بيان العلاقة بين الصحب والآل
د. راشد عبد الله الفرحان
فهرس الموضوعات
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| مقدمة مبرة الآل والأصحاب | 5 |
|---|---|
| مقدمة | 11 |
| تعريف بالآل والأصحاب | 13 |
| هل أمهات المؤمنين من آل بيت النبي ص؟ | 17 |
| حقوق آل بيت النبي ص | 20 |
| حقوق الصحابة وواجب الأمة نحوهم | 25 |
| آثار انتقاص الآل والصحابة رضوان الله عليهم | 29 |
| لوازم محبة الآل والأصحاب | 33 |
| ثناء أئمة آل البيت على الصحابة رضي الله عنهم أجمعين | 36 |
| العلاقة بين أبي بكر وآل البيت رضي الله عنهم أجمعين | 45 |
| علاقة الإمام الحسن بن علي بالصديق والفاروق وذي النورين رضي الله عنهم | 49 |
| علاقة علي بن أبي طالب بعمر بن الخطاب رضي الله عنهما | 57 |
| الخاتمة | 61 |
| إصدارات سلسلة قضايا التوعية الإسلامية | 63 |
مقدمة مبرة الآل والأصحاب
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وصحابته الطيبين الطاهرين الغر الميامين،
أما بعد؛
فلا ريب أن للقدوات الصالحة أثرًا بالغ الأهمية في الارتقاء بحياة الأمم والشعوب؛ وذلك أنهم هم الذين يقدمون الدليل الواقعي والتطبيق العملي للتعاليم التي تمثّل منظومة القيم والأخلاق التي تشكّل هوية تلك الأمم، وتعتبر مثالها السامي الذي تستهدف احتذاء حذوه والاهتداء بهديه.
وقد نبّه القرآن الكريم على ذلك المعنى وأشاد به في آيات كثيرة، مبينًا فضلَ الاقتداء بالأنبياء والصالحين، قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21]، وقال عز وجل: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ} [الممتحنة: 4]، وقال سبحانه: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ} [الممتحنة: 6]، وقال
عقب ذكر صفوةٍ من رسله وأنبيائه:
{أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: 90]، وقال عزّ مِن قائل: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف: 35]، وغير ذلك مما يفهم من النصوص بأدنى تأمّل.
والواجب على أمتنا الإسلامية أن تصوغ رؤيتها الأخلاقية والقيمية والحضارية انطلاقًا من الوحي قرآنًا وسنةً، في تناغمٍ مع معطيات العلم في جميع المجالات، ومواكبةٍ لمستجدات العصر الذي نعيش فيه وما يزخر به من تحدياتٍ عظيمة.
فلا يحسن أن نقتصر في تدبرنا للوحي على مجرد الأمور الدينية العبادية المحضة، فإن الوحي قد أنزله الله هدىً ونورًا للإنسانية تنتفع به في معاشها ومعادها، وإن كان مقصوده الأساس الفلاح الأخروي وما يقرب إليه؛ إلا أنه لا شك في كونه يرشدنا بهداياته في جميع مناحي الحياة العملية، ولو في صورة ضوابط ومعايير وقيم كلية نافعة، نستلهم منه ما يرضي ربنا ويحقق فلاحنا في الدنيا، مع عدم إغفال البحث والعلم في
جميع المجالات بأدواتها ووسائلها.
ونحن إذا ذهبنا نستلهم قيم الوحي على مختلف الأصعدة العلمية والسلوكية؛ لم نجد امتثالًا وتطبيقًا وتفعيلًا؛ خيرًا مما نجده عند الآل والأصحاب الأطهار الأخيار، فهم الذين انتهجوا الوحي كتابًا وسنة في جميع جوانب حياتهم، فسادوا وقادوا، وصاروا أئمة أعلامًا هداة.
وقد أخذت (مبرة الآل والأصحاب) - كعادتها - على عاتقها مهمةَ تفعيلِ ذلك المعنى، وتقديمه في صورة بحثية توعوية منضبطة؛ لكونها مؤسسة متخصصة في تراث الآل والأصحاب حتى صار لها - بفضل الله - الريادة في ذلك المجال.
لقد كانت منهجيه المبرة في إصداراتها أن تدمج بين الكتابة من قبل باحثيها المتفرغين في مركز البحوث والدراسات فيها، وبين الاستكتاب الخارجي لعلماء الأمة وباحثيها، وبين الاستفادة من الإصدارات المكتوبة في مجالات تتناسب بشكل كبير مع إصداراتها، وتتفق في منهجيتها التأليفية في تراث الآل والأصحاب بما يحقق أهدافها ويدعم رسالتها.
ومع مرور الزمن أصبحت مبرة الآل والأصحاب محل ثقة الباحثين في تراث الآل والأصحاب حتى بدأت تستقطب اهتمامهم ليضموا إصداراتهم المنسجمة مع إصدارات المبرة تحقيقاً لرسالتها المباركة بحمد الله وتوفيقه.
ويأتي هذا الإصدار من إعداد د. راشد عبدالله الفرحان وزير الأوقاف والشئون الإسلامية الأسبق في دولة الكويت ضمن هذه الآلية الانسيابية الجميلة، والتي تتوجها مراجعة المبرة لمحتوى الإصدارات ووضع اللمسات الأخيرة لإخراجها في نسق واحد يؤكد هويتها في المنهجية الثابتة لإصدارات المبرة.
فشكراً للعم د. راشد عبد الله الفرحان لثقته في المبرة التي استوعبت وبانسيابية هذا الإصدار ضمن سلاسل إصداراتها ليأخذ الرقم اثنين وعشرين في سلسلة قضايا التوعية الإسلامية.
والله الموفق إلى كل خير... وهو الهادي إلى سواء السبيل.
والحمد لله رب العالمين
مقدمة
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على محمد بن عبد الله نبي الرحمة؛ الذي لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه المهديين الذين آمنوا به وآزروه ونصروه والتزموا منهجه ودعوته، وبعد:
فإنَّه ثمة حقيقة مفادها: أنّه ليس شيء أمسُّ حاجةً للمسلمين اليوم، ولا أعظم بركة لمستقبلهم، ولا أشد نفعاً لواقعهم من تجاوز خلافاتهم والتقريب فيما بينهم.
إذ يخطئ من يظن أنَّ مستقبل الإسلام منفصل عن مستقبل المسلمين، ويصبح خطؤه فادحاً لو توهّم أنَّ مستقبل المسلمين هذا بعيدٌ عن مستقبل الإنسان في هذه الأمة.
ولسنا بحاجة إلى الخوض في جدلٍ حول ماهية التقريب، وما المراد منه، والآلية المعتمدة لغرض تطبيقها عملياً، وهل تعني تخلي كل مذهب أو طائفة عما هي عليه فيما تلتزم أخرى بمعتقداتها، فلهذا البحث رجاله وبحوثه وسجاله، غير أني في
هذه الوريقات أشير إلى أنَّ التقريب بين المسلمين يبدأ من خلال إعادة قراءة التاريخ قراءة واعية، وملاحظة العلاقة التي جمعت الآل والأصحاب فيه، وما يترتب على ذلك من إعادة النظر في بعض المُسلّمات المذهبية لدى الفريقين.
والله الموفق لما يحبه ويرضاه.
