الأمر مضيع له، فالغالي فيه مضيع له، هذا بتقصيره عن الحد، وهذا بتجاوزه الحد)(440)
وقال العلامة الشنقيطي : (وقد قرر العلماء أنّ الحق واسطة بين التفريط والإفراط، وهو معنى قول مُطرِّف بن عبد الله: (الحسنة بين السيئتين)(441) ، وبه تعلم أنّ من جانب التفريط والإفراط، فقد اهتدى، ولقد أجاد من قال: ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد... كلا طرفي قصد الأمور ذميم)(442) .
الغلو في الدين مهلكة
لقد جاء الإسلام ليحرر الإنسان من عبودية الذات وتأليه الآخر، ومن أسر تقديس الماضي الموروث والمألوف ليكسر الصنمية بكل أشكالها وينقلها من عبودية العباد إلى عبودية رب العباد.
وهو المعنى الذي عبّر به رُبعي بن عامر أمام رستم – قائد الفرس- حين قال له: (إنّ الله جاء بنا وبعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام)(443) .
لن تجد كتاباً حارب الغلو وتقديس الأشخاص ككتاب الله العظيم (القرآن)، فهو الذي دعا إلى الاستقلال الفكري من تبعية الآباء والأجداد وشبّه الذين يعطلون عقولهم وأسماعهم عن الحق بالأنعام والدواب في عدة آيات من كتابه منها:
قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابَّ عِندَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُون(444) ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ
