ولو أن موسى لام آدم على خطيئته الموجبة لذلك لكان واضعًا للملامة موضعها، ولكان آدم محجوجًا وليس أحد ملومًا إلا على ما يفعله، لا على ما تولَّد من فعله مما فعله غيره، والكافر إنما يلام على فعل الكفر لا على دخول النار، والقاتل إنما يلام على فعله لا على موت مقتوله، ولا على أخذ القصاص منه فعلَّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث كيف نسأل عند المحاجة، وبيَّن لنا أن المحاجة جائزة، وأن من أخطأ موضع السؤال كان محجوجًا، وظهر بذلك قول الله تعالى: ﴿كَمَآ أَرۡسَلۡنَا فِيكُمۡ رَسُولٗا مِّنكُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِنَا وَيُزَكِّيكُمۡ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمۡ تَكُونُواْ تَعۡلَمُونَ﴾ [البقرة: 151] وليس هذا الحديث الذي ذكرناه من باب إثبات القدر في شيء، وإنما هو وارد فيما وصفناه من محاجة آدم وموسى، وإثبات القدر إنما صح في آيات وأحاديث أخر.
وقد تحاج المهاجرون والأنصار، وحاج عبد الله بن عباس الخوارج بأمر علي بن أبي طالب، وما أنكر أحد من الصحابة قط الجدال في طلب الحق، وأما التابعون ومن بعدهم فتوسعوا في ذلك، فثبت أن الجدال المحمود هو طلب الحق ونصره، وإظهار الباطل وبيان فساده، وأن الخصام بالباطل هو اللدد، الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم».
وجميع ما حكينا أنه تعلق به من أنكر المجادلة، محمول على أنه أريد به الجدال المذموم الذي وصفناه، على أن مالك بن أنس قد بيَّنه، وأنه الجدل الذي يقصد به رد ما جاء به جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك قول الخليل: «ما كان جدل قط إلا أتى بعده جدل يبطله»، أراد به الجدال
