ومن جميل ما ينسب إلى ابن مسعود رضي الله عنه قوله: «إن الرجل ليظلمني فأرحمه»(118) ، وعلق الغزالي رحمه الله على تلك العبارة بقوله: «وهذا إحسان وراء العفو، لأنه يشتغل قلبه بتعرضه لمعصية الله تعالى بالظلم وأنه يطالب يوم القيامة فلا يكون له جواب»(119) .
وعن جبير بن نفير قال: «لما فتحت قبرس وفُرِّق بين أهلها فبكى بعضهم إلى بعض، رأيت أبا الدرداء جالسًا وحده يبكي، فقلت: يا أبا الدرداء ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله؟ قال: ويحك يا جبير ما أهون الخلق على الله إذا هم تركوا أمره، بينا هي أمة قاهرة ظاهرة لهم الملك تركوا أمر الله عز وجل فصاروا إلى ما ترى»(120) .
وجاء في الخبر أن الناس كلموا عبد الرحمن بن عوف أن يكلم عمر بن الخطاب في أن يلين لهم فإنه قد أخافهم حتى أخاف الأبكار في خدورهن، فكلمه عبد الرحمن فالتفت عمر إلى عبد الرحمن فقال: «له يا عبد الرحمن إني لا أجد لهم إلا ذلك، والله لو أنهم يعلمون ما لهم عندي من الرأفة والرحمة والشفقة لأخذوا ثوبي من عاتقي»(121) .
وهذا وإن كان قد جاء في باب رحمة الراعي للرعية فوجوب الاتصاف به مع محاور ليس في عنقه لمحاوره من واجبات الطاعة والتوقير ما للحاكم على رعيته؛ من باب أولى، والله تعالى أعلم.
