تتمة
بقي الإشارة إلى عبارة ذكرها ابن أبي الحديد في أثناء رده على المرتضى في كتابه الشافي، وهي من مستشنع الأقوال، حيث يقول: «ولست أنزه خالداً عن الخطأ، وأعلم أنه كان جباراً فاتكاً لا يراقب الدين فيما يحمله عليه الغضب وهوى نفسه، ولقد وقع منه في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع بني جذيمة بالغميصاء، أعظم مما وقع منه في حق مالك بن نويرة، وعفا عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن غضب عليه مدة وأعرض عنه، وذلك العفو هو الذي أطمعه حتى فعل ببني يربوع ما فعل بالبطاح»(409) .
قلتُ: رضي الله عن صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم كم أوذوا في حياتهم وبعد مماتهم، وأسأل الله تعالى أن يكون ذلك رفعة لدرجاتهم عند ربهم جل وعلا. وأما ما ذكره ابن أبي الحديد من أن خالداً كان جباراً فاتكاً، فهو والله الحق الذي لا محيد عنه، ولكنه ليس كما ظن المؤلف، وإنما كان كذلك على الكفار والمشركين والمرتدين والمنافقين، فهو سيف الله الذي سله عليهم، ولذا فهم يبغضونه أشد البغض، أما أنه كان كذلك على المؤمنين وعباد الله الموحدين فهذا والله هو الكذب المبين، فما فعله في بني جذيمة كان اجتهاداً منه– كما سبق– ولم يكن يعلم بإسلام القوم، وما فعله بمالك بن نويرة فله تأويله فيه بأنه كان مرتداً عنده، فمن أين إذن الحكم عليه بهذه القسوة والغلظة؟!
ولعلي أسوق هنا مثالين أو ثلاثة فقط؛ لإبطال ما ألصق بخالد من أنه كان محباً للدماء متعرضاً لها يأخذ بالظِّنَّة، ولا يراقب الشرع والدين فيما يحمله عليه الغضب:-
1- عن البراء بن عازب رضي الله عنه: «أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعث خالد بن الوليد إلى اليمن يدعوهم إلى الإسلام، قال البراء: فكنت فيمن خرج مع خالد، فأقمنا ستة أشهر يدعوهم إلى الإسلام فلم يجيبوه، ثم إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعث علياً رضي الله عنه فأمره أن يقفل خالداً...
