سلسلة تراث الآل والأصحاب (4)
أَدَبُ التَّرْبِيَةِ فِي تُراثِ الآلِ وَالأصْحَابِ
نماذج من تعامل الآل والأصحاب مع صغارهم
أحْمَد الجَابرِي
مراجعة مركز البحوث والدراسات بالمبرة
حقوق الطبع محفوظة لمبرة الآل والأصحاب
إلا لمن أراد التوزيع الخيري بشرط عدم التصرف في المادة العلمية
الطَّبْعَةُ الأُولَى
1439 ه — 2017م
هاتف: 22560203 — 22552340 فاكس: 22560346
ص. ب: 12421 الشامية الرمز البريدي 71655 الكويت
E — mail: almabarrh@gmail.com
www.almabarrah.net
عنوان الكتاب: أدب التربية في تراث الآل والأصحاب .
اسم المؤلف: أحمد إبراهيم محمود الجابري .
نوع المطبوع: كتاب — الطبعة: الأولى — عدد الصفحات: 214
السلسلة: تراث الآل والأصحاب (4)
الناشر: مبرة الآل والأصحاب
ص. ب. 12421 الشامية — الرمز البريدي 71655 — ت: 2560203
ردمك: 3 — 40 — 64 — 99966 — 978 ISBN
فهرس
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| مقدمة مبرة الآل والأصحاب | 9 |
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| مقدمة المؤلف | 13 |
| تمهيد | 25 |
| المبحث الأول: التعريف بمصطلحات العنوان | 27 |
| أولاً: التعريف بالآداب | 27 |
| ثانيًا: التعريف بالتربية | 30 |
| ثالثًا: التعريف بالتراث | 33 |
| رابعًا: التعريف بالآل | 37 |
| خامسًا: التعريف بالأصحاب | 42 |
| المبحث الثاني: عناية مبكرة | 47 |
| جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه | 49 |
| علي بن أبي طالب رضي الله عنه | 52 |
| خلاصة ما ذكر | 53 |
| الفصل الأول: التربية العقدية | 75 |
| قبس نبوي | 57 |
| في جانب توحيد الله عز وجل وحبه ومراقبته والاستعانة به | 58 |
| في جانب محبة النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمه | 59 |
| التربية العقدية في تراث الآل والأصحاب | 62 |
| حرصهم |
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| على بقاء الطفل على فطرة الإسلام، ومنع العبث بهذه العقيدة | 64 |
| حرصهم على أن تكون المرضعة مسلمة | 65 |
| تلقينهم الصغار كلمة التوحيد في أول نطقهم | 66 |
| دفع الاعتقادات الخاطئة من قلوبهم، ونهيهم عن أفعال الشرك | 67 |
| ترسيخ محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم في قلوبهم، وتعظيمه وتوقيره في نفوسهم | 68 |
| الفصل الثاني: التربية التعبدية | 75 |
| قبس نبوي | 77 |
| التربية التعبدية في تراث الآل والأصحاب | 82 |
| الوضوء | 84 |
| الصلاة | 87 |
| الصيام | 100 |
| الزكاة | 102 |
| الحج والعمرة | 105 |
| قراءة القرآن | 109 |
| الدعاء | 112 |
| الجهاد | 114 |
| الفصل الثالث: التربية الأخلاقية | 117 |
| قبس نبوي | 119 |
| التربية الأخلاقية في تراث الآل والأصحاب | 124 |
| أولاً: خلق التأدب مع الكبار |
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| 126 | |
| ثانيًا: خلق الصدق، والبعد عن الكذب | 129 |
| ثالثًا: خلق حفظ الأسرار | 132 |
| رابعًا: خلق الرحمة، ومراعاة مشاعر الآخرين | 135 |
| خامسًا: خلق الأمانة، وعدم التعدي على حقوق الناس | 137 |
| سادسًا: الخصال والأخلاق الحسنة بصفة عام | 138 |
| الفصل الرابع: التربية الاجتماعية | 143 |
| قبس نبوي | 145 |
| التربية الاجتماعية في تراث الآل والأصحاب | 150 |
| أولاً: اصطحابهم إلى مجالس الكبار | 150 |
| ثانيًا: تعويدهم سنة السلام | 155 |
| ثالثًا: عيادتهم في المرض | 156 |
| رابعًا: اصطحابهم للحفلات المشروعة والأعراس | 158 |
| خامسًا: منحهم الحرية في اختيار أصدقائهم | 159 |
| سادسًا: حرصهم على تكنيتهم من الصغر حتى لا يساء إليهم بلقب | 161 |
| سابعًا: القسمة لهم من بيت المال، واحتساب نفقة لهم | 163 |
| الفصل الخامس: التربية البدنية | 165 |
| قبس نبوي | 167 |
| التربية البدنية في تراث الآل والأصحاب | 172 |
| أولاً: التربية الجسدية | 172 |
| ترخيصهم للحامل والمرضع في الإفطار في |
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| رمضان | 173 |
| حلقهم شعر المولود في اليوم السابع | 173 |
| تعويذهم الصغار بالرقى والمعوذات؛ لدفع العين والحسد عنهم | 174 |
| تعليمهم الرياضة التي تناسبهم، وتقوي مهاراتهم؛ مثل: السباحة، والرمي | 176 |
| تعويدهم النوم المبكر، وعدم السهر، خاصَّة في الصغر | 179 |
| ثانيًا: التربية النفسية العاطفية | 182 |
| الحاجة إلى المحبة | 184 |
| الحاجة إلى التقدير الاجتماعي واحترام الشخصية | 186 |
| 1 — تقديمهم من يصلح للإمامة من الصغار لهذا المكان | 187 |
| 2 — تخييرهم في أمر معيشتهم، إذا انفصل الوالدان | 187 |
| 3 — السماح لهم بحضور بعض اللقاءات والزيارات للكبار | 191 |
| الحاجة إلى الرعاية الوالدية والتوجيه | 191 |
| الخاتمة | 194 |
| المصادر والمراجع | 196 |
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة مبرة الآل والأصحاب
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وصحابته الطيبين الطاهرين الغر الميامين، أما بعد؛
فلا ريب أن للقدوات الصالحة أثرًا بالغ الأهمية في الارتقاء بحياة الأمم والشعوب؛ وذلك أنهم هم الذين يقدمون الدليل الواقعي والتطبيق العملي للتعاليم التي تمثّل منظومة القيم والأخلاق التي تشكّل هوية تلك الأمم، وتعتبر مثالها السامي الذي تستهدف احتذاء حذوه والاهتداء بهديه.
وقد نبّه القرآن الكريم على ذلك المعنى وأشاد به في آيات كثيرة، مبينًا فضلَ الاقتداء بالأنبياء والصالحين، قال تعالى: ﴿لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا﴾ [الأحزاب: 21]، وقال عز وجل: ﴿قَدۡ كَانَتۡ لَكُمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ فِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ﴾ [الممتحنة: 4]،
وقال سبحانه: ﴿لَقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِيهِمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَۚ﴾ [الممتحنة: 6]، وقال عقب ذكر صفوةٍ من رسله وأنبيائه: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقۡتَدِهۡۗ﴾ [الأنعام: 90]، وقال عزّ مِن قائل: ﴿فَٱصۡبِرۡ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلۡعَزۡمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: 35]، وغير ذلك مما يفهم من النصوص بأدنى تأمّل.
والواجب على أمتنا الإسلامية أن تصوغ رؤيتها الأخلاقية والقيمية والحضارية انطلاقًا من الوحي قرآنًا وسنةً، في تناغم مع معطيات العلم في جميع المجالات، ومواكبةٍ لمستجدات العصر الذي نعيش فيه وما يزخز به من تحدياتِ عظيمة. فلا يحسن أن نقتصر في تدبرنا للوحي على مجرد الأمور الدينية العبادية المحضة، فإن الوحي قد أنزله الله هدى ونورًا للإنسانية تنتفع به في معاشها ومعادها، وإن كان مقصوده الأساس الفلاح الأخروي وما يقرب إليه؛ إلا أنه لا شك في كونه يرشدنا بهداياته في جميع مناحي الحياة العملية، ولو في صورة ضوابط ومعايير وقيم كلية نافعة، نستلهم منه ما يرضي ربنا ويحقق فلاحنا في الدنيا، مع عدم إغفال البحث والعلم في جميع المجالات بأدواتها ووسائلها.
ونحن إذا ذهبنا نستلهم قيم الوحي على مختلف الأصعدة العلمية والسلوكية؛ لم نجد امتثالًا وتطبيقًا وتفعيلًا؛ خيرًا مما نجده عن صحابة النبي صلى الله عليه وسلم الأخيار وأهل بيته الأطهار، فهم الذين انتهجوا الوحي كتابًا وسنة في جميع جوانب حياتهم، فسادوا وقادوا، وصاروا أئمة أعلامًا هداة.
وقد أخذت مبرة الآل والأصحاب كعادتها على عاتقها مهمةَ تفعيلِ ذلك المعنى، وتقديمه في صورة بحثية توعوية منضبطة؛
لكونها مؤسسة متخصصة في تراث الآل والأصحاب حتى صار لها بفضل الله الريادة في ذلك المجال.
وقد كان أصل هذا المشروع الذي بين أيدينا فكرةً من قِبل رئيس مجلس إدارة المبرة د. عبدالمحسن الجارالله الخرافي تتضمن توسيع نطاق الأبحاث المتعلقة بالآل والأصحاب لتضمّ مجالات جديدة ورحابًا أوسع ولا تقتصر على الموضوعات الدينية المألوفة، ثم أوعز بهذه الفكرة وبعض عناصرها إلى مركز البحوث والدراسات بالمبرة؛ فقام المركز مشكورًا مأجورًا بوضع خطة طموحة تتضمن العديد من الموضوعات الهادفة، العلمية والعملية؛ التي نستهدف أن نستضيء فيها بتراث الآل والأصحاب، ونكشف عن ملامح تطبيقهم الوحي على جميع الأصعدة والأنحاء، بشكل يتجلّى فيه الجانب الإبداعي من تخصص المبرة في خدمة تراث الآل والأصحاب، و«التخصص يقود إلى الإبداع» بحمد الله وتوفيقه، بحيث نقدم للمكتبة العلمية والدعوية تجميعًا غير مسبوق لبعض الجوانب الدقيقة في تراث الآل والأصحاب؛ ومِن ثَمَّ نسَّق المركز مع مجموعة من الباحثين ليقدموا جهودهم في تحويل تلك الأفكار والموضوعات إلى أبحاث علمية وفق منهجية مركز البحوث والدراسات المنضبطة، القائمة على التحقيق العلمي، والاستدلال الصحيح، والاسترشاد بكتب أهل العلم السابقين والمعاصرين، واستمر جهد المركز في متابعة الأبحاث ومراجعتها وتعديل ما يحتاج منها إلى تعديل، عبر خلية عمل تفرغت للمشروع تحت إشراف رئيس مركز
البحوث والدراسات الشيخ محمد سالم الخضر مباشرة، فالشكر موصول لجميع الباحثين الكرام في المركز.
ثم تضافرت جهود أقسام المبرة الأخرى كقسم الإعلام في إتمام العمل بتنسيق الكتب وإخراجها؛ فكانت هذه السلسلة من الموضوعات، التي تندرج في سلسلة (تراث الآل والأصحاب)؛ ثمرةً لهذا التعاون المبارك.
وقد أرفقنا في ذيل هذا الكتاب قائمةً بعناوين هذه المجموعة المتكاملة من الموضوعات الدقيقة والمهمة في تراث الآل والأصحاب.
نرجو من الله عز وجل أن يوفقنا في مسعانا، وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وأن يجمع لنا الأجرين: أجر الاجتهاد وأجر الصواب، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
مبرة الآل والأصحاب
بسم الله
الرحمن الرحيم
الحمد لله منزِّلِ القرآن، معلِّمِ الإنسان البيان، باعثِ محمَّد إلى كافَّة الخلق من إنسٍ وجان، نحمده ما تعاقبت الأزمان، وخُطَّ كلامٌ بقلم وبنان، والصلاة والسلام على خير رسل بني الإنسان، من ملك أزمَّة اللغة وخُطُم البيان، أفصح من تكلَّم وبلَّغ وأبان، وعلى آل بيته وأصحابه الضاربين بسهام الخير في كل سباق وميدان.
وبعد؛
فتعدُّ مرحلة الطفولة والصغر من أهمِّ مراحل الحياة الإنسانية، إن لم تكن أهمها على الإطلاق، لما لها من أثر بالغ في حياة الأمة والمجتمعات في المستقبل، فالصغار لَبِناتٌ يقوم عليها بناء المستقبل؛ لأنهم سيمثلون القوة البشرية التي يُعتمَد عليها في البناء الحضاري، لذا أصبح من مسلَّمات عصرنا الحاضر: الاهتمام بهذه المرحلة العمرية، والعناية بها، والرغبة الأكيدة في الوصول إلى أفضل السبل التي تساعد على وضع الأسس السليمة لتربية الصغار.
ومما يزيد هذه المرحلة خطورة وأهمية: أنها إحدى المحطات الهامة التي تُبنى فيها شخصية الفرد، ففيها تُرسَم الخطوط الكبرى لما سيكون عليه الإنسان في المستقبل، حيث أكَّدت الدراسات النفسية على أهمية السنوات الأولى في حياة الفرد، لكونها تلعب دورًا هامًّا في تشكيل شخصيته، وتكوين اتجاهاته، وميوله، ونظرته للحياة، ويتم فيها وضع غالبية الأسس للجوانب التربوية المختلفة، كما أكَّدت تلك الدراسات على أنَّ كثيرًا من الانحرافات التي تظهر في الكبر ترجع إلى ما تعرَّض له الفرد في مواقف الحياة أثناء مرحلة الطفولة(1) !
وفي هذا المعنى يقول صالح بن عبد القدوس :
| وإن من أدَّبتَه في الصِّبا | كالعود يُسقى الماءَ في غرسه |
|---|---|
| حتى تراه مُوَنَّقًا ناضرا | بعد الذي أبصرتَ من يبسه |
| والشيخ لا يترك أخلاقه | حتى يُوَارَى في ثرى رمسه |
| إذا ارعوى عاد إلى جهله | كذا الصبا عاد إلى نكسه(2) ( 2 ) |
ومن هنا: غَدَت العناية بالصغار اليوم معيارًا من المعايير التي يُقاس بها مدى تقدم الأمم، فأُنشئت منظَّمات محلية، وإقليمية، ودولية
لرعايتهم، وتوفير المقومات الأساسية التي تكفل وقايتهم، وتغذيتهم، ونموهم، وعلاجهم.
وإذا كانت كل الأمم تُعنَى بالأطفال؛ فإنَّ الإسلامَ أشدُّ عنايةً بهم، فهو الدين الوحيد الذي نطق كتابه المقدَّس بأنَّ الله عز وجل قضى أن يجعل في الأرض خليفة، وأنَّ هذا الخليفة هو الإنسان الذي كرمه الله وفضَّله على كثير ممن خلق تفضيلًا، ورَسَمَ القرآن خطى حياته الجسدية: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم مخلوقًا سويًّا، ورسم خطى حياته النفسية، التي تبدأ من حين إخراجه من بطن أمه لا يعلم شيئًا، ثم يكتسب معارفه عن طريق الحواس، ثم يرتد إلى أرذل العمر لا يعلم شيئًا!
ولذا كانت حفاوة الإسلام بالطفل عظيمة، من قبل أن يُولَد، ومن بعد ولادته، فكانت التشريعات التي تُنظِّم حقوق الطفل من جميع النواحي، حتى يشبَّ على ما أراد له الإسلام من أقصى درجات الكمال البشري الممكن؛ ليكون — بحقٍّ — لَبِنةً في بناء صرح الإسلام(3) .
وقد حدَّد القرآن الكريم في آياتٍ متعدِّدةٍ حقوقًا للطفل، ودعا إلى احترامها وحمايتها؛ كحقِّه في الحياة. قال تعالى: ﴿وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَوۡلَٰدَكُمۡ خَشۡيَةَ إِمۡلَٰقٖۖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُهُمۡ وَإِيَّاكُمۡۚ إِنَّ قَتۡلَهُمۡ كَانَ خِطۡٔٗا كَبِيرٗا﴾(4) وخصَّه بعدَّة
حقوق ما دام لم يبلغ سنَّ الرشد؛ كحقه في الرضاعة، والحضانة، والولاية، كما خصَّ الطفل المحروم؛ كاليتيم، واللقيط، وذي العاهة، بحقوق إضافية، وأحاطه بأنواع من الكفالة المادية، والمعنوية، لتضمن تربيته تربية صالحة.
وبالرغم مما صدر حتى الآن من اهتمامات خاصة بحقوق الطفل، على الصعيدين الدولي والمحلي؛ إلا أن الطفولة الإسلامية تمر حاليًا بمرحلة لا تُحسدُ عليها، حيث تمر بأزمات تربوية نتيجة للتغيرات الثقافية والحضارية الجديدة السريعة والمتلاحقة، ونتيجة للتغيرات في الأدوار داخل الأسرة والمجتمع، ولقد جاءت النتائج تؤكِّد صحة هذا، فقد أوضحت أبحاث الجمعية الكويتية لتقدم الطفولة العربية أن الطفولة المعاصرة تعاني من مشكلات مختلفة؛ مصدرها: تواجد هذه الطفولة في مجتمع ينغمس في موجة زاحفة من التبدل المادي السريع والمستعار، وما يصاحب ذلك من تحولات نفسية وأخلاقية(5) .
ومن هنا: وجب على الآباء والمربين والقائمين على أمر تربية الأولاد والصغار أن يُولوا هذا الموضوع اهتمامًا أكبر، وعناية أوفر، وذلك بالاطلاع على ما يستجد من دراسات، وما تناله اليد من أطروحات وإحصائيات؛ ليكون الأمر متمَّما على قواعدَ متينة، وأسسٍ رسيخة، نرجو من ورائه بناءً سامقًا، وشجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء؛ فتؤتي أكلها كل حين.
ومن جوانب الفخر والاعتزاز أن نقول: إنه مع ما بلغته عقولُ البشر من تطوُّر في الفكر وأدواته ووسائله؛ فلا يزال تراث الأمَّة الإسلامية يُشكِّل مخزوناً هائلاً يجترُّ منه أهله المنتسبون إليه، وينهل منه المحبُّون له، ليس في الأفكار فحسب؛ بل أيضاً في طريقة التربية، والتوجيه، والتعليم، ووسائل ذلك.
لذا فالدعوة إلى الانقطاع عن تراث الأمة وأصولها، ليست دعوةً مقبولة، لا في السياق العقلي ولا الشرعي، كما أن نقيضتها على الطرف الآخر من دفن الرأس في الرمال، وغضِّ الطرف عن آخر ما توصل إليه المتخصِّصُون في هذه الأبواب؛ تشابهها في الحكم عليها، والانفضاض عنها، وإنما الدعوة التي نرجوها: التوسُّط في الأمر، عن طريق مواكبة العصر بأصولنا الإسلامية، لتتلاقح الأفكار، ويجني صغارُنا الثمار. والحكمة ضالُّة المؤمن، أنَّى وجدها؛ فهو أحقُّ بها.
لكن: ثمَّ سؤال قد يراود الأذهان؛ وهو: هل دَرَسَ الصَّحْب والآل والسَّلف علوم التربية هذه ووسائلها التي نتحدَّث عنها، حتى نأخذ عنهم، ونستفيد من تجاربهم؟!
والجواب: أنهم حققوا النموذج العملي الراقي في كل مجالات الحياة، وليس فقط في مجال التربية، لكن الأمر كما في علم النحو والصرف، واللغة والبيان والبديع، وغيرها، أن السَّلف لم يدرسوا النحو والصرف وغيره، ومع ذلك كانوا أفصح الناس؛ لأن ذلك كان عندهم بالسليقة،
وبالاستعدادات الفطرية، بجانب تهذيب الوحي الشريف لهم، كذلك التربية، هم مارسوها بالفعل؛ لكن ضبط هذه الأشياء وتبسيطها وتقنينها لا يمكن أن يتصادم مع هذا(6)
ومن شواهد هذا الجواب وأدلته: ما نجده في سيرهم وتراجمهم، من أقوال وأفعال وتقريرات، تدل على اهتمامهم بالأمر؛ ومن ذلك:
قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه في تفسير قوله تعالى: ﴿قُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَأَهۡلِيكُمۡ نَارٗا﴾(7) .
قال: «علموهم وأدبوهم»، وفي رواية: «علموا أنفسكم وأهليكم الخير»(8) .
وترجم ابن أبي الدنيا لهذا الأثر بقوله: «باب تعليم الرجل أهله، وتعليم ولده، وتأديبهم»(9) .
وفي زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «كان بالمدينة ثلاثة معلمين يعلمون الصبيان، فكان عمر يرزق كل واحد منهم خمسة عشر درهمًا كل شهر»(10) .
وابنه عبد الله بن عمر رضي الله عنه ينصح رجلًا ذات يومٍ مؤكِّدا على أهمية التربية والتأديب؛ فيقول له: «أدِّبْ ابنك فإنك مسئول عن ولدك، ما علمته؟ وهو مسئول عن برِّك وطاعته لك»(11) .
وكان سعيد بن العاص رضي الله عنه يقول: «إذا علمتُ ولدي، وزوَّجتُه، وأحجيتُه؛ فقد قضيت حقَّه، وبقي حقي
عليه»(12)
وظهر فيما بعد وظيفة باسم: « المؤدِّب ».
بل كان أحد أئمة الحديث، وهو الإمام ابن أبي الدنيا يُلقَّب ب: «مؤدِّب أولاد الخلفاء»(13) .
وسيرد — إن شاء الله — في ثنايا هذه الفصول من الآثار والنماذج ما يزيد هذه النتائج قوَّة، والشواهد إيضاحًا وتتمَّة.
عملي في هذا الكتاب:
قمتُ — بحمد الله — بجمع مادة هذا البحث من خلال استقراء بعض كتب المصنَّفات في آثار الصحابة والتابعين؛ مثل: «مصنَّف عبد الرزاق»، والأبواب المفرَدة في كتب السنة، والتي تتعلق بالتربية والتعامل مع الصغار(14) ، مع مطالعة بعض الأبحاث والمؤلَّفات العصرية، المحتوية على آخر ما تُوصِّل إليه في هذا الباب.
ومما يجب التنبيه عليه هنا أن هذه الدراسة قائمة على التخيُّر والانتقاء، لا الحصر والاستقصاء،
فإن ذلك أمرٌ يتعذَّر كما يعلمه العقلاء، لكن المراد كشف الِّلثام، عن هذا الجزء من حياة الصحب والآل، وأنه لم يكن مهملًا ولا غفلًا، بل بلغ من وضوحه أنه كان يُمارس، ولا يحتاج أن يُدوَّن أو يدرَّس، فلما تباعد الزمان، واختلفت عقول الناس؛ احتيج إلى الكتابة والقرطاس.
قسمت الدراسة إلى خمسة فصول، وتمهيد:
أمَّا التمهيد :
فقد قسمته إلى مبحثين:
* الأول : لبيان معاني المصطلحات والمفردات الواردة في عنوان الدراسة (الآداب، التربية، التراث، الآل، الأصحاب). وقد راعيت في ذلك الاختصار، بما يتناسب مع طبيعة الدراسة.
الثاني : لبيان العناية المبكرة، والاهتمام البالغ بمرحلة الطفولة والصغر قبل بدئها، من خلال نصوص الوحي، وتعامل الآل والصحب، بإيجاز بالغٍ، إذ ليس مقصودًا لنا بالأصالة هنا، وإنما وُضع ليكون بمثابة توطئة للفصول اللاحقة.
وأمَّا الفصل الأول (التربية العقدية):
فجاء لبيان أهمية العقيدة في حياة الصغار، واهتمام
الصحب والآل بهذا المكوِّن في التربية، ومظاهر ذلك، وأمثلته، ونماذجه.
وأمَّا الفصل الثاني (التربية التعبدية):
فجاء لبيان دور العبادة في إصقال العقيدة في نفوس الصغار، وأهمية تدريبهم عليها من الصغر، رغم أنهم غير مكلَّفين بها، ومظاهر ذلك عند الصحب والآل مع صغارهم، في أشكال العبادة المختلفة؛ من صلاة، وصيام، وزكاة، وحج وعمرة، وتعلُّم قرآن، وغير ذلك.
وأمَّا الفصل الثالث (التربية الأخلاقية):
فجاء لبيان أهمِّ الأخلاق الأساسية المتَّفق عليها، التي بناها الصحب والآل في نفوس صغارهم، والوسائل التي استخدموها في إيصال تلك الأخلاق، مع الاستشهاد بالنماذج والمواقف التي أُثرت عنهم.
وأمَّا الفصل الرابع (التربية الاجتماعية):
فجاء لبيان معنى هذه التربية وأهميتها، وكيف تعامل الصحب والآل مع صغارهم لدمجهم في مجتمعهم، وجعلهم ناجحين اجتماعيًّا، بعيدًا عن أجواء العزلة والانطوائية، والأساليب التي استخدموها لأجل تحقيق هذا الغرض.
وأمَّا الفصل الخامس (التربية البدنية):
فجاء لبيان الاهتمام بالبناء الجسدي الصحي، والبناء النفسي
العاطفي في آنٍ واحد، وذلك ليخرج الصغيرُ صحيحَ البدن، صحيح النفس، بلا تشويه جسدي أو عاطفي، وبيان أهم الوسائل التي اُستُخدمت لأجل الوصول لهذا الهدف.
* قدَّمتُ لكلِّ فصل من فصول التربية المذكورة بقَبَسٍ يسير من الهدي النبوي الدَّالِّ عليه، الموضِّح لأصله، إذ هو الضوء الذي أنار للصحب والآل الطريق، وشقَّ لهم السبيل.
* قمتُ بتخريج الأحاديث والآثار الواردة في الدراسة، وراعيت في ذلك الاختصار بما يتناسب مع المقام، إلا ما دَعَت الحاجة إلى التوسُّع فيه بعض الشيء، مع تصدير ذلك بالحكم العام على الحديث أو الأثر.
* ذيَّلتُ البحث بقائمة المصادر والمراجع الواردة في الدراسة.
وأخيرًا: فقد وُفِّقت مبرَّةُ الآل والأصحاب بإخراج أمثال هذه الأبحاث والدراسات التي تربط أبناء الأمة بأسلافهم، وتمدُّهم بما له أثرٌ نافعٌ من ماضيهم، في خطوة رائعة لتعريفهم بأهمية تراثهم. كما تبيِّن للشباب ما كان بين الصحب والآل، من اتفاقٍ في المنهج والأسلوب، إذ وردوا جميعًا موردًا واحدًا؛ فلا غَرْوَ أن تتشابه بعد ذلك تربيتهم وطريقتهم.
فجزى الله مبرة الآل والأصحاب من إدارة، ومسؤولين، ومراجعين،
وعاملين بها، خير الجزاء، وجعل ذلك في صحائف حسناتهم، وأثابهم الحسنى وبيَّض وجوههم ﴿يَوۡمَ لَا يَنفَعُ مَالٞ وَلَا بَنُونَ٨٨إِلَّا مَنۡ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلۡبٖ سَلِيمٖ﴾(15)
والحمد لله حمداً كثيراً طيِّباً مبارَكاً فيه، حمداً يوافي نعمَه، ويكافئ مزيدَه، ويدفع عنَّا نقمَه.
أحمد الجابري
تمهيد
ويشتمل على مبحثين:
المبحث الأول: التعريف بمصطلحات العنوان
(الآداب، التربية، التراث، الآل، الأصحاب)
* المبحث الثاني: عناية مبكِّرة
المبحث الأول
التعريف بمصطلحات العنوان
أولًا: التعريف بالآداب
تعريف الأَدَب لغة
قال ابن فارس : «(أدب) الهمزة والدال والباء أصل واحد تتفرع مسائله وترجع إليه، فالأَدْبُ أن تجمع الناس إلى طعامك. وهي: المأدَبة والمأدُبة. والآدِبُ الداعي. قال طَرَفَةُ:
| نحن في المشتاة ندعو الجَفَلَى | لا ترى الآدِبَ فينا يَنتَقِرْ |
|---|
والمآدب: جمع المأدبة، قال شاعر:
| كأنَّ قلوب الطير في قَعْر عُشِّها | نوى القَسْبِ مُلقًى عند بعض المآدِب |
|---|
ومن هذا القياس: الأَدَبُ أيضًا، لأنه مجمَعٌ على استحسانه»(16) .
والأَدَب: الذي يتأدَّب به الأديب من
الناس، سُمِّي أَدَبًا: لأنه يأدِب الناس إلى المحامد، وينهاهم عن المقابح. وأصل الأَدْبِ: الدُّعاء، ومنه قيل للصَّنيع يُدعَى إليه الناس: مَدْعاة، ومأدُبة(17)
وقال أبو زيد الأنصاري : الأَدَبُ يقعُ على كل رياضة محمودة يتخرَّج بها الإنسان في فضيلة من الفضائل. وقال الأزهري نحوه.
فالأَدَبُ اسمٌ لذلك، والجمع: آداب ، مثل: سبب وأسباب، وأدَّبْته تأديبًا مبالغة وتكثير، ومنه قيل: أدَّبته تأديبًا إذا عاقبته على إساءته؛ لأنه سبب يدعو إلى حقيقة الأدب(18) .
تعريف الأَدَب اصطلاحًا
الأدب : رياضة النفوس ومحاسن الأخلاق، ويقع على كلِّ رياضة محمودة يتخرَّج بها الإنسان في فضيلة من الفضائل(19) .
وقيل: هو عبارة عن معرفة ما يُحتَرزُ به عن جميع أنواع الخطأ(20) .
وفيما يتعلق بالسلوك؛ هو: حُسن الأحوال في القيام والقعود، وحُسن الأخلاق، واجتماع الخصال الحميدة(21) .
والفرق بينه وبين التعليم : أن التأديب يتعلق بالمروءات، والتعليم بالشرعيات، أي: أن الأول عرفي، والثاني شرعي، أو: الأول دنيوي، والثاني أخروي ديني(22) .
وقال بعضهم: الأدب مجالسة الخلق على بساط الصدق، ومطابقة الحقائق(23) .
قال ابن القيم : «وحقيقة الأدب: استعمال الخلق الجميل. ولهذا كان الأدب استخراجًا لما في الطبيعة من الكمال من القول إلى الفعل»(24) .
وقيل: الأدب عند أهل الشرع: الورع. وعند أهل الحكمة: صيانة النفس(25) .
وقال أهل التحقيق: الأدب: الخروج من صدق الاختبار، والتضرع على بساط الافتقار(26) .
وقال الحافظ ابن حجر : «الأدب: استعمال ما يُحمَد قولًا وفعلًا.