د. راشد عبد الله الفرحان الفيحاء - دولة الكويت ت: 99747280
تعريف بالآل والأصحاب
آل البيت: هم بنو هاشم وهم: آل العباس وآل علي، وآل جعفر، وآل عقيل، وآل الحارث بن عبد المطلب، وبنو المطلب، على اختلاف في دخولهم ضمن آل البيت(1) وهاتان الفئتان لم يفارقوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم في جاهلية ولا إسلام، ويدخل معهم أزواجه وذريته فأزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم لهن مقام عظيم، خاطبهن المولى عز وجل خطاباً مباشراً يُبيِّن فضلهن على سائر النساء، فقال: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا} [الأحزاب: 32]، وفي
الآية التي بعدها: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (33)} [الأحزاب: 33].
وفي آية أخرى: {ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَٰجُهُۥٓ أُمَّهَٰتُهُمْ} [الأحزاب: 6].
الصحابة عند جمهور الأصوليين: الصحابي هو من لقي الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مؤمناً به، ولازمه زمناً طويلاً(2) . وعند جمهور المحدثين: من لقيه مسلماً ومات على إسلامه، سواء طالت صحبته أم لا(3) .
وعدالة الصحابة وأفضليتهم - ومنهم رؤوس آل البيت كعلي والعباس وحمزة وجعفر والحسنين رضي الله عنهم أجمعين - معلومة، ودليلها الكتاب والسنة والإجماع والعقل(4) :
أما الكتاب: فقوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110]، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 64]،
وقوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 100].
وأما السنة: فقوله عليه الصلاة والسلام: (خير الناس قرني..)(5) ، والقرن: أهل زمان مخصوص، اشتركوا في أمر مقصود، وهو هنا الصحبة. وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أُحد ذهباً، ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه)(6) .
وقوله عليه الصلاة والسلام: (اللهَ اللهَ في أصحابي، لا تتخذوهم غرضاً بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه)(7) وقوله عليه السلام أيضاً: (طوبى لمن رآني وآمن بي)(8) .
وأما العقل: فإن سوابق هؤلاء في الإسلام، ونصحهم لله والرسول،
وقوة يقينهم وإخلاصهم، وتضحيتهم بأنفسهم وأولادهم وأوطانهم، بالجهاد والهجرة، وتفقههم في دين الله، وحب متابعتهم لرسول الله، وكذلك الأنصار الذين كانوا المُثل الأولى في الإيثار: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 9]، كل ذلك يدل على سلامة مقصدهم فيما فرط منهم، وأنهم تابوا وندموا، واستغفروا الله، والله غفور رحيم.
والحق أن الإسلام وظهوره وبقاءه وانتشاره في العالم، مدين للصحابة وآل البيت رضي الله عنهم، ولولا أن جعلهم الله سببًا لما عشنا بأمان واستقرار في هذه البلاد الإسلامية التي فتحوها، وربما لم نكن مسلمين، فمن يتنكر لهم يظلم نفسه والتاريخ وعطاء البشرية. ولا يصح في ميزان أهل الحق والعدل والمنطق أن يكون الخلاف السياسي والميل النفسي لشيء هو السبب في طمس الحقائق، وإهدار القيم، ومكابرة الواقع.
وهل يعقل أن من أمرنا الله بالصلاة عليهم وهم آل البيت النبوي، ومن رضي الله عنهم، ورضوا عنه من المهاجرين والأنصار أن نتنكر لهم ولا ننصفهم، بل ونظلمهم ونظلم بعضهم لخطأ في الاجتهاد والنظر؟!، فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
هل أمهات المؤمنين من آل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟
هذه قضية مهمة ينبغي معرفتها، وتناولها بالبحث والبيان، وعدم إغفالها من النظر؛ لارتباطها بأزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذوات السيادة والشرف، وسبيل معرفة الإجابة عليها هو القرآن الكريم والسنة المطهرة، وما كان عليه فهم الآل والصحابة ـ رضي الله عنهم ـ تجاههما.
قال تعالى مخاطباً أمهات المؤمنين: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب: 33].
فيلاحظ أن السياق القرآني ينص صراحة على أن الأزواج من الآل، وليس هذا وفق نصوص أخرى بمانع من دخول غيرهن في هذا التشريف، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وليس في الآية قصر ولا حصر يشير لذلك، وهذا الفهم هو ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم وعلى وجه الخصوص آل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهو ما
أكده ابن عباس، في هذه الآية حيث ذكر أنها نزلت في نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم(9) مثلما روى عنه عكرمة، ثم قال عكرمة: «من شاء باهلتُه أنها نزلت في نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وروى الطبري في تفسيره بسنده عن علقمة قال: كان عكرمة ينادي في السوق: إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً، قال: نزلت في نساء النبي خاصة(10) .
ومن يطالع كلام العلماء يجد هذا المفهوم راسخاً عندهم، وفق الأدلة، ومن ذلك ما ذكره ابن القيم في كتابه القيم «جلاء الأفهام»(11) حين احتج بدخول الأزواج في مسمى «الآل»؛ لأن اتصالهن بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم غير مرتفع، وهن محرمات على غيره صلى الله عليه وآله وسلم في حياته وبعد مماته، لأنهن زوجاته صلى الله عليه وآله وسلم في الدنيا والآخرة، فالسبب الذي لهن بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم قائم مقام النسب، وقد نص النبي صلى الله عليه وآله وسلم على الصلاة عليهن، ولهذا كان القول الصحيح، إن الصدقة تحرم عليهن؛ لأنها أوساخ الناس، وقد صان الله
سبحانه ذلك الجناب الرفيع، وآله من كل أوساخ بني أدم.
قال الحافظ في الفتح: وقد نقل ابن بطال(12) أنهن أي الأزواج لا يدخلن في ذلك باتفاق الفقهاء، وفيه نظر، فقد ذكر ابن قدامة أن الخلال أخرج من طريق ابن أبي مليكة عن عائشة قالت: إنا - آل محمد - لا تحل لنا الصدقة. قال: وهذا يدل على تحريمها، قلت - الكلام للحافظ -: وإسناده إلى عائشة حسن، وأخرجه ابن أبي شيبة أيضاً، وهذا لا يقدح فيما نقله ابن بطال(13) .
وقال العيني في عمدة القاري، بعد أن ذكر ما قاله ابن بطال، وما رواه الخلال بنقل ابن قدامة عنه، كذا رواه ابن أبي شيبة في (مصنفه) حدثنا وكيع عن شريك عن ابن أبي مليكة أن خالد بن سعيد بن العاص أرسل إلى عائشة شيئاً من الصدقة فردته فقالت: إنا - آل محمد - لا تحل لنا الصدقة(14) .
