السلام، 2007م. سعيد حوى: الإسلام، القاهرة، دار السلام، 1988م. سعيد سيد عويس: الترويح والشخصية الإسلامية، حلقة بحث الترويح، الرياض، الرئاسة العامة لرعاية الشباب، 1402ه. السنة النبوية رؤية تربوية، القاهرة، دار الفكر العربي، 2002م. السهرنفوري (خليل بن أحمد): بذل المجهود شرح أبي داود، دمشق، دار البشائر، 2008م. سيد قطب: الإنسان بين المادية والإسلام، القاهرة، دار الشروق، 1980م. السيرة النبوية دروس وعبر، دمشق، المكتب الإسلامي، 1985م. السيوطي (عبد الرحمن): تدريب الراوي، تحقيق: عبد الوهاب عبد اللطيف، الرياض، مكتبة الرياض الحديثة، د. ت. الشمائل المحمدية، بيروت، مؤسسة الكتب الثقافية، 1412ه. الشيباني (أحمد بن حنبل): المسند، القاهرة، مؤسسة

صفحة مطبوعة 133 · ورقة PDF 134رابط الصفحة المنفردة

قرطبة، د. ت. صالح آدم بيلو: فلسفة الترويح في الإسلام، حلقة بحث الترويح، الرياض، الرئاسة العامة لرعاية الشباب، 1402 ه. الصِّدِّيقي (محمد بن علَّان): الفتوحات الربانية على الأذكار النووية، الرياض، دار الصفا، 1993م. صلاح الدين أكبر: نحو علم الإنسان الإسلامي، الأردن، دار البشير، 1990م. صلاح الدين المنجد: كتب الترويح في التراث العربي، الرياض، الرئاسة العامة لرعاية الشباب، 1402ه. صلاح قنصوة: نظرية القيم في الفكر المعاصر، بيروت، دار التنوير، 1984م. طاهر الجزائري: توجيه النظر إلى أصول الأثر، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة، حلب، مكتبة المطبوعات الإسلامية، 1995م. الطبراني (سليمان بن أحمد): المعجم الأوسط، القاهرة، دار الحرمين، 1415ه. عاطف عبد اللطيف: الفكاهة في الشعر المملوكي، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية اللغة العربية، جامعة الأزهر، 1985م. عائض القرني: لا تحزن، الرياض، مكتبة العبيكان، 2003م. عباس مدني: أزمة الفكر الحديث ومبررات الحل الإسلامي، مكة المكرمة، مكتبة المنار، د. ت. عبد الحميد عبد المحسن: الترويح والشخصية الإسلامية، حلقة بحث الترويح، الرياض، الرئاسة العامة لرعاية الشباب، 1402ه.

صفحة مطبوعة 134 · ورقة PDF 135رابط الصفحة المنفردة

عبد الرحمن العيسوي: الإسلام والعلاج النفسي، القاهرة، دار الفكر الجامعي، د. ت. عبد الرحمن حسن حبنكة: الأخلاق الإسلامية وأسسها، دمشق، دار القلم، 1992م. عبد الرحمن عدس، وآخرون: البحث العلمي.. مفهومه، أدواته، أساليبه، الرياض، دار أسامة، 1422ه. عبد الغني العطري: أدبنا الضاحك، دمشق، دار البشائر للطباعة والنشر، 1994م. عبد الفتاح أبو غدة: الرسول المعلم صلى الله عليه وسلم وأساليبه في التعليم، ط2، بيروت، دار البشائر الإسلامية، 1997م. عبد الكريم زيدان: أصول الدعوة، ط3، الإسكندرية، دار عمر بن الخطاب، 1975م. عبد الله مبارك: بناء المجتمع الإسلامي، الرياض، دار الفرقان للنشر والتوزيع، ٢٠٠١م. عبد الله ناصح علوان: الشباب المسلم في مواجهة التحديات، دمشق، دار القلم، 2002م. عبد الله ناصر السدحان: قضاء وقت الفراغ وعلاقته بانحراف الأحداث، رسالة ماجستير غير منشورة، المعهد العالي للعلوم الأمنية، الرياض، 1993م. عبد المطلب القريطي: الوظائف التربوية والنفسية للأنشطة الفنية وأثرها في تكامل الشخصية، ندوة مديري التعليم، الرياض، وزارة التعليم، 1405 ه. العدالة الاجتماعية في الإسلام، القاهرة،