وعبَّر بعضهم عنه بأنه: الأخذ بمكارم الأخلاق.
وقيل: الوقوف مع المستحسنات.
وقيل: هو تعظيم من فوقك، والرفق بمن دونك»(27) .
ثانيًا: التعريف بالتربية
تعريف التربية لغةً
يتضمَّن مصطلح التربية دلالات لُغوية متعددة، تشير جميعها إلى ما ينبغي أن تتضمَّنه العملية التربوية من أنشطة؛ كما يلي:
1 — الإصلاح : يُقال: ربَّ الشيء: إذا أصلحه. والربيبة: الحاضنة، سُمِّيت بذلك لأنها تصلح الشيء، وتقوم به، وتجمعه(28) .
2 — النَّماء والزيادة : يُقال: ربَّ المعروف والصنيعة والنعمة: يربُّها ربًّا وربابا وربابة، وربَّبها: نمَّاها، وزادها، وأتمها، وأصلحها(29) .
3 — النشأة والترعرع : قال الأصمعي: «رَبَوتُ في بني فلان، أَربُو: نشأتُ فيهم، وربَّيْتُ فلانًا أُرَبِّيه تَربية»(30) .
4 سياسة الناس وولاية أمرهم يُقال: رَبَبْتُ القومَ: سُسْتُهم، أي: كنت فوقهم. والعرب تقول: لأن يَرُبَّني فلان أحب إلي من أن يَرُبَّني فلان؛
يعني: أن يكون ربًّا فوقي، وسيدًا يملكني(31)
5 — التعليم : قيل: الربَّاني: من الربِّ، بمعنى التربية، كانوا يربون المتعلِّمين بصغار العلوم، قبل كبارها. والرباني: العالم الراسخ في العلم والدين، أو الذي يطلب بعلمه وجه الله(32) .
وقد استنبط بعض المعاصرين من هذه الأصول اللغوية أن التربية تتكون من عناصر:
أولها : المحافظة على فطرة الناشئ ورعايتها.
ثانيها : تنمية مواهبه واستعداداته كلها، وهي كثيرة متنوعة.
ثالثها : توجيه هذه الفطرة، وهذه المواهب كلها نحو صلاحها، وكمالها اللائق بها.
رابعها : التدرج في هذه العملية(33) .
تعريف التربية اصطلاحًا
قال الأصفهاني : «الرَّبُّ في الأصل: التربية، وهو إنشاء الشيء حالًا فحالًا إلى حدّ التمام»(34) .
وقال البيضاوي : «التربية: هي تبليغ الشيء إلى كماله شيئًا فشيئًا»(35) .
وعلى ذلك فيمكن تعريف التربية المرادة بالبحث هنا بأنها: عملية بناء الطفل شيئًا فشيئًا، إلى حدِّ التمام والكمال.
وتم اختيار كلمة « بناء »: لأنها تعني البذل والجهد، ووضع الشيء في مكانه، ومتابعة النظر إليه؛ بالرعاية والإصلاح، بعيدًا عن الإهمال.
و« شيئًا فشيئًا »: ليكون على سبيل التدرج، وأن ما يصعب تحقيقه اليوم؛ يمكن أن يتحقَّق غدًا.
و« إلى حد التمام والكمال »: يعني: الحد الذي يصل فيه الطفل إلى أن يتمسك بشرع الله من ذاته، ويحاسب نفسه بنفسه، ويراقبها، ويتابع تربية نفسه بتلاوة القرآن، والتمسك بالشرع الحنيف(36) .
ثالثًا: التعريف بالتُّراث
تعريف التُّراث لغةً
قال ابن فارس : «(ورث) الواو والراء والثاء: كلمة واحدة، هي الورث. والميراث أصله الواو، وهو: أن يكون الشيء لقوم ثم يصير إلى آخرين بنسب أو سبب. قال:
| ورثناهنَّ عن آباء صدق | ونورثها إذا متنا بنينا»(37) ( 37 ) |
|---|
والوِرَاثَةُ والإِرْثُ: انتقال قُنية إليك عن غيرك من غير عقد، ولا ما يجري مجرى العقد، وسُمّي بذلك المنتقل عن الميّت فيقال للقنيةِ الموروثَة: مِيراثٌ وإِرْثٌ(38) .
والوِرْثُ والوَرْثُ والإِرث والوِرَاثُ والإِرَاثُ والتُّراثُ: واحد. والميراث أصله مِوْراث، انقلبت الواو ياء لكسرة ما قبلها، والتُّراث أصل التاء فيه واو.
والوِرث والإِرث والتراث والميراث:
ما وُرِث؛ وقيل: الوِرث والميراث في المال، والإِرث في الحسب(39) مما يُشير إلى الميراث الثقافي، لأن الحَسَب هو مفاخر الآباء وشَرَف الفِعال التي يرثها الأبناء، ويتغنَّوْن بها(40)
وهو على إِرثٍ من كذا: أي: على أمر قديم توارثه الآخر عن الأول.
وفي حديث الحج: « إنكم على إِرْث من إِرْث أبيكم إبراهيم(41) » ، يريد به ميراثهم ملته(42) .
وقد وردت كلمة « التُّراث » في القرآن الكريم مرةً واحدةً بمعنى الميراث؛ في قوله تعالى: ﴿وَتَأۡكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكۡلٗا لَّمّٗا﴾ [الفجر: 19]. أي: تأكلون أيها الناس الميراث أكلًا شديدًا لا تتركون منه شيئًا، ولا تميزون بين ما كان لكم، أو لغيركم(43) .
تعريف التُّراث اصطلاحًا
يُمكن تعريف التُّراث هنا بأنه: ما تم وراثته عن الآباء من عقيدة، وثقافة، وقيم، وآداب، وفنون، وصناعات، وسائر المنجَزات الأخرى المعنوية والمادية(44) .
والواضح من الاستعمال الاصطلاحي للفظ التراث أنه مأخوذ من المعنى اللغوي، فغالبًا ما يقصد به المتروك من الثقافة أو الفكر أو غير ذلك مما تركه السلف والأجداد للأجيال التي تَلَتْهم، ومع هذا: فإنه يصعب توصيف المراد بالتراث تحديدًا بناء على الفترة الزمنية، فالبعض قد يعتبر ما تُرك من القرن السابق تراثًا، وآخرون قد يعتبرون التراث ما مضى عليه أكثر من ذلك، وقد يجنح البعض إلى اعتبار أن ما تُرك قبل سنوات قليلة تراثًا، وفي كل الأحوال: فإنَّ مفهوم التراث يدور حول ما تُرك من عصور أو فترات زمنية سابقة.
* فالتراث نوعان : تراث تاريخي، يروي أحداثًا مضتْ، لا يُستفاد منها إلا القراءة التاريخية للتأمُّل واستنباط العبر والعظات، وهذا هي الفائدة الأساسية له.
والنوع الثاني: التراث الفكري، وهو: الثقافة والقيم والأفكار الفاضلة والصالحة، التي وُرثت عن سلف متميز
عقلًا وروحًا.
وهذا النوع لا يمكن لعاقل أن ينكر أهمية الاستفادة منه والبناء عليه أو العمل به، فكم من نظريات فكرية، أو علمية، أو تربوية ما زالت الأجيال حتى الآن تتبعها منهجًا، أو تُؤسِّس عليها معرفة أو تَبْنى منها حضارة، بل مازالت بعض الحضارات الحديثة تُمَجِّد ثُلَّةً من أصحاب تلك النظريات والأفكار لسبقهم ونتاجهم الذي أضاف للإنسانية ما يصلحها ويزيد في تقدمها(45) .
«آل الرجل: أهله وعيالُه، وآلُهُ أيضًا: أتباعُه. قال الأعشى:
| فَكَذَّبوها بما قالت فصَبَّحَهُمْ ذو | آلِ حَسَّانَ يُزْجي السَمَّ والسَلَعا |
|---|
يعني: جيش تُبَّعٍ»(48) .
وقال ابن فارس : «آل الرجل أهل بيته، لأنه إليه مآلهم وإليهم مآله. وهذا معنى قولهم يال فلان. وقال طَرَفَة:
| تحسِبُ الطرْفَ عليها نجدةً | يالَ قومي للشباب المسْبَكِرْ»(49) ( 49 ) |
|---|
وممن أشار إلى الجمع بين المعنيين أيضًا: ابن الجوزي(50) ، و العز بن عبد السلام(51) .
ومن خصائصها أيضًا أنها لا تُضافُ إلا إلى مَتْبوعٍ مُعظَّم، وإلى الأشرف والأفضل؛ فيُقال: آل الله، وآل السلطان، ولا يُقال: آل الحائك،
ولا آل الحجام، بخلاف كلمة «أهل»؛ فإنها تُضاف إلى الكل(52)
تعريف « الآل » اصطلاحًا:
إذا أُطلق لفظ «الآل» بالتعريف، ودون إضافة فإنه ينصرف إلى آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، إما باسمه: آل محمد صلى الله عليه وسلم، أو صفته: آل النبي صلى الله عليه وسلم، أو مسكنه: آل البيت، وقد يُستبدَل لفظ: «الأهل» بلفظ: «الآل»، ولا إشكال — كما تقدَّم في المعنى اللغوي —.
وقد اختلف العلماء في تعيين هؤلاء «الآل» على أربعة أقوال(53) :
القول الأول : هم الذين حَرُمَتْ عليهم الصدقة، وفيهم ثلاثة أقوال للعلماء:
أحدها: أنهم بنو هاشم وبنو المطلب، والثاني: أنهم بنو هاشم خاصَّة، والثالث: أنهم بنو هاشم ومن فوقهم إلى غالب، فيدخل فيهم بنو المطلب، وبنو أمية، وبنو نوفل، ومن فوقهم إلى بني غالب.
القول الثاني: هم ذريته وأزواجه خاصة.
القول الثالث : هم أتباعه إلى يوم القيامة.
القول الرابع : هم الأتقياء من أمته.
والأرجح من هذه الأقوال — والله أعلم —: القول الأول، لقول زيد بن أرقم رضي الله عنه: «أهل بيته صلى الله عليه وسلم من حُرم الصدقة بعده؛ وهم: آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس»(54) .
ويُضافُ معهم: أزواجه صلى الله عليه وسلم، وذلك بدلالة القرآن؛ لقول الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذۡهِبَ عَنكُمُ ٱلرِّجۡسَ أَهۡلَ ٱلۡبَيۡتِ وَيُطَهِّرَكُمۡ تَطۡهِيرٗا﴾ [الأحزاب: 33].
فإنها نزلت فيهن، وقرينة السياق في الآيات صريحة في دخولهن؛ إذ الله قال في أولها: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّأَزۡوَٰجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدۡنَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا﴾ [الأحزاب: 28]، ثم قال في نفس خطابه لهن: ﴿وَقَرۡنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجۡنَ تَبَرُّجَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ ٱلۡأُولَىٰۖ وَأَقِمۡنَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتِينَ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِعۡنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذۡهِبَ عَنكُمُ ٱلرِّجۡسَ أَهۡلَ ٱلۡبَيۡتِ وَيُطَهِّرَكُمۡ تَطۡهِيرٗا﴾ [الأحزاب: 33]، وقد أجمع جمهور علماء الأصول على أن صورة سبب النزول قطعية الدخول، فلا يصح إخراجها بمخصص.
«وإنما دخل الأزواج في الآل تشبيهًا لذلك بالسبب، لأن اتصالهن بالنبي صلى الله عليه وسلم
غير مرتفع وهنَّ محرماتٌ على غيره في حياته وبعد مماته، وهُنَّ زوجاته في الدنيا والآخرة، فالسبب الذي لهن بالنبي صلى الله عليه وسلم قائم مقام النسب.
وقد نص صلى الله عليه وسلم على الصلاة عليهن، ولهذا كان القول الصحيح — وهو منصوص الإمام أحمد — إن الصدقة تحرم عليهن لأنها أوساخ الناس، وقد صان الله سبحانه ذلك الجناب الرفيع وآله من كل أوساخ بني آدم.
ويا لله! العجب كيف يدخل أزواجه في قوله صلى الله عليه وسلم: «اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا»، وقوله في الأضحية: «اللهم هذا عن محمد وآل محمد» ولا يدخلن في قوله: «إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد»؛ مع كونها من أوساخ الناس! فأزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى بالصيانة عنها والبعد منها»(55) .
خامسًا: التعريف بالأصحاب
تعريف « الأصحاب » لغةً:
الأصحاب: جماعة الصَحْب، والصَحْب: جماعة الصاحب، ويُجمَع أيضًا بالصُّحبان، والصُّحبة، والصِّحاب، وهذا كله عائد لمادة (صحب)(56) .
يقول ابن فارس : «الصاد والحاء والباء أصلٌ واحد يدلُّ على مقارنة شيء ومقاربته، من ذلك: الصَّاحِب، والجمع: الصَّحْب»(57) .
ويقول الجوهري : «الأصحاب: جمع صَحْب، مثل: فَرْخ وأفراخ. والصَّحابة بالفتح: الأصحاب، وهي في الأصل مصدرٌ. وجمع الأصحاب: أصاحيبُ. وقولهم في النداء: يا صاحِ، معناه يا صاحبي»(58) .
قال ابن دُريد : «فَإِذا قَالُوا صِحابة فهم الأصْحَاب، وإذا قَالوا صَحابة فهم القوم الَّذين يصحبونه. وربما كانت الصَّحابة مصدرًا؛ يقولون: فلان حسن الصَّحَابَة؛ أَي: الصُّحْبة»(59) .
ويُطلق أيضًا على:
— المنع والحفظ ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا هُم مِّنَّا يُصۡحَبُونَ﴾ [الأنبياء: 43]، أي: يُمنَعُون(60) . ومنه قولهم: «صَحِبك الله» أي: حفظك(61) .
— المعاشَرة ، يُقال: «صَحِبَه» أي: عاشره، والصَّاحِب: المعاشِر(62) .
— الملازَمة ، فكلُّ شيءٍ لازم شيئًا فقد استصحبه، ومنه قولهم: «استصحبت الحال» إذا تمسكت بما كان ثابتًا، كأنك جعلت تلك الحالة مصاحبة غير مفارقة(63) .
— ويُطلق — مجازًا — على من تمذهب بمذهب من مذاهب الأئمة؛ فيُقال: أصحاب الشافعي، وأصحاب أبي حنيفة(64) .
تعريف « الأصحاب » اصطلاحًا:
اختلف العلماء فيمن يُطلق عليه هذا اللقب «الصحابي»، واختلافهم هنا
فرعٌ عن الاختلاف اللغوي السابق، هل لفظ «الصحابي» مشتقٌّ من الصحبة مطلقًا، فيُفهم منه أنه لا يُشتَرطُ طول مجالسة ومعاشرة، أم أنه يُطلق على المعاشرة والمجالسة؛ فيُفهم منه أنه يُشتَرطُ طول مجالسة، واختصاص مصحوب، ومدة صحبة(65)
ويمكن اختزال هذه المذاهب والأقوال في قولين مشهورين(66) ، وإليهما تُرجع باقي الأقوال:
* القول الأول : أن الصَّحابي هو: من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنًا به، وصحبه ولو ساعة، ومات على ذلك الإيمان، سواء روى عنه أو لم يرو عنه، وسواء اختص به اختصاص المصحوب، أو لم يختص به.
وهذا مذهب جمهور المحدِّثين، وبعض الأصوليَّين والفقهاء.
قال البخاري : «من صحب النبي صلى الله عليه وسلم أو رآه من المسلمين؛ فهو من أصحابه»(67) .
قال الحافظ ابن حجر «والذي جزم به البخاري هو قول أحمد،
والجمهور من المحدِّثين»(68)
وقال ابنُ كثير : «والصحابي: من رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في حال إسلام الراوي، وإن لم تطل صحبته له، وإن لم يرو عنه شيئًا، هذا قول جمهور العلماء، خلفًا وسلفًا»(69) .
وقال ابن الهُمام : «الصحابي: عند المحدثين وبعض الأصوليين من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مسلمًا، ومات على إسلامه»(70) .
* القول الثاني : الصحابي هو: من رأى النبي صلى الله عليه وسلم واختصَّ به اختصاص المصحوب، متبعًا إيَّاه مدة يثبت معها إطلاق الصاحِب عليه عُرفًا، بلا تحديد لمقدار تلك الصُحبة، سواء روى عنه أو لم يروِ عنه، تعلَّم منه أو لم يتعلَّم.
وهذا مذهب جمهور الأصوليِّين، وأكثر الفقهاء(71) .
المبحث الثاني: عناية مبكِّرة
لما كانت تربية الأطفال والصغار بهذه المنزلة الهامة، والمكانة السامقة التي تمَّت الإشارة إليها في المقدِّمة؛ فقد أولاها الشرع عناية خاصَّة، بل ومبكِّرة، لا نعني من حين ولادتهم وخروجهم إلى الحياة؛ بل من قبل ذلك، من وقت البحث عن شريكة الحياة، التي ستقاسم الرجل المسؤولية والتربية، إذ هو مسؤول عنها وعن بيته، وهي مسؤولة عن بيته وأولاده(74) ، «ومما صدر من الخواطر: أن الرجل والمرأة كالبيت من الشِّعْر، ولا يحسن في البيت من الشِّعْر أن يكون شطره محكمًا، والشطر الآخر متخاذلًا»(75) .
بل إن الشواهد تدل على أن ملكة التقوى كثيرًا ما تظهر في الولد تبعًا لأبويه، أو لأحدهما، أو للعمِّ، أو للخال.
لهذا كله: جاء الإرشاد النبوي الموجِّه للآباء، اللافت النظرَ لهذا الجانب المبكِّر الهام في قوله صلى الله عليه وسلم: « تخيَّروا لِنُطَفِكم(76) » ، أي: اطلبوا لها ما هو خير المناكح وأزكاها(77) .
وبوَّب البخاري في «صحيحه» بهذا المعنى؛ فقال: «بابٌ إلى من ينكح، وأيُّ النساء خير، وما يُستحبُّ أن يتخيَّر لنُطَفِه من غير إيجاب(78) » .
فمن أوَّل حقِّ الوَلَد : أن ينتقي أُمَّه، ويتخيَّر قبل الاستيلاد منهن الجميلة، الشريفة، الديِّنة، العفيفة، العاقلة لأمورها، المرضيَّة في أخلاقها، المجرَّبة بحُسْنِ العقل وكماله، المواتية لزوجها في أحواله. قال الله تبارك وتعالى في جملة هذه القضايا: ﴿عَسَىٰ رَبُّهُۥٓ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبۡدِلَهُۥٓ أَزۡوَٰجًا خَيۡرٗا مِّنكُنَّ مُسۡلِمَٰتٖ مُّؤۡمِنَٰتٖ قَٰنِتَٰتٖ تَٰٓئِبَٰتٍ عَٰبِدَٰتٖ سَٰٓئِحَٰتٖ ثَيِّبَٰتٖ وَأَبۡكَارٗا﴾(79) .
وقد جَرَت
العادة في أهل كل دينٍ وملَّة وجيل وأهل نحلة بطلب الكُفاة في باب النكاح والإنكاح، وجَعَل الدينُ هذا شريعةً من الشرائع؛ كلُّ ذلك: طلبًا لنجابة النَّسل وتخيُّرًا للطروقة والفحل، وضنّا بالنجابة التي في النِّجار(80) أن تنتقل إلى غيره، وهربًا من تدنيس النسب(81)
ولقد وعى الصَّحبُ الكرام هذه المسألة، فاعتنوا بها، وأعطوها حقَّها، حتى أنَّ العَيْنَ لا تخطئ ذلك النموذج الفريد لهذا الشاب الأنصاري الذي قدَّم الاختيار بعقله على مشاعره وعواطفه، مراعاة لأمر التربية والتنشئة؛ ذلك الشاب هو:
جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه
في أثناء عودته من إحدى الغزوات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، تحرَّكت به أشواقه، ولو تُرك العنان لها لسبقت جميع من حوله، لكن قعدت به ناقته، حتى لحق به النبي صلى الله عليه وسلم، فأصابت بركته الناقة؛ فسابقت أشواق جابر إلى المدينة، فاستفسر منه النبي صلى الله عليه وسلم عن سر هذا الشوق والإسراع؛ فأجابه جابر بأنه: حديثُ عهدٍ بعُرس.
سأله النبي صلى الله عليه وسلم عن حالة من تزوَّجها: « بكرًا؟ أم ثيِّبًا؟ »
قال جابر: بل ثيِّبًا.
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: « فهلّا جارية تلاعبها وتلاعبك، وتضاحكها وتضاحكك(82) ؟» .
وكانت المفاجأة!
لم يكن جابرٌ بغافلٍ عن مزايا البكر عن الثيِّب، لكنه كان يحمل همَّ تربية بناتٍ صغيراتٍ، ويعلم ما للثيِّب من مزيِّةٍ في هذه المهمة عن البكر؛ فكان بين اختيارين: إما أن يُقدِّم متعته وعاطفته في الاختيار، ولو على حساب هؤلاء الصغار، وإما أن يُقدِّم الأنفع لهن ولو على حساب عاطفته، فماذا يفعل؟!
لقد اختار جابرٌ أن يغالب عاطفته، ليُقدِّم المنفعة الأكبر، والأثر الأعظم، ليشابه جابرٌ والده عبد الله، الذي ضحَّى برعاية بناته والبقاء معهنَّ، وهي عاطفة الأبوَّة الشديدة، في مقابل الخروج للجهاد والشهادة في سبيل الله يوم أحد(83) .
انتزع جابرٌ نفسَه من هذه الذكريات والنزاعات التي واجهها داخليًّا في سالف وقته ليجيب رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلًا:
يا رسول الله، إن أبي قُتِل يوم أُحُد وترك تِسْع بنات، جواري صغارًا، كُنَّ لي تسعَ أخوات، فكرهتُ أن أجمع إليهن جاريةً أي:
بكرًا صغيرة خَرْقاء مِثلَهنَّ(84) فتزوَّجتُ امرأةً تقوم عليهن وتصلحهنَّ(85) تُعلّمهنَّ وتؤدِّبهنَّ(86) تمشطهنَّ وتقوم عليهنَّ(87)
فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم له: « أصبتَ(88) ، بارك الله لك(89) » .
فيا لسعادة جابر، لا لتغلُّبه على شهوته وحظِّ نفسه وإيثار الآجل على العاجل فحسب؛ بل لإقرار النبي صلى الله عليه وسلم له على فعله وتصويبه له.
يقول الحافظ ابن حجر : «وفي الحديث فضيلةٌ لجابر، لشفقته على أخواته، وإيثاره مصلحتهن على حظِّ نفسه. ويُوخذُ منه: أنه إذا تزاحمت مصلحتان؛ قُدِّم أهمهما، لأن النبي صلى الله عليه وسلم صوَّب فعل جابر، ودعا له لأجل ذلك»(90) .
وإذا كان هذا شأنَ فتى من الصَّحْب في الاختيار لتربية بنات صغيرات، لَسْنَ من صُلبه، ولن تقوم الزوجة بالحمل والرضاع، وإنما ستتعاهد التربية والقيام بما يصلحهن؛ فلنا أن نتصور كيف سيكون أحدهم حريصًا أشدَّ الحرص على اختيار من ستحمل النُطفة في رحمها، وتتحمَّل
مشاقَّ حملها، ووضعها، قبل رضاعها وتربيتها.
لم تتوقف العناية المبكِّرة عند حد الاختيار فحسب؛ بل إنها تمتد لفترة البناء والحمل، إلى ما قبل الوضع، وخروج الولد إلى سعة الحياة بعد ضيق الرحم.
ومن أهم الوسائل التي استُخدِمت في ذلك: الدعاء بالبركة والصلاح لهم، قبل مجيئهم، كما وقع من:
علي بن أبي طالب رضي الله عنه
تقول سُرِّية(91) لعبد الله بن جعفر: دعاني عليٌّ وأنا حُبلى، فمسح بطني، وقال: « اللهم اجعله ذكرًا ميمونًا مباركًا، صالحًا تقيًّا ». قالت: فولدتُ غلامًا(92) .
وفعل عليٍّ رضي الله عنه هذا مستَمدٌّ من فعل الأنبياء قبله، الذين كانوا يدعون بالذرية الصالحة قبل خروجها؛ كدعاء نبي الله إبراهيم: ﴿رَبِّ هَبۡ لِي مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ﴾(93) .
ودعاء نبي الله زكريا: ﴿رَبِّ هَبۡ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةٗ طَيِّبَةًۖ إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ﴾(94) . ودعائه: ﴿فَهَبۡ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيّٗا٥يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنۡ ءَالِ يَعۡقُوبَۖ وَٱجۡعَلۡهُ رَبِّ رَضِيّٗا﴾(95) .
فتضمَّنت أدعية هؤلاء الأنبياء: طلب الذَّكر، وأن يكون تقيًّا صالحًا.
وذكر الله عز وجل في شأن صفات عباد الرحمن أنهم يرغبون إلى الله في دعائهم ومسألتهم بأن يقولوا: ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا ما تقرّ به أعيننا من أن تريناهم يعملون بطاعتك؛ فقال عنهم: ﴿وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبۡ لَنَا مِنۡ أَزۡوَٰجِنَا وَذُرِّيَّٰتِنَا قُرَّةَ أَعۡيُنٖ وَٱجۡعَلۡنَا لِلۡمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾(96) .
يقول عبد الله بن عباس رضي الله عنه
في تأويل هذه الآية: «قوله: ﴿هَبۡ لَنَا مِنۡ أَزۡوَٰجِنَا وَذُرِّيَّٰتِنَا قُرَّةَ أَعۡيُنٖ﴾ يعنون: من يعمل لك بالطاعة؛ فتقرّ بهم أعيننا في الدنيا والآخرة»(97)
خُلاصة ما ذُكر
ظهر اهتمام الصحّب والآل بالأولاد قبل خروجهم إلى هذه الحياة في تحسُّسهم لاختيار أزواجهم، وأمهات أولادهم، وكذا في الرغبة إلى الله بأن يهبهم ما تقرُّ به أعينهم.
الفصل الأول: التَّرْبِيَةُ العَقَدِيَّة
قَبَسٌ نَبَويّ
أَخَذَ غَرْسُ العقيدة الإسلامية في نفوس الصحابة، وتصفيتها من أدران الشرك ورواسب الجاهلية؛ حيِّزًا كبيرًا في الخطاب القرآني والنبوي، وهذا أمرٌ مفهوم، إذ هي أسُّ الدين وقوامه، والدعامة الكبرى لبنائه، كما أنَّ لها فاعليتها وقوتها الإيجابية على الفرد، وتأثيرها الفعَّال في المجتمع، وفي المقابل: فإن «الانحراف في العقيدة لا تقف آثاره عند حدود العقيدة، بل يتمشى في أوضاع الحياة الاجتماعية وتقاليدها. فالعقيدة هي المحرِّك الأول للحياة، سواء ظهرتْ، أو كمنت»(98) .
لكن الذي يسترعي الانتباه في هذا السياق: هو الاهتمام النبوي بغرس العقيدة في نفوس الصغار، وتنشئتهم عليها، وبيان دور الوالدين فيها!
ففي معرض الكلام عن أثر الوالدين في إفساد عقيدة الطفل السويَّة؛ يقول صلى الله عليه وسلم: ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودَّانه، أو ينصَّرانه، أو يمجِّسانه، كما تُنْتَج البهيمةُ(99) بهيمة جَمْعاء(100) هل
تُحِسُّون فيها من جَدْعَاء(101)(102)
ومن هذا الباب: نرى تأكيد الله سبحانه وتعالى على اختيار ذات الدين، حتى لو كانت أَمَة؛ بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُواْ ٱلۡمُشۡرِكَٰتِ حَتَّىٰ يُؤۡمِنَّۚ وَلَأَمَةٞ مُّؤۡمِنَةٌ خَيۡرٞ مِّن مُّشۡرِكَةٖ وَلَوۡ أَعۡجَبَتۡكُمۡۗ﴾(103) .
فالمؤمنة مع ما بها من ذلِّ الرقِّ، خيرٌ من المشركة مع ما لها من شرف الحرية، ورفعة الشأن(104) .
ثم نجد النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه وفي سيرته يحرص على غرس العقيدة الصحيحة في نفوس الصغار منذ نشأتهم وبدء نطقهم وفهمهم، بداية من توحيد الله عز وجل، وإفراده بالسؤال والطلب والاستعانة، إلى تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم وقَدْره وأوامره في النفوس.
ففي جانب توحيد الله عز وجل وحبه ومراقبته والاستعانة به
كان الغلام إذا أفصح من بني عبد المطلب؛ علَّمَهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم هذه الآية سبعًا: ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي لَمۡ يَتَّخِذۡ وَلَدٗا وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ شَرِيكٞ فِي ٱلۡمُلۡكِ وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ وَلِيّٞ مِّنَ ٱلذُّلِّۖ وَكَبِّرۡهُ تَكۡبِيرَۢا﴾(105) .
ويُعلِّم
ابن عمِّه الفتى الصغير ابن عبَّاس إفراد الله وحده بالسؤال والاستعانة، وأن النفع والضرَّ بيده وحده، وأن كل شيء سيتعرض له في حياته قد قُدِّر عند الله عز وجل فيقول له: يا غلام! إني أعلِّمك كلمات، احفظ الله يحفظْك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أنَّ الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام، وجفَّت الصُحُف(106)
وفي جانب محبة النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمه
كان تعامله معهم كبارًا وصغارًا ورأفته بهم، وشفقته عليهم؛
كفيلًا بأن تهواه الأفئدة، وتنقاد إليه القلوب، ويقدِّم مَنْ حوله طاعته على طاعة أقرب الناس إليهم؛ وهذا فضلاً عن آيات القرآن التي كانت تحضُّهم على محبته، والتسليم لحكمه، واتباع هديه.
ومع ذا: فكان يعلمهم هو بنفسه ثمرة محبته، وأنها من دلائل كمال الإيمان(107) ، وأن صاحبها يبلغ بهذه المحبة مبلغًا عظيمًا في الآخرة، ويَسمعُ هذا الصبيان فيفرحون به.
هذا أنس بن مالك، الغلام الصغير الذي خدم النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين(108) ، يشهد أعرابيًّا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله قائلًا: متى الساعة؟
قال صلى الله عليه وسلم: « وماذا أعددتَ لها »؟
قال: لا شيء، إلا أني أحبُّ الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
فقال: « أنت مع من أحببتَ ».
قال أنس: فما فرحنا بشيء، فَرَحَنا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: « أنت مع من أحببتَ ».
قال أنس: فأنا أحبُّ النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر، وعمر، وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم، وإن لم أعمل بمثل أعمالهم(109) .
