فعُلم من ذلك أن الصحابة اتفقوا في نهاية الأمر على وجوب قتال من منع الزكاة، سواء كان منعه جحوداً أو غير ذلك وأن ذلك كله سمي قتال أهل الردة.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: «والصحابة لم يقولوا: أنت مقر بوجوبها أو جاحد لها، هذا لم يعهد عن الخلفاء والصحابة، بل قال الصديق لعمر رضي الله عنهما: والله لو منعوني عقالاً - أو عناقاً - كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لقاتلتهم على منعه، فجعل المبيح للقتال مجرد المنع لا جحد الوجوب، وقد روي أن طوائف منهم كانوا يقرون بالوجوب لكن بخلوا بها، ومع هذا فسيرة الخلفاء فيهم جميعهم سيرة واحدة وهي قتل مقاتلتهم وسبي ذراريهم وغنيمة أموالهم والشهادة على قتلاهم بالنار، وسموهم جميعهم أهل الردة، وكان من أعظم فضائل الصديق عندهم أن ثبته الله تعالى على قتالهم، ولم يتوقف كما توقف غيره، فناظرهم حتى رجعوا إلى قوله»(296) .
وقال أيضاً: «وفي الجملة فالذين قاتلهم الصديق رضي الله عنه كانوا ممتنعين عن طاعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والإقرار بما جاء به فلهذا كانوا مرتدين»(297) .
وليس هذا المقام مقام تفصيل لهذه النقطة، ولكن المراد من هذا العرض أن أهل الردة أقسام، ومن بينهم الذين منعوا الزكاة، وأن الصحابة اختلفوا في بداية الأمر في قتالهم، ثم اتفقت كلمتهم على وجوب القتال.
هذا مذهب أهل العلم في ذلك، وهم بذلك لم يخالفوا نصاً صريحاً صحيحاً، ولم يخرقوا إجماعاً، بل إنك تجد في كتب المعترضين والطاعنين في الصحابة، وعلى رأسهم الخليفة الراشد أبي بكر الصديق رضي الله عنه ما يؤيدفعل الصحابة في هذه المسألة، فعلى سبيل المثال لا الحصر:-
جاء في كتاب «من لا يحضره الفقيه»: عن أبي عبد الله؛ قال: «من منع قيراطاً من الزكاة فليس بمؤمن ولا مسلم، وهو قول الله تعالى ﴿حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُون لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ﴾ ».
وفي رواية