صفحة مطبوعة 135 · ورقة PDF 136رابط الصفحة المنفردة

دار الشروق، 1974م. عدنان النحوي: التوحيد وواقعنا المعاصر، دمشق، دار الفكر، 1403 ه. عدنان جلون، وآخرون: دليل التربية الرياضية، المدينة المنورة، دار التراث، 1409 ه. العسقلاني (أحمد بن علي): الإصابة في معرفة الصحابة، بيروت، دار الجيل، 1412 ه. العظيم آبادي (محمد بن شمس الحق): عون المعبود شرح أبي داود، بيروت، دار الكتب العلمية، 1415 ه. علاء الدين كفافي: الصحة النفسية والإرشاد النفسي، القاهرة، دار هجر، 1990م. علي نايف الشحود: الترغيب بالجنة والترهيب من النار، جدة، دار النور، 2007م. عماد الدين خليل: رؤية إسلامية في قضايا معاصرة، قطر، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، 1995م. العيني (محمود بن أحمد): عمدة القاري بشرح صحيح البخاري، بيروت، دار الكتب العلمية، 2001م. الغزالي (محمد بن محمد): إحياء علوم الدين، جدة، دار المنهاج للنشر والتوزيع، 1432 ه. الغزي (محمد بن محمد): المراح في المزاح، تحقيق: السيد الجميلي، القاهرة، مكتبة الثقافة الدينية، 1986م. فتح الباري بشرح صحيح البخاري، بيروت، دار المعرفة، د. ت.

صفحة مطبوعة 136 · ورقة PDF 137رابط الصفحة المنفردة

فتحي يكن: قوارب النجاة في حياة الدعاة، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1977م. فلسفة التربية الإسلامية، الأردن، دار الفتح، 2009م. فلسفة الترويح والتربية الترويحية، بيروت، دار الفكر، 1965م. فؤاد أبو حطب وآمال صادق: مناهج البحث وطرق التحليل الإحصائي في العلوم النفسية والتربوية والاجتماعية، القاهرة، مكتبة الأنجلو المصرية، ١٩٩١م. الفوائد، المدينة المنورة، دار التراث، د. ت. في ظلال القرآن، القاهرة، دار الشروق، 1982م. فيليب فنكس: فلسفة التربية، القاهرة، دار النهضة العربية، 1982م. الفيومي (أحمد بن محمد): المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، بيروت، دار الفكر، د. ت. القاري (علي بن سلطان): مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، بيروت، دار الكتاب العربي، د. ت. قاسم غنى: تاريخ التصوف الإسلامي، القاهرة، مكتبة مصر، د. ت. القرطبي (محمد بن أحمد): الجامع لأحكام القرآن، بيروت، دار الفكر، 1987م. القسطلاني (أحمد بن محمد): المواهب اللدنية بالمنح المحمدية، بيروت، المكتب الإسلامي، 1991م. كايد قرعوش: التربية الأخلاق في الإسلام، عمان،