على هذين الأصلين، وما يتفرَّع عنهما: دَرَجَ الصحب والآل على تربية صغارهم، بالفعل والقول، وفيما يلي — إن شاء الله — نستعرض صورًا من هذه النماذج التطبيقية التي وصلت إلينا من سيرهم وأخبارهم.
التربية العَقَدية في تراث الآل والأصحاب
لجانب العقيدة أهمية كبيرة في شأن التربية الأخلاقية إجمالًا، وقد أكَّدت على هذا الدراسات الغربية المعاصرة، ففي تقرير لجنة المؤتمر الانجليزي للتحقيق الدولي في التربية الأدبية، والذي عُقِد في انجلترا سنة 1908م، واشترك فيه آنذاك أكثر من سبعمائة من مشاهير العلماء والفلاسفة ورجال الأدب والسياسة، وذلك للبحث عن الوازع الأساسي الذي يجب الرجوع إليه دائمًا في مجال التربية الأخلاقية بصفة عامة؛ كانت المفاجأة :
إذ أجمع أعضاء المؤتمر على أنه لا يمكن الإحاطة بمواضيع التربية الأخلاقية، دون الرجوع إلى: الأساس الاعتقادي(110) .
وإذا كان هذا الأساس مُهمًّا في مجال التربية الأخلاقية عامَّة؛ فهو في مجال التربية الأخلاقية الإسلامية أهم، ذلك لأنه إلى جانب غيره من الأسس النفسية، والاجتماعية، يتضمَّن بناءً متكاملًا شاملًا للتربية الأخلاقية للإنسان عامَّة، وللصغار خاصَّة، ولهذا كان المحتوى العقدي الميسَّر هو أول ما ينبغي أن يُقدَّم للصغير في أوائل
تعلُّمه.
يقول أبو حامد الغزالي : «اعلم أنَّ ما ذكرناه في ترجمة العقيدة ينبغي أن يُقدَّم إلى الصبي في أول نشوئه، ليحفظه حفظًا، ثم لا يزال ينكشف له معناه في كبره شيئًا فشيئًا، فابتداؤه الحفظ، ثم الفهم، ثم الاعتقاد والإيقان والتصديق به، وذلك مما يحصل في الصبي بغير برهان»(111) .
وعلى هذا المعنى يؤكِّد ابن القيِّم بقوله: «فإذا كان وقت نطقهم؛ فليُلقَّنوا: لا إله إلا الله، محمَّدٌ رسول الله، وليكن أول ما يقرع مسامعهم: معرفة الله سبحانه، وتوحيده، وأنه سبحانه فوق عرشه ينظر إليهم، ويسمع كلامهم، وهو معهم أينما كانوا.
وكان بنو إسرائيل كثيرًا ما يُسمُّون أولادهم ب: ( عمانويل ) ومعنى هذه الكلمة: إلهنا معنا، ولهذا كان أحب الأسماء إلى الله: عبد الله وعبد الرحمن(112) ، بحيث إذا وعى الطفل وعقل علم أنه عبد الله وأن الله هو سيده ومولاه»(113) .
هذه النصوص التي بين أيدينا تؤكِّد على أهمية غرس العقيدة في نفوس الصغار، وألَّا يُستهان بهذا الأمر بدعوى صغر السن، وهذا ما ستصقله هذه النماذج العملية المنقولة عن الصحب والآل في تعاملهم وتربيتهم للصغار.
وأول
ما يُطالعنا في هذا الباب:
حرصهم على بقاء الطفل على فطرة الإسلام، ومنع العبث بهذه العقيدة
في خلافة عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه: كان لا يدعُ يهوديًّا ولا نصرانيًّا يُنصِّر ولده، ولا يُهوِّده في ملك العرب(114) .
لم يكن عمر ليمنع الآباء والأمهات من حرية تربية أبنائهم على ما يعتقدونه ويدينون به، لكن ليكن ذلك في خارج حدود بلاد المسلمين، أما وَهُمْ في ظلال خلافة إسلامية: فقد كان عمر يرى أن من حقهم على المسلمين أن يُحافظوا على فطرتهم التي فطرهم الله عليها، فإذا ما شبَّ الغلام وبلغ وعقل لا يكون لأحدٍ تأثيرٌ عليه في تلويث فطرته.
ولربما صالح عمرُ أهليهم وترك لهم شيئًا مما فُرض عليهم لتطيب أنفسهم بذلك، فقد قدم عليه رجلٌ من تغلب، فقال له عمر: «إنه قد كان لكم نصيب في الجاهلية فخذوا نصيبكم من الإسلام»، فصالحه على أن أضعف عليهم الجزية، ولا ينصِّروا الأبناء(115) .
حرصهم على أن تكون المرضعة مسلمة
هذا مما استحبوه في تربية الأطفال، ألا ترضعه إلا امرأة مسلمة، وممن ورد عنه هذا: علي ابن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ، فقد كان ينهى المسلم أن يُراضِع نصرانيًّا(116) .
وهذا الفعل مع كونه في الأصل مباحًا، إذ لم يأتِ نصٌّ بتحريمه أو منعه؛ إلا أنهم كانوا حريصين على الأطفال أن تتسرب إليهم عقيدة المرضعة في أي شيء، إضافة إلى تعليل آخر ذكره أبو جعفر الباقر .
فعن غالب أبي الهذيل، عن أبي جعفر أنه كره أن ترضع اليهودية والنصرانية الصبي، وقال: «إنها تشرب الخمر»(117) .
وهذا الاستحباب لإسلام المرضعة: مقرَّرٌ أيضًا عند الإمامية، ففي «الشرائع»: «ويُستحبُّ أن يختار للرضاع: العاقلة، المسلمة، العفيفة، الوضيئة،
ولا تُسترضع الكافرة ومع الاضطرار: يسترضع الذمية، ويمنعها من شرب الخمر، وأكل لحم الخنزير»(118)
تلقينهم الصغار كلمة التوحيد في أول نطقهم
غالبًا ما تكون الفواتيح عناوين الخواتيم كما يقولون، لذا كان الصحب والآل يحبون أن يكون مستهل النطق عند صغارهم إذا أفصحوا: كلمة التوحيد، وقد تقدَّم أن مثل هذا مسطورٌ أيضًا في سيرته صلى الله عليه وسلم مع الصغار. ومما ورد عن الصحب والآل في ذلك:
قول إبراهيم التيمي: «كانوا يستحبون أول ما يفصح أن يعلموه: لا إله إلا الله، سبع مرات، فيكون ذلك أول ما يتكلم به»(119) .
وكذا نقل جعفر الصادق، عن أبيه أبي جعفر الباقر؛ أنه قال: كان علي بن حسين(120) يعلم ولده يقول: «قولوا: آمنت بالله وكفرت بالطاغوت»(121) .
دفْع الاعتقادات الخاطئة من قلوبهم، ونهيهم عن أفعال الشرك
لا شكَّ أن الولد قطعة من والديه، وحال إصابته بمكروه يودَّان دفعه عنه بأي وسيلة تُتاح، بل قد يجرهما هذا الفزع لأجله إلى خارج حدود المباحات؛ فيتقحَّم بهما المخاطر، ويوردهما المهالك، ويقتحم بهما دائرة المحرمات!
وعندها يتدخل أولو النهى والأحلام لرد الوالدين لرشدهما، وتعليم الأولاد من الصغر؛ أن العقيدة لا ينبغي أن تكون في ذيل الأولويات، بل هي على قُبَّتها، مهما كانت العواقب.
فهذا بُكير بن الحارث، يُحدِّث عمرو بن الحارث ذات يومٍ، أن أمَّه — أي: أم بكير — حدثته: أنها أرسلت إلى عائشة رضي الله عنها بأخيه مخرمة، وكان يُداوى من قرحة(122) تكون بالصبيان، فلما داوته عائشة وفرغت منه رأت في رجليه خلخالي حديد(123) فقالت عائشة: «أظننتم أن هذين الخلخالين يدفعان عنه شيئا كتبه الله عليه؟! لو رأيتها ما تداوى عندي، وما مسَّ عندي، لعمري لخلخالان من فضة أطهر من هذين»(124) .
ترسيخ محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم في قلوبهم، وتعظيمه وتوقيره في نفوسهم
لما علم الصحب والآل أن محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم أصلٌ إيماني، وواجب شرعي، بدليل قوله عليه الصلاة والسلام: « لا يؤمن أحدكم، حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين(125) » ؛ حرصوا أشد الحرص على تعليم صغارهم هذا الأصل العظيم، وغرسه في نفوسهم منذ صغرهم، وقد سلكوا في هذا مسالك متعددة؛ منها:
1 — تعليم سيرته — صلى الله عليه وسلم — العطرة
وكان هذا شديد الظهور مع الجيل الذي أتى بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، أو قلَّ معاصرته له، فكانوا يعلمونهم سيرته ومغازيه كما يعلمونهم آيات القرآن.
هذا أحد نجوم آل البيت، وهو: زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب يقول: «كنا نُعلَّم مغازي النبي صلى الله عليه وسلم وسراياه كما نُعلَّم السورة من القرآن»(126) .
وهذا سليل بيت صحبة وشرف، وجدُّه من السابقين، وأحد العشرة المبشرين، إنه: إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص ، يقول: «كان أبي يعلمنا مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويعدها علينا، وسراياه، ويقول: يا بني! هذه مآثر آبائكم فلا تضيعوا ذكرها»(127) .
ولربما حدثوهم بما فعل آباؤهم وأجدادهم وأسلافهم في غزواتهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما بذلوه من تضحيات وبطولات لفدائه ونصرته، كما يقول غيلان بن جرير : كنا ندخل على أنس بن مالك رضي الله عنه، فيحدثنا بمناقب الأنصار، ومشاهدهم، ويقبل عليَّ، أو على رجل من الأزد(128) ، فيقول: «فعل قومك يوم كذا وكذا كذا وكذا»(129) .
ولذلك قال السمعاني : «واعلم أن فرض التعليم الذى على الآباء للأولاد، وذلك إذا بلغ الولد ستة، فينبغي للأب أن يذكره أن الله عز وجل خالقه ومعبوده، وأن محمدا صلى الله عليه وسلم نبيه ورسوله، وأنه على دين الإسلام، وأنه لا نبي بعد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه بُعث بمكة ودُفن بالمدينة»(130) .
2 — إحضارهم عند النبي صلى الله عليه وسلم لمبايعته
وهذه كان يفعلها الصحابة رضي الله عنهم مع صغارهم الذين عاصروا النبي صلى الله عليه وسلم، ومن هؤلاء: الزبير بن العوام رضي الله عنه، فإنه أمر ولده عبد الله، أن يذهب ليبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو لا يزال صغيرًا.
تقول زوجه أسماء بنت أبي بكر : هاجرتُ وأنا حبلى بعبد الله بن الزبير، فقدمت قباء، فنفست بعبد الله بقباء، ثم خرجت حين نفست إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحنكه، «فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم مني، فوضعه في حجره، ثم دعا بتمرة، فمضغها، ثم بصقها في فيه، فإن أول شيء دخل بطنه لريق رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم مسحه وصلى عليه وسمَّاه عبد الله.
ثم جاء، وهو ابن سبع سنين أو ثمان، ليبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأمره بذلك الزبير، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآه مقبلًا إليه، ثم بايعه(131) » .
وممن رُوي أنهم بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم صغارًا أيضًا: الحسن والحسين ابنا علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس(132) .
وبيعة هؤلاء الصغار جميعًا — كما يقول العلماء — بيعة تبريك وتشريف، لا بيعة تكليف، فإنهم كانوا دون سنِّ التكليف(133) .
3 — تطييبهم بآثار النبي صلى الله عليه وسلم رجاء لبركته
هذا طفلٌ من أبناء الصحابة، تُطيِّبُه أمُّه، فيشم رائحة عطرة، ويجد لهذا الطِيب بركة على جسده ونفسه، بل يراه مختلفًا عن سائر الطِّيب، فيسأل عن سبب ذلك؛ فإذا بالسرِّ عند أم سُليم الأنصارية :
يقول ابنها أنس بن مالك: كان النبي صلى الله عليه وسلم يدخل بيت أمِّ سليم فينام على فراشها، وليست فيه، قال: فجاء ذات يوم فنام على فراشها، فأُتِيتْ فقيل لها: هذا النبي صلى الله عليه وسلم نام في بيتك، على فراشك، قال فجاءت وقد عرق، واستنقع عرقه على قطعة أديم على الفراش، ففتحت عتيدتها(134) فجعلت تنشف ذلك العرق فتعصره في قواريرها، ففزع النبي صلى الله عليه وسلم فقال: « ما تصنعين يا أم سليم؟ »
فقالت: يا رسول الله! نرجو بركته لصبياننا.
قال: « أصبتِ(135) » .
4 — تعظيم قدر النبي صلى الله عليه وسلم في نفوسهم، فلا يُسمَح لأحد بالمساس بجنابه الشريف
رأى الصغارُ آباءهم وسمعوا عن أجدادهم وهم يبذلون أرواحهم
وأنفسهم فداءً لنبيهم، فعلموا بذلك علوَّ قدره، وسُموَّ منزلته، فلم تكن أنفسهم لتسمح لأحد بعد ذلك بأن يقع فيه، فإذا ما سوَّلت لأحد نفسُه مِثلَ هذا السوء من الفعل؛ فوجئ بغضب هائج، وإعصار هادر؛ لا يتوقَّف حتى يثأر لصاحب الجناب الشريف.
ومن ذلك : أن غلمانًا من أهل البحرين خرجوا يلعبون بالصوالجة، وأسقف البحرين قاعد، فوقعت الأكرة على صدره، فأخذها، فجعلوا يطلبونها منه فأبى، فقال غلام منهم: سألتك بحق محمد صلى الله عليه وسلم إلا رددتها علينا، فأبى، وسبَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم!
فأقبلوا عليه بصوالجهم، فما زالوا يخبطون حتى مات.
فرفع ذلك إلى عمر رضي الله عنه، فوالله ما فرح بفتح ولا غنيمة كفرحته بقتل الغلمان لذلك الأسقف، وقال: « الآن عزَّ الإسلام، إن أطفالا صغارا شُتم نبيهم فغضبوا له وانتصروا ». وأهدر دم الأسقف(136) .
5 — تعظيم أمر النبي صلى الله عليه وسلم ونهيه في نفوسهم، حتى لو كان على غير هواهم
الصغير لا يميز بين الحلال والحرام، وشهوته وميله لفعل شيء يحبه لا ضابط له عنده، لكن المربي يزرع في نفسه منذ الصغر توقير النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيم أمره ونهيه، بربط ذلك بأفعاله وميوله، حتى يشب
على الامتثال لما يأتيه لاحقًا بعد ذلك من أوامر، وإن خالفت هواه.
أتى عبد الله بن عمر لزيارة يحيى بن سعيد بن العاص يومًا، فدخل عليه وغلام من بنيه رابط دجاجة يرميها، فمشى ابن عمر إلى الدجاجة فحلَّها، ثم أقبل بها وبالغلام، وقال ليحيى: ازجروا غلامكم هذا عن أن يصبر هذا الطير على القتل، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ينهى أن تُصبَر بهيمة أو غيرها لقتل، وإن أردتم ذبحها فاذبحوها(137) » .
ومرَّ ذات يوم بفتيان من قريش قد نصبوا طيرًا، وهم يرمونه، وقد جعلوا لصاحب الطير كل خاطئة من نبلهم، فلما رأوا ابن عمر تفرقوا، فقال ابن عمر: « من فعل هذا؟ لعن الله من فعل هذا، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن من اتخذ شيئًا فيه الروح غرضا(138) » .
لن تفارق كلمات ابن عمر، وفعله، وحالته من التأثر والغضب ذهن غلام يحيى بن سعيد، ولا أذهان فتية قريش، بل ستنطبع في ذاكرتهم، وتُحفر في عقولهم، لتشكل مسارًا قادمًا في حياتهم للتعامل مع الأوامر والنواهي النبوية.
فإذا ما أراد أحدٌ أن يعترض على الأمر النبوي بعقله دون تقدير له؛ جاءه الرد من مُربِّيه ووليه عنيفًا، والتوبيخ شديدًا، لا سيما إن كان كبيرًا عاقلًا.
هذا ابن عمر أيضًا يحدِّث أمام أولاده ذات يوم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تمنعوا النساء من الخروج إلى المساجد بالليل» فقال ابن له: لا ندعهن يخرجن فيتخذنه دَغَلًا(139) . عندها ضربه ابن عمر في صدره، وزبره(140) ، وقال: «أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقول: لا ندعهن»(141) !
نعم، قد يكون ابن عبد الله بن عمر بالغًا عاقلًا، لكن أسلوب التربية هنا هو الذي يعنينا، وأنه إذا صدر هذا التعديل التقويم في حق البالغ؛ فهو في حق من دونه أولى وأهم.
ولذلك قال الحافظ ابن حجر : «أُخِذ من إنكار عبد الله على ولده: تأديب المعترض على السنن برأيه، وعلى العالم بهواه، وتأديب الرجل ولده وإن كان كبيرًا إذا تكلم بما لا ينبغي له، وجواز التأديب بالهجران»(142) .
الفصل الثاني: التَّرْبِيَةُ التَّعَبُّدِيَّةُ
قَبَسٌ نَبَويّ
يُعدُّ بناءُ العبادة مكمِّلًا لبناء العقيدة، فالأولى تغذي الثانية بروحها، بل: «لابُدَّ لكي يظل غرس العقيدة قويًّا في النفس، من أن يُسقَى بماء العبادة، بمختلف صورها وأشكالها، وبذلك تنمو العقيدة في الفؤاد، وتترعرع، وتثبت أمام عواصف الحياة وزعازعها»(143) . فالعبادة هي المنعكس الذي يعكس صورة العقيدة ويُجسِّمها، والطفل عندما يتوجه لنداء ربه، ويستجيب لأوامره؛ فإنما يلبي غريزة فطرية في نفسه، فيشبعها ويرويها.
وتكوين العادة في الصغر أيسر بكثير من تكوينها في الكبر، ذلك أن الجهاز العصبي الغض للطفل أكثر قابلية للتشكيل، وأيسر حفرًا على مسطحه.
أما في الكبر: ففضلًا عن اشتغال الجهاز العصبي بكثير من المشاغل، ووجود مئات أو ألوف من القنوات المتشابكة على سطحه، التي لا تترك من ازدحامها مجالًا كبيرًا للإضافة؛ فإن الجهاز العصبي ذاته يفقد مع الكبر كثيرًا من مرونته الأولى، فيصبح الحفر عليه أشق!
ومن أجل هذه السهولة في تكوين العادة في الصغر يأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بتعويد الأطفال على الصلاة قبل موعد التكليف بها بزمن كبير، حتى إذا جاء وقت التكليف كانت قد أصبحت عادة بالفعل، ولم تكن في حاجة إلى إنشائها ابتداء بما يستلزمه ذلك من جهد(144) .
يقول الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه في وصية تربوية إيمانية هامَّة: « مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر(145) » .
فمنذ السابعة يبدأ تعويد الأطفال على الصلاة، مع أنهم لن يُكلَّفُوا بها إلا بعد سنوات قد تمتد إلى خمس أو ست، وذلك لتكون هناك فسحة طويلة لإنشاء هذه العادة وترسيخها؛ حتى إذا بلغ الطفل العاشرة، وصار على مقربة من موعد التكليف، فقد وجب أن يكون قد تعوَّدها بالفعل. فإن لم يكن قد تعوَّدها من تلقاء نفسه خلال سنوات التعويد الثلاث؛ فلا بد من إجراء حاسم يضمن إنشاء هذه العادة وترسيخها(146) .
لم يكن التعليم القولي، وأسلوب الأمر والنهي، والحزم إذا اقتضى الأمر؛
هو الأسلوب النبوي الوحيد في تعويد الصغار على العبادة، وإنما سنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أسلوبًا آخر، ينتفع به الصغير، قبل حتى أن يبلغ السبع سنين المذكورة؛ ألا وهو: التعليم بالقدوة والمثال.
ها هو صبيٌّ صغيرٌ لم يبلغ، يتحيَّن فرصة لينظر إلى عبادة النبي صلى الله عليه وسلم في ساعة خلوة، علَّه أن يتعلَّم ويستفيد ويطَّلع على ما لم يطَّلع عليه غيره ممن هم في سنِّه أو أكبر منه، وقد ساعده على الوصول إلى ما يريد: ذهاب النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة إلى بيت خالة الصبي ليبيت عندها، إذ كانت هذه الخالة إحدى أمهات المؤمنين؛ إنها: ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها.
لندع عبد الله بن عبَّاس الصغير وقتها ينقل لنا الصورة التي حُفرت في ذاكرته؛ فنقلها بعد إلى الأمة كلها، والتي لم يصدر فيها أمرٌ ونهيٌ وإنما هي القدوة والمثال فحسب:
يقول ابن عباس: رقدتُ في بيت (خالتي) ميمونة ليلة كان النبي صلى الله عليه وسلم عندها لأنظر كيف صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بالليل، وقلتُ لها: إذا قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأيقظيني.
فلما كان في بعض الليل: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوضَّأ من شنٍّ مُعلَّقٍ وضوءًا خفيفًا، ثم حرَّكني فقمتُ، ثم قام يصلي، فتمطيتُ كراهية أن يرى أني كنت أنتبه له، فتوضأت نحوًا مما توضأ، ثم جئت، فقمت عن
يساره، فحوَّلني، فجعلني عن يمينه، فجعلت إذا أغفيت يأخذ بشحمة أذني، ثم صلَّى ما شاء الله، ثم اضطجع، فنام حتى نفخ، فأتاه المنادي يأذنه بالصلاة، فقام معه إلى الصلاة، فصلَّى ولم يتوضأ(147)
لقد طلب ابنُ عبَّاسٍ التعليمَ بالمثل والقدوة، وقد أعانه النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، فأيقظه، وأقامه بجواره، وجعل يؤنسه ويوقظه بفتل أذنه، وقد قيل إن المتعلم إذا تُعُوهِد بفتل أذنه كان أذكى لفهمه(148) .
ومن نفس الباب، باب التعليم بالقدوة والمثال، ومع نفس الصبي الصغير؛ يُريه النبي صلى الله عليه وسلم كيف يكون تقديم الموعظة في يوم العيد للرجال، ثم للنساء إذا لم يسمعن ولم يصلهن كلام الإمام وخطبته.
يقول: عبد الرحمن بن عابس: سمعتُ ابنَ عبَّاس وقال له رجل: أشهدت العيد مع النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، ولولا منزلتي منه، ما شهدته من الصغر، فأتى العَلَمَ الذي عند دار كثير بن الصَّلْت، ثم خطب، ثم أتى النساء فوعظهنَّ، وذكَّرهنَّ، وأمرهنَّ أن يتصدقن، فجعلت المرأة تُهوِي بيدها إلى حلقها، تلقي في ثوب بلال، ثم أتى هو وبلال البيت(149) .
وهذه الأمثلة
من العبادات المذكورة؛ كالوضوء، والصلاة، والخطابة، ليس المراد بها هنا الحصر، وإنما المراد: ضرب المثل بذكر طريقة التعليم والتربية.
وجميع آداب الإسلام وأوامره سائرة على ذات النهج، وإن كان الرسول صلى الله عليه وسلم لم يحدِّد لها زمنًا معينًا كالصلاة؛ فكلها تحتاج إلى تعويدٍ مبكِّر، وكلها تحتاج بعد فترة من الوقت إلى الإلزام بها بالحسم إن لم يتعوَّدها الصغير من تلقاء نفسه(150) .
حسنًا! نلج الآن إلى ما نمهِّد له؛ وهو: أنه بمثل هذه الطرق والأساليب المستخدَمة في التنشئة الإيمانية، تعامل الصحب والآل مع صغارهم، في مختلف أشكال العبادة؛ كالصلاة، والصيام، والحج، وقراءة القرآن، والدعاء، وغير ذلك، وفيما يلي — إن شاء الله — نستعرض صورًا من هذه النماذج التطبيقية التي وصلت إلينا من سيرهم وأخبارهم.
التربية التعبُّدية في تراث الآل والأصحاب
تفعل العبادة لله في نفس الصغير فعلًا عجيبًا، فهي تُشعره بالاتصال بالله جل وعلا، وتهدئ من ثوراته النفسية، وتلجم انفعالاته الغضبية، فتجعله سويًا مستقيمًا، إذ كثافة الشهوات ضعيفة في تلك الفترة، مما يجعل روحه تتجاوب أكثر فأكثر بمناجاة الله، ويأخذ الخشوع المساحة الكبرى من جسده، وهو يرتل آية أو يسمعها، أو هو واقف في الصلاة أو ساجد فيها، وهو يسمع أذان الإفطار ليبدأ الطعام والشراب، بعد أن صام يومه، وهناك أسرار كثيرة للعبادة لا تُعدُّ ولا تُحصى، تؤثِّر في الطفل مما يزيد في قوته ونشاطه. وبذلك تفضل التربية الإسلامية عن أي تربية كانت(151) .
وليس ثمَّ خلافٌ على أنَّ الطفولة والصغر ليست مرحلةَ تكليف، وإنما هي مرحلة إعداد وتدريب وتعويد؛ للوصول إلى مرحلة التكليف عند البلوغ، ليسهل على المسلم أداء الواجبات والفرائض، وليكون على أتم الاستعداد لخوض غمار الحياة بكل ثقة وانطلاق. كما قال أبو
العلاء المعرّي:
| ويَنشأُ ناشىءُ الفتيانِ، مِنّا | على ما كانَ عَوّدَهُ أبُوه |
|---|---|
| وما دانَ الفتى بحِجًا(152) ( 152 ) ، ولكن | يُعَلّمُهُ التّدَيّنَ أقرَبُوه |
يقول البيهقي : «وهذا شعار الصالحين ومن سلف من المسلمين، يعودون صبيانهم الصوم والصلاة والخير، حتى يتعوَّدوا ذلك»(153) .
وقال المهلَّب : «في هذا الباب وضوء الصبيان وصلاتهم، وشهودهم الجماعات في النوافل والفرائض، وتدريبهم عليها قبل وجوبها عليهم؛ ليبلغوا إليها وقد اعتادوها وتمرنوا فيها»(154) .
وإلى هذا المعنى أشار عبد الله بن مسعود في نصيحته الثمينة للآباء والمربين: «حافظوا على أولادكم في الصلاة، وعلموهم الخير، فإنما الخير عادة»(155) .
فتعويد
الأطفال على العبادة من الصغر، وتدريبهم عليها؛ طريقٌ مجرَّب منصوحٌ به من الصحب والسلف.
بل فوق ذلك: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يرى أن الصغير الذي لم يجرِ عليه القلم تُكتَبُ حسناته، ولا تُكتب عليه سيئاته(156) .
وهذا دافعٌ آخر للآباء والمربين للإقدام على تعويد الصغير على العبادة وممارستها قبل البلوغ.
وسيرًا من الصحب والآل الكرام، على منهاج خير الأنام، عليه الصلاة والسلام، فقد عنوا بتنشئة صغارهم على العبادة، تدريبًا وتعليمًا، أمرًا ونهيًا، إشهادًا وتلقينًا، كما يتضح من هذه النماذج التي بين أيدينا في أصناف العبادة المختلفة؛ ومنها:
الوُضُوءُ
مع أن تعليمه لم يُنصَّ عليه بصيغة الأمر كما وقع في شأن الصلاة؛ إلا أنه مما يُفهم بداهة، لكونها لا تُقبل إلا به، ما لم يكن ثمَّ عذرٌ بتركه.
وقد سلك الصحب والآل في تعليمه صغارهم كلا الطريقين: النظري، والعملي.
فأما التعليم العملي عن طريق القدوة والمثال
فها هي إحدى الصحابيات صفية بنت أبي عُبيد رضي الله عنها، تتوضأ أمام غلام صغير، فيحفظ وضوءها، ليحدِّث به بعد ذلك إمامًا كمالك في زمانه.
يقول نافع مولى ابن عمر: رأيت صفية بنت أبي عبيد توضأت وأنا غلام «فإذا أرادت أن تمسح رأسها سلخت الخمار»(157) .
ومن آل بيته صلى الله عليه وسلم: يُحدثنا أبو جعفر الباقر، عن أبيه زين العابدين علي بن الحسين، أن أباه الحسين بن علي قال له: دعاني أبي علي بوضوء، فقربته له، فبدأ فغسل كفيه ثلاث مرات قبل أن يدخلهما في وضوئه، ثم مضمض ثلاثًا، واستنثر ثلاثًا، ثم غسل وجهه ثلاث مرات، ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاثًا، ثم اليسرى كذلك، ثم مسح برأسه مسحة واحدة، ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاثًا، ثم اليسرى كذلك، ثم قام قائمًا، فقال: «ناولني». فناولته الإناء الذي فيه فضل وضوئه، فشرب من فضل وضوئه قائمًا.
فعجبتُ، فلما رآني قال: «لا تعجب؛ فإني رأيت أباك النبي صلى الله عليه وسلم يصنع مثل ما رأيتني صنعت، يقول لوضوئه هذا، وشرب فضل وضوئه قائمًا»(158) .
وهذا آخَرٌ من صحبه صلى الله عليه وسلم لا يكتفي بتعليم صبي من أقاربه، أو غلام من بيته، بل يجمع صبيان قومه جميعًا، مع الكبار من الرجال والنساء؛ ليعلمهم جميعًا الوضوء قبل الصلاة.
إنه أبو مالك الأشعري رضي الله عنه. خرج إلى قومه؛ فنادى فيهم أن يجتمعوا، بنسائهم وأبنائهم، ليعلمهم صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ووضوءه، فاجتمع القوم، وجمعوا نساءهم وأبناءهم، فتوضأ وأراهم كيف يتوضأ، فأحصى الوضوء إلى أماكنه(159) .
ولا شكَّ أن رؤية الصغير لوضوء الكبير له أثر عظيم في تعليمه، وتطبيقه له بشكل عملي صحيح، خاصَّة إذا ما تابع الكبير تقليد الصغير وعمله ليصحِّحَ له إن وقع منه خطأ.
وأما التعليم النظري عن طريق التلقين :
فمن أمثلته: ما وقع من الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ ابنِ عَفْراء رضي الله عنها، إذ جاءها عبد الله ابن محمد بن عقيل بن أبي طالب ليسألها عن وضوء النبي صلى الله عليه وسلم؛ فلقنته إيَّاه نظريًّا.
قال عبد الله: دخلت على الربيع بنت عفراء، فقالت: من أنت؟
قلت: أنا عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب.
قالت: فمن أمُّك؟
قلتُ: رَيْطة بنت علي — أو: فلانة بنت علي بن أبي طالب —.