حقوق آل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم
إنَّ لأهل بيت النبي صلى الله
عليه وآله وسلم حقوقًا على الأُمة يجب رعايتها؛ فإن الله جعل لهم حقًّا في الخُمس والفيء، وأمر بالصلاة عليهم مع الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال لنا: قولوا: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد(15)
المحبة والتوقير:
عن زيد بن أرقم رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قام فيهم خطيبًا وقال: «أمَّا بَعدُ: ألَا أيُّها النَّاسُ فَإِنَّما أنا بَشَرٌ يُوشِكُ أن يَأتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ وَأنَا تَارِكٌ فِيكُم ثَقَلَينِ؛ أوَّلُهُمَا: كِتَابُ الله فِيهِ الهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ الله وَاستَمسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ الله وَرَغَّبَ فِيهِ،
ثُمَّ قَالَ: «وَأهلُ بَيتِي أُذكِّرُكُم الله في أهلِ بَيتِي، أُذَكِّرُكُم الله في أهلِ بَيتِي، أُذَكِّرُكُم الله فِي أهلِ بَيتِي...»(16)
وقال البيهقي: «ودخل في جملة محبته صلى الله عليه وآله وسلم حب آله»(17) .
وقال القاضي عياض في علامات محبته صلى الله عليه وآله وسلم: «محبته لمن أحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومن هو بسببه من آل بيته وصحابته من المهاجرين والأنصار، وعداوة من عاداهم وبغض من أبغضهم وسبهم، فمَن أحب شيئًا أحب من يُحبه»(18) .
وقال ابن تيمية: «وإنَّ من أصول أهل السنة والجماعة: أنهم يُحبون أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويتولونهم ويحفظون فيهم وصية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم»(19) .
الصلاة عليهم:
وقد جاء ذكر الصلاة عليهم في أحاديث كثيرة عن جمع من الصحابة، منها:
حديث أبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِي رضي الله عنه قَالَ: «أتانا
رسُولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم ونحنُ في مجلِسِ سعدِ ابنِ عُبادة فقال لهُ بشِيرُ بْنُ سعْدٍ: أمرنا الله تعالى أن نُصلِّي عليْك يا رسُول اللهِ، فكيْف نُصلِّي عليْك؟ قال: فسكتَ رسُولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى تمنيْنا أنهُ لم يسألْهُ ثُم قال رسُول الله صلى الله عليه وآله وسلم: قُولُوا: اللهُمَّ صلِّ على مُحمدٍ، وعلى آلِ مُحمدٍ كما صليْت على آلِ إِبْراهِيم، وبارِكْ على مُحمدٍ، وعلى آلِ مُحمدٍ، كما باركْت على آلِ إِبْراهِيم فِي الْعالمِين إِنك حمِيدٌ مجِيدٌ، والسلامُ كما قدْ علِمْتُمْ(20)
فهذه النصوص وغيرها تدل على مشروعية الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلى آله وأنها حق لهم؛ لأن ذلك مما تَقَرُّ به عينه، ويزيده الله به شرفًا وعلوًّا صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا(21) .
تحريم الزكاة والصدقة عليهم:
اتفقت كلمة الفقهاء على أن الزكاة لا تحل لآل محمد إذا
أعطوا حقهم من خمُس الخُمس، كما لا تحل له صلى الله عليه وآله وسلم(22)
قال ابن قدامة رحمه الله: «ولا نعلم خلافًا في أن بني هاشم لا تحل لهم الصدقة المفروضة»(23) .
استحقاقهم من الخُمس:
ومن الواجبات المستحقة لآل البيت استحقاقهم لخمس الخمس من غنائم الكفار وفيئهم، وهو المعروف بـ«سهم ذوي القربى».
وقد جاء النص عليه في الكتاب العزيز، فقال تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [الأنفال: 41].
وقال تعالى: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [الحشر: 7].
فهذه الحقوق لآل البيت يجب على كل مسلم مراعاتها ومعرفتها، واتباع ما أمر
به النبي صلى الله عليه وآله وسلم تجاههم في كل زمان ومكان.
فضلاً عن حق الإسلام العام الذي ينص على الأخوة بين المسلمين وتوقير بعضهم بعضاً {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10].
حقوق الصحابة وواجب الأمة نحوهم
إن لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (ومنهم آل البيت النبوي ممن آمنوا به في حياته صلى الله عليه وآله وسلم) حقوقاً على الأمة تجب معرفتها والإقرار بها وهي إجمالا تتمثل في عدة نقاط منها:
- وجوب حبهم وتقديرهم والثناء عليهم.
- وجوب الشهادة الصادقة بأن جيل الصحابة الكرام هو خير أجيال هذه الأمة، بل خير أجيال الأرض.
- وجوب الاعتقاد بأن فهم الدين بعقلية سلف الأمة وبما ورد عن الصحابة الكرام هو الأمان للأمة من البدع والضلالات والفتن.
- المساهمة قدر الإمكان في التعريف بهم وإحياء سيرتهم.
الدفاع عنهم ضد من ينتقصهم أو يحاول
النيل منهم، أو التشهير بأحدهم.
- غرس محبتهم في نفوس الناشئة حتى يشبوا عليها فلا تهون مكانتهم في قلوبهم(24) .
- أما من حيث التفصيل فهي كالتالي:
1 - سلامة القلوب والألسنة لأصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
فإنَّ من سمات المؤمنين: سلامة قلوبهم وألسنتهم من الإساءة إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والدعاء لهم بالمغفرة كما وصفهم الله به في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر: 10].
وطاعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله: «لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه»(25) .
2 - قبول ما جاء به الكتاب والسنة في فضائلهم ومراتبهم:
فإنَّ من سمات المؤمنين أيضاً: التسليم بما جاء في كتاب الله تعالى
وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم من فضائل الصحابة الكرام ومراتبهم، فيفضلون من أنفق من قبل الفتح وهو فتح مكة على قول الجمهور(26) وقاتل على من أنفق من بعده وقاتل، ويقدمون المهاجرين على الأنصار، ويؤمنون بأن الله قال لأهل بدر وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر: «اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم»(27) وبأنه لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة كما أخبر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم بل قد رضي الله عنه ورضوا عنه، وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة، ويشهدون بالجنة لمن شهد له رسول الله بالجنة كالعشرة وثابت بن قيس بن شماس وغيرهم من الصحابة(28)
3 - الإمساك عما شجر بينهم من خلاف:
ومن جملة حقوق الصحابة علينا وواجباتنا تجاههم ضرورة الإمساك عما شجر بينهم وترك الخوض فيه بما يشعر بالنقيصة في أحدهم.
فالقدر الذي ينكر من فعل بعضهم
قليل نزر مغمور في جنب فضائل القوم ومحاسنهم، من الإيمان بالله ورسوله والجهاد في سبيله والهجرة والنصرة والعلم النافع والعمل الصالح، ومن نظر في سيرة القوم بعلم وبصيرة وما منَّ الله به عليهم من الفضائل علم يقينا أنهم خير الخلق بعد الأنبياء لا كان ولا يكون مثلهم، وأنهم هم الصفوة من قرون هذه الأمة التي هي خير الأمم وأكرمها على الله تعالى(29)
4 - وجوب موالاة الصحابة ومحبتهم:
محبة الصحابة وموالاتهم دليل صدق إيمان الرجل، فمن الكتاب قوله سبحانه وتعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [التوبة: 71]، وإذا كان أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم مقطوعاً بإيمانهم، بل هم أفضل المؤمنين لتزكية الله ورسوله لهم فإن موالاتهم ومحبتهم دليل إيمان من قامت به هذه الصفة.
ومن السنة حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار»(30) .
