فحقك أن تفر منه فرارك من الأسود والأساود، فإن لم تجد من مزاولته بدًّا؛ فقابل إنكاره الحق بإنكارك الباطل، ودفاعه الصدق بدفاعك الكذب معتبرًا في ذلك قول الله تعالى: ﴿وَمَكَرُواْ مَكۡرٗا وَمَكَرۡنَا مَكۡرٗا وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ٥٠
فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ مَكۡرِهِمۡ﴾ [النمل: 50].
وقوله تعالى: ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُۖ وَٱللَّهُ خَيۡرُ ٱلۡمَٰكِرِين﴾ [آل عمران: 54].
وقوله حكاية عن المنافقين: ﴿قَالُوٓاْ إِنَّا مَعَكُمۡ إِنَّمَا نَحۡنُ مُسۡتَهۡزِءُونَ١٤ ٱللَّهُ يَسۡتَهۡزِئُ بِهِمۡ﴾ [البقرة: 15].
وقوله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوٓاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمۡۚ﴾ [الصف: 5].
وتتبلغ معه بذلك، وإياك وأن تعرج معه إلى بث الحكمة وأن تذكر له شيئًا من الحقائق ما لم تتحقق أن له قلبًا طاهرًا لا تعافه الحكمة، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب». وإن لكل تربة غرسًا، ولكل بناء أسًّا، وما كل رأس تستحق التيجان، ولا كل طبيعة تستحق إفادة البيان.
وإن كان لا بد فاقتصر معه على إقناع يبلغه فهمه، فقد قيل: كما أن لب الثمار مُعدٌّ للأنام فالتبن مباح للأنعام، كذلك لب الحكمة مُعدٌّ لذوي الألباب، وقشورها مبذولة للأنعام، وكما أنه من المحال أن يشم الأخشم ريحانًا؛ فمحال أن يفيد الحمار بيانًا، واعلم أن سبيل إنكار الحجة والسعي في إفسادها أسهل من سبيل المعارضة بمثلها والمقابلة لها، ولهذا يتحرى الجدل الخصيم أبدًا بالدفاع لا المعارضة بمثلها، وذلك أن الإفساد هدم