قالت: مرحبا بك يا ابن أختي.
قلتُ: جئتك أسألك عن وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلنا ويزورنا، وكان يتوضأ في هذا الإناء — أو: في مثل هذا الإناء — وهو نحو من مد. ثم ذكرت صفة وضوئه صلى الله عليه وسلم(160) .
ولننتقل الآن إلى عمود الإسلام، والتي كان الوضوء تمهيدًا لها، لنرى كيف اهتم بها الصحب والآل تعليمًا وتربية مع صغارهم:
الصَّلَاة
يتحدث علماء التربية عن أن الصلاة ليست فقط عبادة تربط الصغير منذ نشأته بربه، وتعوده على اللجوء إليه في جميع أحواله، وإنما لها بعدٌ تربوي آخر عندهم، فهي: «من الضوابط التي تعود النفس
على أداء عمل معين في وقت معين، وتلك إحدى وسائل الضبط. كما أنها تعود النفس على التزام الجد فترة من الوقت، وتلك أيضًا إحدى وسائل الضبط. فوق ما ينبغي لها من خشوع وتطهر وتنظف ورعاية. وكلها ضوابط تعود النفس من الداخل على ضبط الشهوات»(161)
ولقد مرَّ بنا آنفًا نصيحة ابن مسعود للوالدين والمربين: «حافظوا على أولادكم في الصلاة، وعلموهم الخير، فإنما الخير عادة»(162) .
وعقد البيهقي بابًا في كتابه «السنن الكبرى» لأجل هذا المعنى بعنوان: «باب ما على الآباء والأمهات من تعليم الصبيان أمر الطهارة والصلاة»(163) .
ولعظم هذا الركن من أركان الإسلام؛ فقد أولاه الصحب والآل مزيد اهتمام ورعاية، وتوجيه وعناية، فتارة يأمرون، وتارة يصححون، وقد يجمعون صغارهم ليدربوهم، وربما إلى المساجد اصطحبوهم. وها هي آثارهم على ذلك شاهدة، وللأنظار ماثلة، ومن ذلك أنهم:
1 — يعلمون صغارهم الصلاة، ويأمرونهم بها في سنٍّ معين
مرَّ معنا آنفًا في صدر هذا الفصل التوقيت الزمني الذي حدَّه النبي صلى الله عليه وسلم لأمر الصبي بالصلاة،
وما كان لأصحابه وآله أن يخالفوه، بل هم أولى الناس باتباعه وتنفيذ أمره.
هذا حوارٌ بين اثنين من آل بيته صلى الله عليه وسلم، وناقله من نسلهما، يُبين التزامهم بالتوقيت النبوي المحدد لتعليم الصغير الصلاة:
يقول حسين بن علي بن الحسين : دخل علينا أبي علي بن حسين ومعه محمد بن علي أبو جعفر ، وأنا وجعفر في حائط لنا نلعب، فقال أبي لمحمد: « كم أتى على ابنك جعفر ؟» قال: سبع سنين. قال: « فمُرْه بالصلاة(164) » .
وقد ذكر بعض الأطباء المتخصَّصين في التربية أن الصغير لا يكون مستعدًّا للالتزام بالصلاة وهي الكتاب الموقوت قبل بلوغه سبع سنوات، حيث يبلغ عندها مفهوم الزمن لديه درجة من النضج كافية للبدء في أمره بالصلاة خمس مرات في اليوم، مضيفين أن الصغير الذي لم يتكون لديه مفهوم واضحٌ للزمن يعيش يومه وكأنه يعيش في
فلاة بلا معالم تحدد الاتجاهات فيها، نعم، يعيش فيها سعيدًا، لكنه كالتائه، وهكذا بالنسبة للزمن يعيش فيه، لكنه تائه، فإن أُمر بالصلاة في أوقاتها: لم يستطع استيعاب علاقة كل صلاة بوقتها، ولم يدرك سبب اختلاف كل واحدة عن الأخرى من حيث اسمها (الفجر، الظهر، العصر، المغرب، العشاء)، فوقت كل صلاة ملمحٌ أساسٌ في إعطائها هويتها المميِّزة لها(165)
لكن صيغة الأمر تختلف عن مطلق التعليم، نعم، كانوا ينتظرون هذا العمر للأمر، أما مطلق التعليم نفسه: فكانوا يبتدؤونه قبل ذلك.
فهذا عبد الله بن عمر رضي الله عنه كان يقول: «يُعلَّم الصبيُ الصلاةَ إذا عرف يمينه من شماله»(166) . وهذا من باب التعويد كما مرَّ معنا آنفًا.
2 — يوقظونهم للصلاة من غير إيجاب
فهي محاولة أخرى لتعويدهم على تعظيم هذه العبادة، وتقديمها على الراحة والدعة، حتى وإن قام فلم يأت بالصلاة على وجهها، لكن تحقق المراد في هذه المرحلة، ومن هذا الفعل؛ وهو: التعظيم.
كان عبد الله بن عباس رضي الله عنه يقول لأهل بيته: «أيقظوا الصبي يصلي،
ولو سجدة»(167)
لكن هذه المحاولة لإيقاظهم تجللها الرحمة والشفقة، فإذا ما أبى الصبي الاستيقاظ؛ فليُترك من غير تشديد ولا نكير.
فهذا عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه يمرُّ بامرأة وهي توقظ صبيًّا لها ليصلي صلاة الصبح، لكنَّ الصبي يتلكأ، ويغلبه الكسل والنوم، والمرأة تحاول، بل ربما رآها عمر تشتد على الصغير؛ فيقول لها معلِّما، وعلى الصغير مشفقًا: « دعيه، لا تُعنِّيه، فإنها ليست عليه حتى يعقلها(168) » .
ولأجل هذا، ولخشية بعض الصحب والآل ألا يستجيب الصغار للاستيقاظ، أو أن يغلبهم النوم — في ليل أو نهار — على بعض الصلوات؛ اختاروا لهم طريقة أخرى للمحافظة عليها وعدم تركها؛ وهي: الجمع بينها.
فهذا جعفر الصادق ينقل عن والده الباقر أن والده زين العابدين الحسين بن
علي كان يأمر الصبيان أن يصلوا الظهر والعصر جميعًا، والمغرب والعشاء جميعًا، فيُقال له: يصلون الصلاة لغير وقتها؟!
فيقول: « هذا خير من أن يناموا عنها(169) » .
3 — يعلمونهم الصلاة بشكل عملي، وبصورة تطبيقية على أنفسهم
ها هو أحدهم يعود من المدينة النبوية إلى قومه، فينادي فيهم ليجمعهم، رجالًا ونساءً، وصغارًا؛ ليُعلمهم الصلاة بصفتها وهيئتها تعليما عمليًّا؛ إنه: أبو مالك الأشعري رضي الله عنه.
يقول عبد الرحمن بن غنم: إن أبا مالك الأشعري جمع قومه فقال: «يا معشر الأشعريين اجتمعوا واجمعوا نساءكم، وأبناءكم أعلمكم صلاة النبي صلى الله عليه وسلم التي صلى لنا بالمدينة».
فاجتمعوا، وجمعوا نساءهم وأبناءهم، فتوضأ وأراهم كيف يتوضأ، فأحصى الوضوء إلى أماكنه حتى لما أن فاء الفيء، وانكسر الظل قام، فأذن فصفَّ الرجال في أدنى الصف، وصف الولدان خلفهم، وصف النساء خلف الولدان، ثم أقام الصلاة، فتقدم فرفع يديه وكبر، فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة، يُسرُّهما، إلى آخر صفة الصلاة.
فلما قضى صلاته أقبل إلى قومه بوجهه، فقال: «احفظوا تكبيري، وتعلموا ركوعي وسجودي؛ فإنها صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي كان يصلي لنا كذي الساعة من النهار»(170) .
4 — يصلون أمامهم لتعليمهم بالقدوة والمثال
يختلف هذا الفعل عن سابقه: في أن الطريق السابق يعمد فيه المربي إلى الصبي ويقصده فيحضره ويريه الفعل، ويطلب منه أن يصنع مثله، أما هنا: فإنه لا يكلمه، ولا يطلب منه أن يقلده؛ إنما يكتفي فقط أن يفعل أمامه، ويتركه يشاهده، ثم إن بدا للصبي أن يسأل عن شيء سأل فأجابه.
والقدوة الصالحة من أعظم المعينات على تكوين العادات الطيبة، حتى إنها لتيسر معظم الجهد في كثير من الحالات، ذلك أن الطفل يحب المحاكاة من تلقاء نفسه، وأطفال المسلمين يحاكون أبويهم في الصلاة حتى من قبل أن يتعلموا النطق! فتصبح سهلة عليهم لاحقًا.
هذا جعفر الصادق يرمق صلاةً معينة لوالده الباقر سنين عددًا، وهي
صلاة ركعتي الفجر؛ ليعطي وصفًا بعد ذلك لمن بعده قائلًا: «ما رأيت أبي يصليهما قط، إلا وكأنه يبادر حاجة»(171)
وهذا مصعب بن سعد بن أبي وقَّاص ، يراقب أيضًا صلاة والده سعد رضي الله عنه، فيلحظ اختلافًا في الهيئة بين حالها في المسجد، وحالها بينهم في بيته؛ فيسأل ليتعلَّم.
يقول مصعب: كان أبي إذا صلى في المسجد تجوز وأتم الركوع والسجود، وإذا صلى في البيت أطال الركوع والسجود والصلاة! قلت: يا أبتاه! إذا صليت في المسجد جوَّزت، وإذا خلوت في البيت أطلت؟ قال: «يا بني! إننا أئمة يقتدى بنا»(172) .
وظاهرٌ من هذين الأثرين أن الآباء كانت لهم عبادة في بيوتهم، لا يراها إلا صغارهم وآل بيتهم، فيتعلمونها منهم، عن طريق القدوة والمشاهدة.
ولربما غفل الصغار عن المتابعة؛ فيحاول الوالد أن يلفت الانتباه لفعله، دون أن يناديهم أو يكلمهم.
كما كان يفعل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في بيته، إذ كان
«يُسمع قراءته أهل الدار من الليل»(173)
5 — يقدمونهم للإمامة إن كانوا جديرين بها
بين زمانٍ يتقاتل فيه الكبار — بغير حقٍّ أحيانًا — على موضع الإمامة، وآخر يتراجع فيه الكبار ليقدموا صغارهم الحفَّاظ للإمامة؛ بونٌ كبير، تظهر آثاره فيما يأتي من جيل.
لك أن تتخيل أن صبيًّا فقيرًا لم يبلغ من العمر إلا ست أو سبع سنين، يقدِّمه قومه، وفيهم الوالد، والجد، وصاحب المكانة، وصاحب المال؛ لكنه أحفظ القوم وأقرؤهم؛ فقدَّموه عن طيب نفسٍ منهم. كيف سيكون أثر ذلك في نفس الصبي؟ وكيف ستكون علاقته بالصلاة بعد ذلك، هو وسائر أبناء جيله وعمره؟
إنه عمرو بن سلِمة الجرمي يحكي للتابعين واقعته الشهيرة، وقصته المثيرة؛ فيقول لهم: كنا بماء ممر الناس، وكان يمر بنا الركبان فنسألهم: ما للناس، ما للناس؟ ما هذا الرجل؟ فيقولون: يزعم أن الله أرسله، أوحى إليه، أو: أوحى الله بكذا، فكنت أحفظ ذلك الكلام، وكأنما يقر في صدري، وكانت العرب تلوم بإسلامهم الفتح، فيقولون: اتركوه وقومه، فإنه إن ظهر عليهم فهو نبي صادق، فلما كانت وقعة أهل الفتح، بادر كل قوم بإسلامهم، وبدر أبي قومي بإسلامهم، فلما
قدم قال: جئتكم والله من عند النبي صلى الله عليه وسلم حقا، فقال: «صلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلوا صلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم، وليؤمكم أكثركم قرآنا».
قال عمرو: «فنظروا فلم يكن أحد أكثر قرآنا مني، لما كنت أتلقى من الركبان، فقدموني بين أيديهم، وأنا ابن ست أو سبع سنين، وكانت علي بردة، كنت إذا سجدت تقلصت عني، فقالت امرأة من الحي: ألا تغطوا عنا است قارئكم؟ فاشتروا فقطعوا لي قميصا، فما فرحت بشيء فرحي بذلك القميص»(174) .
ولم يكن هذا الفعل خاصًّا بقبيلة عمرو وحدها، بل حتى في المدينة النبوية، وُجد أمثال هذا الصنيع.
تقول أمُّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها: «كنا نأخذ الصبيان من الكتاب ليقوموا بنا في شهر رمضان، فنعمل لهم القلية(175) ، والخشكنانج(176)(177) » .
6 — يصححون لهم أخطاءهم فيها
فلم تتوقف مسؤلية الوالدين ولا المربين عند في التعليم عند إلقاء الأمر فقط؛ بل تمتد للنظر في الفعل وتقويمه وتصحيحه، والتدخل إن احتيج لهذا.
هذا عبد الله بن عمر رضي الله عنه، يصلي ابنه ذات يوم بجواره فيقلِّده في شيء؛ لكن ابن عمر يتدخل ليعدِّل له فعله الذي قلَّده فيه، مبيِّنًا له سبب ذلك.
يقول عبد الله بن عبد الله بن عمر: صلى ابن عمر فتربَّع، ففعلتُ ذلك، وأنا حديث السن، فقال: «ولم تفعل ذلك؟» قلتُ: فإنك تفعله.
قال: «إنها ليست من سنة الصلاة، ولكن سنة الصلاة أن تثني اليسرى، وتنصب اليمنى». ثم بيَّن له سبب مخالفته لتلك السنة واعتذاره عنها بقوله: «إني لا يحملني رجلاي»(178) .
ويمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه على ابن له وهو يصلي، لكن يلفت انتباه عمر
فعلٌ خاطئ صنعه الابن، وهو: أن رأسه معقوص(179) أثناء الصلاة؛ وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن مثل هذا(180)
فما كان من عمر إلا أن بادر بتغيير هذا الفعل، وتعديل هذا الخطأ؛ فجبذه حتى صرعه(181) .
وشبيه بموقف عمر مع ولده، موقف حذيفة بن اليمان رضي الله عنه مع ولده، فعن مجاهد أنه قال: مر حذيفة بابنه وهو يصلي، وله ضفرتان قد عقصهما، فدعا بشفرة فقطع بإحداهما، ثم قال: «إن شئت فاصنع الأخرى كذا، وإن شئت فدعها»(182) .
وتفاعلهم مع الأبناء والصغار وتصحيحهم لهم أثناء أدائهم الصلاة كثيرٌ منتشر، ومن ذلك أيضًا: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مرَّ بفتى وهو يصلي، فقال له: «فتى، يا فتى» ثلاثًا، حتى رأى عمر أنه قد عرف صوته: «تقدَّم إلى السارية، لا يتلعب الشيطان بصلاتك، فلست برأي أقوله، ولكن سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم»(183) .
7 — يصحبونهم إلى المساجد لربطهم بها، وتعويدهم على الجماعات
لا شكَّ أن هذا الاصطحاب منوطٌ بتمييز الصغار، حتى لا يكون ضرره أكبر من نفعه، وحتى لا تُقدَّم منفعةٌ خاصَّة — وهي: منفعة الصغير — على المنفعة العامَّة — وهي: منفعة عموم المصلين —.
وقد مرَّ معنا آنفًا كيف أن صبيًّا صغيرًا ذا ستِّ أو سبع سنوات كان يؤمُّ قومه في الصلاة، وما حكته عائشة رضي الله عنها من تقديم الصغار للإمامة في تروايح رمضان، وهذا واضحٌ وصريحٌ في شهودهم الجماعات، ودخولهم المساجد.
كما استنبط العلماء من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إني لأقوم في الصلاة أريد أن أطول فيها، فأسمع بكاء الصبي، فأتجوز في صلاتي كراهية أن أشقَّ على أمِّه»(184) أن بعض الصحابة كانوا يحضرون أولادهم معهم إلى
المسجد صغارًا(185)
وأصرح من هذا: ما ورد في حديث الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ ابنِ عَفْراء رضي الله عنها، في صيام عاشوراء، وفيه: «فكنا نصومه ونصومه صبياننا الصغار منهم إن شاء الله، ونذهب (بهم) إلى المسجد(186) » .
ولربما اجتمع عددٌ من هؤلاء الصغار في المسجد وقت الصلاة، فيرى بعض الصحابة ألا يوقفهم جميعًا بجوار بعضهم البعض، كما كان يصنع حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، إذ «كان يفرق بين الصبيان في الصف، أو في الصلاة»(187) .
الصِّيَام
يُعدُّ الصيام — بصفة خاصة من بين العبادات — عملية ضبط قوية فعَّالة، تتمثل فيها بشكل بارز إحدى وسائل الإسلام في التربية عن طريق الضبط. ففي الصيام يمتنع الإنسان — مختارًا — عن كثير من لذائذه المباحة، ويتعود — في إصرار وقوة — أن يرتفع على الرغبة، ويحقق كيانه بذلك الارتفاع.
كما
أنَّ الصوم عبادة روحية جسدية في وقت واحد، يتعلم منها الصغير الإخلاص الحقيقي لله، ومراقبته وحده في السر، وتتربى إرادة الطفل بالبعد عن الطعام رغم الجوع، وعن الماء رغم العطش(188)
وعبادةٌ بهذا القدر في الإسلام، مع كونها أحد أركانه؛ لم يكن الصحب والآل ليفوتهم محاولة تدريب أبنائهم وصغارهم عليها، وقد عَنْوَن البخاري في صحيحه لما ورد في هذا الباب بقوله: « باب صوم الصبيان(189) » .
ومن أشهر ما ورد في هذا الباب: ما حكته الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ ابنِ عَفْراء رضي الله عنها في شأن صيام عاشوراء؛ حيث قالت: «أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار، التي حول المدينة: «من كان أصبح صائما، فليتم صومه، ومن كان أصبح مفطرا، فليتم بقية يومه» فكنا بعد ذلك نصومه، ونُصوِّم صبياننا الصغار منهم إن شاء الله، ونذهب إلى المسجد، فنجعل لهم اللعبة من العهن، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناها إياه عند الإفطار (أي: حتى يكون عند الإفطار)»(190) .
بل من شهرة هذا الأمر عندهم: احتجَّ به عمر بن الخطَّاب رضي الله
عنه على من خالف الفريضة، وارتكب المحرَّم، وأفطر في نهار رمضان من الكبار.
يقول عبد الله بن أبي الهذيل: أُتي عمرُ بشيخ شرب الخمر في رمضان، فلما رُفع إليه عثر، فقال: «على وجهك — أو: بوجهك — (للمِنْخَرين للمِنْخَرين)، (في رمضان) وصبياننا صيام؟ فضربه الحدَّ، (ثمانين)، وكان إذا غضب على إنسان سيَّره إلى الشام، فسيَّره إلى الشام»(191) .
وقبل أن ننتقل إلى عبادة أخرى من التي ربَّى الصحب والآل صغارهم عليها؛ نؤكِّد على أنه ليست الصلاة والصيام فقط هما اللذان يضبطان سلوك المرء ورغباته، بل كل عبادة هي في الحقيقة ضبط لشهوة من الشهوات، وتعويد للنفس أن تضبط مشاعرها وتضبط سلوكها، وتختار طريقها بين مختلف الطرق، تختار طريق الحقِّ والإحسان والإخلاص.
الزّكَاة
وهل على الصغير زكاة؟!
ربما يطرأ هذا السؤال على أذهان البعض حين يُطالع لأول وهلة عنوان هذه العبادة ضمن ما ربَّى عليه الصحب والآل صغارهم، والجواب: أنَّ الصغير إذا صارت له ذمَّة ماليَّةٌ مستقلة خاصَّة؛ فهنا صار على أمواله
زكاة، يؤدِّيها عنه وليُّه(192) وبهذا يتربَّى الصغار على تعظيم هذه الشعيرة، وأهمية أدائها.
يُضافُ إلى هذا: أن بعض أصناف الزكاة فُرضت على الصغير والكبير من المسلمين، فيؤدِّيها عن الصغير وليُّه، كما هو الشأن في زكاة الفطر، وهذا أيضًا له أثره في نفوسهم.
يقول عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: «فَرَضَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير على العبد والحرّ، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تؤدَّى قبل خروج الناس إلى الصلاة»(193) .
وأما عن أداء الزكاة من أموال الصغار أنفسهم:
فهذا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان يلي أموال أيتام أبي رافع، فلما دفعها إليهم وجدوها ناقصة! فأتوا عليًّا فأخبروه، فقال: «أحسبتم زكاتها»؟ قالوا: لا. فحسبوا زكاتها فوجدوها سواء، فقال علي: «كنتم ترون أن يكون عندي مال لا أزكيه؟!»(194) .
وعلى منوال
علي: نسجت أمُّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها، إذ كانت تزكي أموال أيتامٍ لها، كانوا في حجرها(195)
الحَجُّ وَالعُمْرَة
ليُعلَم ابتداءً: أن أئمة الفتوى اتفقوا على سقوط فرض الحج عن الصبى حتى يبلغ، إلا أنه إذا حُجَّ به كان له تطوعًا عند جمهور العلماء(196) .
فالحج شأنه في حق الصبي شأن الصوم والصلاة، يُعوَّد عليه، ليتهيأ للتكليف الذي ينتظره عند بلوغه؛ فلا يجده صعبًا أو شاقًّا عليه، وإنما يجده سهلًا مألوفًا لديه.
والحج — كما هو معروف — يجمع مشقَّات العبادات كلها، بالإضافة إلى أنه يجمع لذتها جميعًا.
وهو عبادة بدنية ومالية في آن واحد، فإذا ما حجَّ الصبي؛ فهذه بشارة على سلوك الطاعة مستقبلًا إن شاء الله تعالى.
ولأن هذه العبادة تختلف عن سابقتها في الزمان، والمكان، والأعمال، والتنظير فيها لا يجدي كبير نفعٍ؛ فكان سبيل التعليم الأنجع فيها: الممارسة والتطبيق، ومن ثمَّ اصطحب الصحب والآل صغارهم معهم ليعوِّدوهم، ويعلِّموهم.
وقد بوَّب البخاريُّ في «صحيحه» لمثل هذا بقوله: « باب حجِّ الصبيان(197) » .
يقول الشافعيُّ : «إن الله عز وجل بفضل نعمته أثاب الناس على الأعمال أضعافها، ومَنَّ على المؤمنين بأن ألحق بهم ذرياتهم، ووفر عليهم أعمالهم فقال: ﴿أَلۡحَقۡنَا بِهِمۡ ذُرِّيَّتَهُمۡ وَمَآ أَلَتۡنَٰهُم مِّنۡ عَمَلِهِم مِّن شَيۡءٖ﴾، فلما مَنَّ على الذراري بإدخالهم جنته بلا عمل؛ كان أن مَنَّ عليهم بأن يكتب لهم عمل البر في الحج، وإن لم يجب عليهم من ذلك المعنى»(198) .
في طريقها للحج: اصطحبت المرأة صغيرها معها، لعلها أرادت أن تُعلِّمه المناسك، وأن تريه المشاهد في سنٍّ مبكرة، بيد أن سؤالًا كان في ذهنها لم تجد من يجيبها عنه، إذ لم يبلغها فيه خبر، وبينما هي مع قومها إذ وصلوا مكانًا يُقال له الرَّوْحاء، قابلوا رجلًا مع أصحاب له، فبادرهم بالسؤال: « من القوم ؟» قالوا: المسلمون، ثم بادلوه السؤال بسؤال: من أنت؟ قال: «رسول الله».
عند ذلك فزعت المرأة، ورفعت صبيَّها ليراه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا ندري أيهما كان أسبق، رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لصغيرها؟ أم سماعه لسؤالها الذي شقَّ جمع القوم: ألهذا حَجٌّ؟
فأجابها صلى الله عليه وسلم بما أثلج صدرها، وطمأن قلبها، وشجَّعها على المضيِّ قُدُمًا فيما لأجله تحمَّلت عناء الصبر على صبيِّها: « نعم، ولكِ أجر(199) » .
فيا لسعادتها بإجابة جاءت فوق ما كانت ترجو وتتمنَّى.
إذا كان هذا شأنَ امرأة لم تكن من سكَّان المدينة، ولا أكثرت من صحبة النبي صلى الله عليه وسلم، فكيف سيكون حال أصحابه وآله، ممن شاهدوه وصحبوه وتعلموا منه؟!
هذا أحد صغار آل بيته في زمانه، خرج به أهله في حجة النبي صلى الله عليه وسلم ليشهدها معهم، يقول عن نفسه، واصفًا بعض مشاهده مع ابن عمِّه رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«أقبلت راكبًا على حمار أتان وقد ناهزت الاحتلام — أي: قاربت البلوغ —، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف، وأرسلت الأتان ترتع، فدخلت في الصف، فلم ينكر ذلك علي»(200) .
ويقول أيضًا عن حكمٍ خاصِّ تعرَّض له مع أهله، وصار عامَّا في شأن من شابههم:
«بعثني — أو: قدمني — النبي صلى الله عليه وسلم في الثَّقَل(201) — أو: في الضَّعَفَةِ — من جَمْعٍ بليل»(202) .
إنه الغلام الفقيه: عبد الله بن عباس رضي الله عنه.
ومن أصحابه صلى الله عليه وسلم من حرص على صغاره كحرص آل العباس على
ابن عباس، وإن لم يذكروا هم فعلهم ويحدثوا به؛ إلا أن الصغير افتخر به لما كبر، وصار يحكيه؛ فقال عن نفسه:
«حُجَّ(203) بي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابن سبع سنين»(204) .
إنه: السائب بن يزيد رضي الله عنه.
ولم يكن حفاظهم على هذا لأجل وجود رسول الله صلى الله عليه وسلم فقط بينهم، بدليل أنهم واظبوا عليه بعد رحيله عليه الصلاة والسلام، كما وقع مع عبد الله بن عمر رضي الله عنه.
يصحبه نافع مولاه في مشهد حجه مع صبيانه وصغاره؛ فيرى مشهدًا ينقله عنه، يقول: « كان ابن عمر يحج بصبيانه ، فمن استطاع منهم أن يرمي رمى، ومن لم يستطع رمى عنه»(205) .
فما أحسن تعليمهم لصبيانهم، وما أجمل شفقتهم ورحمتهم بصغارهم!
قِرَاءَةُ القُرْآن
قبل أن نذكر تربية الصحب والآل لصغارهم على حفظ القرآن، ينبغي علينا أن نُشير إشارة هامة إلى أمر قد يغيب عن بعض أذهان الآباء والمربين؛ ألا وهو: أن للصغير مراحل معينة يجب علينا أن نتركه ليعيشها بتفاصيلها وطبيعتها، دون أن نقيِّده بشيء يصيبه بالملل، أو يجعله ينفر منه؛ ومن أمثلة ذلك: إجبار الصغار على حفظ القرآن في سنٍّ صغيرٍ لا يميزون معه، وإن كانت هناك حالات تختلف باختلاف طبيعة أصحابها.
يقول سعيد بن جُبير متحدِّثًا عن طائفة الصحابة والآل: «كانوا يحبون أن يكون يقرأ الصبي بعد حين»(206) .
وعلَّق الحافظ ابن حجر على أثر سعيد بقوله: «وكلام سعيد بن جبير يدل على أنه يُستحبُّ أن يُترَك الصبي أوَّلًا مُرفَّهًا، ثم يؤخذ بالجد على التدريج. والحق أن ذلك يختلف بالأشخاص، والله أعلم»(207) .
وممن كان يترك صغاره دون تعلُّمِ القرآن حتى يميزوا: عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
يقول عنه ولده عاصم بن عمر: «كان عمر لا يأمر بنيه بتعليم القرآن، إن كان أحد منكم متعلِّمًا فليتعلم من المفصَّل فإنه أيسر»(208) .
فاستفيد من ذلك: أن الصبي كان يُعلَّم القرآن عند التمييز، ويُبدأ معه من المفصَّل، وهو الذي تقل آياته، ويكثر الفصل بين سوره لقصرها، كما فُعل مع أحد آل البيت؛ وهو:
عبد الله بن عباس رضي الله عنه . يقول عن نفسه: «توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابن عشر سنين، وقد قرأتُ المحكَم». فقال له سعيد بن جبير: وما المحكم؟ قال: «المفصَّل»(209) .
والعلة في البدء معهم حال التمييز وعدم الانتظار حتى البلوغ؛ أنه أدعى إلى ثبوته ورسوخه عنده، كما يُقال: «التعلُّم في الصغر؛ كالنقش في الحجر»(210) .
ولذا حرص الصحب والآل على تعليم الصبيان القرآن، وبوَّب البخاري في «صحيحه» لهذا المعنى؛ فقال: « باب تعليم الصبيان القرآن(211) » .
ومن هنا تعدَّدت أساليبهم في تعليم الصبيان القرآن:
فتارة يحضُّون على ذلك بالثناء والتشجيع؛ كقول ابن عباس رضي الله عنه في الصغير
الذي قرأ القرآن قبل بلوغه: «من قرأ القرآن قبل أن يحتلم؛ فقد أوتي الحكم صبيًّا»(212)
وتارة يستخدمون التلقين والتحفيظ إذا ميَّز الطفل، كما مرَّ معنا قبل قليل، ويوصون الآباء ببعض السور خاصة من القرآن، ليعلموها صغارهم.
هذا عكرمة مولى ابن عباس، يشهد وصية من هذه الوصايا وينقلها؛ فيقول:
قال عبد الله بن عباس رضي الله عنه لرجل: «ألا أطرفك بحديث تفرح به»؟
قال الرجل: بلى، يا أبا عباس، رحمك الله.
قال: «اقرأ ﴿تَبَٰرَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلۡمُلۡكُ﴾، واحفظها، وعلِّمها أهلك، وجميع ولدك، وصبيان بيتك، وجيرانك. فإنها المنجية، وهي المجادلة تجادل وتخاصم يوم القيامة عند ربها لقارئها، وتطلب إلى ربها أن ينجيه من النار إذا كانت في جوفه، وينجي الله بها صاحبها من عذاب القبر»(213) .
ومن
الأساليب التي استخدموها أيضًا: إشهاد الصغار لدعاء ختم القرآن.
هذا أنس بن مالك رضي الله عنه: «كان إذا ختم القرآن: جمع أهله وولده؛ فدعا لهم»(214) .
ولربما «أشفى على ختم القرآن من الليل، فيبقي سورة حتى يصبح؛ فيختمه عند عياله»(215) .
وهذا تعليم بالقدوة والمثال، فضلًا عن إشهادهم لموضع بركة وخير.
