قمع معتدٍ، كما قال الجاحظ رحمه الله: «واعلم أنّه ليس من الأخلاق التي ذمّتها الحكماء خلق إلّا وقد ينفع في بعض الحالات، ويردّ به شكله، ويقام بإزاء مثله، ويدافع به نظيره»(247)
وسبيل تمييز ذلك هو مقارنة حالهم تفي ذلك الموقف بحالهم الذي ورد عنهم في حكاية سيرتهم طوال حياتهم، فستجد أن حال الشدة تلك نادرة، والحال الغالبة عليهم اللين والتورع ونبذ الإغلاظ، فمن كان على الضد من ذلك فكانت حاله الغالبة عليه هي الشدة وحال اللين والتلطف هي النادرة فقد باين هدي من يحتج بالاقتداء بهم، فتأمل.
قال ابن الوزير رحمه الله بعد أن احتج على من ينكر نسبة الفعل للفاعل: «فمن أنكر هذا فقد خرج عن حد العقل خروج عناد، فلا يُناظَرُ إلَّا بالفعل كمناظرة السُّوفِسْطائِيَّة فيُشتَم ويُلطَمُ، فإن غضب من الشتم وتألم من اللطم، وتحرك للدفع والمقابلة فقد عرف بأنه رأى من الفاعل شيئاً يوجب الجزاء والمكافأة، وإلا فما له غَضِبَ منه، وأحال الفعل عليه»(248) .
المراد فقهه مما سبق، أنه في الأحوال التي تضر بها الرحمة ويفسدها اللطف فاستعمالهما نقص في الحكمة، وكما قيل: «إذا كان العفو مفسدة كان الحلم مَعجزة»(249) وهي أحوال قليلة يميزها العالم ولذلك يقع من العالم ما قد يتعجب منه الجاهل، كفعل عمر رضي الله عنه مع صَبيغ، فإنه لما رأى منه