آثار انتقاص الآل والصحابة رضوان الله عليهم
إنّ لانتقاص آل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصحابته الكرام والنيل منهم آثاراً وخيمة، وأضراراً عظيمة؛ إذ إنهم لبنة الإسلام الأولى التي أرساها المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم بنفسه، وإن الطعن في لبنات البناء الأولى يعني هدم البنيان برمته.
أولاً: آثار انتقاص الآل والأصحاب على الفرد:
يمثل الفردُ نواةَ المجتمع؛ إذ بصلاحه صلاحُ المجتمع، كما أن خرابَه خرابُه، وإن انتقاص الصحابة له أثره في فساد الفرد، وإبعاده عن الجادّة، ويتضح هذا الأثر من خلال النقاط الآتية:
أثر انتقاص الآل والصحابة على إيمان الفرد الذي هو: تصديق الله تعالى جل جلاله، فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، وتصديقه بمن أرسل. وإنّ من جملة أركان الإيمان: الإيمان بكتب الله تعالى المنزلة على رسله، ومنها القرآن، الذي نص هو والسنة المشرفة
على فضل الآل والصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، والنهي عن التعرض بالسوء لهم، بل وتجريم فاعل ذلك، بلعنه وذمه، وعليه فإنّ انتقاصهم لا يعدو أن يكون تكذيبا بما دل عليه القرآن وأثبتته السنة، أو جهلا بما فيهما، وكل ذلك يعرِّض إيمانَ الفرد لخطر عظيم.
ومن جهة أخرى فإن الآل والصحابة - رضوان الله عنهم أجمعين - هم من نقل إلينا الدين، فحينئذٍ يكون منتقصهم في الحقيقة إنما يطعن الملة بزيف جهله، ويهدم الإسلام بوهي عقله.
- أثر انتقاص الآل والصحابة على سلوك الفرد وخلقه : إنّ سلوك الفرد هو رأس ماله في التعامل مع بني جنسه، وإنّ التصرفات الفظة والأخلاق الغليظة تحبس المرء في سجن الانعزال، ولا شك أن انتقاص الآل والصحابة رضي الله عنهم أجمعين وكَيْل الشتائم لهم، يورث قسوة في القلب، وضغينة فيه، ويجعل المرء ينظر بعين السخط لمن يخالفه، بل ويضمر له العداء، ويزيد الأمر سوءًا أن يتعبد المرء بذلك، بل ويعتقد النقيصة والثلب فيمن لا يوافقه على فحشه وبذاءة لسانه، وهذا يرفضه جميع المسلمين.
ثم إنّ من المقرر في الدين: أنّ المسلم الحق من سلم المسلمون من لسانه ويده، وأن سباب المسلم فسوق وقتاله كفر، وأن الغيبة من كبائر الذنوب، وأن سب الأموات منهي عنه ديناً، وأن عرض المسلم حرام على المسلم، وغير ذلك مما هو معلوم بالضرورة من هذه الشريعة الغرّاء(31) .
كما أن العقلاء يدركون أن النقيصة والثلب إنما هو أسلوب العاجزين، ورأس مال المفلسين، وطريق المنهزمين، لا يسر الصديق ولا يوغر العدو، ولا يضير المنقوص، ولا يشين الناقص، وهذا لعمري لا يفعله العاقل، ولا يرضاه اللبيب.
- أثر انتقاص الآل والصحابة على علاقة الفرد الاجتماعية: من الواضح أن هذه النقطة لها ارتباط بالنقطة السابقة؛ إذ إن سلوك الفرد مرآة له يراه بها المجتمع كله، ويلمسها من خلال التعامل معه، ثم إنّ اتخاذ الثلب شعيرة دينية، وجعله سمة ملازمة، يورث النفرة الاجتماعية، والفرقة الأخوية.
ثانياً: آثار انتقاص الآل والصحابة على المجتمع:
يتجاوز أثر انتقاص الآل والصحابة الفرد ليعم المجتمع كله؛ إذ إن المجتمع هو تراكم الأفراد؛ ولذا فإن الآثار ستنصب عليه وسيكتوي بنارها ما لم يتدارك ذلك.
ولنا أن نتصور حال المجتمع الذي يضم هذا الصنف من الناس من منتقصي الآل والصحابة، كيف ستتواءم القلوب، وكيف ستتحد الأهداف بعد آثار انتقاص الآل والصحابة على تكافل وتراحم أفراد المجتمع؟
إن المجتمع الذي يحتوي أصنافاً غير متفقة، وأفراداً غير مُتَّحِدِي الوجهة والهدف - فضلاً أن يكون متناقضاً في الفكر، متبايناً في المعتقد - مجتمع متفكك لا سبيل للتراحم بين أفراده، يصدق ذلك الواقع، ويشهد له التاريخ.
لوازم محبة
الآل والأصحاب
إن محبة أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصحابته من شعائر الإسلام العظيمة التي حث عليها المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن الناظر في واقع الأمة اليوم يرى أن الحب - عند الكثيرين - أصبح شعاراً مفرغاً عن المحتوى، وادعاءً خاليًا من التطبيق؛ لذا قالوا قديماً: «والدعاوى ما لم تقم عليها بينات أصحابها أدعياء».
وسنحاول في هذه الشذرات أن نسطر بعض الكلمات التي بتطبيقها نستطيع أن نكون حقاً محبين لآل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصحابته الكرام، فنقول وبالله التوفيق:
من لوازم محبتهم:
1 ــ الاعتراف بفضلهم في الدين وسبقهم في الدعوة، والدعاء لهم والثناء الحسن لسبقهم في الإسلام ونصرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر: 10].
2 اقتفاء آثارهم
في الخير والتأسي بهم؛ وذلك لرسوخ أقدامهم في الإسلام، وثناء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عليهم، وامتداح القرآن لهم.
3 ــ الدفاع عنهم، والذبِّ عن أعراضهم؛ لأن الطعن فيهم ردٌّ للنصوص التي امتدحتهم، وتكذيب بها، وانتقاص للنبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنه هو الذي رباهم وأنشأهم على يديه الشريفتين.
4 ــ فهْم الشرع وفق ما فهموه وعلى مقتضى لغة العرب؛ لأنهم عايشوا التنزيل والتشريع، وعرفوا ما لم نكن نعرف من مقتضيات وأحوال وملابسات النصوص.
5 ــ عدم التشنيع عليهم بأخطائهم والمغالاة فيها بإظهارها وتكبيرها، وحقها أن تغمر في بحار حسناتهم.
6 ــ اعتقاد أن إجماعهم حجة، وأنهم لا يجتمعون على ضلالة، كما أخبر بذلك المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: «إن أمتي لا تجتمع أمتي على(32) ضلالة» .
7
معرفة أنهم أكثر الناس توقيراً للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ومحبة له ودفاعاً عنه، وهذا يدل على صدق إيمانهم وحسن إسلامهم.
ونذكر هنا حادثة تبين أن الإسلام هو أغلى وأسمى ما لدى الصحابة رضي الله عنهم أجمعين ولا يساميه أو يدانيه أي مقياس آخر سواء نسب أو قرابة أو غيرها، وهو ما وقع في الحديبية فيما رواه المغيرة بن شعبة أنه كان قائماً على رأس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالسيف وهو ملثم وعنده عروة قال: فجعل «عروة يتناول لحية النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويحدثه قال: فقال المغيرة بن شعبة لعروة: لتكفن يدك عن لحيته أو لا ترجع إليك. فقال عروة: من هذا؟ قال: هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة. فقال عروة: يَا غُدَرُ، ما غسلت رأسك من غدرتك بعد»(33) .