الدُّعَاء
«الدعاء هو العبادة»(216) .
إذا كان هذا كلامَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا اللفظ الجامع الموجز عن الدعاء،
فلنا أن نتصوَّر كيف سيكون حرص الصحب والآل على تعلميه أولادهم، وصغارهم.
لم يتوقَّف تعليمهم لصغارهم عند حدِّ جمعهم وقت ختم القرآن كما مرَّ، بل ربما جمعوهم في الأوقات التي علموا استجابة الدعاء عندها؛ ليشهدوهم الدعاء، عمليًّا وتطبيقيًّا.
سمع عبد الله بن عمرو يومًا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «للصائم عند إفطاره دعوة مستجابة»، فكان ابن عمرو إذا أفطر دعا أهله وولده ودعا(217) .
ولربما رفع بعضهم صوته بالدعاء ليعلِّمه ولده، كما صنع أبو بكرة رضي الله عنه.
راقب أبا بكرة ولدُه عبدُ الرحمن، فلاحظ أنه يدعو بدعاء معيَّنٍ في وقت معين يوميا، فسأله عن سر ذلك؛ فقال: يا أبت! إني أسمعك تدعو كل غداة: «اللهم عافني في بدني، اللهم عافني في سمعي، اللهم عافني في بصري، لا إله إلا أنت، تعيدها ثلاثًا، حين تصبح، وثلاثًا حين تمسي»؟!
فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو بهن فأنا أحب أن أستن بسنته(218) .
ولربما عمدوا إلى تلقينهم الدعاء وتحفيظهم إياه، كما كان يفعل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه.
يقول عمرو بن ميمون الأودي: كان سعد يعلم بنيه هؤلاء الكلمات كما يعلم المعلم الغلمان الكتابة ، ويقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتعوَّذُ منهن دبر الصلاة: «اللهم إني أعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، وأعوذ بك من عذاب القبر»(219) .
الجِهَاد
يرى والده وهو يتجهز للخروج مع النبي صلى الله عليه وسلم للجهاد والغزو، ولربما ساعد أمه في تجهيز أبيه، هذا ديدنٌ مشترك بين جلِّ صغار الصحب والآل، الذين عاصروا جزءا من حياة النبي صلى الله عليه وسلم، لكن بعض الآباء لم يكتفوا بهذه المشاهدة، أو المشاركة على استحياء، فوصلوا لمرحلة أكبر من هذا؛ وهي: اصطحابهم معهم إلى المعارك! ومن أوائل هؤلاء:
عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
يقول ولده عبد الله: « جاء بي أبي يوم أحد إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأنا ابن أربع عشرة، فلم يجزني النبي صلى الله عليه وسلم!
ثم جاء بي يوم الخندق، وأنا ابن خمس عشرة ففرض لي رسول الله صلى الله عليه وسلم»(220) .
ومنهم أيضًا: الزبير بن العوام رضي الله عنه.
يقول عروة ولده: إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا للزبير يوم اليرموك: ألا تشد(221) فنشد معك؟ فقال: «إني إن شددت كذبتم(222) »، فقالوا: لا نفعل، فحمل عليهم حتى شق صفوفهم، فجاوزهم وما معه أحد، ثم رجع مقبلًا، فأخذوا بلجامه، فضربوه ضربتين على عاتقه، بينهما ضربة ضربها يوم بدر.
قال عروة: «كنت أدخل أصابعي في تلك الضربات ألعب وأنا صغير».
قال عروة: « وكان معه عبد الله بن الزبير يومئذ، وهو ابن عشر سنين، فحمله على فرس ووكَّل به رجلاً(223) » .
وهذه الطريقة في التربية والتعويد على الجهاد ليست متاحةً لكل الصغار، وإنما الأمر يختلف باختلاف طبائعهم، لكن
اللافت هنا في فعل الزبير مع ولده: أنه خشي عليه أن تحرضه نفسه على الهجوم على العدو وتقليد والده وهو في هذه السن؛ لذلك وكَّل به رجلًا!
يقول الحافظ : «وكأن الزبير آنس من ولده عبد الله شجاعة وفروسية فأركبه الفرس، وخشي عليه أن يهجم بتلك الفرس على ما لا يطيقه؛ فجعل معه رجلًا ليأمن عليه من كيد العدو إذا اشتغل هو عنه بالقتال»(224) .
ومن شابه أباه فما ظلم!
الفصل الثالث: التَّرْبِيَةُ الأَخْلَاقِيَّة
قَبَسٌ نَبَويّ
« إنما بُعثت لأتمِّمَ صالح الأخلاق(225) » .
هكذا أعلنها النبيُّ صلى الله عليه وسلم موجَزَة بليغة، للدنيا كلها، صغيرها وكبيرها، ذكرها وأنثاها، ولم يكتفِ بهذا البيان البديع فحسب؛ بل كانت أخلاقه صلى الله عليه وسلم وتعاملاته مع الجميع مثالًا عمليًّا، وتجسيدًا حيًّا لمقولته، ولم يكتفِ بذلك: حتى نشر تلك الأخلاق وعلمَّها الصغار والكبار.
لما تزوَّج بأمِّ سلمة، كانت ابنتها زينب صغيرة معها، فلربما جاءت أمَّها والنبي صلى الله عليه وسلم عندها يغتسل في بيتها، فتصرفها أم سلمة عنها بإرسالها للنبي صلى الله عليه وسلم، فتذهب الصغيرة لتدخل عليه وهو يغتسل، فلا تمنعه شفقته عليها، ورحمته بها، من أن يعلمها ويؤدبها على خُلُق الحياء، وهي في هذه السن؛ فينضح الماء في وجهها ، ويقول لها: « ارجعي(226) » .
فانتفعت بتعليمه، ونضحه؛ فلم يزل ماء الشباب في وجهها حتى كبرت(227) !
وفي بيت أم سلمة : لا يزال تعليمه للصغار قائمًا، فكان للصبي كما كانت للفتاة نصيبٌ من تهذيب الأخلاق وغرسها، فهذا عُمر بن أبي سلمة، أخو زينب، يجلس على الطعام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكنه لم يتعلَّم كيف يأكل في وجود الكبار، وما الآداب التي ينبغي أن يراعيها، فكانت يده تطيش في الصَّحفة، ويأكل من نواحيها، فجاد النبي صلى الله عليه وسلم عليه بالتعليم، ولم يمنعه صغر سنه من أن يوجهه؛ فقال له: « يا غُلام! سمِّ الله، وكُل بيمينك، وكُل مما يليك ».
فانتفع عمر بتلك النصيحة باقي عمره كله؛ حتى أنه ذكر ذلك لما بلغ وقال: فما زالت تلك طِعْمتي بعد(228) .
ولم يكن اهتمامه صلى الله عليه وسلم بتعليم الصغار وتوجيههم خاصًّا بأهل بيته، أو من هم في حِجْرِه، بل كان كل من يقابله أو يعرض له، وتسنح الفرصة بالتربية والتوجيه؛ لا يتأخر عنه بشيء.
هذا غلامٌ من غلمان الأنصار، شأنه شأن الصغار، لا يكترث بأفعاله وتصرفاته، ويفعل ما يحلو له ويخطر بباله، يتحرك في بساتين المدينة، فإذا ما أحسَّ بجوع؛ التقط الحجر، ورمى النخل، فأسقط ما أسقط من التمر، وأكل!
ضاق به أصحاب البساتين، فأخذوه وانطلقوا به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فكيف واجه تلك المشكلة؟
لم يقل للشاكين والمتضررين: إنه غلامٌ صغير، لا يفقه، دعوه حتى يكبر! لا، لم يفعل.
ولم يعنِّف الغلام على سوء فعله، وجنايته على حق غيره، بلا مراعاة لسنِّه، لا، لم يفعل.
وإنَّما نَظَر إلى الغلام الصغير، وسأله في رفق أمام من أحضروه: « يا رافع! لم ترمي نَخْلَهم؟ » فأجاب الغلام ببراءة وعفوية الصغار: الجوع يا رسول الله، أريد أن آكل. فنصحه بما يسدُّ حاجته، ولا يؤذي غيره؛ فقال له: « فلا ترمِ النخل، وكُلْ ما يسقط في أسافلها ».
هكذا أدَّبه بعدم التعدِّي على حقِّ غيره، وسمح له بما تحتاج إليه نفسه، ولم يكتفِ بذلك؛ بل أَشْعَره مع النصح، بالشفقة والحب؛ فمسح رأسه، ودعا له: « اللهم أشبع بطنه(229) » .
نعم، لم تكن لتمنعه عاطفة المحبة والشفقة على الصغار، من نصحهم، وتوجيههم، بل ووَسْمهم ببعض ما يُشعرهم بخطئهم، حتى لا يصير ذلك النقص خُلُقًا لهم بعد بلوغهم، وهذا عكس ما يقع فيه بعض المربِّين؛ من إيثار ما يهواه صغارهم، ولو على سبيل أخلاقهم!
ها هو صلى الله عليه وسلم يُهدَى إليه ذات يومٍ عنبٌ من الطائف، وصادف هذا أن كان عنده صغير من صغار الصحابة، وهو: النعمان بن بشير رضي الله عنه، فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم قِطْفًا له، وأرسل معه بآخر لأمه عَمْرة، وذاق الصبي العنب فأعجبه، فأكل نصيبه وأنهاه قبل أن يصل إلى أمِّه، فحدَّثته نفسه أن يأكل الآخر، واستحضر شفقة أُمِّه، ولم يستحضر وصية نبيِّه!
بعد أيام، لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم عَمْرة أمَّ النعمان ، فسألها عما أرسل إليها مع ابنها، ففاجأته بأنها لم يصلها شيء!
فسأله النبيُّ صلى الله عليه وسلم ليستوثق منه، ولعلَّ له عذرًا فيخبر به؛ فقال له: « هل بلَّغتَ »؟
فأجابه الصغير على استحياء وقد ذهبت عنه شفقة أمه، ولم
يجد إلا غدره بعهد نبيِّه فيما عهد به إليه: لا!
كذا جاء جوابه مختصرًا، لا يحمل سببًا ولا عذرًا؛ ففهم النبي صلى الله عليه وسلم ما صنع الصبي، فأراد أن يلقنه درسًا ينفعه سائر حياته بعد ذلك؛ فأخذ بأذنه، وقال له: « يا غُدَر(230) ، يا غُدَر(231) » !
لقد أشفق صلى الله عليه وسلم على الصغير أن يكون أمينًا، أعظم من إشفاقه عليه أن يحرم من عنقود اشتهاه، فانتفع بذلك طوال حياته، وحدَّث به.
هذا القبس النبوي في تربية الصغار؛ أشعل منه الصحب والآل فتيل تعاملهم، فأوقد لهم في طريق التربية الأخلاقية مشاعل وسُرجًا، بها اهتدوا، وعلى أضوائها ساروا؛ فأخرجوا جيلًا حسن الأخلاق، حُقَّ له أن يخلف جيلهم، ليتلوه في الأفضلية، كما تلاه في الزمن والتبعية. وفيما يلي صور ونماذج من تعاملهم في هذا الباب مع صغارهم.
التربية الأخلاقية في تراث الآل والأصحاب
يُعرِّفها بعضُ المعنيين بشؤون التربية بأنها: «تنشئة الصغير على المبادئ الأخلاقية المستمدة من القرآن والسنة، حتى يُصبح مفتاحًا للخير، مغلاقًا للشر، في كل الظروف والأحوال، وذلك في إطار تكوين الشخصية الإسلامية المتكاملة والمتوازنة»(232) .
وهي في الوقت نفسه: «توجيه مستمر لأعمال الإنسان على سنن الاستقامة، حتى تتكون العادات الصالحة، والأخلاق الحميدة الراسخة»(233) .
والاهتمام بها إذا كان من الصِّغر؛ فهو أجدى وأنفع، فالتعديل والتقويم — فضلًا عن الغرس — لا يتأتى مع الكبير كما يتأتَّى مع الصغير، وقد تتابع على هذا العلماء، على اختلاف عصورهم:
فهذا أبو حامد الغزالي يقول: «إن الصبي إذا أُهمل في ابتداء نشوه؛ خرج في الأغلب رديء الأخلاق، كذَّابًا، حسودًا، سروقًا، نمَّامًا، لحوحًا، ذا فضول وضحك، وكياد ومجانة، وإنما يحفظ عن جميع ذلك بحسن
التأديب»(234)
وبعده ابن القيِّم بقرنين من الزمان يؤكِّد على نفس المعنى بقوله:
«ومما يحتاج إليه الطفل غاية الاحتياج: الاعتناء بأمر خلقه ، فإنه ينشأ على ما عوَّده المربي في صغره، من حَردٍ، وغضبٍ، ولجاجٍ، وعجلةٍ، وخفَّة مع هواه، وطيشٍ، وحدَّةٍ، وجشعٍ، فيصعب عليه في كبره تلافي ذلك، وتصير هذه الأخلاق صفات وهيئات راسخةً له، فلو تحرَّز منها غاية التحرُّز؛ فضحته ولا بدَّ يومًا ما، ولهذا تجد أكثر الناس منحرفة أخلاقهم، وذلك من قبل التربية التي نشأ عليها»(235) .
ومن المعاصرين: الشيخ محمد الخضر حسين ؛ يُعيد الصياغة، ويسهِّل العبارة؛ فيقول: «إنَّ الصبي يولد على الفطرة الخالصة، والطبع البسيط، فإذا قُوبلت نفسه الساذجة بخلق من الأخلاق؛ انتقشت صورته في لوحها، ثم لم تزل تلك الصورة تمتد شيئًا فشيئًا إلى أن تأخذ بجميع أطراف النفس، وتصير كيفية راسخة فيها، حائلةً لها عن الانفعال بضدها.
يؤيِّد هذا أنَّا إذا رأينا من الغرباء من هو لطيف الخطاب، جميل اللقاء، مهذب الألمعية، لا نرتاب في دعوى أنه ممن أنبته الله في البيوت الفاضلة نباتًا حسنًا»(236) .
وقد راعى الصحب والآل في هذا النوع من التربية بعض الأسس
الأخلاقية المتَّفق عليها، والتي يمكن تلخيص أهمِّها، وذكر بعض الصور المأثورة عنهم فيها؛ فيما يلي:
أولًا: خُلُق التأدُّب مع الكبار
توقير الكبير، لا سيَّما إن كان من أهل الفضل، أو العلم، من الأسس الأخلاقية الراقية، التي لا يختلف عليها العقلاء والمربون، ولهذا راعاها الصحب والآل مع صغارهم، خاصَّةً إذا ما جمعهم مجلسٌ واحدٌ، ولم يكن لقاءً عابرًا.
ولعلَّ أولى من يُقدَّم في الاحترام من الكبار: الوالدين .
ومع النصوص المتكاثرة في الحثِّ على البر، والترهيب من العقوق؛ إلا أننا نستل موقفًا واحدًا من تأديب الصحب للصغار في التعامل مع آبائهم، وقع على يد أبي هريرة رضي الله عنه.
يقول أبو غسان الضبي : «خرجت أمشي مع أبي بظهر الحرة، فلقيني أبو هريرة، فقال لي: من هذا؟ قلت: أبي، فقال: لا تمش بين يدي أبيك، ولكن امش خلفه، أو إلى جنبه، ولا تَدَعْ أحدًا يحول بينك وبينه، ولا تمش فوق إجار أبوك تحته، ولا تأكل عرقًا قد نظر أبوك إليه، لعله قد اشتهاه»(237) .
ويزداد الاحترام وجوبًا، والتوقير تأكيدًا إذا جُمع مع الأبوَّة: العلمُ والفضلُ.
هذا عبد الله بن عمر رضي الله عنه، يشهد مع صغر سنه مجلسًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فيسمعه يُلقي على الحاضرين سؤالًا، وبدأ بعض الصحابة في الإجابة، وأحجم آخرون، ووقع في نفس ابن عمر جوابٌ حسنٌ للسؤال، بل قد علم لاحقًا — لما حسم النبي صلى الله عليه وسلم نزاعهم بجوابه — أنه الجواب الصحيح، لكنَّ ابن عمر احتفظ بالجواب لنفسه، ولم يتفوَّه به؛ فلماذا؟!
لما أخبر والده بعد انفضاض المجلس؛ سأله عمر: ما منعك أن تكلم؟ فقال: لم أرك ولا أبا بكر تكلمتما، ولم أركم تكلمون، فكرهت أن أتكلم أو أقول شيئًا ، قال عمر: لأن تكون قلتها؛ أحب إلي من كذا وكذا(238) .
لقد تعلَّم ابن عمر، ولسنا في حاجة إلى أن نسمي من علَّمه، أنَّ للكبار مكانتهم، فإذا سكتوا؛ كان من هو دونهم أولى بالسكوت، لكنَّ أباه عمر يعدَّل شيئًا من ذلك الأدب، ويُضيف إليه ما يُعزز ثقة
الصغير بنفسه، مُبيِّنًا له أن ذلك لا يتنافى مع احترام الكبير؛ وهو: جواز الإجابة والرد باحترامٍ وأدب.
قال ابنُ القيِّم مُعلِّقًا على هذا الموقف: «وفيه ما كان عليه الصحابة من الحياء، من أكابرهم، وإجلالهم، وإمساكهم عن الكلام بين أيديهم.
وفيه: أنه لا يُكرَه للولد أن يجيب بما يعرف بحضرة أبيه، وإن لم يعرفه الأب، وليس في ذلك إساءة أدب عليه»(239) .
وقال الحافظ ابن حجر : «وفيه توقير الكبير، وتقديم الصغير أباه في القول، وأنه لا يبادره بما فهمه؛ وإن ظنَّ أنه الصواب».
وقال: «وفيه استحباب الحياء ما لم يؤدِّ إلى تفويت مصلحة، ولهذا تمنى عمر أن يكون ابنه لم يسكت»(240) .
وللعلماء بشكلٍ خاصٍّ توقيرٌ واحترامٌ عند الصحب والآل، إذ لهم نوع من الأبوَّة الدينية، وهذه الأبوة محل تقدير وثناء عند السلف، كما قال النووي عنهم: «إنهم كالوالدين لنا، وأجدى علينا في مصالح آخرتنا التي هي دار قرارنا، وأنصح لنا فيما هو أعود علينا»(241) .
ومن نماذج هذه التربية على توقير أهل العلم والتأدُّب معهم: ما ذكره الليث بن سعد
عن مجلس سعيد بن المسيب، وعادة الصغار فيه.
يقول الليث: «كان سعيد بن المسيب يركع ركعتين، ثم يجلس ، فيجتمع إليه أبناء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار ، فلا يجترئ أحد منهم أن يسأله شيئًا؛ إلا أن يبتدئهم بحديث، أو يجيئه سائل فيسأل فيسمعون»(242) .
وفي نفس الباب أيضًا: وصيَّة الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه لابنه: «يا بني! إذا جالست العلماء فكن على أن تسمع أحرص منك على أن تقول، وتعلّم حسن الاستماع كما تتعلم حسن الصمت، ولا تقطع على أحد حديثًا، وإن طال حتى يمسك»(243) .
ثانيًا: خُلُق الصدق، والبعد عن الكذب
هذا أصلٌ هامٌّ من أصول الأخلاق الإسلامية، والتي تحتاج إلى جهد لتركيزها وتثبيتها، ومن أهم وسائله المستخدمة: أن يتحلَّى الوالدان والمربُّون به في تعاملهم مع صغارهم، فتفعل فيهم القدوة والمثال، ما لا تفعله الأوامر والنواهي والأقوال.
أحد أوعية العلم من الصحابة، وهو: عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، ينصح من حوله من الآباء والمربين ذات يومٍ، منبِّهًا إياهم على ذلك الخُلُق، محذِّرًا من التلاعب بمشاعر الصغار، بدعوى أنهم لا يفهمون، ولو بإخلاف وعد؛ فيقول لهم:
«إياكم والروايا، روايا الكذب، فإنَّ الكذب لا يصلح بالجد والهزل، ولا يَعِد أحدكم صبيَّه ثم لا ينجز له»(244) .
وهذا ما كان الصَّحْب الكرام يطبقونه في تعامله مع صغارهم، ألا يعدوهم إلا بما يستطيعون الوفاء به.
ها هي امرأة يزورها النبي صلى الله عليه وسلم في بيتها ذات يوم، فتتلمس البركة والدعاء لصغيرها الذي خرج يلعب كعادة أقرانه، فتناديه، وحضًّا له على الإسراع تعده أنه إذا أتى أعطته عطيَّة، إنه عبد الله بن عامر رضي الله عنه، قالت له أمُّه: «يا عبد الله! ها، تعال أعطِكْ».
فسمع النبي صلى الله عليه وسلم عبارتها فقال لها: « وما أردتِ أن تعطيه ؟»
قالت: «أعطيه تمرًا».
فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: « أما إنك لو لم تعطه شيئًا؛ كُتبتْ عليك كذبة(245) » .
فتأمَّل وعد المرأة بما تستطيع أن تفي به، ومراقبة الصغير للموقف كله، وانتفاعه به بعد بلوغه وكبره، فيطبقه، ويحدِّث به مَنْ بعده.
يقول السندي : «قوله: « لو لم تفعلي »، أي: لو لم تعطي شيئًا، فيدل الحديث على أن من لم يف بالوعد فهو كاذب، وعلى أنَّ الوعد بالصغير كالوعد بالكبير»(246) .
لكن ثمَّ أسلوبٌ آخر من ترسيخ هذا الخلق، خلق الصدق وذم الكذب، كانوا يستخدمونه مع صغارهم؛ وهو: الحثُّ عليه، والترهيب من ضده، وأنه ضارٌّ بصاحبه، دينًا ودنيا.
هذا أحد آل البيت الكرام، وهو عمُّ النبي صلى الله عليه وسلم، إنه العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه، كان يرى
احتفاء أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بابنه عبد الله بن عباس رضي الله عنهم، فأراد له أن تدوم هذه المنزلة عنده، فنصحه وقدَّم بين يدي النصيحة بسببها، وعاقبتها؛ فقال له يومًا: «يا بني! إني أرى أمير المؤمنين يقربك، ويخلو بك، ويستشيرك مع ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاحفظ عني ثلاثًا ثم أوصاه بثلاث؛ كان منها: ولا يجرِّبن عليك كذبة
حدَّث ابن عباس لاحقًا أصحابه من التابعين بهذه الوصية، فاستملحها عامر الشعبي؛ فقال لابن عباس: يا أبا عباس! كل واحدة خير من ألف.
قال ابن عباس: « نعم، ومن عشرة آلاف(247) » .
ثالثًا: خُلُق حفظ الأسرار
عادة ما ينشأ الصغير الذي تعوَّد على كتم الأسرار قويَّ الإرادة، رابط الجأش، ضابط اللسان، وبهذا تنشأ الثقة الاجتماعية بين أفراد المجتمع، بحفظ أسرار بعضهم البعض(248) .
ولأهمية هذا الخُلُق: فقد اعتنى الصحب والآل بتربية صغارهم
عليه، وحثهم على التمسك به، حتى لو كان ذلك بكتم السر عنهم هم أنفسهم.
لأنه كان خادمه، ويقضي له كثيرًا من حوائجه، ويرسله في طلبات له ولآل بيته، اطَّلع أنس بن مالك رضي الله عنه الصبي الصغير على بعض أسراره صلى الله عليه وسلم، لكن إلى أي مدى يكتم أنس هذه الأسرار؟ وحتى متى لا يُحدِّث بها؟ لِنَدع الجواب لأنس نفسه:
يقول: خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا، حتى إذا رأيت أني قد فرغت من خدمته، قلت: يقيل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرجت متوجها إلى أهلي، فمررت بغلمان يلعبون، فأعجبني لعبهم، فقمت على الغلمان، فانتهى إليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا قائم على الغلمان، فسلَّم على الغلمان، ثم أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم في حاجة له. وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، في فيء حتى أتيته، فرجعت إلى أهلي بعد الساعة التي كنت أرجع إليهم فيها، فقالت لي أمي: ما حبسك اليوم يا بني؟
فقلت: « أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم في حاجة له ».
فقالت: أي حاجة يا بني؟
فقلت: « يا أمَّاه! إنها سِرٌّ ».
فقالت: يا بني! احفظ على رسول الله صلى الله عليه وسلم سِرَّه.
أنْعِم بأمِّ سليم من أُمٍّ تربي صغيرها على حفظ السر، حتى عن نفسها، فعلمنا بهذا
إلى أي مدى حفظ الصبي السر، لكن حتى متى؟ أيفشيه بعد وفاة صاحب السر؟ أم بعد وفاة أمه؟
لقد سمع ثابت البُناني تلميذ أنس بن مالك هذا الحديث منه، فانتابه الفضول لمعرفة هذا الذي كتمه عن أمه؛ فقال له: يا أبا حمزة، أتحفظ تلك الحاجة اليوم أو تذكرها؟
قال أنس: «إي والله، وإني لأذكرها، ولو كنت محدِّثًا بها أحدًا من الناس لحدثتك بها يا ثابت»(249) ! فانقطع الأمل عن ثابت أن يعرف هذا السرَّ، الذي دُفن مع أنس يوم مات!
يقول الحافظ ابن حجر : «قال بعض العلماء: كأن هذا السر كان يختص بنساء النبي صلى الله عليه وسلم، وإلا فلو كان من العلم ما وسع أنسا كتمانه»(250) .
لم يربِّ الصحب والآل صغارهم على حفظ سر رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده، وإنما كان ذلك على حفظ السرِّ عمومًا، مع كل من يختصهم به، ويعلمونهم بأثر هذا في الدنيا قبل الآخرة.
في وصية العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه لابنه عبد الله التي سقنا طرفًا منها منذ قليل، بعد أن ذكَّره بنعمة الله عليه، أن فتح له قلب أمير المؤمنين عمر، فصار الأخير يدنيه ويقربه، وينزله منزلة ليست
لغيره؛ قال له: فاحفظ عني ثلاثًا ثم أوصاه بثلاث؛ كان أولها: اتق الله، ولا تفشينَّ له سرًّ ا»(251)
رابعًا: خُلُق الرحمة، ومراعاة مشاعر الآخرين
ليس كل الصغار رأوا آباءهم أحياء! ليس كل الصغار يجدون الكساء والعشاء!
هذه المعاني لا يدركها الصغار الذين لم يُحرموها بأنفسهم؛ إلا أن يعلمهم إياها آباؤهم، فيراعون مشاعر هؤلاء المحرومين، بالامتناع عن إظهار ما لديهم تارة، وبالإحسان والجود مرة أخرى.
يقول عمرو بن قيس الملائي (ت: 146ه) حاكيًا عن هذا النوع من التربية عند الصحابة والسَّلف: «كانوا يكرهون أن يعطي الرجل صبيه شيئًا، فيخرج به، فيراه المسكين فيبكي على أهله، ويراه اليتيم فيبكي على أهله»(252) .
بل إن بعضهم كان يذهب لأبعد من ذلك، فيمنع صغاره من أن يختطفوا شيئًا نُثر لهم جميعًا، حتى لا يجد بعضهم في نفسه على بعض، ويشتري لهم ما أرادوا، طالما يملك الاستطاعة على ذلك، ومن هؤلاء: أبو مسعود عقبة بن عمرو البدري رضي
الله عنه
يقول مولاه وخادمه خالد بن سعد: «كان أبو مسعود إذا نُثِرَ — أي: السكر، وما يُشابهه من الحلوى — على الصبيان(253) منع صبيانه، واشترى لهم»(254) .
وهذه الرحمة والعاطفة لا يتوقَّف حدُّها على البشر فقط، بل تمتد لتشمل الطيور والحيوانات أيضًا، فلا تُروَّع، ولا تؤذى بغير وجه حق، خاصَّة إذا كانت في الحرم.
يخرج جعفر الصادق في صغره إلى بعض طرقات المدينة، فيمسك عصفورًا، ويلعب به كعادة الأطفال، وفي محاولة منه للهو: جعل ينتف صدغي العصفور!
رآه زين العابدين علي بن الحسين وهو على تلك الحالة، فأحب أن يُلقنه الدرس عمليًّا حتى لا ينساه، فأخذ بصدغي جعفر فنتفه، ثم قال: « يوجعك ؟» قال جعفر: نعم.
قال عليٌّ: « فإن هذا يوجعه كما يوجعك، خلِّ سبيله، هذا حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم»(255) .
ورآه مرةً أخرى وهو يصيد يَعْسُوبًا(256) ؛ فقال له: « خلِّ سبيله، هذا ينفع ولا يضر، يأكل الذِّبَّان(257) والبَقّ(258)(259) » .
خامسًا: خُلُق الأمانة، وعدم التعدي على حقوق الناس
لما علَّم النبي صلى الله عليه وسلم رافعًا الغلام الصغير أن له من النخل ما سقط منه، وليس ما أسقط هو بيده؛ علَّم ذلك الصحابةُ صغارَهم، فنما هذا الخُلُق فيهم، بل وكان الكبار يكافؤونهم عليه.
في زمن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه يخرج بعض الغلمان ليتلقطوا هذا البلح الذي يُقال له: الخلال، فخرج عليهم عمر، فلما رآهم ظن أنهم يُسقطونه من النخل، فشدَّ عليهم، وفرَّ الغلمان، وبقي واحدٌ منهم لم يفرَّ، ووقف ليواجه عمر، ويدافع عن نفسه!
إنه : سنان بن سلمة.
قال له: «يا أمير المؤمنين! إنما هو مما ألقت الريح».
فقال عمر: فأرني أنظر، فإنه لا يخفى
عليَّ
فلمَّا رآه عمر؛ قال له: « صدقتَ، انطلق » .
هنا طلب سنانٌ من عمر طلبًا عجيبًا، ندر أن يطلبه من هو مثله، ممن هو مثل عمر؛ قال له: « ترى هؤلاء الصبيان؟ ولَّوْا، ولو انطلقتَ وتواريتَ أخذوا ما معي »!
لم يطلب سنانٌ ما يريد صراحةً، لكنه عرَّض بطلب التأمين من عمر له من هؤلاء الغلمان، فكافأه عمر على أمانته، وشجاعته وصدقه، فانطلق معه حتى بلَّغه أُمَّه ومأمنه(260) !
وهذا أحد أفاضل آل البيت، وأئمتهم وعلمائهم، ينصح ابنه ذات يومٍ بعدم التعرُّض لحقوق الغير، وأن يصبر على ما يصيبه من نوائب؛ إنه: زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، يقول لابنه: «يا بني اصبر على النوائب، ولا تتعرض للحقوق ، ولا تُجب أخاك إلى الأمر الذي مضرته عليك أكثر من منفعته له»(261) .
