ذلك، فكلما زاد ارتقاء، ازداد معرفة بما لم يكن قبل ذلك رآه، وكذلك العلم، كلما تعلم المرء منه أصلًا انكشف له ما فيه وشاكله وما في بابه وطريقه، واستدل به على ما سواه، إذا كان فهمًا ووفقه الله، وقد شُبِّه صاحب أدب الجدل قبل هذا النظر والكلام بالنخل يُؤبِّره ويقوم عليه، فينال من ثمرته ما لا ينال عند ترك ذلك، وكذلك الحديد والحجر، ما لم يستعملهما لم تخرج النار، ولم يوجد ما ينفع لما احتيج إلى طبخ وتسخين، فإذا أوري خرجت النار، فإذا وقعت في الحراق وتركت انطفأت، وإن أُمِدَّت بنفخ وكبريت وحطب، وغير ذلك، كثرت وكثر نفعها، والعلم إذا لم يُستعمل ولم يُذاكر به كالمسك إذا طال مكثه في الوعاء ذهب ريحه، وكالماء الصافي إذا طال مكثه نشفته الأوعية والهواء وغيرته، وذهبت بأكثره أو بكلِّه، وتغير ريحه وطعمه، وكالبئر تُحفر فتجري فيها عين، فإن حصل له طريق حتى ينتشر صار نهرًا وكثر ونفع وعاش به الحيوان، وإن حُبس وتُرك قل نفعه وربما غار، فكذلك العلم، إذا لم يُذاكر به، ولم يُبحث عنه، وإذا ذاكرتَ بالعلم ونشرته صار كالنهر الجاري دائم النفع، غزير الماء، إن قل مرة لعارض زاد أخرى، وإن تكدر وقتًا لعلة صفا في ثانٍ وتحيا به الأرض والزرع والحيوان»(21)
وقد استنبط القرطبي رحمه الله من قول الله تعالى: ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبۡرَٰهِۧمَ فِي رَبِّهِۦٓ﴾ [البقرة: 258] حسن المناظرة والحث عليها، فقال: «وتدل على إثبات المناظرة والمجادلة وإقامة الحجة. وفي القرآن والسنة من هذا كثير لمن تأمله، قال الله تعالى: ﴿قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ﴾ [البقرة: 111]، ﴿إِنۡ عِندَكُم مِّن سُلۡطَٰنِۢ﴾
