يطلب حقه ولكنه لا يقتصر على قدر الحاجة بل يظهر اللدد في الخصومة على قصد التسلط أو على قصد الإيذاء، ويتناول الذي يمزج بالخصومة كلمات مؤذية ليس يحتاج إليها في نصرة الحجة وإظهار الحق، ويتناول الذي يحمله على الخصومة محض العناد لقهر الخصم وكسره مع أنه قد يستحقر ذلك القدر من المال، وفي الناس من يصرح به ويقول: إنما قصدي عناده وكسر عرضه، وإني إن أخذت منه هذا المال ربما رميت به في بئر ولا أبالي؛ وهذا مقصوده اللدد والخصومة واللجاج وهو مذموم جدًّا، فأما المظلوم الذي ينصر حجته بطريق الشرع من غير لدد وإسراف وزيادة لجاج على قدر الحاجة، ومن غير قصد عناد وإيذاء؛ ففعله ليس بحرام، ولكن الأولى تركه ما وجد إليه سبيلًا، فإن ضبط اللسان في الخصومة على حد الاعتدال متعذر، والخصومة توغر الصدر وتهيج الغضب، وإذا هاج الغضب نُسي المتنازَع فيه وبقي الحقد بين المتخاصمين حتى يفرح كل واحد بمساءة صاحبه ويحزن بمسرته، ويطلق اللسان في عرضه، فمن بدأ بالخصومة فقد تعرض لهذه المحذورات، وأقل ما فيه تشويش خاطره حتى إنه في صلاته يشتغل بمحاجة خصمه فلا يبقى الأمر على حد الواجب، فالخصومة مبدأ كل شر وكذا المراء والجدال، فينبغي أن لا يفتح بابه إلا لضرورة، وعند الضرورة ينبغي أن يحفظ اللسان والقلب عن تبعات الخصومة وذلك متعذر جدًّا، فمن اقتصر على الواجب في خصومته سلم من الإثم، ولا تذم خصومته إلا أنه إن كان مستغنيًا عن الخصومة فيما خاصم فيه لأن عنده ما يكفيه فيكون تاركًا للأولى ولا يكون آثمًا، نعم؛ أقل ما يفوته في الخصومة
أدب الحوار والاختلافورقة PDF 22 · صفحة مطبوعة 22