سادسًا: الخصال والأخلاق الحسنة بصفة عامة
لم يَدَعْ الصحبُ والآلُ خصلة من خصال الخير، وخُلُقًا مما يُمدح
به صاحب، يستطيعون الوصاية به؛ إلا فعلوا، وما قدَّمناه كان عيِّنة ومثالًا على ذلك، لكن ثمَّ صفات وأخلاقٌ أخرى نصحوا بها؛ فيما يلي سردها، مع الإشارة إلى شيء من مواقفهم حولها:
1 — النهي عن الغيبة
في الوصية الثلاثية الذهبية من العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه لابنه عبد الله، حتى يدوم الودُّ الذي عند عمر بن الخطاب له؛ قال العباس له: « ولا تغتابنَّ عنده أحدًا(262) » .
2 — الحثُّ على الاستزادة من العلم قبل التصدُّر
كان أئمة آل البيت يدركون أن الناس سيصدرونهم رغمًا عنهم، لذا كان الكبير ينصح الصغير منهم بالتعلم، والجد فيه قبل أن يلجأ إليه الناس، فيسودوه، ويصدروا عن رأيه، وممن أُثر عنه هذه الوصية: الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
دعا الحسن رضي الله عنه بنيه، وبني أخيه، فقال: «يا بني، وبني أخي، إنكم اليوم صغار قوم، يوشك أن تكونوا غدًا كبار آخرين، فتعلَّموا العلم فمن لم يستطع منكم أن يحفظه فليكتبه، وليضعه في
بيته»(263)
وقد انتبه الصغار تلك الوصية وانتفعوا بها، وهذا أحدهم يشهد له أقرانه بالهمة والجد، إنه: عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب ، يقول عنه الليث بن أبي سليم: «إن كنت لأغدو إلى عطاء؛ فأجد عبد الله بن الحسن قد سبقني إليه»(264) !
3 — النهي عن الكسل والضجر
بعض الصفات تكون لها تبعات سيئة، فالنهي عنها لأجل سدِّ باب الشر الذي يأتي من ورائها، ومن هذا الباب: النهي عن الكسل والضجر.
وهذا أحد أئمة آل البيت ينهى ابنه عن هاتين الخصلتين مبيِّنًا له أثرهما السيء؛ إنه أبو جعفر الباقر محمد بن علي بن الحسين ، يقول لابنه يومًا:
«يا بني! إيَّاك والكسل والضجر ، فإنهما مفتاح كل شر، إنك إن كسلت لم تؤد حقَّا، وإن ضجرت لم تصبر على حق»(265) .
4 — وصايا جامعة نافعة
قد يجمع الوالد لابنه — أحيانًا — عِدَّة وصايا في مجلس واحد، وذلك يختلف باختلاف الصغار، وباختلاف الوصايا التي تحتاج إلى جمع وإلى تفريق. ومن هذه الوصايا الجامعة؛ ما عهد به جعفر بن محمد الصادق إلى ابنه موسى الكاظم .
يقول بعض أصحاب جعفر الصادق: دخلت على جعفر وموسى بين يديه، وهو يوصيه بهذه الوصية، فكان مما حفظت منها أن قال: «يا بني! اقبل وصيتي، واحفظ مقالتي، فإنك إن حفظتها تعش سعيدًا وتمت حميدًا.
يا بني! من رضي بما قسم له استغنى، ومن مدَّ عينه إلى ما في يد غيره مات فقيرًا، ومن لم يرض بما قسمه الله له اتهم الله في قضائه.
ومن استصغر زلة نفسه استعظم زلة غيره، ومن استصغر زلة غيره استعظم زلة نفسه.
يا بني! من كشف حجاب غيره انكشفت عورات بيته، ومن سلَّ سيف البغي قُتل به، ومن احتفر لأخيه بئرا سقط فيها، ومن داخل السفهاء حقر، ومن خالط العلماء وقر، ومن دخل مداخل السوء اتُّهم.
يا بني! إياك أن تزري بالرجال فيزرى بك، وإياك والدخول فيما لا يعنيك فتذل لذلك.
يا بني! قل الحق لك أو عليك تستشان بين أقرانك.
يا بني! كن لكتاب الله تاليًا، وللسلام فاشيًا، وبالمعروف آمرًا، وعن المنكر ناهيًا، ولمن قطعك واصلًا، ولمن سكت عنك مبتدئًا، ولمن سألك معطيًا، وإياك والنميمة؛ فإنها تزرع الشحناء في قلوب الرجال، وإياك والتعرض لعيوب الناس فمنزلة التعرض لعيوب الناس بمنزلة الهدف.
يا بني! إذا طلبت الجود فعليك بمعادنه؛ فإن للجود معادن، وللمعادن أصولًا، وللأصول فروعًا، وللفروع ثمرًا، ولا يطيب ثمر إلا بأصول، ولا أصل ثابت إلا بمعدن طيب.
يا بني إن زرت فزر الأخيار، ولا تزر الفجار، فإنهم صخرة لا يتفجر ماؤها، وشجرة لا يخضر ورقها، وأرض لا يظهر عشبها».
قال علي بن موسى : فما ترك هذه الوصية إلى أن توفي(266) !
الفصل الرابع: التَّرْبِيَةُ الِاجْتِمَاعِيَّة
قَبَسٌ نَبَويّ
لم يكن النبيُّ صلى الله عليه وسلم مغلقًا مجلسه، أو قاصرًا تفاعله ومشاعره على الكبار فقط، بل كان للصغار والأطفال من ذلك نصيبٌ وافر، وحظٌّ حاضر، سواء ظهر ذلك بقوله، أو بفعله، أو بإقراره لفعل أصحابه وآله من حوله.
يُعلِّم أصحابه أن الرفق بالصغير، والشفقة عليه خصلة للمسلم لا تنفكُّ عنه؛ فيقول: « ليس منَّا من لم يرحم صغيرنا(267) » .
وكان يُؤتَى بالصغار إلى مجلسه، متفاوتة أعمارهم، مختلفةً اهتماماتهم وتصرفاتهم، فيتحمَّل صلى الله عليه وسلم ما يصدر منهم، ولا تصدُّه هذه التصرفات عن استقبالهم، أو الإفساح لهم في مجالسه، لتخرج تربيتهم وتنشئتهم في محيط اجتماعي مخالطٍ لهم، غير منعزل عنهم.
يُؤتَى عليه الصلاة والسلام بصبيٍّ صغير لم يأكل الطعام، فيجلسه في حجره، والصبي لا يدري شرف من يحمله، ولا قدر من يتعامل معه؛ فبحركة لا شعورية، وطبيعة لا إرادية، يبول الصبي في حجره الشريف صلى الله عليه وسلم، فيا لحَرَج أمِّه!
إلا أنه صلى الله عليه
وسلم لا يبدي ضَجَرًا، ولا يُظهِر تأفُّفًا؛ فضلًا عن أن يعاتب أو يلوم، بل في تواضعٍ ولينٍ يدعو بماء، فينضح مكان بول الصبي، ولا يغسله(268)
وفي مجلس آخر من مجالسه صلى الله عليه وسلم مع أصحابه، يُؤتَى بثيابٍ فيها خميصة سوداء صغيرة، فيقول: « من ترون أن نكسو هذه ؟» فسكت القوم، وترقبوا من سيدعو؟ هل سيدعو أحد أقاربه، وينحله هذه الخميصة لابنته؟ أو يلبسها هو لإحدى بناته؟
لا، لم يفعل، وإنما فاجأهم بقوله:
« ائتوني بأمِّ خالد ».
وقد كان بإمكانه صلى الله عليه وسلم أن يعطيها والدَها خالد بن سعيد رضي الله عنه ليكسوَها إيَّاها، لكنه طلب إحضارها في مجلسه، فأُتي بها تُحمَل، وانتظر الجميع أن تنال الصغيرة شرف تسليم النبي صلى الله عليه وسلم لها الخميصة بيده، وأن تنال ابتسامة ونظرة ودعوة منه، لكنَّ كرمَه النبوي كان فوق ما ينتظرون، وعطاءَه فوق ما يطمحون!
لقد فاجأهم أخرى فأخذ الخميصة بيده، فألبسها لأم خالد، وقال: أَبْلِي وأَخْلِقِي، ثم أَبْلِي وأَخْلِقِي ثم أَبْلِي وأَخْلِقِي وكان فيها علم أخضر أو أصفر، فقال: يا أمَّ خالد، هذا سناه هذا سناه
وسناه بالحبشية: حسن
أحضرها، وبيده الشريفة ألبسها، وبكلامه ودعائه جمَّلها ورفع ذكرها، فطمحت الصغيرة — وحُقَّ لها — فيما هو أكثر، فقامت تدور حوله، ورأت خاتم النبوة، فأطلقت ليدها العنان، لتتحسَّس هذا الذي لم تعهده على أحد، ولتلعب به كعادة الصغار.
أصاب الخجلُ خالدًا والدها، فذهب ينهرها ويزجرها، محاولًا أن يحفظ جانب نبيه الشريف عن عبث الصغيرة، وإن كانت ابنته، لكن مفاجآته لهم جميعًا هذا اليوم لم تنقضِ بعد؛ إذ ختمها بقوله لوالدها: « دعها(269) » !
لنا أن نتساءل: إلى أي مدى سيكون هذا الموقف مؤثِّرًا في نفس الصغيرة، فيجعلها تشب متكيِّفة مع هذه البيئة التي احتضنتها؟ بل كيف تأثيره في نفوس الحاضرين من أصحابه، الذين كانوا منذ سنوات قليلة يئدون بناتهم، وبعضهم لا يعبأ بالصغير أصلًا؟!
ومن هذا الحديث والذي قبله: أخذ العلماء فائدة في التعامل مع الصغار، لتُعمَّم بعد ذلك؛ فقال الحافظ ابن حجر :
«ويستفاد منه: الرفق بالأطفال، والصبر على ما يحدث منهم، وعدم مؤاخذتهم لعدم تكليفهم»(270) .
كذلك كان صلى الله عليه وسلم إذا زار أحد أصحابه، ورأى طفله: خاطبه، وداعبه، وشاركه مشاعره، ولم يكن يهمله أو يتجاهله.
يقول أنس بن مالك، خادمه الصغير الذي خدمه عشر سنين، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خُلُقًا، وإن كان ليخالطنا(271) ، وكان لي أخ يقال له: أبو عمير، قال: أحسبه كان فطيمًا، قال: فكان إذا جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فرآه، قال: « يا أبا عُمَيْر! ما فعل النُّغَيْر(272) ؟ » قال: فكان يلعب به(273) .
وكان يرى أحفاده وآل بيته مع الصبيان يلعبون، فلا يُحجِّر عليهم، بل يمازحهم أمامهم، ليكون هذا ماثلًا في ذهن الآباء، فيحرصون على أن يُنشَّأَ صغارهم في جو جماعيٍّ بين الأطفال والصغار ممن هم في مثل عمرهم، غير منزوين أو منعزلين عنهم.
يخرج صلى الله عليه وسلم مع أصحابه إلى طعام دُعُوا له، فإذا حسين يلعب مع الغلمان في الطريق، فاستمثل(274) أمام القوم، ثم بسط يده وطفق الصبي يفر هاهنا مرة وهاهنا، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يضاحكه، حتى أخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل إحدى يديه تحت ذقنه، والأخرى تحت قفاه، ثم أقنع رأسه(275) رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضع فاه على فيه فقبله فقال: حسين مني وأنا من
مرادنا هنا بالتربية الاجتماعية للصغير: أن يُنشَّأ تنشئة تُكيِّفه مع وسطه الاجتماعي، سواء مع الكبار، أو مع الأصدقاء ومن هم في سنه، وليكون فعَّالًا إيجابيًّا، بعيدًا عن الانطواء المزري، أو الخجل المقيت، يأخذ ويعطي، يبيع ويشتري، يخالط ويعاشر، وكل ذلك محاطٌ بغلاف من الأدب والاحترام.
ومن خلال التأمُّل والنظر في تعامل الصحب والآل مع صغارهم، نجد أنَّ هناك بعض الأساليب والوسائل التي استخدمها هؤلاء السَّلف في تربية صغارهم اجتماعيًّا؛ وهي:
أوَّلًا: اصطحابهم إلى مجالس الكبار
في أخذ الصغار واصطحابهم إلى مجالس الكبار تظهر نواقصهم، واحتياجاتهم التربوية، فيستطيع الوالد والمربي عند ذلك توجيه صغيره نحو الكمال، وتشجيعه على الجواب، خاصَّةً عندما يُطرحُ سؤال، فيتكلم بعد استئذان، وبأدب ووقار، فينمو عقله، وتتهذَّب نفسه، وينطلق لسانه، ويتعرَّف إلى أحاديث الكبار شيئًا فشيئًا، فيتهيأ لدخول المجتمع،
ويتدرج رويدًا رويدًا، بتدريب والده له. وما يُذكَر عن الصبي مع والده؛ يُذكَر عن البنت مع أمها(278)
هذا أحد الصحب الكرام، كانت له عادة في شهود مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي: أن يصحب ابنه الصغير معه، وكان هذا الابن يأتيه من خلف ظهره، فيقعده بين يديه، والنبي صلى الله عليه وسلم لا ينهاه عن إحضار صغيره، ولا ينهى الصغير عن لعبه.
ومرت الأيام، وهلك الصبي، فامتنع الرجل أن يحضر الحلقة لذكر ابنه، فحزن عليه!
فقده النبي صلى الله عليه وسلم فقال: « مالي لا أرى فلانا ؟» قالوا: يا رسول الله، بنيه الذي رأيته هلك، فلم يعلِّق النبي صلى الله عليه وسلم بشيء، وإنما انتظر حتى لقيه، فسأله عن بنيه، فأخبره أنه هلك، فعزَّاه عليه، ثم قال: « يا فلان! أيما كان أحب إليك: أن تمتع به عمرك؟ أو لا تأتي غدا إلى باب من أبواب الجنة إلا وجدته قد سبقك إليه يفتحه لك ؟» قال: يا نبي الله، بل يسبقني إلى باب الجنة فيفتحها لي لهو أحب إلي، قال: « فذاك لك(279) » .
ولم يكن هذا الصحابي الذي لم تذكر الرواية اسمه فريدًا بين إخوانه
في إحضار ولده معه لهذه المجالس النبوية الشريفة، بل كان هناك من هو أظهر اسمًا، وأرفع ذكرًا، يفعل فعله، لنعلم أنه أمرٌ لم يكن بعيدًا عن تربيتهم لصغارهم، هذا الرجل هو: عمر بن الخطاب رضي الله عنه
اصطحب ولده الصغير عبد الله معه ذات يوم إلى المجلس النبوي، وبينما هم عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أُتي بجُمَّار(280) ، فقال: « إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، مثلها كمثل المسلم، فحدثوني ماهي ؟» فوقع الناس في شجر البوادي، قال ابن عمر: فأردت أن أقول: هي النخلة، فإذا أنا أصغر القوم، فَسَكَتُّ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: « هي النخلة ».
في طريق العودة: تحدث عبد الله الصغير مع والده عمر؛ فقصَّ عليه ما وقع في نفسه، فقال: يا أبتاه، والله لقد كان وقع في نفسي أنها النخلة، فقال: ما منعك أن تكلم؟ قال: لم أرك ولا أبا بكر تكلمتما، ولم أركم تكلمون، فكرهت أن أتكلم أو أقول شيئًا، قال عمر: لأن تكون قلتها؛ أحب إلي من كذا وكذا(281) .
إن هذا المشهد ليعكس بوضوح أثر هذه المجالس على التربية
الاجتماعية للصغير، أبوه يُشهده مشاهد الخير والبركة مع الكبار، الصغير يتأدَّب في وجود الكبير فلا يتكلَّم، والوالد يشجِّع ولده على الجواب والكلام بأدب، طالما أنه يعرف الجواب الذي يظنه صحيحًا. فأنعم بها من تربية!
ويعظم الأثر والفائدة من حضور الصغير مثل هذه المجالس، إن كانت تلوح عليه مخايل النجابة، وآثار الفطنة، كما وقع مع عبد الله بن عباس رضي الله عنه.
يحكي عن نفسه فيقول: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يدخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجد في نفسه، فقال(282) : لم تدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟! فقال عمر: إنه من قد علمتم.
فدعاه ذات يوم فأدخله معهم، قال ابن عباس: فما رئيت أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم، قال عمر: «ما تقولون في قول الله تعالى: ﴿إِذَا جَآءَ نَصۡرُ ٱللَّهِ وَٱلۡفَتۡحُ﴾»؟ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا، وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئا، فقال لي: «أكذاك تقول يا ابن عباس»؟ فقلت: «لا»، قال: «فما تقول»؟ قلت: «هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه له»، قال: ﴿إِذَا جَآءَ نَصۡرُ ٱللَّهِ وَٱلۡفَتۡحُ﴾ «وذلك علامة أجلك»، ﴿فَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ وَٱسۡتَغۡفِرۡهُۚ إِنَّهُۥ كَانَ تَوَّابَۢا﴾، فقال عمر: «ما أعلم منها إلا ما تقول»(283) .
وثمَّ نفعٌ
آخر خاصٌّ بالفتيات، أشار إليه بعض الصحابة، من وراء هذه الاجتماعيات للصغار، وهو في قول عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه: «أبرزوا الجارية التي لم تبلغ؛ لعل بني عمها أن يرغبوا فيها»(284)
وبوَّب عبد الرزاق في «مصنَّفه» على هذا بقوله: « باب إبراز الجواري ، والنظر عند النكاح»(285) .
ومن هذا الباب أيضًا: أن أبا ظبيان حصين بن جندب أرسل ذات يوم امرأة إلى أمِّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها، واصطحبت المرأة معها جاريةً لها جُمَّة، فلما رأتها عائشة قالت:
« لو استترت هذه كان أخير ».
فقالت المرأة لها: إنها لم تحض، ولا بدا بعد الحيض(286) .
فنفت المرأة عن الجارية ما كانت تظنه فيها أمُّ المؤمنين من البلوغ، وإلا فعائشة لا تلزمها بشيء قبل ذلك، ويدل على هذا قولها: «إذا احتلمت الجارية وجب عليها ما وجب على أمها» يعني من التستر(287) .
وما ورد في هذا الباب يدل على أن إبراز الصغيرات دون البلوغ كان شيئًا مباحًا عندهم.
وبهذه الطريقة يعرف الناس أنَّ فلانًا لديه بنت للزواج، وهم يعرفونها في صغرها، فيرغب أحدهم في تزويجها لولده، أو أن الصبي نفسه وقعت تلك الفتاة في نفسه، فيجهز نفسه في الكبر لزواجه منها، وقد يكون هذا من أبواب تقليل مفاسد الرؤية الكاسرة لقلوب الفتيات.
ثانيًا: تعويدهم سنة السلام
السلام هو التحية الإسلامية بين المسلمين، والصغير يتعرض للقاء الناس على اختلاف مستوياتهم، فهو يحتاج ليتعرف على مفتاح الكلام والتواصل معهم. وهذا من التنشئة الاجتماعية السوية الصحيحة، لينتشر الود والمحبة بين الناس، كبيرهم وصغيرهم، فلا يكون الصغير انطوائيًا أو منعزلًا عنهم، يرى الكبيرَ يُسلِّم عليه، فيتعلَّم سنة السلام، فيشب عليها ويطبقها.
وقد بوَّب البخاري لهذا في «صحيحه» بقوله: « باب التسليم على الصبيان(288) » .
هذا أنس بن مالك رضي الله عنه الخادم الصغير لرسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يمشي
معه فرآه يقابل الصبيان في الطرقات فيُسلِّم عليهم.
رسخ الموقف في ذهن أنس، فشبَّ والمشهد في رأسه لا يشيب ولا يغيب، فبينما هو يمشي مع تلميذه ثابت البناني يومًا إذ لقي صبيانًا في طريقه، فاستحضر مشهد رسوله صلى الله عليه وسلم فجاءت استجابته فورية؛ فإذا به يلقي السلام على الصبيان!
ثم يلتفت إلى ثابت ويقول له: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله»(289) .
يقول ابن بطَّال : «فيه — أي: في هذا الفعل — تدريبٌ للصغار على تعليم السنن، ورياضة لهم على آداب الشريعة؛ ليبلغوا حد التكليف وهم متأدبون بأدب الإسلام»(290) .
ثالثًا: عيادتهم في المرض
مما يُساعد على بناء الروابط الاجتماعية للأطفال: عيادتهم إذا مرضوا، فعندما يرى الطفل، وهو لا يزال في مرحلة الفطرة والصفاء، أن الرجال الكبار يأتونه؛ فيزداد ترابطًا معهم، واحترامًا لهم، ويتعوَّد هذه العادة الحسنة، كما أنها تُخفِّف من آلامه وأسقامه، وإذا ما دُعِمت بالدعاء له، وتوصيته بوصايا الخير والصبر؛ فإنها تؤتي أكلها كاملة مثمرة بإذن الله(291) .
وقد بوَّب البخاري لهذا في «صحيحه» بقوله : « باب عيادة الصبيان(292) » .
هذه امرأة من آل بيته صلى الله عليه وسلم، بل هي من بنات صاحب البيت، إنها زينب عليها السلام(293) ، تمرض ابنتها(294) مرضًا شديدًا يشفي بها على الموت، فتتلمس لها الزيارة، طمعًا في دعوة صالحة، تُشفَى بها البنت، أو تُخفَّف عنها بها آلام وسكرات الموت، إن حضر الأجل، فلم تجد خيرًا من أبيها لترسل إليه.
تحرَّك النبي صلى الله عليه وسلم إليها، لكنه لم يذهب وحده، بل معه عددٌ من الصحابة: سعد بن عبادة، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت رضي الله عنه ، وغيرهم، فحضروا الزيارة(295) ، ونفع الله بدعاء نبيِّه الصبية، وكُتبت لها الحياة(296) !
فكيف أثَّر في نفسها بعد ذلك هذا المشهد من زيارة جدِّها وأصحابه لها؟
وهذا أبو موسى الأشعري رضي الله عنه يسمع بمرض ابن أخيه الحسن بن علي بن
أبي طالب؛ فيذهب لزيارته، وهو الأكبر سنًّا، فيدخل عليٌّ عليه فيجده عنده، فيسأله عن سبب هذه الزيارة، قائلًا له: «ما غدا بك أيها الشيخ؟»
فيجيبه أبو موسى: «سمعت بوجع ابن أخي، فأحببت أن أعوده»(297) .
رابعًا: اصطحابهم للحفلات المشروعة والأعراس
من خصائص مرحلة الطفولة أن يكثر بها الفرح والمرح واللعب، ومن المناسبات التي تكون مظنة لمثل هذا: الأفراح، والمناسبات السعيدة، والدعوة إليها إنما تُوجَّه في الأصل للكبار، فإذا ما صحب الكبار صغارهم إليها؛ فهذا سببٌ لإدخال السرور عليهم، فتبتهج نفوسهم، وتتحرك مشاعرهم، وتُصقَل اجتماعيتهم، وتُوطَّد العلاقات بينهم وبين أبناء سنهم، ومن هم أكبر منهم. وقد كان لهذا العامل نصيبٌ وافرٌ في تربية الصحابة صغارهم.
وقد بوَّب البخاريُ في «صحيحه» لهذا بقوله: « باب ذهاب النساء والصبيان إلى العرس(298) » .
هؤلاء نسوة من الصحابيات، دُعين إلى عرس، فاصطحبن صغارهن معهن، وفي طريق العودة الصغار فرحين مسرورين؛ فإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم يراهم فيقوم إليهم، وأنس بن مالك رضي الله عنه معه، يراقب تعليقه عليه الصلاة والسلام على هذا الفعل، فإذا به تعليق المقرِّ، الراضي بصنيعهن، بل إنه صلى الله عليه وسلم تفاعل مع فرحتهن، فصرح لهم جميعًا بمكنون قلبه؛ فقال لهم: « اللهم أنتم من أحب الناس إلي(299) » . فيا لفرحة الصبيان المتضاعفة بعد هذه الكلمة.
خامسًا: منحهم الحرية في اختيار أصدقائهم
من السنن الاجتماعية الثابتة بين الناس: الصحبة والصداقة، فمن طبيعة النفس البشرية أن تُخالط الناس، وتتعرف عليهم، وتتخذ من بينهم ثلة، تقترب منهم، وتعيش معهم حياة الأخوة والصحبة والمحبة.
فإذا كان الصبي لن يعيش وحده، ويحتاج إلى أخوَّة وصداقة؛ فمن الجيد والمفيد أن يساعده والداه في اختيار هؤلاء الأصدقاء، وأن يشيرا عليه، لا أن يعنفاه، ويبعدانه عن أبناء سنه؛ فمثل هذا ينشئه منعزلا منطويًا.
مر معنا فيما مضى مرور أنس بن مالك رضي الله عنه على الصبيان وتسليمه عليهم(300) وحكى أن
مثل هذا وقع من رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي يستوقفنا في هذا المشهد الآن: كيف أن الآباء يتركون صغارهم على حريتهم، ليلهوا ويلعبوا مع أقرانهم، دون تضييق عليهم!
وكيف أن أنسًا — وغيره من الصحابة — يمر على الصبيان على حالتهم؛ فلا يفزعهم، ولا يخرجهم عن حالتهم من اللهو واللعب!
وقد يتدخل الوالد في ذلك بشيء من التوجيه والنصح، حرصًا على ابنه، كما نصح زين العابدين الحسين بن علي ، ابنه أبا جعفر الباقر محمد بن علي ، الذي نقل نصيحته بعد ذلك؛ فقال:
قال لي أبي يومًا: « لا تصحبن خمسة، ولا تحادثهم، ولا ترافقهم في طريق ».
قلتُ: جعلت فداك يا أبه، من هؤلاء الخمسة؟
قال: « لا تصحبن فاسقا، فإنه بايعك بأكلة فما دونها »
قلتُ: يا أبه! وما دونها؟
قال: « يطمع فيها ثم لا ينالها ».
قلتُ: يا أبه! ومن الثاني؟
قال: « لا تصحبن البخيل؛ فإنه يقطع بك في ماله أحوج ما كنت إليه ».
قلتُ: يا أبه! ومن الثالث؟
قال: « لا تصحبن كذابا، فإنه بمنزلة السراب، يبعد منك القريب، ويقرب منك البعيد ».
قلتُ: يا أبه! ومن الرابع؟
قال: « لا تصحبن أحمق، فإنه يريد أن ينفعك فيضرك ».
قلتُ: يا أبه! ومن الخامس؟
قال: « لا تصحبن قاطع رحم؛ فإني وجدته ملعونا في كتاب الله تعالى في ثلاثة مواضع(301) » .
سادسًا: حرصهم على تكنيتهم من الصغر حتى لا يُساء إليهم بلقب
الأسماء والألقاب هي علامة على الرجل في قومه ومجتمعه، وغالبًا ما ينشأ الصغير عليها، فتلازمه بعد ذلك في حياته كظله، ومن هنا كان من عادة العرب أن يُسرعوا بتكنية أولادهم وهم صغار قبل البلوغ والزواج، خوفًا
من أن يلصق بهم لقب من الألقاب قد يسيء إليهم.
ولذلك كان عبد الله بن عمر رضي الله عنه يوصي الآباء بقوله: «بادروا أولادكم بالكنى، قبل أن تغلب عليهم الألقاب»(302) .
وهذا أحد الأئمة من آل البيت، يسير على هذا الهدي، فيكني أولاده، ويوصي أصحابه بأن يكتنوا؛ إنه: أبو جعفر الباقر محمد بن علي بن الحسين :
يقول معمر بن خثيم: قال لي أبو جعفر: «بمن تُكنَّى؟»
قلتُ: ما اكتنيت، وما لي من ولد.
قال: «وما يمنعك من ذلك؟! إنا لنكني أولادنا في الصغر مخافة اللقب أن يلحق به، أنا أكنيك»، قلت: بلى، قال: «أنت أبو محمد»(303) .
ولهذه التكنية في الصغر آثار حميدة نافعة، وفوائد تربوية عظيمة؛ منها:
— تنمية شعور التكريم والاحترام في نفسية الصغير، ومنه قول الشاعر:
| أُكنِّيه حين أُناديه لأكرمه | ولا أُلقِّبه والسوأة اللقبا |
|---|
— تنمية شخصيته الاجتماعية، لاستشعاره أنه بلغ مرتبة الكبار، وسن الاحترام.
— تعويده أدب الخطاب للكبار، ولمن كان في سنه من الصغار(304) .
سابعًا: القسمة لهم من بيت المال، واحتساب نفقة لهم
من أكثر الأشياء التي تُشعر الصغير بذاته في المجتمع، أن يُجعل له حقٌّ وعطاء، كما يُجعل للبالغين، ولو لم يكن بنفس القدر. وهذا ما كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يفعله مع الصغار في عهده وخلافته.
يقول عبد الله بن عمر: كان عمر لا يفرض لأحد حتى يبلغ ويحتلم إلا مائة درهم، وكان لا يفرض لمولود حتى يفطم، فبينا هو يطوف ذات ليلة بالمصلى بكى صبي، فقال لأمه: أرضعيه
فقالت: إن أمير المؤمنين لا يفرض لمولود حتى يُفطم، وإني قد فطمته، فقال عمر: إن كدت لأن أقتله! أرضعيه، فإن أمير المؤمنين سوف يفرض له، ثم فرض بعد ذلك للمولود حين يولد(305)
ففَرَض عمرُ للمولود، وللصبي قبل أن يبلغ، فكان لهذا أثره على الصغير، ووالديه، والمجتمع.
* وأخيرًا :
إن هذه الأساليب والوسائل التي ذُكرت هنا — وغيرها مما لم يُذكَر — قد أسهمت بشكل واضحٍ في إخراج جيل صحيِّ الاجتماعية، بعيدًا إلى حدٍّ كبيرٍ عن آفات كثيرٍ من المجتمعات المعاصرة، التي تنحو نحو أحد طرفي المعادلة الصحيحة؛ إما غُلُوًّا، أو تقصيرًا!
الفصل الخامس: التَّرْبِيَةُ البَدَنِيَّة
قَبَسٌ نَبَويّ
كانت رسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم هي الخاتمة، ولأنها الخاتمة فقد جاءت كاملة وشاملة، ومن جوانب شمولها: أنها لم تهتم بالتزكية النفسية والإصلاح القلبي فحسب، بل امتدت لتشمل الناحية الجسدية بالعناية، وفي عموم قوله عليه الصلاة والسلام: « المؤمن القوي خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير(306) » ما يدلُّ على هذا المعنى.
