التوقير إذ لم يُعانِ معاناتهم؛ فكان أن عرض له حذيفة شيئًا من الابتلاء ليفقه أن الحال ليس كما تصوره، وليحمد الله تعالى على سلامته من ذلك الامتحان الذي لا يعلم إن ابتلي به كيف يكون حاله.
وعن أبي العلاء، عن رجل قال: أتيت تميمًا الداري فحدثني حتى استأنست إليه، فقلت: كم جزءًا تقرأ القرآن في كل ليلة؟ فغضب، فقال: «لعلك من الذين يقرأ أحدهم القرآن في ليلة، فيصبح فيقول: قد قرأت القرآن في هذه الليلة، فوالذي نفس تميم بيده، لأن أصلي ثلاث ركعات نافلة أحب إلي من أن أقرأ القرآن في ليلة، ثم أُصبح، فأقول: قرأت القرآن في ليلة»، قال: فلما أغضبني، قلت: والله إنكم يا معشر صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم من بقي منكم لجديرون أن تسكتوا فلا تُعلِّموا، وأن تعنِّفوا من سألكم، فلما رآني قد غضبت لان، وقال: «ألا أحدثك يا ابن أخي»، قلت: بلى، والله ما جئتك إلا لتحدثني، قال: «أرأيت إن كنتُ أنا مؤمنًا قويًّا، وأنت مؤمن ضعيف، فتحمل قوتي على ضعفك، فلا تستطيع فتنبتُّ، أو رأيت إن كنتَ مؤمنًا قويًّا، وأنا مؤمن ضعيف، أتيتك بنشاطي حتى أحمل قوتك على ضعفي ولا أستطيع فأنبت، ولكن خذ من نفسك لدينك، ومن دينك لنفسك، يستقيم بك الأمر على عبادة تطيقها»(205) .
فبين له تميم الداري أن ليس الخلاف على «كم» العبادة، فليس الأمر أعدادًا مجردة من ركعات وأذكار؛ من زاد فيها فَضُل على
