«ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله، ففتح الله على يديه»
لقد كان خالد بن الوليد الذي سارع إلى غزوة مؤتة جندياً عادياً، تحت قيادة القادة الثلاث الذين جعلهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على الجيش: زيد وجعفر وابن رواحة رضي الله عنهم جميعاً، والذين استشهدوا بنفس الترتيب على أرض المعركة الضارية، وبعد سقوط آخر القادة شهيداً، سارع إلى اللواء ثابت بن أقرم، فحمله بيمينه ورفعه عالياً وسط الجيش المسلم حتى لا تبعثر الفوضى صفوفه، ولم يكد ثابت يحمل الراية حتى توجه بها مسرعاً إلى خالد بن الوليد قائلاً له: «خذ اللواء يا أبا سليمان»(211) .
ولم يجد خالد من حقه وهو حديث العهد بالإسلام أن يقود قوماً فيهم الأنصار والمهاجرون، الذين سبقوه بالإسلام.
إنه أدب وتواضع وعرفان ومزايا، هو لها أهل وبها جدير.
هنالك قال مجيباً ثابت بن أقرم: «لا، لا آخذ اللواء، أنت أحق به، لك سِنٌّ وقد شهدت بدراً».
وأجابه ثابت: «خذه، فأنت أدرى بالقتال مني، ووالله ما أخذته إلا لك»(212) .
ثم نادى في المسلمين: «أترضون إمرة خالد؟ قالوا: نعم».
واعتلى العبقري جواده، ودفع الراية بيمينه إلى الأمام كأنما يقرع بها أبواباً مغلقة، آن لها أن تفتح على طريق طويل لاحب، سيقطعه البطل وثباً وثباً، في حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وبعد مماته، حتى تبلغ المقادير بعبقريته الخارقة أمراً كان مقدوراً.
هنالك تقدم سيف الله يرمق أرض القتال الواسعة بعينين كعيني الصقر، ويدير الخطط في بديهته بسرعة الضوء، ويقسم جيشه - والقتال دائر - إلى مجموعات، ثم يكل لكل مجموعة بمهامها، وراح يستعمل فنه المعجز ودهاءه البليغ حتى فتح في صفوف جيش الروم ثغرة فسيحة واسعة، خرج منها جيش المسلمين كله سليماً معافى، بعد أن نجا بسبب من عبقرية بطل الإسلام من كارثة ماحقة ما كان لها من زوال.