قال النووي : «المراد بالقوة هنا: عزيمة النفس والقريحة في أمور الآخرة، فيكون صاحب هذا الوصف أكثر إقدامًا على العدو في الجهاد، وأسرع خروجًا إليه، وذهابًا في طلبه، وأشد عزيمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصبر على الأذى في كل ذلك، واحتمال المشاق في ذات الله تعالى، وأرغب في الصلاة، والصوم، والأذكار، وسائر العبادات، وأنشط طلبًا لها، ومحافظةً عليها، ونحو ذلك»(307) .
ولا شكَّ أن قوة البدن مما يُعين الإنسان على الطاعة، مع قوة
الإيمان، والمسألة مفروضة في حالة تساوي المنسوب الإيماني؛ فتُصبح القوة البدنية مصدر عون زائد لصاحبها.
وقد اهتم النبي صلى الله عليه وسلم بصحَّة الجنين، مُذْ كان في بطن أمه، فأمر بقتل بعض أنواع الحيات، لأنها تصيب الحمل بالسوء وتسقطه؛ فقال يومًا على منبره: « اقتلوا الحيَّات، واقتلوا ذا الطُّفْيَتَيْن(308) ، والأبتر(309) ، فإنهما يطمسان البصر، ويستسقطان الحَبَل(310)(311) » .
ومن هذا الباب من الاهتمام: ترخيصه صلى الله عليه وسلم للحامل والمرضع في الإفطار في رمضان(312) ، وفي ذلك عون لهما على تغذية الطفل والجنين.
ومن رعايته صلى الله عليه وسلم بتغذية الصغار والحفاظ على صحتهم: ما كان يقوم به من التبريك عليهم، وتحنيكهم(313) .
وقد أثبت الطبُّ الحديث ما في هذا التحنيك(314) من تغذية للمولود، ونفعٍ صحيٍّ له(315) .
كما كان صلى الله عليه وسلم يلتمس للصغار الدواء إذا رأى بهم مرضًا، والرقية إذا رأى بهم عينًا أو حسدًا، فلكل حالة ما يخصها من الدواء.
بعد وفاة جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، كان صلى الله عليه وسلم يتفقَّد أحوال أبنائه، فرآهم ذات يوم وأجسادهم نحيفة، فأحسَّ فيها بالضعف والمرض، فسأل أمَّهم أسماء بنت عميس عن السبب؛ فقال لها: « ما لي أرى أجسام بني أخي ضارعة؟! أتصيبهم الحاجة(316) ؟ »
قالت: لا، ولكن العين تسرع إليهم، قال: « ارقيهم ».
قالت: فعرضتُ عليه، فقال: « ارقيهم(317) » .
على الجانب الموازي لهذا: راعى النبي صلى الله عليه وسلم عاطفة الأطفال ونفسيتهم، فإذا به يقبِّل الصبيان، ويستنكر حال هؤلاء الذين لا يمدون أطفالهم بهذا الجانب العاطفي المهم.
أبو هريرة رضي الله عنه حضر هذه الواقعة، ورأى المشهد فنقله؛ قال: قبَّل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي، وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالسًا، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدًا، فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: « من لا يرحم لا يرحم(318) » .
ولا شكَّ أن لهذه القبلة دورًا فعَّالًا في تحريك مشاعر الطفل وعاطفته، إضافة إلى الشعور بالارتباط الوثيق في تشييد علاقة الحب بين الكبير والصغير، وهي دليل رحمة القلب لهذا الصغير الناشئ، والنور الساطع الذي يبهر فؤاده، ويشرح نفسه، ويزيد من تفاعله مع من حوله(319) .
بل في مشهد عظيمٍ يبيِّن رعايته صلى الله عليه وسلم لمشاعر هؤلاء الصغار، وإشعارهم بقدرهم أمام الكبار، يؤتَى صلى الله عليه وسلم بشراب، فيشرب منه، وعن يمينه غلام أصغر القوم، وعن يساره أشياخ، وكان قد علمَّهم أن يبدؤوا
باليمين، ولكنه يريد أيضًا أن ينزل الكبير منزلته، فراعى النبي صلى الله عليه وسلم مشاعر الغلام، فقال له: يا غلام! أتأذن لي أن أعطي هؤلاء الأشياخ
فإذا بالغلام يستأثر لنفسه بحقه، ويرفض طلب النبي صلى الله عليه وسلم بأدب؛ فيقول: لا والله، لا أوثر بنصيبي منك أحدًا يا رسول الله!
ولما كان استئذانه صلى الله عليه وسلم من الغلام حقيقيًّا، لا — كما يفعل البعض — صوريًّا؛ فقد أجاب طلب الغلام، وأعطاه الشراب(320) !
على مثل هذه التصرفات من المراعاة للبناء العاطفي، وقبله الجسدي؛ تربَّى صغار الصحابة في حضور آبائهم، فواصل هذه التربية الآباء، ونهض بها بعد البلوغ والكبر الأبناء، وفيما يلي صورٌ من هذه النماذج في تربيتهم لصغارهم.
التربية البدنية في تراث الآل والأصحاب
نقصد بالتربية البدنية هنا نوعين من التربية، يكمل أحدهما الآخر؛ وهما: التربية الجسدية الصحية، والتربية النفسية العاطفية، أي: إصلاح الجسد، وإصلاح النفس معًا.
أولًا: التربية الجسدية
تُعرَّف التربية الجسدية بأنها: «ذلك النشاط الذي تقوم به التربية في سبيل تنمية الجسم تنمية سليمة، في إطار تكوين الشخصية المتكاملة، والمتوازنة، والعابدة لله تعالى»(321) .
كما تُعرَّف أيضًا بأنها: «العناية بكل ما يؤدي إلى صحة البدن، وصحة العقل ذاته، وإلى صيانتهما من الأضرار والضعف»(322) .
وقد بدأ الصحب والآل العناية بهذا النوع من التربية من وقت مبكِّر، اقتداءً بنبيهم صلى الله عليه وسلم، ونستطيع تلمس تلك العناية من خلال المظاهر التالية:
ترخيصهم للحامل والمرضع في الإفطار في رمضان
وهذا الإفطار فيه نوعٌ من العناية الصحيحة بالصغير، جنينًا كان أو رضيعًا، إذ بغذاء الأم يُغذَّى الطفل، وبنقص غذائها وضررها يتضرر الطفل، وممن كان ينصح أهله وغيرهم ويفتي بذلك:
1 — عبد الله بن عباس رضي الله عنه
كان ابن عبَّاسٍ يأمر وليدة له حبلى أن تفطر له في شهر رمضان، ويقول لها: «أنت بمنزلة الكبير لا يطيق الصيام، فأفطري، وأطعمي عن كل يوم نصف صاع من حنطة»(323) .
2 — عبد الله بن عمر رضي الله عنه
كان ابن عمر يقول: «الحامل إذا خشيت على نفسها في رمضان تفطر، وتطعم، ولا قضاء عليها»(324) .
حلقهم شعر المولود في اليوم السابع
وهذا الصنيع منهم كان بتوجيه نبوي منه صلى الله عليه وسلم؛ إذ قال: «كُلُّ غلام مرتهن بعقيقته، تذبح عنه يوم السابع، ويُحلَق رأسه ، ويُسمَّى»(325) .
وكان أحقَّ من طبَّق هذا الهدي: أهلُ بيته، ومنهم: ابنته فاطمة عليها السلام.
يقول أبو جعفر الباقر محمد بن علي بن الحسين : كانت فاطمة ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا يولد لها ولد إلا أمرت به، فحُلِق ، ثم تصدقت بوزن شعره، ورِقًا»(326) .
ولهذا الحلق في هذا التوقيت فائدة صحية للمولود، ذكرها ابن القيِّم ؛ فقال:
«وكان حلق رأسه إماطة الأذى عنه، وإزالة الشعر الضعيف ليخلفه شعر أقوى وأمكن منه وأنفع للرأس، ومع ما فيه من التخفيف عن الصبي، وفتح مسام الرأس ليخرج البخار منها بيسر وسهولة، وفي ذلك تقوية بصره، وشمِّه، وسمعه»(327) .
تعويذهم الصغار بالرقى والمعوذات؛ لدفع العين والحسد عنهم
كما أن الأدواء تختلف، فكذلك الأدوية والعلاج، ومن هذه الأدواء التي يُصاب بها الصغار: داء العين والحسد! وذلك لما يحبوهم الله به من جمال خلقة، أو بهاء طلعة، أو حُسن نطق، أو غير ذلك، مع ضعف تحصينهم أنفسهم، إذ هم لا يحفظون الأذكار، ولا يحسنون الرقى، وهنا يتدخل الآباء في محاولة لدفع هذا الداء عنهم.
وقد مرَّ معنا في قَبَسِ هذا الفصل: أن أسماء بنت عميس كانت ترقي صغارها، لدفع العين عنهم.
وكان هناك من الصحابة وآل البيت من يختارون طريقة أخرى لدفع هذا الداء عن الصغار، وهي: تعليق التعاويذ، أو آيات القرآن عليهم. ومن هؤلاء:
1 — عبد الله بن عمرو بن العاص
عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده (ابن عمرو)، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا كلمات نقولهن عند النوم من الفزع: « بسم الله، أعوذ بكلمات الله التامات، من غضبه وعقابه، وشر عباده، ومن همزات الشياطين، وأن يحضرون ».
قال: فكان عبد الله بن عمرو: «يعلمها من بلغ من ولده أن يقولها عند نومه، ومن كان منهم صغيرا لا يعقل أن يحفظها كتبها له فعلقها في عنقه(328) » .
2 — أبو جعفر الباقر محمد بن علي بن الحسين
كان أبو جعفر لا يرى بأسًا أن يُكتَب القرآنُ في أديم، ثم يعلِّقه.
وفي لفظ: أنه سئل عن التعويذ يُعلَّق على الصبيان، « فرخَّص فيه(329) » .
تعليمهم الرياضة التي تناسبهم، وتقوي مهاراتهم؛ مثل: السباحة، والرمي
هناك بعض الرياضات يحسن تعليمها في الصغر؛ إما لصعوبة تعلمها في الكبر، وإما لأن تعلمها مبكرًا مع الممارسة يكسب صاحبها براعة فيها، إضافة إلى تقوية الجسد، ومثال الأولى: السباحة، ومثال الثانية: الرمي.
1 — السباحة
يجلس زياد بن جارية يومًا مع عبد الملك بن مروان، فيخبره زياد عن بعض وصايا عمر بن الخطاب رضي الله عنه في شأن الصبيان، فكان مما ذكره له: أن عمر كتب إلى أمراء الشام أن يتعلموا الغرض، ويمشوا بين
الغرضين حفاة، «وعلموا صبيانكم الكتابة والسباحة(330)
2 — الرمي
لما أعلم النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بأهمية الرمي، وأنه مما يُستعد به للجهاد في سبيل الله، إذ صعد المنبر أمامهم ذات يومٍ فقال: «﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ﴾(331) ، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي(332) » ؛ منذ هذا الوقت حرص الصحابة على تعليم أولادهم الرمي، وتدريبهم عليه. ومن هؤلاء:
أ — سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه :
كان يوصي أبناءه؛ فيقول لهم: «يا بَنيَّ! تعلَّموا الرمي، فإنه خير لعبكم»(333) .
ب — خالد بن الوليد رضي الله عنه :
يقول قيس بن أبي حازم: رأيت خالد بن الوليد يوم اليرموك يرمي بين هدفين، ومعه رجال من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وقال: «أُمرنا أن نعلمه أولادنا: الرمي، والقرآن»(334) .
وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يكتب إلى أهل الشام: « أنْ علِّموا أولادكم السباحة، والرمي، والفروسية(335) » .
ومثل هذه الوسائل التي فيها لعب وترفيه عن الصغير لا بُدَّ له منها، فهي نافعة لجسده، ومذهبة للملل عن روحه ونفسه.
يقول الغزالي : «وينبغي أن يُؤذَن له — أي: للصغير — بعد الانصراف من الكتاب أن يلعب لعبًا جميلًا، يستريح إليه من تعب المكتب، بحيث لا يتعب في اللعب، فإن مَنْعَ الصبي من اللعب، وإرهاقه إلى التعلم دائمًا؛ يميت قلبه، ويبطل ذكاءه، وينغص عليه العيش، حتى يطلب الحيلة في الخلاص منه رأسًا»(336) !
كما أنَّ عدم قيام الصغير بالرياضة يؤدي أحيانًا إلى مخاطر
جمة، لا تلبث أن تنمو وتكبر، حتى تظهر في الحال، أو المستقبل في أي شكلٍ من أشكال الهزال الجسدي، أو الانهيار الدخلي، والنفسي(337)
إلا أنه ينبغي الحذر من أن يفضي بهم هذا اللعب والترفيه، ولو كان الرمي الذي أُمر الصحابة بتعليمه أبناءهم، إلى ارتكاب محرم! عندها لا بد من التدخل والإرشاد، كما فعلوا.
وتقدَّم معنا أن عبد الله بن عمر مرَّ ذات يوم بفتيان من قريش قد نصبوا طيرًا، وهم يرمونه، وقد جعلوا لصاحب الطير كل خاطئة من نبلهم، فلما رأوا ابن عمر تفرقوا، فقال ابن عمر: « من فعل هذا؟ لعن الله من فعل هذا، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن من اتخذ شيئًا فيه الروح غرضا(338) » .
تعويدهم النوم المبكر، وعدم السهر، خاصَّة في الصغر
تُشير عدد من الدراسات الطبية المعاصرة إلى أن للسهر أضرارًا على صحة الإنسان، خاصة الصغار، وأنه يؤثِّر على مناعتهم، وعلى نموِّهم كذلك(339) .
وقد أشار ابن القيِّم قديمًا إلى ضرر الاستعاضة بنوم النهار عن
نوم الليل؛ فقال:
«ونوم النهار رديء يورث الأمراض الرطوبية والنوازل، ويفسد اللون، ويورث الطحال، ويرخي العصب، ويكسل، ويضعف الشهوة؛ إلا في الصيف وقت الهاجرة، وأردؤه نوم أول النهار، وأردأ منه النوم آخره بعد العصر، ورأى عبد الله بن عباس ابنًا له نائمًا نومة الصبحة، فقال له: «قم، أتنام في الساعة التي تقسم فيها الأرزاق؟!»»(340) .
ونصيحة عبد الله بن عباس رضي الله عنه لابنه في وقت النوم، أوردها السخاوي مفصَّلة مطوَّلة؛ فقال:
«مرَّ ابنُ عباس بابنه الفضل وهو نائم نومة الضحى فركضه برجله، وقال: « قم، إنك لنائم الساعة التي يقسم الله فيها الرزق لعباده. أوما سمعت ما قالت العرب فيها ؟»
قال: وما قالت العرب يا أبت؟
قال: « زعمت أنها مكسلة، مهرمة، مقساة للحاجة.
ثم يا بني نوم النهار على ثلاثة: نوم محق؛ وهي نومة الضحى، ونومة الخلق؛ وهي التي روي: قيلوا فإن الشياطين لا تقيل، ونومة الخرق؛ وهي نومة بعد العصر، لا ينامها إلا سكران، أو مجنون(341) »» .
ومن خلال النظر في سير الصحب والآل والسَّلف: نجد أن عادتهم في تربية صغارهم؛ التعويد على النوم مبكِّرًا، وعدم تعويدهم السهر. ويدل على ذلك:
أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم لما أخَّر العشاء ذات ليلة عن وقتها، حتى دخل ثلث الليل الأول، وكان الصحابة نساؤهم وصغارهم ينتظرونه في المسجد، أراد عمر أن يُعلمه صلى الله عليه وسلم بمشقة ذلك عليهم، وتأخر الوقت عن المعتاد؛ فنادى وقال: « يا رسول الله ! نام النساء والصبيان(342) » !
ففي قول عمر دليلٌ على ما اعتاد عليه الصغار، وأن الآباء لم يثنوهم عن عادتهم، ولو كان ذلك لأجل انتظار صلاة العشاء المتأخرة.
بالطبع لم تكن لديهم الأبحاث المعاصرة التي تنبئ عن خطورة السهر، إنما كانت نظرتهم إلى أمورٍ أخرى؛ كالمحافظة على صلاة الصبح في وقتها، والحفاظ على ذكر الله في جلسة الصُبحة، كما أن أعمالهم كانت نهارًا.
وأكثر هذه الأسباب لا يزال إلى الآن قائمًا، فإن أُضيف إليه ما أثبته الطبُّ الحديث من ضرر للسهر؛ تأكَّد أهمية هذا الأمر في تربية الصغار، وتعويدهم عليه.
ثانيًا: التربية النفسية العاطفية
تُشكِّلُ العاطفة مساحة واسعة في نفس الصغير الناشئ، فهي تكوِّن نفسه، وتبني شخصيته، ولذا إن أخذها بشكل متوازنٍ؛ خرج إنسانًا سويًّا في مستقبله، بل في حياته كلها، وإن أخذها بغير ذلك — زيادةً أو نقصانًا — تشكَّلت لديه عُقَدٌ لا تُحمد عقباها، فكلا طرفي الأمور ذميم. فالزيادة تجعله مدلَّلًا، لا يقوم بتكاليف الحياة بجد ونشاط، ونقصانها يجعله قاسيًا عنيفًا على كل من حوله، ومن هنا: فالبناء العاطفي له أهمية خاصة في بناء نفس الصغير وتكوينه، وهذا البناء يلعب فيه الدور الأكبر: الوالدان، إذ هما المصدر الأساسي لأشعة العاطفة التي تبني نفسه، وهما الركن الشديد الذي يأوي إليه، لينعم بحرارة العاطفة، ونعمة الأبوة والأمومة(343) .
وقد لاحظ الشيخ محمد الخضر حسين الميل الذي يقع لبعض الآباء في هذا النوع من التربية في أحد طرفيه، وحذَّر من الركون إليه، وبيَّن مغبَّته وعاقبته؛ فقال:
«ومن الناس من يدرك أن التقام الأطفال لثدي التربية، مما يؤثر في نفوسهم إصلاحًا عظيمًا، ولكن فرط الرأفة الذي ينشأ من التغالي في حبهم، يكسر من صلابة الآباء شيئًا كثيرًا، فيدفعهم عن مكافحة
طباع أبنائهم الرديئة ومقاومتها بالتأديب، وينفض بهم ذلك الإهمال إلى التنقل في مراتع الشهوات الزائغة.
كلّا، هذه رأفة غير ممزوجة بحكمة، فالتنقل في مراتع الشهوات، تتولد عنه نتائج وخيمة، تثير بين الآباء والأبناء من النفرة والتباعد بمقدار ما كان بينهما من الحنان والمقاربة، وتصير بهم إلى أن تضرسهم أنياب الاضطهاد، وتدوسهم أقدام الامتهان.
لا نريد بكراهة هذه الرأفة المفرطة أن يُفتك من الصبي سائر إرادته، ويُسلب منه جميع عزائمه، كما يفعله الجاهلون بأساليب الإصلاح والتهذيب. إن ذلك مما يحول بينه وبين عزة النفس وما يتبعها من قوة الجأش، وأصالة الرأي، والإقدام على إرسال كلمة الحق عندما يقتضيها المقام، فيكون ألعوبة بيد معاشريه، كالكرة المطروحة بينهم يتلقفونه رِجْلًا رِجْلًا، أو آلة يستعملونها فيما يشتهون،...، التربية النافعة ما كانت أثرًا لمحبة، يطفئ البأس شيئًا من حرارتها، وصرامة تلطِّف الشفقة من شدتها، وهي التي يستوجب الوالدان دعاء الولد بقوله: ﴿رَّبِّ ٱرۡحَمۡهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرٗا﴾(344)(345) » .
عودٌ على بدء :
أدرك الصَّحْبُ والآل ما تحتاج إليه نفسية الصغير، فعملوا على إشباعها،
ويمكننا تلمُّس ذلك من خلال مواقفهم التالية، والتي سنعرضها بحسب احتياجات الصغير النفسية(346) وهي:
الحاجة إلى المحبة
وهذه من أهم الحاجات النفسية التي يسعى الصغير لإشباعها، فهو يريد أن يشعر أنه مرغوب فيه، وأنه يُحِبُّ ويُحَبُّ(347) . وقد تفطَّن لها الصحب والآل، فأَوْلَوْها حقها، كما سنرى.
يخرج أبو بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه من المسجد النبوي ذات يوم بعد صلاة العصر، وذلك بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بليال، أي أن أبا بكر الآن هو الخليفة، ومع أبي بكر يمشي علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فرأى أبو بكر الحسنَ بن علي يلعب مع الصبيان، ففاجأه أبو بكر وأباه فحمل الصغير على عاتقه، وقال: « بأبي، شبيه بالنبي لا شبيه بعلي »! وعلي يضحك(348) .
فكم من المحبة والود في هذا الفعل، الذي أظهره خليفة المسلمين لصبي صغير، حتى حمله أمام أصحابه الصغار، وأمام والده!
وهذا خليفة الخليفة، أمير المؤمنين في زمانه: عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه،
يهتم بهذه العاطفة ويظهرها، فيدخل ذات يومٍ على زوجه أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب فيجد عندها أخاها محمد ابن الحنفية فيضمُّه عمر ويقول لزوجه: ألطفيه بالحلواء(349)
ولم يقتصر إظهار عمر لهذه العاطفة للصغار في بيته وأمام زوجه فقط، بل أظهره أمام رعيته وعماله، فلما رآه أحد عماله؛ قال له: إن لي كذا وكذا من الولد، ما قبَّلتُ واحدًا منهم!
فقال عمر: « إن الله عز وجل لا يرحم من عباده إلا أبرهم(350) » .
وفي رواية: أن ذلك العامل قال لعمر: تقبله وأنت أمير المؤمنين؟! لو كنت أنا ما فعلته.
فقال عمر رضي الله عنه: « فما ذنبي إن كان قد نُزِع من قلبك الرحمة؟! إن الله لا يرحم من عباده إلا الرحماء ».
ونزعه عمر عن عمله، وقال: « أنت لا ترحم ولدك؛ فكيف ترحم الناس(351) ؟!» .
تعلَّم عبدُ الله بن عمر من والده ونبيه هذا التعامل اللطيف مع الصغار، فمارسه مع الصغار، فأُتي ذات يوم بصبي عليه أوضاح(352) ، « فجعل يهازله(353) » .
الحاجة إلى التقدير الاجتماعي واحترام الشخصية
يسعى الصغير دائمًا إلى أن يكون موضع تقدير واحترام وقبول من قبل الآخرين، ويتضح ذلك في شتى المواقف والوسائل التي يتخذها الصغير لاسترعاء الانتباه من حوله.
لكن للأسف: الكثيرون من الناس ينسون أنفسهم، فيتعاملون مع الأولاد، بما في ذلك أولادهم، بتعالٍ وتكبُّرٍ عليهم، ولا يستشعرون الاحترام لهم!
فضعف الطفولة وبراءتها يغريانهم في النظر إلى الصغار هكذا! ويزيد الطين بلة: اعتقاد الكثيرين أن الأطفال لا يتأثرون مثلما يتأثر الكبار، أي: كأنهم ليسوا كالكبار في مشاعرهم وإحساسهم بكرامتهم.
وقد أثبتت الدراسات النفسية أن العكس هو الصحيح، وأن الطفل منذ أن يولد يستشعر الكرامة كالكبير، وتؤلمه الإهانة، والنهر، وإظهار العداوة؛ كما تؤلم الكبير تمامًا(354) .
وقد راعى الصحب والآل هذه العاطفة والاحتياج عند الصغار، وعملوا على إشباعها وذلك بإسناد الدور الذي يتناسب مع سن الصغير وطبيعته ليشعر بمنزلته؛ ومن ذلك:
1 — تقديمهم من يصلح للإمامة من الصغار لهذا المكان
وقد مر معنا في الفصل الثاني من هذا الكتاب، عند الحديث عن تربية الصغار على العبادة، تقديم قوم عمرو بن سلمة له للإمامة، وكان ابن ست أو سبع سنين، وكذلك تقديم الصغار الحفظة للإمامة في رمضان، كما أخبرت بذلك عائشة رضي الله عنها. ومثل هذا بلا شك يعزز في الصغار التقدير والاحترام.
2 — تخييرهم في أمر معيشتهم، إذا انفصل الوالدان
ربما لا تستقيم المعيشة بين الوالدين في بعض الأحيان، فيكون
الانفصال هو الاختيار الأفضل لهما، لكن: أين يذهب الصغير؟ هل يُجبَر على شيء ما؟
فيما بين أيدينا من نصوص ونماذج؛ نجد هؤلاء الأصحاب والآل، يُعطون للصغير حق الاختيار في ذلك، ومن هؤلاء:
أ — أبو بكر الصدِّيق رضي الله عنه :
يقول سعيد بن المسيب: طلَّق عمرُ بنُ الخطَّاب أمَّ عاصم، ثم أتاها عليها وفي حجرها عاصم، فأراد أن يأخذه منها، فتجاذباه بينهما حتى بكى الغلام، فانطلقا إلى أبي بكر!
أبو بكر يقضي في خصومة أحد طرفيها أقرب الناس إليه بعد نبيه صلى الله عليه وسلم، فما يفعل؟
لقد اختار أبو بكر الأصلح للصبي، فقال لصاحبه: «يا عمر، مسحها وحجرها وريحها خير له منك؛ حتى يشب الصبي فيختار(355) » .
لم
يصادر أبو بكر حق الصبي في الاختيار، وإنما أرجأ الأمر لحين يكتمل له عقل، وتنضج له عاطفة؛ فعندها يستطيع الاختيار، أما وهو في سن لا يسمح له بذلك؛ فأمه أنفع له.
وقد استوعب عمر هذا جيدًا، ومرَّت الأيام، ووجد نفسه أمام خصومة كخصومته؛ فماذا يفعل؟!
ب — عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه :
يقول عبد الرحمن بن غُنم : اختُصم إلى عمر بن الخطَّاب في صبي؛ فقال: « هو مع أمه حتى يعرب عنه لسانه فيختار(356) » .
لقد قضى عمر بقضاء أبي بكر، وتشابهت القصة فتشابه الحكم، لكن: تُرى إن ميَّز الصبي؛ هل سيمضي عمر قضاءه؟
ها هي واقعةٌ تبيِّن بالفعل ما سيفعله عمر إن ميَّز الصبي واختار:
يقول عبد الله بن عبيد بن عمير :
طلَّق رجلٌ من أهل العراق امرأته وهي حبلى، فلم يطلقها بشيء حاملًا،
ولا والدًا، ولا مرضعًا، ولا بعد ذلك، ولا ابنه، حتى أنشأ الناس مرة في الحج، فقال رجل من القوم والأب في الرفقة: يا فلان أترى ابنك في الرفقة، أتعرفه إن رأيته؟ قال: لا والله، قال: هذا ابنك. فجبذ بخطامه فانطلق.
فلما قدما لعمر احتجزت أمه بردائها، ثم ارتجزت فقالت:
| خلوا إليكم يا عبيد الرحمن | الحمل حول والفصال حولان |
|---|
فسمع عمر قولها فقال: « خلوا عنها »، فقصت عليه القصة، فخيَّر الفتى؛ فاختار أمه، فانطلقت به(357) .
ولأن الصبي هنا أكثر تمييزًا من الصبي الأول؛ انتقل به عمر إلى المرحلة الثانية: الاختيار، فاختار، فأمضى عمر اختياره، وأمام الجميع.
وفي هذا من إشعار الصبي بنفسه واحترام رأيه ما يغني عن التعليق.
ج — علي بن أبي طالب رضي الله عنه :
في زمان علي رضي الله عنه تكررت الخصومة نفسها، والذي نقلها هو الصبي الذي وقعت له، فلننظر كيف عامله علي، وهل له من تعليق على معاملة علي له أم لا.
يقول عُمارة بن
ربيعة الجرمي
غزا أبي نحو البحر في بعض تلك المغازي، فقُتِل، فجاء عمي ليذهب بي، فخاصَمَتْه أُمِّي إلى علي، ومعي أخ لي صغير، فأرسلوني إلى علي فدعوته، فجاء فقصُّوا عليه، فقال: « أمُّك أحبُّ إليك أمْ عمُّك؟ »
قلت: «بل أمي» ثلاث مرات، وكانوا يستحبون الثلاث في كل شيء.
فأبى عمي أن يرضى، فوكزه علي بيده، وضربه بدرته، وقال لي: « أنت مع أمك، وأخوك هذا إذا بلغ ما بلغت خُيِّر كما خُيِّرت ».
قال عمارة: وأنا غلام(358) .
3 — السماح لهم بحضور بعض اللقاءات والزيارات للكبار
وقد مرَّ معنا في الفصل السابق، عند الحديث عن التربية الاجتماعية، نماذج من اصطحابهم الصغار معهم، وإدخالهم في مجالسهم، كما فعل عمر بن الخطاب مع ولده ابن عمر، ومع ابن عباس رضي الله عنهم.
الحاجة إلى الرعاية الوالدية والتوجيه
من المعلوم أن الصغير لم يخلقه الله تعالى قويًا قادرًا، بل خلقه ضعيفًا لا يقوى على شيء، وقد قال تعالى: ﴿وَخُلِقَ ٱلۡإِنسَٰنُ ضَعِيفٗا﴾(359)
فيحتاج الصغير إلى اهتمام وتوجيه من والديه، بمظهره، بملابسه، بأفعاله، إلى غير ذلك.
وقد كان للصحب والآل اهتمامٌ أيضًا بهذا الجانب عند الصغار، ومن أمثلة ذلك:
ما فعلته فاطمة عليها السلام بنت النبي صلى الله عليه وسلم مع ولدها الحسن بن علي رضي الله عنه من اهتمامها به، وتنظيفها له، وحرصها على أن يظهر بصورة حسنة عند استقبال جده صلى الله عليه وسلم.
يقول أبو هريرة: خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في طائفة من النهار، لا يكلمني ولا أكلمه، حتى جاء سوق بني قينقاع، ثم انصرف، حتى أتى خباء فاطمة فقال: « أثمَّ لُكَع(360) ؟ أثمَّ لُكَع؟ » يعني حسنًا.
قال أبو هريرة: فظننا أنه إنما تحبسه أُمُّه لأن تغسله، وتلبسه سخابًا(361) .
فلم يلبث أن جاء يسعى، حتى اعتنق كل واحد منهما صاحبه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « اللهم إني أحبه، فأحبَّه، وأحبب من يحبه ».
قال أبو هريرة: فما كان أحدٌ أحبَّ إلي من الحسن بن علي، بعد ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال(362) .
وقد ترجم البخاري لهذا الحديث وأشباهه بقوله: « باب السِّخاب للصبيان(363) » ، إشارة منه إلى الاهتمام بمظهر الصبيان، وجواز تحليتهم بمثل هذا.
