بعث عمر كتاباً بموت أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وعزل خالد بن الوليد، وأرسل الكتاب إلى أبي عبيدة ليقرأ على الناس، فلما قريء الكتاب على الناس، ارتفع للناس ضجة عظيمة بالبكاء والنحيب، وبكى خالد، وقال: إن كان أبو بكر قد قبض، وقد استخلف عمر، فالسمع والطاعة لعمر وما أمر به(508)
وانظر إلى هذا الموقف الرجولي من خالد، والذي يَنُمُّ عن مدى التربية الإيمانية التي تربى عليها، بحيث جعلته يستعلي على نفسه ومصالحه الشخصية، في سبيل هذا الدين والارتقاء به:-
فقد روى الإمام أحمد والطبراني من حديث عزرة بن قيس، قال: قال خالد بن الوليد: كتب إلي أمير المؤمنين حين ألقى الشام بَوانِيَة بَثَنِيةً وعسلاً(509) «وشك عفان مرة قال: حين ألقى الشام كذا وكذا»، فأمرني أن أسير إلى الهند، والهند في أنفسنا يومئذ البصرة، قال: وأنا لذلك كاره، قال: فقام رجل فقال لي: يا أبا سليمان اتق الله، فإن الفتن قد ظهرت. قال: فقال: وابن الخطاب حي؟! إنما تكون بعده، والناس بِذي بلَّيان - أو بَذي بلِّيان بمكان كذا وكذا - فينظر الرجل فيتفكر هل يجد مكاناً لم ينزل به مثل ما نزل بمكانه الذي هو فيه من الفتنة والشر فلا يجده، قال: وتلك الأيام التي ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين يدي الساعة أيام الهرج، فنعوذ بالله أن تدركنا وإياكم تلك الأيام(510) .
والشاهد من هذا الأثر: أنه بالرغم من كون خالد كارهاً للذهاب إلى الهند - البصرة-، ومحاولة ذلك الرجل الطعن في تصرف عمر، بأنه قد ظهرت الفتن في عصره، إلا أن خالداً رضي الله عنه يقف ذلك الموقف الحازم من هذا القول، ويخبر أن الفتن لا تظهر في زمن عمر، لعلمه مَنْ هو عمر في الحزم والشدة، والعدل والتقوى، والورع وغير ذلك.
فهذه والله الأخلاق وتلك التربية الحقة: التنازل عن الرأي الشخصي في