فهذه بعض لوازم ومقتضيات محبة الآل والأصحاب، وبراهين الادعاء، لا يصدَّق الشخص إلا بالتمثل بها وإلا يظل حبه مجرد ادعاء خاليًا من الدليل والبرهان.
ثناء أئمة آل البيت على الصحابة رضي الله عنهم أجمعين
لم يكن مستغرباً من أئمة أهل البيت أن يعرفوا لصحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فضلهم وقدرهم، فإنّ فضل الصحابة نطقت به آيات الكتاب المبين، والسنة النبوية الشريفة، وفيما نورده دلالة صادقة على ذلك، وما نورده هو قليل من كثير، وغيض من فيض:
ثناء الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه على إخوانه الصحابة رضي الله عنهم:
ولنقف مع الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقفة تأمل وهو يصوّر لنا صحابة رسول الله كما رآهم وعاينهم، فيقول: (لقد رأيت أصحاب محمد فما أرى أحداً يشبههم، لقد كانوا يصبحون شعثاً غبراً، وقد باتوا سُجداً وقياماً، يراوحون بين جباههم وخدودهم ويقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم كأنّ بين أعينهم ركب
المعزى(34) من طول سجودهم، إذا ذُكر الله هملت أعينهم حتى تبل جيوبهم، ومادوا كما يميد الشجر يوم الريح العاصف خوفاً من العقاب ورجاء الثواب)(35)
ونراه رضي الله عنه يتحسر على فراقهم ويرثيهم بعد موتهم كحال أي محب فارق من يحبه فيقول: (أين القوم الذين دُعوا إلى الإسلام فقبلوه، وقرأوا القرآن فأحكموه، وسلبوا السيوف أغمادها، وأخذوا بأطراف الأرض زحفاً زحفاً وصفاً صفاً... مُره العيون من البكاء، خُمص البطون من الصيام، ذُبل الشفاه من الدعاء، صُفر الألوان من السهر، على وجوههم غبرة الخاشعين، أولئك إخواني الذاهبون، فحق لنا أن نظمأ إليهم، ونعضّ الأيدي على فراقهم)(36) .
ثناء الإمام علي بن الحسين بن علي (زين العابدين) رضي الله عنهما على الصحابة رضي الله عنهم:
روي عنه أنه جاء إليه نفر من العراق فقالوا في أبي بكر وعمر وعثمان، فلما فرغوا من كلامهم قال لهم: «ألا تخبروني: أنتم المهاجرون الأولون الذين قال الله فيهم: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ}؟! [الحشر: 8]، قالوا: لا، قال: فأنتم : {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}؟! [الحشر: 9]، قالوا: لا، قال: أما أنتم قد تبرأتم أن تكونوا من أحد هذين الفريقين، وأنا أشهد أنكم لستم من الذين قال الله فيهم: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر: 10]، اخرجوا عني فعل الله بكم»(37) .
وورد الثناء والمدح منه رضي الله عنه كما جاء في الصحيفة السجادية الكاملة وفيها: «... اللهم وأصحاب محمد خاصة الذين أحسنوا الصحبة، والذين أبلوا البلاء الحسن في نصره، وكانفوه وأسرعوا إلى وفادته، وسابقوا إلى دعوته، واستجابوا له حيث أسمعهم حجة رسالته، وفارقوا الأزواج والأولاد في إظهار كلمته، وقاتلوا الآباء والأبناء في تثبيت نبوته، وانتصروا به...»(38) .
وعن يحيى بن كثير عن جعفر الصادق بن محمد الباقر عن أبيه رضي الله عنهم قال: «جاء رجل إلى أبي زين العابدين رضي الله عنه فقال أخبرني عن أبي بكر؟! قال: عن الصديق تسأل؟! قال: وتسميه الصديق؟! قال: ثكلتك أمك! قد سماه من هو خير مني، رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرون والأنصار، فمن لم يسمه الصديق فلا صدَّق الله قوله، اذهب فأحب أبا بكر وعمر وتولهما، فإن كان من أمر ففي عنقي»(39) .
ثناء الإمام محمد بن علي الباقر رضي الله عنه على الصحابة وأبنائهم رضي الله عنهم:
عن عروة بن عبد الله قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي عن حلية السيوف فقال: «لا بأس به، قد حلَّى أبو بكر الصديق رضي الله عنه سيفه، قلت: فتقول: الصديق؟! قال: فوثب وثبة، واستقبل القبلة، وقال: نعم الصديق، نعم الصديق، نعم الصديق، فمن لم يقل له: الصديق فلا صدَّق الله له قولًا في الدنيا ولا في الآخرة»(40) .
وورد عن محمد بن علي الباقر وزيد بن علي بن الحسين رضي الله عنهم أنهما قالا: «إنه لم يكن من أبي بكر فيما يختص بآبائهم شيء من الجور أو الشطط، أو ما يشكونه من الحيف أو الظلم»(41) .
وهذه الرواية تبرئ أبا بكر رضي الله عنه وتبين بطلان الادعاءات التي تقول بأن أبا بكر ظلم آل البيت حقهم، وها هم رؤوس أهل البيت في زمنهم رضي الله عنه يقدرون أبا بكر، ويجلونه ويثنون عليه، ويمدحونه بما هو أهله.
ثناء الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه على الصحابة رضي الله عنهم:
عن أبي بصير قال: كنت جالسًا عند أبي عبد الله جعفر الصادق رضي الله عنه، إذ دخلت علينا أم خالد تستأذن عليه، فقال أبو عبد الله: «أيسرك أن تسمع كلامها؟ قال: فقلت: نعم، قال: فأذن لها، قال: وأجلسني معه على الطنفسة قال: ثم دخلت، فتكلمت؛ فإذا امرأة بليغة، فسألته عنهما - أي: عن أبي بكر وعمر - فقال لها: توليهما، قالت: فأقول لربي إذا لقيته: إنك أمرتني بولايتهما، قال: نعم»(42) .
وروي عن الصادق أنه قال: «ولدني أبو بكر مرتين»(43) .
وروي أن رجلًا سأل الإمام الصادق فقال: «يا ابن رسول الله! ما تقول في حق أبي بكر وعمر؟ فقال رضي الله عنه: إمامان عادلان قاسطان، كانا على الحق، وماتا عليه، فعليهما رحمة الله يوم القيامة»(44) .
وكان الإمام جعفر الصادق يقول: «كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
اثني عشر ألفًا: ثمانية آلاف من المدينة، وألفان من مكة، وألفان من الطلقاء، ولم ير فيهم قَدَري، ولا مرجئ، ولا حروري، ولا معتزلي، ولا صاحب رأي، كانوا يبكون الليل والنهار، ويقولون: اقبض أرواحنا من قبل أن نأكل خبز الخمير»(45)
ولعله يقصد بالعدد في فترة من الفترات وإلا فالصحابة أكثر من ذلك، والشاهد هو وصف الصحابة رضي الله عنهم بالزهد في الدنيا، وابتعادهم عن البدع والانحرافات، وكذلك خوفهم من ربهم عز وجل.