الخاتمة
بعد هذا الاستعراض الموجَز والمتنوِّع في تعامل الصحب والآل مع صغارهم، تبيَّن لنا صحَّة ما زعمناه في أول هذه الدراسة، وهو: أنَّ هؤلاء السَّلف وإن لم يكن لديهم من الكتب والأبحاث والدراسات ما هو مسطورٌ عن التربية وأصولها وأساليبها؛ إلا أنهم كانوا يمارسون هذا بالسليقة العربية، مهذَّبين بنصوص الوحي من الكتاب والسنة، وقد حاولنا في أول كل فصلٍ أن نشير إلى شيء من مصدر التلقِّي عندهم في هذا الأمر.
كما تبيَّن لنا أهمية هذا الجزء من حياة الأبناء، وإلا ما أَوْلاه هؤلاء كلَّ هذا الاهتمام والعناية، وتوارد العلماء بعدهم، كالغزالي ، وابن القيم ، وغيرهما، على التنبيه والتأكيد على أهمية الاهتمام بهذا النشء في هذا الوقت.
وتبيَّن أيضًا ما على الآباء والمربين من مسؤولية جسمية تجاه صغارهم، وهو ما كان يؤكِّد عليه العلماء، سلفًا وخلفًا، حتى قال نُمير بن أوس (ت: 121ه): «كانوا يقولون: الصلاح من الله، والأدب من الآباء»(364) .
وحذَّر الشيخ محمد الخضر حسين من التهاون في هذا الباب بقوله: «ليت شعري! بماذا تجادل عن نفسك أيها الكفيل، إذا أُلقيت على عواهنك مسؤولية إغفال الطفل في مراتع وخيمة، وأنت تعلم علمًا كاشفًا أَن لا محيص عنه في عرضه على بعض مطالب الاجتماع، ولم يكن بد من قيامه مقامًا يكون عدم تأهله له جناية على الهيئة بتمامها؟! أخشى أن يُضاعَف لك العذاب ضعفين، تُعذَّبُ على تشويه تلك الجوهرة المكرَّمة عذابًا نكرًا، وتحوز من عقوبة تلك الجناية العامة نصيبًا مفروضًا»(365) .
وخاتمة المقال، إن تعميم التربية بين طبقات الأمة شيء واجب، لا ينتظم لها العيش الناعم بدونه، ولا تشرق صحائف تاريخها بسواه.
المصادر والمراجع
القرآن الكريم.
إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة للبوصيري، تقديم: د. أحمد معبد عبد الكريم، تحقيق: دار المشكاة للبحث العلمي بإشراف أبي تميم ياسر بن إبراهيم، الطبعة الأولى، 1420ه= 1999م، دار الوطن للنشر، الرياض. إتحاف أولي الألباب، بحقوق الطفل وأحكامه في سؤال وجواب أحمد بن أحمد العيسوي، الطبعة الأولى، 1422ه= 2001م، دار البيان الحديثة، الطائف. الإحكام في أصول الأحكام لأبي الحسن الآمدي، تحقيق: عبد الرزاق عفيفي، المكتب الإسلامي، بيروت، دمشق، لبنان. إحياء علوم الدين لأبي حامد الغزالي، دار المعرفة، بيروت. أدب الاملاء والاستملاء للسمعاني المروزي، تحقيق: ماكس فايسفايلر، الطبعة الأولى، 1401ه= 1981م، دار الكتب العلمية، بيروت. الأدب المفرد للبخاري، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، الطبعة الثالثة (1409 ه= 1989م)، دار البشائر الإسلامية، بيروت. أساس البلاغة: للزمخشري، تحقيق: محمد باسل عيون السود، الطبعة الأولى، 1419ه= 1998م، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.
الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر، تحقيق: علي محمد البجاوي، الطبعة الأولى (1412ه 1992 م)، دار الجيل، بيروت. أصول التربية الإسلامية وأساليبها في البيت والمدرسة والمجتمع عبد الرحمن النحلاوي، الطبعة الخامسة والعشرون، 1428ه= 2007م، دار الفكر، بيروت. أصول التربية الإسلامية د. خالد بن حامد الحازمي، الطبعة الأولى، 1420ه= 2000م، دار عالم الكتب، الرياض. أصول التربية وفن التدريس أمين مرسي قنديل، الطبعة الرابعة، 1306ه= 1937م، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر. أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشنقيطي، عام النشر (1415 ه 1995م)، دار الفكر، بيروت. الاعتقاد، والهداية إلى سبيل الرشاد، على مذهب السلف وأصحاب الحديث: للبيهقي، تحقيق: أحمد عصام الكاتب، الطبعة الأولى (1401ه)، دار الآفاق الجديدة، بيروت. الأمالي لأبي علي القالي، عني بوضعها وترتيبها: محمد عبد الجواد الأصمعي، الطبعة الثانية، 1344ه= 1926م، دار الكتب المصرية. الأموال لأبي عُبيد القاسم بن سلّام، تحقيق: خليل محمد هراس، دار الفكر، بيروت. أنباء نجباء الأبناء ابن ظفر المكي، الطبعة الأولى، بدون تاريخ، مطبعة التقدم، مصر.
أهل البيت بين مدرستين محمد سالم الخضر، 1432ه= 2011م، مبرة الآل والأصحاب، الكويت. الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف لابن المنذر، تحقيق: أبي حماد صغير أحمد بن محمد حنيف، الطبعة الأولى، 1405ه= 1985م، دار طيبة، الرياض، السعودية. الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث لابن كثير، تأليف: أحمد محمد شاكر، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام للذهبي، تحقيق: عمر عبد السلام التدمري، الطبعة الثانية (1413 ه 1993 م)، دار الكتاب العربي، بيروت. التاريخ الكبير: للبخاري، تحقيق: السيد هاشم الندوي، دار الفكر، بيروت. تاريخ بغداد تاريخ مدينة السلام للخطيب البغدادي، تحقيق: د. بشار عواد معروف، الطبعة الأولى (1422ه 2002م)، دار الغرب الإسلامي، بيروت. تجربة التربية الإسلامية في ميزان البحث د. محمد سعيد رمضان البوطي، الطبعة الأولى، 1415ه= 1995م، مكتبة الفارابي، دمشق. تحرير تقريب التهذيب لابن حجر لشعيب الأرنؤوط، و د. بشار عواد، الطبعة الأولى (1417ه 1997م)، مؤسسة الرسالة، بيروت تحفة المودود بأحكام المولود لابن القيم، تحقيق: عبد القادر الأرناؤوط، الطبعة الأولى، 1391ه= 1971م، مكتبة دار البيان، دمشق.
التراث والمعاصرة د. أكرم ضياء العمري، الطبعة الأولى، 1405ه، رئاسة المحاكم الشرعية والشؤون الدينية بدولة قطر. التربية الأخلاقية الإسلامية: د. مقداد يالجن، الطبعة الثالثة، 1423ه= 2002م، دار عالم الكتب، الرياض. تربية الأولاد في الإسلام عبد الله ناصح علوان، الطبعة الحادية والعشرون، 1412ه= 1992م، دار السلام، القاهرة. تربية الطفل في ضوء القرآن والسنة أسماء عبد الله السلطان، رسالة ماجستير مقدَّمة لكلية التربية للبنات بالرياض، عام: 1409ه—= 1989م تربية الطفل، رؤية نفسية إسلامية محمد كمال الشريف، الطبعة الأولى، 1417ه= 1997م، دار ابن كثير، دمشق، بيروت. التعريفات علي الجرجاني، الطبعة الأولى، 1403ه= 1983م، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان. تفسير ابن عطية= المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية الأندلسي، تحقيق: عبد السلام عبد الشافي محمد، الطبعة الأولى، 1422ه، دار الكتب العلمية، بيروت. تفسير ابن كثير= تفسير القرآن العظيم لابن كثير، تحقيق: سامي بن محمد سلامة، الطبعة الثانية (1420ه 1999م)، دار طيبة، الرياض. تفسير البيضاوي= أنوار التنزيل وأسرار التأويل لناصر الدين البيضاوي، تحقيق: محمد عبد الرحمن المرعشلي، الطبعة الأولى، 1418 ه، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
تفسير الطبري جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري، تحقيق: د. عبد الله بن عبد المحسن التركي، بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر، الطبعة الأولى (1422ه 2002م)، دار هجر، مصر. تفسير القاسمي= محاسن التأويل لجمال الدين القاسمي، تحقيق: محمد باسل عيون السود، الطبعة الأولى، 1418ه، دار الكتب العلمية، بيروت. تفسير القرآن: لعز الدين بن عبد السلام، تحقيق: د. عبد الله بن إبراهيم الوهبي، الطبعة الأولى، 1416ه= 1996م، دار ابن حزم، بيروت. تفسير القرطبي الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، تحقيق: أحمد البردوني، وإبراهيم أطفيش، الطبعة الثانية (1384ه 1964م)، دار الكتب المصرية، القاهرة. التفسير من سنن سعيد بن منصور، دراسة وتحقيق: د. سعد بن عبد الله آل حميد، الطبعة الأولى، 1417ه= 1997م، دار الصميعي للنشر والتوزيع، السعودية. تقريب التهذيب لابن حجر، تحقيق: محمد عوامة، الطبعة الأولى (1406ه 1986م)، دار الرشيد، سوريا. التقرير والتحبير على تحرير الكمال ابن الهمام: لابن أمير حاج، الطبعة الثانية، 1403ه= 1983م، دار الكتب العلمية. تكريم الإسلام للإنسان د. فاروق مساهل، الطبعة الأولى، 1985م، مؤسسة الرسالة. التلخيص في أصول الفقه لإمام الحرمين الجويني، تحقيق: عبد الله
جولم النبالي، وبشير أحمد العمري، دار البشائر الإسلامية، بيروت. التمهيد في أصول الفقه: لأَبي الخطاب الكَلْوَذَاني الحنبلي، تحقيق: مفيد محمد أبو عمشة (الجزء 1 2)، ومحمد بن علي بن إبراهيم (الجزء 3 4)، الطبعة الأولى، 1406 ه= 1985م، دار المدني للطباعة والنشر والتوزيع. التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد: لابن عبد البر، تحقيق: مصطفى بن أحمد العلوي، محمد عبد الكبير البكري، 1387ه، وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية، المغرب. تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة لابن عراق الكناني، تحقيق: عبد الوهاب عبد اللطيف، عبد الله محمد الصديق الغماري، الطبعة الأولى، 1399ه، دار الكتب العلمية، بيروت. تهذيب الآثار وتفصيل الثابت عن رسول الله من الأخبار للطبري، تحقيق: محمود محمد شاكر، مطبعة المدني، القاهرة. تهذيب الأسماء واللغات للنووي، عنيت بنشره وتصحيحه والتعليق عليه: شركة العلماء، بمساعدة إدارة الطباعة المنيرية، يطلب من: دار الكتب العلمية، بيروت. تهذيب التهذيب لابن حجر، الطبعة الأولى (1404ه 1984م)، دار الفكر، بيروت. التوقيف على مهمات التعاريف زين الدين المناوي، الطبعة الأولى، 1410ه= 1990م، عالم الكتب، القاهرة. جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثا من جوامع الكلم
لابن رجب الحنبلي، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، إبراهيم باجس، الطبعة السابعة، 1422ه= 2001م، مؤسسة الرسالة، بيروت. جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر، تحقيق أبي الأشبال الزهيري، الطبعة الأولى، 1414ه= 1994م، دار ابن الجوزي، المملكة العربية السعودية. الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي، تحقيق: د. محمود الطحان، مكتبة المعارف، الرياض. الجامع لعبد الله بن وهب، تحقيق: د. رفعت فوزي عبد المطلب، د. علي عبد الباسط مزيد. جلاء الأفهام في فضل الصلاة على محمد خير الأنام لابن القيم، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، عبد القادر الأرناؤوط، الطبعة الثانية، 1407ه= 1987م، دار العروبة، الكويت. جمهرة اللغة لابن دريد الأزدي، تحقيق: رمزي منير بعلبكي، الطبعة الأولى، 1987م، دار العلم للملايين، بيروت. حاشية السندي على سنن ابن ماجه كفاية الحاجة في شرح سنن ابن ماجه لنور الدين السندي، بدون طبعة، دار الجيل، بيروت. حقوق آل البيت لابن تيمية، تحقيق: عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان. شرح صحيح مسلم للسيوطي= الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج لجلال الدين السيوطي، حقق أصله، وعلق عليه: أبو إسحاق الحويني، الطبعة الأولى، 1416ه=
1996م، دار ابن عفان للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية. روضة الناظر وجنة المناظر في أصول الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل لابن قدامة المقدسي، الطبعة الثانية، 1423ه= 2002م، مؤسسة الريّان للطباعة والنشر والتوزيع. الزُّهد لهَنَّاد بن السَّرِي، تحقيق: عبد الرحمن عبد الجبار الفريوائي، الطبعة الأولى (1406ه)، دار الخلفاء للكتاب الإسلامي، الكويت. زوائد الأصول على منهاج الوصول إلى علم الأصول لجمال الدين الإسنوي، دراسة وتحقيق: محمد سنان سيف الجلالي. سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها للألباني، الطبعة الأولى، الأجزاء الأربعة الأولى (1415ه 1995م)، الجزء السادس (1416ه 1996م)، الجزء السابع (1422ه 2002م)، مكتبة المعارف، الرياض. سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيء في الأمة لمحمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الأولى (1412ه 1992م)، دار المعارف، الرياض. السنن الكبرى للبيهقي، الطبعة الأولى (1344ه)، مجلس دائرة المعارف النظامية، حيدر آباد، الهند. سنن: ابن ماجه تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء الكتب العربية، فيصل عيسى البابي الحلبي.
سنن: أبي داود تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية، صيدا، بيروت. سنن: الترمذي تحقيق: أحمد محمد شاكر، ومحمد فؤاد عبد الباقي، وإبراهيم عطوة عوض، الطبعة الثانية (1395 ه 1975م)، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر. سنن: الدارقطني حققه وضبط نصه وعلق عليه: شعيب الارنؤوط، حسن عبد المنعم شلبي، عبد اللطيف حرز الله، أحمد برهوم، الطبعة الأولى، 1424ه= 2004م، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان. سنن: سعيد بن منصور تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، الطبعة الأولى (1403ه 1982م)، الدار السلفية، الهند. سير أعلام النبلاء للذهبي، تحقيق: مجموعة من المحققين، بإشراف الشيخ شعيب الأرناؤوط، الطبعة الثالثة (1405 ه 1985م)، مؤسسة الرسالة، بيروت. شرح تنقيح الفصول للقرافي، تحقيق: طه عبد الرؤوف سعد، الطبعة الأولى، 1393ه= 1973م، شركة الطباعة الفنية المتحدة. شرح صحيح البخارى: لابن بطال، تحقيق: أبي تميم ياسر بن إبراهيم الطبعة الثانية، 1423ه= 2003م، مكتبة الرشد، الرياض، السعودية. شرح صحيح مسلم للنووي= المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج للنووي، الطبعة الثانية (1392ه)، دار إحياء التراث العربي، بيروت. شرح مختصر الروضة للطوفي، تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي، الطبعة الأولى، 1407ه= 1987م، مؤسسة الرسالة.
شرح مشكل الآثار بيان ما أشكل من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم للطحاوي، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، الطبعة الأولى (1415ه 1994م)، مؤسسة الرسالة، بيروت. شعب الإيمان للبيهقي، تحقيق: د. عبد العلي عبد الحميد حامد، أشرف على تحقيقه: مختار أحمد الندوي، الطبعة الأولى (1423ه 2003م)، مكتبة الرشد، الرياض. بالتعاون مع الدار السلفية ببومباي، الهند. صحاح تاج اللغة وصحاح العربية: لأبي نصر الجوهري، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، الطبعة الرابعة، 1407ه= 1987م، دار العلم للملايين، بيروت. صحيح ابن حبان الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ترتيب: الأمير علاء الدين علي بن بلبان الفارسي، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، الطبعة الأولي (1408ه 1988م)، مؤسسة الرسالة، بيروت. صحيح البخاري الجامع المُسنَد الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه: للإمام البخاري، تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر، الطبعة الأولى (1422ه)، دار طوق النجاة. صَحِيحُ التَّرْغِيب وَالتَّرْهِيب للألباني، الطبعة الأولى، 1421ه= 2000م، مكتَبة المَعارف للنشر والتوزيع، الرياض، المملكة العربية السعودية. صحيح الجامع الصغير وزياداته للألباني، الطبعة الثالثة (1408ه 1988م)، المكتب الإسلامي، بيروت. صحيح سنن أبي داود (الأم): للألباني، الطبعة الأولى، 1423ه= 2002م، مؤسسة غراس للنشر والتوزيع، الكويت
صحيح مسلم المُسنَد الصحيح المختصر، بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: للإمام مسلم، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت. ضعيف سنن أبي داود (الأم): للألباني، الطبعة الأولى، 1423ه= 2002م، مؤسسة غراس للنشر والتوزيع، الكويت. الطب النبوي: لابن القيم، دار الهلال، بيروت. الطفولة في مجتمع عربي متغير محمد جواد رضا، 1984م، الجمعية الكويتية لتقدم الطفولة العربية، الكويت. علل الدارقطني علل الواردة في الأحاديث النبوية: للدارقطني، المجلدات من الأول، إلى الحادي عشر: تحقيق وتخريج: محفوظ الرحمن زين الله السلفي، الطبعة الأولى (1405ه 1985م)، دار طيبة، الرياض، والمجلدات من الثاني عشر، إلى الخامس عشر: تحقيق: محمد بن صالح بن محمد الدباسي، الطبعة الأولى (1427ه)، دار ابن الجوزي، الدمام. العلل ومعرفة الرجال للإمام أحمد برواية ابنه عبد الله، تحقيق: وصي الله بن محمد عباس، الطبعة الثانية (1422ه 2001م)، دار الخاني، الرياض. العلل لابن أبي حاتم، تحقيق: فريق من الباحثين، بإشراف: د. سعد بن عبد الله الحميد، و د. خالد بن عبد الرحمن الجريسي، الطبعة الأولى (1427ه 2006م). علم نفس النمو، الطفولة والمراهقة حامد زهران، الطبعة الثالثة، 1975م، عالم الكتب، القاهرة.
العيال لابن أبي الدنيا، تحقيق: د. نجم عبد الرحمن خلف، الطبعة الأولى، 1410ه= 1990م، دار ابن القيم، الدمام، السعودية. الغيلانيات= الفوائد لأبي بكر الشافعي البزَّاز، تحقيق: حلمي كامل أسعد عبد الهادي، الطبعة الأولى (1417ه 1997م)، دار ابن الجوزي، الرياض. فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر، رقَّم كتبه وأبوابه وأحاديثه: محمد فؤاد عبد الباقي، وقام بإخراجه وصحَّحه: محب الدين الخطيب، عام النشر (1379ه)، دار المعرفة، بيروت. فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل، تحقيق: د. وصي الله محمد عباس، الطبعة الأولى (1403ه 1983م)، مؤسسة الرسالة، بيروت. فضائل القرآن وما أنزل من القرآن بمكة وما أنزل بالمدينة لابن الضريس، تحقيق: غزوة بدير، الطبعة الأولى، 1408ه= 1987م، دار الفكر، دمشق، سورية. فضائل القرآن لأبي بكر الفِرْيابِي، تحقيق وتخريج ودراسة: يوسف عثمان فضل الله جبريل، الطبعة الأولى، 1409ه= 1989م، مكتبة الرشد، الرياض. فقه الآل، بين دعوى الإهمال وتهمة الانتحال: أمين بن صالح الحداء، الطبعة الثانية، 1432ه= 2011م، مركز المتفوق للطباعة والنشر، اليمن. الفقه وأصوله، بين التراث والمعاصرة: د. معاوية أحمد سيد أحمد، بحث منشور على صفحات الإنترنت.
الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي، تحقيق: عادل بن يوسف الغرازي، الطبعة الثانية، 1421ه، دار ابن الجوزي، السعودية. فلسفة التربية الإسلامية في القرآن الكريم علي خليل أبو العينين، 1980م، دار الفكر العربي، مصر. في ظلال القرآن لسيد قطب، الطبعة السابعة عشر، 1412ه، دار الشروق، بيروت، القاهرة. فيض القدير شرح الجامع الصغير للمناوي، الطبعة الأولى (1356ه)، المكتبة التجارية الكبرى، مصر. القاموس المحيط: للفيروز آبادي، تحقيق: مكتب تحقيق التراث في مؤسسة الرسالة، بإشراف: محمد نعيم العرقسُوسي، الطبعة الثامنة، 1426ه 2005م، مؤسسة الرسالة، بيروت قواطع الأدلة في الأصول لأبي المظفر السمعاني، تحقيق: محمد حسن محمد حسن اسماعيل الشافعي، الطبعة الأولى، 1418ه= 1999م، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان. الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي، تحقيق: يحيى مختار غزاوي، الطبعة الثالثة (1409ه 1988م)، دار الفكر، بيروت. كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم محمد بن علي التهانوي، تقديم وإشراف ومراجعة: د. رفيق العجم، تحقيق: د. علي دحروج، نقل النص الفارسي إلى العربية: د. عبد الله الخالدي، الطبعة الأولى، 1996م، مكتبة لبنان ناشرون، بيروت. الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية أبو البقاء
الكفوي، تحقيق: عدنان درويش، محمد المصري، مؤسسة الرسالة، بيروت. الكنى والأسماء: للدولابي، تحقيق: نظر محمد الفاريابي، الطبعة الأولى (1421ه 2000م)، دار ابن حزم، بيروت. الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري شمس الدين الكرماني، الطبعة الثانية، 1401ه= 1981م، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان. لسان العرب لابن منظور، الطبعة الثالثة (1414 ه)، دار صادر، بيروت. لسان الميزان: لابن حجر، بعناية: عبد الفتاح أبو غدة، عام النشر (1422ه)، مكتب المطبوعات الإسلامية. مجابو الدعوة (مطبوع ضمن مجموعة رسائل ابن أبي الدنيا): لابن أبي الدنيا، دراسة وتحقيق: المهندس الشيخ زياد حمدان، الطبعة الأولى، 1413ه= 1993م، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، لبنان. المجالسة وجواهر العلم: للدينوري، تحقيق: مشهور بن حسن آل سلمان، عام النشر (1419ه)، جمعية التربية الإسلامية، البحرين. ودار ابن حزم، بيروت. المجتبى من السنن السنن الصغرى للنسائي، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة، الطبعة الثانية (1406ه 1986م)، مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب. المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين لابن حبان، تحقيق: محمود إبراهيم زايد، الطبعة الأولى (1396ه)، دار الوعي، حلب، سوريا.
مجمع الزوائد ومنبع الفوائد: للهيثمي، عام النشر (1407ه)، دار الريان للتراث، القاهرة. ودار الكتاب العربي، بيروت. مجموع الفتاوى لابن تيمية، تحقيق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، عام النشر (1416ه 1995م)، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة المنورة. المجموع شرح المهذب للنووي، مع تكملة السبكي والمطيعي، دار الفكر. المحيط في اللغة للصاحب ابن عباد، تحقيق: الشيخ محمد حسن آل ياسين، الطبعة الأولى، 1414ه= 1994م، عالم الكتب، بيروت، لبنان. مخالفة الصحابي للحديث النبوي الشريف د. عبد الكريم النملة، الطبعة الثانية، 1420ه= 1999م، مكتبة الرشد، الرياض. مختصر التحرير شرح الكوكب المنير لابن النجار الحنبلي، تحقيق: محمد الزحيلي، ونزيه حماد، الطبعة الثانية 1418ه= 1997م، مكتبة العبيكان. مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين لابن القيم، تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي، الطبعة الثالثة، 1416 ه= 1996م، دار الكتاب العربي، بيروت. المدخل إلى السنن الكبرى للبيهقي، تحقيق: د. محمد ضياء الرحمن الأعظمي، دار الخلفاء للكتاب الإسلامي، الكويت. مسائل الخلاف في أصول الفقه للقاضي الحسين بن
علي الصيمري، رسالة دكتوراة، بلا طبعة ولا تاريخ. مستخرج: أبي عوانة، تحقيق: أيمن بن عارف الدمشقي، الطبعة الأولى (1419ه 1998م)، دار المعرفة، بيروت. المستدرك على الصحيحين للحاكم، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، الطبعة الأولى (1411ه 1990م)، دار الكتب العلمية، بيروت. المستصفى لأبي حامد الغزالي، تحقيق: محمد عبد السلام عبد الشافي، الطبعة الأولى، 1413ه= 1993م، دار الكتب العلمية، بيروت. مستطرف في كل فن مستطرف لشهاب الدين أبي الفتح الأبشيهي، الطبعة الأولى، 1419ه، عالم الكتب، بيروت. مُسنَد ابن الجعد للبغوي، تحقيق: د. عبد المهدي بن عبد القادر بن عبد الهادي، الطبعة الأولى (1405ه 1985م)، مكتبة الفلاح، الكويت. مُسنَد الدارمي سنن الدارمي تحقيق: حسين سليم أسد الداراني، الطبعة الأولى (1412ه 2000م)، دار المغني للنشر والتوزيع، السعودية. مُسنَد الشاميين للطبراني، تحقيق: حمدي بن عبد المجيد السلفي، الطبعة الأولى (1405ه 1984م)، مؤسسة الرسالة، بيروت. مُسنَد: الطيالسي تحقيق: د. محمد بن عبد المحسن التركي، الطبعة الأولى (1419ه 1999م)، دار هجر، مصر. المُسنَد: للإمام أحمد بن حنبل تحقيق: شعيب الأرنؤوط، وعادل مرشد، وآخرون، تحت إشراف: د عبد الله بن عبد المحسن التركي، الطبعة الأولى، 1421 ه= 2001 م، مؤسسة الرسالة، بيروت.
المصباح المنير في غريب الشرح الكبير أحمد بن محمد بن علي الفيومي، المكتبة العلمية، بيروت المُصنَّف في الأحاديث والآثار لابن أبي شيبة، تحقيق: حمد بن عبد الله الجمعة، ومحمد بن إبراهيم اللحيدان، الطبعة الأولى (1425ه 2004م)، مكتبة الرشد، الرياض. المصنَّف لعبد الرزاق الصنعاني، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، الطبعة الثانية (1403ه)، المكتب الإسلامي، بيروت. المعجم الأوسط للطبراني، تحقيق: طارق بن عوض الله، وعبد المحسن بن إبراهيم الحسيني، دار الحرمين، القاهرة. المعجم الكبير للطبراني، تحقيق: حمدي بن عبد المجيد السلفي، الطبعة الثانية، مكتبة ابن تيمية، القاهرة. معجم مقاييس اللغة أحمد بن فارس، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، 1399ه= 1979م، دار الفكر. معرفة السنن والآثار للبيهقي، تحقيق: عبد المعطي أمين قلعجي، الطبعة الأولى (1412ه 1991م)، جامعة الدراسات الإسلامية، كراتشي، باكستان. ودار قتيبة، دمشق، بيروت. ودار الوعي، حلب، دمشق. ودار الوفاء، المنصورة، القاهرة. المغني لابن قدامة، بدون طبعة، 1388ه= 1968م، مكتبة القاهرة. المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهانى، تحقيق: صفوان عدنان الداودي، الطبعة الأولى، 1412 ه، دار القلم، الدار الشامية، دمشق، بيروت.
المنتخب من مُسنَد: عبد بن حميد تحقيق: صبحي السامرائي، محمود الصعيدي، الطبعة الأولى، 1408ه 1998م، مكتبة السنة، القاهرة. منهج التربية الإسلامية محمد قطب إبراهيم، الطبعة السادسة عشرة، دار الشروق. منهج التربية النبوية للطفل، مع نماذج تطبيقية من حياة السلف الصالح وأقوال العلماء العاملين محمد نور بن عبد الحفيظ سويد، الطبعة الثالثة، 1421ه= 2000م، دار طيبة، مكة المكرمة. موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين جمع وضبط: المحامي علي الرضا الحسيني، الطبعة الأولى، 1431ه= 2010م، دار النوادر، سوريا.
الموطأ: للإمام مالك ، صحَّحه ورقَّمه وخرَّج أحاديثه وعلَّق عليه: محمد فؤاد عبد الباقي، عام النشر 1406ه= 1985م، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان.
ميزان الاعتدال في نقد الرجال : للذهبي، تحقيق: علي محمد البجاوي، الطبعة الأولى (1382ه = 1963م)، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت، لبنان. نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر : لابن الجوزي، تحقيق: محمد عبد الكريم كاظم الراضي، الطبعة الأولى، 1404ه= 1984م، مؤسسة الرسالة، لبنان، بيروت. نصيحة الملوك : للماوردي، تحقيق: الشيخ خضر محمد خضر، الطبعة الأولى، 1403ه= 1983م، مكتبة الفلاح، الكويت. قائمة بعناوين الأبحاث الجديدة لمشروع (تراث الآل والأصحاب)
* القرآن في حياة الآل والأصحاب.
* أدب التربية في تراث الآل والأصحاب: نماذج من تعامل الآل والأصحاب مع صغارهم.
* السفر وآدابه في تراث الآل والأصحاب.
* التجارة والمكاسب في تراث الآل والأصحاب: آداب وقدوات ونماذج متنوعة.
* آداب معاملة الكبار والمرضى في تراث الآل والأصحاب.
* الإعاقة في تراث الآل والأصحاب: نماذج وآداب وعبر.
* آداب التعامل مع غير المسلمين في تراث الآل والأصحاب.
* العبادة والزهد في تراث الآل والأصحاب.
* الذكر والدعاء في تراث آل البيت.
* فضل العلم وآداب طلبه في تراث الآل والأصحاب.
* آداب التعامل مع المرأة في تراث الآل والأصحاب.
* آداب العشرة في تراث الآل والأصحاب: استلهام للقيم الزوجية الناجحة في سير سلفنا الصالح.
* آداب الحوار والاختلاف في تراث الآل والأصحاب: شواهد وآداب.
* قضايا نسائية: قراءات في تراث الآل والأصحاب.
* الأطفال في رحاب الآل والأصحاب: بحث في أسس المعالجة الفنية والأدبية لنشر تراث الآل والأصحاب للمراحل العمرية الصغيرة.
* الوقف في تراث الآل والأصحاب.
* الفَقْد في تراث الآل والأصحاب: دراسة في الجوانب الإيمانية والإنسانية.
* المهارات الإدارية في تراث الآل والأصحاب.
* إدارة الوقت في تراث الآل والأصحاب.
* الطعام وآدابه في تراث الآل والأصحاب.
* المزاح وآدابه في تراث الآل والأصحاب.
* آداب التعامل مع الحيوان في تراث الآل والأصحاب.
