الذي ينصر به الباطل، لأن ما تقدم وكان حقًّا لا يأتي بعده شيء يبطله.
ويقال لمن أنكر ما ذكرناه: خبِّرنا عن نفيك المحاجة، ودعائك إلى ترك المناظرة: أقلت ذلك بدليل وبرهان، أم بغير حجة ولا بيان؟ فإن قال: قلته بحجة، فقد التزم ما نفى، وكفى به حاكمًا على نفسه لخصمه، وإن قال: قلته بغير برهان ولا حجة، كفى الخصم مؤنته بتحكيمه الهوى على نفسه، وكان له عليه إثبات ما نفى من المناظرة بمثل دعواه من غير حجة ولا برهان: ﴿وَمَنۡ أَضَلُّ مِمَّنِ ٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ بِغَيۡرِ هُدٗى مِّنَ ٱللَّهِۚ﴾ [القصص: 50]، والله تبارك وتعالى يقول: ﴿وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلۡحَقُّ أَهۡوَآءَهُمۡ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِيهِنَّۚ﴾ [المؤمنون: 71] وكفى بقول يقود إلى هذا قبحا»(20) .
ثم قال: «قال بعض المتأخرين في ابتداء علم النظر: «وما زال هذا العلم إذا وقف الإنسان منه على بعضه انفتح له ما وراء ذلك كالإنسان الذي يرى قصرًا على بعد، فيأتيه، فيرى من قربه ما لم يكن يرى من بعده، وكذلك إن تهيأ له الدخول إليه، وكالإنسان الذي يكون على الأرض المستوية، لا يرى شيئا إلا ما قاربه، وما هو حذاءه، غير بعيد منه، خاصة إذا كان بين يديه نشز من الأرض أو جبل، فإذا علا على ذلك كان كلما ارتفع وارتقى أشرف على ما لم يكن مشرفًا عليه طولًا وعرضًا، فإذا تكلف الصعود إلى أعلى رأس الجبل، انكشفت له الأرض والمواضع التي لم يكن يراها قبل ذلك، ولم يكن يقدر على رؤيتها إلا بهذا التعب والتكلف الذي صار إليه، فيبدو له في كل خطوة من الأشياء ما لم يكن يبدو له قبل