ويُنقل إلينا عن الإمام الصادق رضي الله عنه شدة محبة الصحابة رضي الله عنهم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيث يقول: قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا رسول الله! فداك آباؤنا وأمهاتنا! إن أهل المعروف في الدنيا عرفوا بمعروفهم، فبمَ يعرفون في الآخرة؟ فقال: « إن الله عز وجل إذا أدخل أهل الجنة الجنة، أمر ريحًا عبقة فلصقت بأهل المعروف، فلا يمر أحد منهم بملأ من أهل الجنة إلا وجدوا ريحه، فقالوا: هذا من أهل المعروف(46) » .
ثناء الإمام الحسن العسكري رضي الله عنه على الصحابة رضي الله عنهم:
ففي التفسير المنسوب إليه تبين مكانة الصحابة رضوان الله عليهم، ـ وأنهم أفضل من صحابة موسى، يقول: «إن كليم الله موسى سأل ربه: هل في أصحاب الأنبياء أكرم عندك من صحابتي؟ قال الله: يا موسى! أما علمت أن فضل صحابة محمد صلى الله عليه وآله وسلم على جميع صحابة المرسلين كفضل محمد صلى الله عليه وآله وسلم على جميع المرسلين(47) والنبيين» .
وجاء أيضًا في تفسير العسكري في عقوبة من يبغض آل البيت عليهم السلام وصحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورضي الله عنهم: «أن رجلًا ممن يبغض آل محمد وأصحابه الخيرين أو أحدًا منهم يعذبه الله عذابًا لو قسّم على مثل عدد خلق الله لأهلكهم أجمعين»(48) .
ومما يدل على وجود الألفة والمحبة بين الصحابة رضوان الله عليهم، وبين آل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وجود المصاهرة والنسب، كما أن أئمة آل البيت رضي الله عنهم قد شاع بينهم تسمية أبناءهم بأسماء الصحابة؛ فهذا علي بن الحسين يسمي ابنين من أبنائه بـ(عمر)
و(عثمان) تأسياً بجده علي بن أبي طالب لما سمى ابنين من أبنائه بـ(عمر) و(عثمان)(49) رضي الله عنهم جميعا.
العلاقة بين أبي بكر وآل البيت رضي الله عنهم أجمعين
إن أكبر معلم من معالم العلاقة الطيبة بين الصِّدِّيق وآل البيت يتمثل في مرافقة الصِّدِّيق للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في حلَّه وترحاله، ثم في زواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من السيدة أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنهما.
كما أن الناظر إلى سيرة الصِّدِّيق سيجد أن العلاقة بينه وبين آل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وبخاصة علي بن أبي طالب كانت علاقة حب ومودة وأخوة وقربى، وما كان علي يتحدث عن الصِّدِّيق إلا بالخير، وكان رضي الله عنه دائم الثناء عليه.
روى ابن عساكر بسنده عن النزال بن سبرة الهلالي قال: وافقنا من علي بن أبي طالب ذات يوم طيب نفسٍ ومزاح فقلنا له: يا أمير المؤمنين حدثنا عن أصحابك قال: كل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أصحابي قلنا: حدثنا عن أصحابك خاصة، قال: ما كان لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صاحب إلا كان لي صاحباً، قلنا: حدثنا عن
أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: سلوني، قلنا: حدثنا عن أبي بكر الصِّدِّيق، قال: ذاك امرؤ سمَّاه الله صديقاً على لسان جبريل ومحمد صلى الله عليهما، كان خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رضيه لديننا فرضيناه لدنيانا(50)
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: خرج أبي شاهراً سيفه راكباً على راحلته إلى ذي القصة فجاء علي بن أبي طالب رضي الله عنه فأخذ بزمام راحلته فقال: إلى أين يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ أقول لك ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم أحد: «أشهر سيفك(51) ولا تفجعنا بنفسك، فوالله لئن أصبنا بك لا يكون للإسلام بعدك نظام أبداً»، فرجع وأمضى الجيش(52) .
وعن محمد بن الحنفية قال: قلت لأبي: يا أبت، مَن خير هذه الأمة بعد نبيها؟ قال: أبو بكر يا بني، قلت: ثم مَن؟ قال: عمر،
فخفت من أن قلت: ثم مَن؟ أن يقول: عثمان: قلت: ثم أنت يا أبه؟ قال: ما أبوك إلا رجل من المسلمين(53)
وعن أبي سريحة قال: سمعت علياً يقول على المنبر: ألا إن أبا بكر أوَّاه منيب القلب، ألا إن عمر ناصح الله فنصحه(54) .
وأخرج ابن عساكر عن ابن أبي ليلى قال: قال علي: لا أجد أحداً يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حدَّ المفتري(55) .
لهذا وغيره كان علي رضي الله عنه وزير صدق للشيخين، أميناً في نصحهما، وما كان يُكنُّ لهما في حياتهما إلا الحب، وبعد وفاتهما إلا الوفاء والثناء، وتسمية أبنائه بأسمائهما خير شاهد عملي على ذلك.
روى الدارقطني أنه جاء رجل إلى علي بن الحسين فقال: أخبرني عن أبي بكر، قال: عن الصِّدِّيق، تسأل؟ قال: قلت: نعم يرحمك الله، وتسمِّيه الصِّدِّيق؟ قال: ثكلتك أمك، قد سمَّاه
صديقاً من هو خير مني ومنك: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرون والأنصار، فمَن لم يسمِّه صديقاً، فلا صدَّق الله قوله في الدنيا ولا في الآخرة، فاذهب فأحِبَّ أبا بكر وعمر، وتولَّهما، فما كان من إثم ففي عنقي(56)
وعن عروة بن عبد الله الجعفي، قال: قلت لأبي جعفر (الباقر): أتسمي أبا بكر رضي الله عنه الصِّدِّيق؟ قال: سمَّاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الصِّدِّيق، فمن لم يسمِّه الصِّدِّيق فلا صدَّق الله قوله في الدنيا ولا في الآخرة(57) .
وعن حنان بن سدير، قال: سمعت جعفر «الصادق» بن محمد، وسئل عن أبي بكر، وعمر، فقال: إنك تسألني عن رجلين، قد أكلا من ثمار الجنة(58) .
علاقة الإمام الحسن بن علي بالصديق والفاروق وذي النورين رضي الله عنهم
إن المتأمل في العلاقة بين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما والحسن بن علي رضي الله عنهما يجد أنها علاقة من نوع فريد فبالنسبة للصديق فقد أحب الحسن حبا ملك عليه قلبه، فكيف لا يكون ذلك وهو القائل: «ارقبوا محمد في أهل بيته»(59) .
وقال أيضا: «والذي نفسي بيده لقرابة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، أحب إلي من أن أصل قرابتي»(60) .