صفحة مطبوعة 137 · ورقة PDF 138رابط الصفحة المنفردة

دار المناهج، 1999م. كمال درويش، وآخرون: اتجاهات حديثة في الترويح، المنصورة، مكتبة الوفاء، 1406 ه. لجنة التراث بمجمع اللغة العربية: معجم ألفاظ القرآن الكريم، القاهرة، مطبوعات المجمع. ليلى العبيدي: الفكه في الإسلام، بيروت، دار الساقي، 2010م. ماجد عرسان الكيلاني: تطور مفهوم النظرية التربوية الإسلامية، ط3، المدينة المنورة، مكتبة دار التراث، 1991م. مالك بن نبي: شروط النهضة، ط3، بيروت، دار الفكر، 1969م. الماوردي (علي بن محمد): أدب الدنيا والدين، بيروت، مؤسسة إقرأ، 1405 ه. مجدي بدح: الأبعاد التربوية لأحكام الزواج والطلاق في ضوء الكتاب والسنة، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية التربية، الجامعة الإسلامية بغزة، 2001م. محب الدين أبو صالح، وآخرون: أصول التربية الإسلامية، الرياض، مطابع جامعة محمد بن سعود، 1407ه. محمد الحماحمي، وعايدة عبد العزيز: الترويح بين النظرية والتطبيق، بيروت، مركز الكتاب للنشر، 1905م. محمد السيد الوكيل: الترويح في المجتمع المسلم، المنصورة، دار الوفاء، 1984م. محمد الغزالي: خلق المسلم، بيروت، دار القلم، 1980م. محمد القحطاني: الولاء والبراء في الإسلام، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية الشريعة والدراسات الإسلامية، جامعة أم القرى، 1404ه.

صفحة مطبوعة 138 · ورقة PDF 139رابط الصفحة المنفردة

محمد رضا البغدادي: الأهداف والاختبارات، الكويت، مكتبة الفلاح، 1401 ه. محمد سعيد رمضان البوطي: فقه السيرة النبوية، القاهرة، دار السلام، 1994م. محمد عادل خطاب: النشاط الترويحي وبرامجه، القاهرة، مكتبة القاهرة الحديثة، 1962م. محمد عبد الحي الكتاني: التراتيب الإدارية للحكومة النبوية، ط2، تحقيق: عبد الله الخالدي، بيروت، دار الأرقم، د. ت. محمد عبد القادر أبو فارس: تزكية النفس، القاهرة، بيروت، دار الفرقان للنشر، د. ت. محمد عبد الله دراز: دستور الأخلاق في الإسلام، ط3، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1980م. محمد عزمي صالح: التأصيل الإسلامي لرعاية الشباب، القاهرة، دار الصحوة، 1405 ه. محمد عطية الإبراشي: روح التربية والتعليم، ط٤، بيروت، دار إحياء الكتب العربية، ١9٩5م. محمد عمارة: إسلامية المعرفة.. ماذا تعني؟، القاهرة، دار المعارف، 1999م. محمد محمد فضالي: الترويح في المجتمع الإسلامي، حلقة بحث الترويح، الرياض، الرئاسة العامة لرعاية الشباب، 1402 ه. محمد موسى: الثبات، جدة، دار الأندلس

صفحة مطبوعة 139 · ورقة PDF 140رابط الصفحة المنفردة

الخضراء، 1421 ه. محمد يوسف موسى: مباحث في فلسفة الأخلاق، القاهرة، مكتبة الخانجي، 1948م. محمود خليل أبو دف: الجانب الإيماني في التربية الإسلامية، رسالة دكتوراه غير منشورة، الجامعة الإسلامية، غزة، 1992م. محمود خليل أبو دف: مقدمة في التربية الإسلامية، ط3، الرياض، د. ن، 1428ه. محمود عبده أحمد، وآخرون: التربية الإسلامية بين الأصالة والمعاصرة، القاهرة، عالم الكتب، 1999م. مدارج السالكين، بيروت، دار الكتاب العربي، 1973م. مروان عبد المجيد: التربية الترويحية وأوقات الفراغ، بيروت، مؤسسة الوراق، 2001م. مصطفى البغا: مضامين تربوية في الفقه الإسلامي، دمشق، دار المصطفى، 2007م. مصطفى الخشاب: دراسة المجتمع، القاهرة، مكتبة الأنجلو المصرية، ١٩٨٧م. مصطفى السباعي: أخلاقنا الاجتماعية، بيروت، دار الوراق، 1999م. مصطفى رجب: الأهداف التربوية لبعض القصص النبوي، د. م، د. ن، 1992م. مصطفى عبد القادر: التوجيه الإسلامي للتربية الترويحية، بحث منشور بحولية كلية التربية، جامعة عين شمس، 2010م.

