كان السلف يتثبتون من الدعاوى وإن كانوا يعلمون بطلانها، وما ذلك إلا قطعًا للملام ودحضًا لشبهة التسرع والحيف، وحسبنا بسؤال عمر سعدًا عن اتهام أهل الكوفة له بأنه لا يحسن الصلاة، فليس يخفى على عمر علم سعد وسابقته وفضله، وإنما أراد قطع الحجة والتزام التوقي والورع قبل الحكم والقضاء وقصة ذلك فيما رواه جابر بن سمرة قال: «كنت جالسًا عند عمر بن الخطاب، إذ جاء أهل الكوفة يشكون سعد بن أبي وقاص فقالوا: إنه لا يحسن يصلي، فبينا هم كذلك إذ مر بهم سعد، فدعاه فقال: إن هؤلاء يشكونك، وزعموا أنك لا تحسن تصلي، قال: أما أنا فأصلي بهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأصلي بهم صلاة العشاء فأركد في الأوليين وأحذف في الأخريين، قال عمر: كذلك الظن يا أبا إسحاق»(297)
ومن التثبت والتأني ما وصى به النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليًّا رضي الله عنه عند توليته القضاء، فعن علي قال: «بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قاضيًا، فقلت: يا رسول الله، ترسلني وأنا حديث السن ولا علم لي بالقضاء؟ فقال: إن الله عز وجل سيهدي قلبك ويثبت لسانك، فإذا جلس بين يديك الخصمان، فلا تقضيَن حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول، فإنه أحرى أن يتبيَّن لك القضاء، قال: فما زلت قاضيًا، أو ما شككت في قضاء بعد»(298) .
وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «التؤدة خير في كل شيء، إلا في أمر الآخرة»(299) .