ومما يدل على الحب أن الصدّيق الذي يبلغ من العمر واحدًا وستين عامًا حمل الحسن على عاتقه وكان يلاعبه ويداعبه، فقد روى البخاري في صحيحه عن عقبة بن الحارث قال: صلى أبو بكر العصر، ثم خرج يمشي فرأى الحسن يلعب مع الصبيان
فحمله على عاتقه وقال: «بأبي شبيه بالنبي لا شبيه بعلي، وعلي يضحك»(61)
أما عن علاقة الحسن بالصديق فلعل من معالمها تلك الذكريات البعيدة التي لا زالت تخلد في ذهن الحسن بين الحين والآخر تجاه الصديق أبي بكر رضي الله عنه.
إن الحسن بن علي الذي لم يتجاوز من العمر ثمان أو تسع سنوات في عهد الصديق لما كبر برز حبه للصديق في تسميته أحد ولده باسم أبو بكر(62) فلقد أحب أبو بكر الحسن فأحبه الحسن وصدق ابن كثير حيث يقول: وقد كان الصديق يجله أي الحسن ويعظمه ويكرمه ويحبه ويتفداه(63) .
إن الحسن بن علي رضي الله عنهما قد استوعب هدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهدي الخلفاء الراشدين لذلك نجده حينما تنازل لمعاوية عن الخلافة شرط عليه الالتزام بالكتاب والسنة ومنهج الخلفاء الراشدين، أي
أنه على علم ودراية ورضا بعهد الصديق والفاروق رضي الله عنهما.
أما العلاقة بين عمر بن الخطاب رضي الله عنه والحسن بن علي رضي الله عنهما فكانت نابعة من الأخوة الإسلامية، وتقدير الفاروق لآل النبي وحبه لهم، ومن ذلك أنه حين دوّن الدواوين جعل آل النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مقدمة الناس بل فرض للحسن والحسين من العطاء مثل فريضة أهل بدر، وقدمهما على كثير من المهاجرين والأنصار، وميزهما في العطاء على ابنه عبد الله، فعندما أراد عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يفرض للناس بعدما فتح الله عليه، جمع أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم واستشارهم، فقال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: ابدأ بنفسك. فقال: لا والله، بالأقرب من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومن بني هاشم رهط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفرض للعباس، ثم علي، حتى والى ما بين خمس قبائل، حتى انتهى إلى بني عدي بن كعب فكتب: من شهد بدراً من بني هاشم، ثم من شهد بدراً من بني أمية بن عبد شمس، ثم الأقرب فالأقرب، ففرض الأعطيات لهم(64) .
وحينما جاءت كسوة من اليمن
إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فـوزّعـهـا عـلـى أصحابه ولـم يرتضها للحسن والحسين، فأرسل إلى اليمن من أحضر لهما حللاً فاخرة طابت نفسه بها حين لبساها(65)
وميَّز عمر الحسن والحسين في العطاء على ابنه عبد الله، حين أعطى كل واحد منهما عشرة آلاف، فقال عبد الله بن عمر: لِمَ فضّلت عليَّ هذين الغلامين وأنت تعرف سبقي في الإسلام وهجرتي؟ فقال له عمر: ويحك يا عبد الله ائتني بجد مثل جدهما، وأب مثل أبيهما، وأم مثل أمهما، وجدة مثل جدتهما(66) .
يقول صاحب بحار الأنوار: ولما دوّن الدواوين بدأ بالحسن والحسين فملأ حجرهما من المال، فقال ابن عمر: تقدمهما علي ولي صحبة وهجرة دونهما؟ فقال عمر: اسكت لا أم لك أبوهما خير من أبيك وأمهما خير من أمك(67) .
لقد أحب الفاروق الحسن وأكَّد على ذلك من خلال الأعطيات التي قدمها له، ولقد أحبه الحسن حبًّا ملك عليه زمام قلبه
حتى سمى أحد أبنائه باسم (عمر) تأسياً بوالده علي بن أبي طالب الذي سمى (عمر)، ثم تتابع آل البيت الأخيار على هذا الاسم الكريم فرضي الله عنهم جميعًا وأرضاهم.
أما العلاقة بين عثمان بن عفان رضي الله عنه والحسن بن علي رضي الله عنهما فيلاحظ أنّ الحسن رضي الله عنه من المحبين لعثمان بن عفان رضي الله عنه، لا يختلف حبه له عن حبه لمن سبقه من الخلفاء كأبي بكر وعمر رضي الله عنه ولِمَ لا يحبه وهو ثالث العشرة المبشرين بالجنة؟ ولِمَ لا يحبه وهو زوج خالتيه رقية وأم كلثوم؟ ولِمَ لا يحبه وهو يعلم أنّ عثمان رضي الله عنه هو حبيب لجده صلى الله عليه وآله وسلم وحبيب لأبيه علي رضي الله عنه؟
إنّ عليا رضي الله عنه ظل وفياً لعثمان كما كان وفياً لأبي بكر وعمر، واستمر الحسن رضي الله عنه على وفائه لعثمان رضي الله عنه مثلما كان أبوه رضي الله عنه أليس ما حدث يوم الدار دليلاً على الوفاء؟ يوم أن وقف الحسن يدافع عن عثمان رضي الله عنه فأقسم عثمان رضي الله عنه على الناس أن ينصرفوا فانصرفوا إلا الحسن بن علي ومحمد بن طلحة وعبد الله بن الزبير، وكانت مدة الحصار أربعين يوماً، ولما اشتد الحصار وطال، وأراد الفجار أن يقتحموا الدار على عثمان رضي الله عنه أذن
للحسن في اللحاق بأبيه وأقسم عليه فأبى وقاتل دونه(68)
وعن الحسن البصري قال: كان الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: يرد الناس عن عثمان رضي الله عنه يوم الدار بسيفين يضرب بيديه جميعاً(69) .
وذُكر عثمان رضي الله عنه عند الحسن بن علي رضي الله عنه فقال الحسن: هذا أمير المؤمنين علي رضي الله عنه يأتيكم الآن فاسألوه عنه، فجاء علي رضي الله عنه فسألوه عن عثمان رضي الله عنه فتلا هذه: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [المائدة: 93]، كلما مر بحرف من الآية قال: كان عثمان من الذين آمنوا، كان عثمان من الذين اتقوا، ثم قرأ إلى قوله: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134)} [المائدة: 93].
ولما ضُرب الحصار على عثمان رضي الله عنه جاء الحسن بن علي رضي الله عنه فقال: أخترط سيفي. قال: لا، أبرأ الله إذاً من دمك ولكن لُـمَّ (شم) سيفك وارجع إلى أبيك(70) .
ومن حبه لعثمان رضي الله عنه وتقديره له قوله: لقد قُتِل عثمان رضي الله عنه وما على الأرض أفضل منه، وما على الأرض من المسلمين أعظم حرمة منه، فقيل له: قد كان فيهم أبوك. فقال: ذروني من أبي رضي الله عنه، لقد قتل عثمان رضي الله عنه يوم قتل وما من رجل أعظم على المسلمين حرمة منه، ولو لم يكن إلا ما رأيتُ في منامي لكفاني، فإني رأيتُ السماء انشقت، فإذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبو بكر عن يمينه، وعمر عن يساره والسماء تمطر دماً. قلتُ: ما هذا؟ قال: هذا دم عثمان قتل مظلوماً(71) .
