صدقت دعوى الناس في ذلك لما كان الحال هو ما ترى من التفرق والتشرذم، فإن ما يعانيه المسلمون اليوم، ليس من الاختلاف، وإنما من البغي فيه، وما يكون هذا البغي إلا مع عدم التجرد.
وإن شئت «فتِّشْ نفسَك تجدْك مبتلىً بمعصية أو نقصٍ في الدين، وتجدْ من تبغضه مبتلىً بمعصية أو نقصٍ آخر ليس في الشرع بأشدّ مما أنت مبتلىً به، فهل تجد استشناعك ما هو عليه مساويًا لاستشناعك ما أنتَ عليه، وتجد مقتَك نفسَك مساويًا لمقتك إياه؟
وبالجملة، فمسالك الهوى أكثر من أن تُحْصى، وقد جَرّبتُ نفسي أنني ربما أنظر في القضية زاعمًا أنه لا هوى لي، فيلوح لي فيها معنى، فأقرِّره تقريرًا يُعجبني، ثم يلوح لي ما يخْدِش في ذاك المعنى، فأجدني أتبرَّم بذلك الخادش، وتُنازعني نفسي إلى تكلُّف الجواب عنه، وغضِّ النظر عن مناقشة ذاك الجواب، وإنما هذا لأني لمَّا قررتُ ذاك المعنى أولاً تقريرًا أعجبني صرتُ أهوَى صحته، هذا مع أنه لم يعلم بذلك أحد من الناس، فكيف إذا كنتُ قد أذعتُه في الناس، ثم لاح لي الخدش؟ فكيف لو لم يَلُح لي الخدش، ولكنّ رجلاً آخر اعترض عليّ به؟ فكيف لو كان المعترضُ ممن أكرهه؟!
هذا ولم يكلَّف العالِمُ بأن لا يكون له هوى، فإنّ هذا خارج عن الوسع، وإنما الواجب على العالِم أن يفتِّش نفسه عن هواها حتى يعرفه، ثم يحترز منه، ويُمعِنَ النظرَ في الحق من حيث هو حق؛ فإن بان له أنه مخالف لهواه آثر الحق على هواه، وهذا والله أعلم معنى الحديث
