كان مزاحه؟ فقال ابن عباس: كسا النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعض نسائه ثوبًا واسعًا، فقال: البسيه واحمدي الله، وجري من ذيلك هذا كذيل العروس(113)
ومعنى هذا أن المزاح النبوي كان أسلوباً تربويًّا راقيًا، لما للمزاح من بُعدٍ نفسيٍّ مُهِمٍّ تُرى آثاره في نفوس الناس، ووجوههم، وسلوكياتهم المرحة المتفائلة، من خلال مواقف الفكاهة والضحك.
فالمزاح — بهذا المعنى — من دعائم التربية الروحية للمسلم؛ إذ هو تربية تقوم على حضور القلب، وتلفظ اللسان، وتسهم في تصفية روح المسلم من الأكدار النفسية التي تحول بينه وبين الفرح بنعمة الله، واستشعار كرمه وفضله عليه(114) .
وقد سَرَت هذه الروح السمحة المرحة إلى نفوس أصحابه صلى الله عليه وآله وسلم ، فكانوا على ما هم عليه من جد وجهاد وعبادة وعمل، يتمازحون ويداعب بعضهم بعضًا، حتى اشتهر بعضهم بذلك مثل: نعيمان البدري وغيره على نحو ما سنرى بعد قليل في السطور القادمة(115) .
وكان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يتقبل المزاح ويتذوقه، ولا يستنكف ذلك ما لم يتعد حدود الله، فكان من مزاحه القولي أن أتته عجوز فسألته أن يدعو الله لها بالجنة، فداعبها قائلًا: «لا يدخل الجنة عجوز». فبكت، فقال: «إنك لست بعجوز يومئذ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّآ أَنشَأۡنَٰهُنَّ إِنشَآءٗ٣٥ فَجَعَلۡنَٰهُنَّ أَبۡكَارًا٣٦ عُرُبًا أَتۡرَابٗا٣٧﴾»(116)