صفحة مطبوعة 140 · ورقة PDF 141رابط الصفحة المنفردة

المعجم الصغير، بيروت، دار عمار، 1405ه. المعجم الكبير، الموصل، مكتبة العلوم والحكم، 1983م. مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة، بيروت، دار الكتب العلمية، د. ت. مقداد يالجن: التربية الأخلاقية الإسلامية، القاهرة، مكتبة الخانجي، 1977م. المقدسي (محمد بن يزيد): المختارة، بيروت، دار الفكر، د. ت. المقَّري (أحمد بن محمد): نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، بيروت، دار صادر، 1968م. من أجل صحوة إسلامية راشدة تجدد الدين وتنهض بالدنيا، د. ن، 1998م. مناع القطان: الترويح في ضوء النصوص الشرعية، الرياض، الرئاسة العامة لرعاية الشباب، 1402ه. المناوي (عبد الرؤوف): اليواقيت والدرر شرح نخبة الفكر، بيروت، دار البشائر، 1427ه. المنهاج بشرح صحيح مسلم بن الحجاج، ط2، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1392 ه. الموصلي (أحمد بن علي): المسند، دار المأمون للتراث، دمشق، 1984م، ص129. نبيه ياسين: أبعاد متطورة للفكر التربوي، القاهرة، مكتبة الخانجي، 1979م. نحو مجتمع إسلامي، القاهرة،

صفحة مطبوعة 141 · ورقة PDF 142رابط الصفحة المنفردة

دار الشروق، 1975م. نزهة النظر شرح نخبة الفكر، مطبعة سفير، 1422ه. النسائي (أحمد بن شعيب): السنن الكبرى، بيروت، دار الكتب العلمية، 1991م. النووي (يحيى بن شرف): الأذكار المنتخبة من كلام سيد الأبرار، ط4، القاهرة، مكتبة مصطفى الحلبي، 1995م. النووي (يحيى بن شرف): رياض الصالحين، بيروت، دار الكتب العلمية، 1985م. النَّيسابوري (مسلم بن الحجاج): الجامع الصحيح، بيروت، دار الجيل، د. ت. همام عبد الرحيم: قواعد الدعوة إلى الله، المنصورة، دار الوفاء، 2000م. هند السياري: أحكام المزاح في الفقه الإسلامي، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية الشريعة، جامعة الملك سعود، 1427ه. هنري برجسون: الضحك، بحث في دلالة المضحك (ترجمة: سامي الدروبي، وعبد الله عبد الدايم)، بيروت، دار العلم للملايين، 1983م. ياسر عثمان جاد الله: وسائل الترفيه ما يحل منها وما يحرم، الإسكندرية، دار الدعوة، 1405 ه. اليحصبي (عياض بن موسى): الشفا بتعريف حقوق المصطفى، بيروت، دار الفكر، 1995م. يحيى بسيوني مصطفى: البدائل الإسلامية لوسائل الترويح المعاصرة (عرض الكتاب في مقال)، ج13، بيروت، عالم الكتب، 1992م.

صفحة مطبوعة 142 · ورقة PDF 143رابط الصفحة المنفردة

يوسف القرضاوي: كيف نتعامل مع السنة النبوية، القاهرة، دار الوفاء، 1992م.

* الدوريات والمواقع الإلكترونية:

أبو بكر باقادر: الترويح والمجتمع، مجلة الدارة، مجلة فصلية تصدر عن دارة الملك عبد العزيز، السنة التاسعة، العدد 3، يناير وفبراير ومارس 1983م. إسحاق يعقوب القطب: مفهوم الترويح ونظرياته في المجتمعات الحضرية المعاصرة، مجلة الدارة، مجلة فصلية تصدر عن دارة الملك عبد العزيز، السنة الثامنة، العدد 1، يوليو 1982م. حسن عبد الغني أبو غدة: المزاح في الإسلام، سلسلة دعوة الحق، العدد 216، السنة الثالثة والعشرون، إدارة الدعوة والتعليم، الرياض، 2005م. شاكر عبد الحميد: الفكاهة والضحك.. دعوة للتفاؤل، الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، فبراير 2003م. عبد الستار إبراهيم: الاكتئاب، اضطراب العصر الحديث، فهمه وأساليب علاجه، الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 239. محمد سعيد رمضان البوطي: السيرة النبوية؛ كيف كُتبت وكيف تطورت وكيف يجب فهمها اليوم، مجلة الوعي الإسلامي، الكويت، العدد 8، 1979م. محمد عمارة: المنهاج النبوي في المداعبة والمزاح، مجلة حراء، مجلة فصلية تصدر عن مركز النيل بالقاهرة، العدد 13،