أليس في ذلك ما يدل على حب الحسن رضي الله عنه لعثمان رضي الله عنه؟ لقد كان الحسن رضي الله عنه جندياً مطيعاً في جيش عثمان بن عفان رضي الله عنه يفتح معه البلاد وينشر معه الدين، ولمّا ولي عبد الله بن أبي سرح استأذن عثمان بن عفان رضي الله عنه في غزو أفريقيا وطلب منه أن يمده بجنود من عنده، فاستشار عثمان رضي الله عنه الصحابة فأشاروا به فجهز العساكر من المدينة وفيهم جماعة من الصحابة، منهم ابن عباس وابن عمر وابن عمرو بن العاص وابن جعفر والحسن
والحسين وابن الزبير رضي الله عنه وساروا مع عبد الله بن أبي سرح سنة ست وعشرين(72)
وقد ذكر أبو نعيم الأصبهاني أنّ الحسن بن علي وعبد الله ابن الزبير رضي الله عنهمدخلا أصبهان غازيين إلى جرجان(73) .
إنّ الحسن رضي الله عنه قد برهن عن حبه وإجلاله للخليفة الراشد بدفاعه عن عثمان رضي الله عنه وخروجه في جيشه وتحت إمرته قاطعاً آلاف الأميال للدفاع عن الدين، وتبليغاً لدعوة رب العالمين(74) .
علاقة علي بن أبي طالب بعمر بن الخطاب رضي الله عنهما
إن الناظر إلى العلاقة بين عمر وعلي رضي الله عنهما يجد أنها علاقة من نوع فريد تشوبها المودة والمحبة، وتتدخلها المصاهرات والثناء المتبادل...، ومن أولى هذه العلاقة مسألة النسب المشترك، حيث ينتمي كل من الفاروق وعلي بن أبي طالب إلى كعب بن لؤي مما يدل على أن هناك أصلاً مشتركًا جامعًا بينهما.
فمما لا شك فيه أن العلاقة بين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه والخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه ضربت أروع الأمثلة في الحب والوفاء والتقدير، حيث كان علي رضي الله عنه عضوًا بارزًا في مجلس شورى الدولة العمرية فكان عمر يستشيره في الصغيرة قبل الكبيرة، فعندما أراد عمر التوجه إلى نهاوند لقتال الفرس الذين تجمعوا في جمع عظيم لحرب المسلمين كانت نصيحة علي نصيحة المحب لعمر الحريص عليه ألا يذهب وأن يدير رحى الحرب بمن دونه من العرب وهو في مكانه، أليس
هذا دليلاً واضحًا على حبه له وخوفه عليه، وأيضا حين أراد فتح بيت المقدس والمدائن، وحينما أراد أن يخرج لقتال الروم، وفي موضع التقويم الهجري وغير ذلك من الأمور(75)
فكان علي رضي الله عنه مستشارًا ناصحًا لعمر محبًّا له خائفًا عليه وكان عمر يعرف له فضله، وفقهه وحكمته وكان رأيه فيه حسنًا فقد ثبت قوله فيه «أقضانا علي»(76) .
وكم من الفرح الذي دخل على قلب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه حينما كساه عمر بن الخطاب ثوبًا ودليل ذلك أنه كان يكثر من لبس هذا الثوب حيث ذكر أبو السفر في روايته قائلاً: «رؤي على علي بن أبي طالب برد كان يكثر لبسه قال: فقيل يا أمير المؤمنين إنك لتكثر لبس هذا البرد؟ فقال: إن هذا كسانيه خليلي وصفيي عمر بن الخطاب رضي الله عنه ناصح الله فنصحه، ثم بكى»(77) .
ومن الدلائل العظيمة
على حب عمر لعلي ترشيحه له مع أهل الشورى للخلافة بعد أن طعنه أبو لؤلؤة المجوسي(78)
وليست محبة عمر لعلي مقتصرة على هذا الحد بل كان علي يقتدي بعمر، ويظهر ذلك جليًّا حينما فرغ علي من وقعة الجمل، ودخل البصرة، فقيل له: إنزل بالقصر الأبيض، فقال: لا إن عمر بن الخطاب كان يكره نزوله فأنا أكرهه لذلك، فنزل في الرحبة، وصلى في الجامع الأعظم ركعتين(79) .
وفي ملمح من ملامح العلاقة الطيبة ننتقل نقلة أخرى في وقع تلك العلاقة الحميمة بين علي وعمر رضي الله عنهما لتصل إلى ذروتها حيث زوَّج علي بن أبي طالب رضي الله عنه ابنته أم كلثوم للفاروق عمر رضي الله عنه حينما سأله زواجها منه رضي الله عنه لثقته فيه، وإقراراً لفضله، ومناقبه واعترافًا بمحاسنه وجمال سيرته، وإظهاراً بأن بينهما ما بينهما من العلاقات الوطيدة الطيبة والصلات المحكمة المباركة(80) .
كانت هذه مقتطفات موجزة من العلاقة القوية التي كانت بين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما التي إذا أردنا أن نفصل الحديث فيها فالوقت لن يتسع وليس هذا المجال مجال إسهاب، وتفصيل، وفي الإشارة خير عبارة وليس هذا فحسب بل تتجلى روعة الحديث بعد استشهاد عمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث قال ابن عباس كما في صحيح البخاري: وضع عمر على سريره فتكنفه الناس يدعون ويصلون، قبل أن يرفع وأنا فيهم، فلم يرعني إلا رجلاً آخذ منكبي، إذا علي بن أبي طالب، فترحم على عمر وقال: ما خلفت أحدًا أحب إلي أن ألقى الله بمثل عمله منك، وأيم الله إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك وحسبت أني كنت كثيرًا ما أسمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «ذهبت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر»(81) .
الخاتمة
وبعد جولة سريعة قضيناها بين ربوع الآل والأصحاب، اتضح لنا من خلالها جملة من الحقائق التي لا يمكن التنكر لها بحال من الأحوال، وعلى رأسها ما يلي:
- مصطلح آل البيت لا يقتصر فقط على أولاد النبي صلى الله عليه وسلم من السيدة فاطمة، ولكنه يشمل من صحت نسبته إلى بني هاشم وبني المطلب - على اختلاف في بني المطلب - ممن أسلم وصحت نسبته.
- كشف البحث عن جملة من حقوق الآل والأصحاب التي يجب أن تعيها الأمة، وفي مقدمتها وجوب محبتهم وتقديرهم وموالاتهم، وحرمة تنقّصهم أو النيل منهم.
- العلاقة بين آل البيت والصحابة علاقة فريدة تسودها المحبة وتكتنفها الرحمة في كل فصل من فصولها، وهذه مسألة واضحة للعيان لا يجادل فيها إلا مَن في قلبه مرض.
- معالم حسن العلاقة بين الآل والأصحاب تبرر في عدة أمور منها: الثناء المتبادل بين الآل والأصحاب، والتسميات المشتركة بينهما، والمصاهرات التي ذكرتها كتب التاريخ والتراجم والأنساب وغيرها، وهي أمور لا تقبل النزاع وواضحة في كتب من ينتمي إلى الإسلام على اختلاف مذاهبهم وتنوع مشاربهم.
- أهمية دراسة تاريخ الإسلام والأصحاب، دراسة متبصرة مدققة، تضع الأحداث في موضعها الصحيح، دون إفراطٍ أو تفريط، وتعمل على حُسن قيادة الحاضر وإدارة المستقبل.
