إحدى الضرائر إذا رأت صاحبتها من بعيد ارتعدت فرائصها واصفر لونها، فكذا ترى المناظر إذا رأى مناظرًا تغير لونه واضطرب عليه فكره، فكأنه يشاهد شيطانًا ماردًا أو سبعًا ضاريًا، فأين الاستئناس والاسترواح الذي كان يجري بين علماء الدين عند اللقاء وما نقل عنهم من المؤاخاة والتناصر والتساهم في السراء؟!»(19)
الرأي المشيد بالمناظرة وفوائدها :
وفي المقابل أسوق لك توسعة الخطيب البغدادي رحمه الله على المناظرين واستعراضه ذات المسألة ولكن مع ملاحظة الفوائد المترتبة عليها، فقال رحمه الله:
«فنظرنا في كتاب الله تعالى وإذا فيه ما يدل على الجدال والحجاج، فمن ذلك قوله تبارك وتعالى: ﴿ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِۖ وَجَٰدِلۡهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُۚ﴾ [النحل: 125]، فأمر الله رسوله في هذه الآية بالجدال، وعلمه فيها جميع آدابه من الرفق والبيان والتزام الحق والرجوع إلى ما أوجبته الحجة.
وقال تعالى: ﴿وَلَا تُجَٰدِلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ﴾ [العنكبوت: 46]، وقال تعالى: ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبۡرَٰهِۧمَ فِي رَبِّهِۦٓ﴾ [البقرة: 258] الآية، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ أَنِ ٱتَّبِعۡ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ﴾ [النحل: 123]، وكتاب الله تعالى لا يتعارض ولا يختلف، فتضمن الكتاب: ذم الجدال، والأمر به، فعلمنا علمًا يقينًا أن الذي ذمَّه غير الذي أمر به، وأن من الجدال