صفحة مطبوعة 143 · ورقة PDF 144رابط الصفحة المنفردة

2008م. مصطفى محمود عبد السلام: التكافل الاجتماعي في الإسلام: إنفاق العفو نموذجا، مجلة الحياة الطيبة، مجلة إلكترونية تصدر عن موقع بينات الإلكتروني، العدد 12، 2003م. ناهد الخراشي: كيف يحقق الإسلام الأمن والسكينة والطمأنينة، موقع بلاغ الإلكتروني، 2000م. نصار أسعد نصار: مفهوم الابتلاء في القرآن الكريم، مجلة جامعة دمشق للعلوم الاقتصادية والقانونية، ج20، العدد 1، 2004م. يوسف القرضاوي: الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف، قطر، كتاب الأمة، 1982م.

* المراجع الأجنبية:

Carlson et al. (1963). Recreation in American life. Belmant ، Calife ، wadworth. Harvey ، L. (1998). Humor of Healing: a Therapeutic approach. San Antonia. ، Texas: therapy skill builders. Kando ، Thomas M. (1980). Leisure and popular culture in transition. Second E. London: The C. V. Mosby Combany. p. 18. Kelly ، John R. (1982). Leisure. (N. E.). U. S. A.: Prentice — Hall Inc. p. 21. S. Lassouad ، Le comique et le serieux dans ls literature arabe d'avant la Nahda ، p. 81.

قائمة بعناوين الأبحاث الجديدة لمشروع

(تراث الآل والأصحاب)

صفحة مطبوعة 145 · ورقة PDF 145رابط الصفحة المنفردة

* القرآن في حياة الآل والأصحاب.

* أدب التربية في تراث الآل والأصحاب: نماذج من تعامل الآل والأصحاب مع صغارهم.

* السفر وآدابه في تراث الآل والأصحاب.

* التجارة والمكاسب في تراث الآل والأصحاب: آداب وقدوات ونماذج متنوعة.

* آداب معاملة الكبار والمرضى في تراث الآل والأصحاب.

* الإعاقة في تراث الآل والأصحاب: نماذج وآداب وعبر.

* آداب التعامل مع غير المسلمين في تراث الآل والأصحاب.

* العبادة والزهد في تراث الآل والأصحاب.

* الذكر والدعاء في تراث آل البيت.

* فضل العلم وآداب طلبه في تراث الآل والأصحاب.

* آداب التعامل مع المرأة في تراث الآل والأصحاب.

* آداب العشرة في تراث الآل والأصحاب: استلهام للقيم الزوجية الناجحة في سير سلفنا الصالح.

* آداب الحوار والاختلاف في تراث الآل والأصحاب: شواهد وآداب.

* قضايا نسائية: قراءات في تراث الآل والأصحاب.

* الأطفال في رحاب الآل والأصحاب: بحث في أسس المعالجة الفنية والأدبية لنشر تراث الآل والأصحاب للمراحل العمرية الصغيرة.

* الوقف في تراث الآل والأصحاب.

* الفَقْد في تراث الآل والأصحاب: دراسة في الجوانب الإيمانية والإنسانية.

* المهارات الإدارية في تراث الآل والأصحاب.

* إدارة الوقت في تراث الآل والأصحاب.

* الطعام وآدابه في تراث الآل والأصحاب.

* المزاح وآدابه في تراث الآل والأصحاب.

* آداب التعامل مع الحيوان في تراث الآل والأصحاب.

صفحة 146 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعةتفاصيل الصفحة
الحاشية
داخل هذا الكتاب فقطالبحث في المزاح في تراث الآل والأصحاب

اكتب كلمتين أو أكثر لعرض النتائج داخل هذا الكتاب.

النسخة المصوّرة — المزاح في تراث الآل والأصحابتمرير رأسي متصل