والمراء والجدال طيب الكلام وما ورد فيه من الثواب، إذ أقل درجات طيب الكلام إظهار الموافقة، ولا خشونة في الكلام أعظم من الطعن والاعتراض الذي حاصله إما تجهيل وإما تكذيب، فإن من جادل غيره أو ماراه أو خاصمه فقد جهَّله أو كذَّبه فيفوت به طيب الكلام»(18)
وفي تعداده للمفاسد المترتبة على المناظرة والمخاصمة قال رحمه الله: «ومنها التجسس وتتبع عورات الناس، وقد قال تعالى: ﴿وَ لَا تَجَسَّسُواْ﴾ [الحجرات: 12]، والمناظر لا ينفك عن طلب عثرات أقرانه وتتبع عورات خصومه، حتى إنه ليخبر بورود مناظر إلى بلده فيطلب من يخبر بواطن أحواله ويستخرج بالسؤال مقابحه حتى يعدها ذخيرة لنفسه في إفضاحه وتخجيله إذا مست إليه حاجة، حتى إنه ليستكشف عن أحوال صباه وعن عيوب بدنه فعساه يعثر على هفوة أو على عيب به من قرع أو غيره، ثم إذا أحس بأدنى غلبة من جهته عرَّض به إن كان متماسكًا، ويستحسن ذلك منه، ويعد من لطائف التسبب، ولا يمتنع عن الإفصاح به إن كان متبجحًا بالسفاهة والاستهزاء كما حكي عن قوم من أكابر المناظرين المعدودين من فحولهم.
ومنها الفرح لمساءة الناس والغم لمَسارِّهم ومن لا يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه، فهو بعيد من أخلاق المؤمنين، فكل من طلب المباهاة بإظهار الفضل يسره لا محالة ما يسوء أقرانه وأشكاله الذين يسامونه في الفضل، ويكون التباغض بينهم كما بين الضرائر، فكما أن
