على مقتضى الشرع لا يكون بيانًا»(3)
فإذا عرفنا ما سبق واستيقنت منه النفوس؛ كان العلم بأن خالق هذه النفس والذي قد جعل البيان ركن إنسانيتها، وعنوان تميزها، والفصل ما بينها وبين سائر الحيوانات لن يتركها هملًا بغير تهذيب لشعث تلك الخاصة، ولا تشذيب لتشرذمها، فإن الركن الذي به الامتياز ينبغي أن يسوَّر ليفصل بين المتمايزين، وإلا حصل الاختلاط وعسر التفريق.
فكان سور تلك الخاصة: آدابها، إذ بقدر التخلق بها يكون التباين عن مقام الحيوانية والسمو إلى رتبة الإنسانية، والتفريط بها يجر السامي إلى حضيضٍ رفعه بارئه عنه وأكرمه.
فوجب على كل عاقل الفحص عن تلك الآداب، وتمحيصها في مادة الوحي وعباراته، فيعلم من خلالها ما ينبغي عليه التزامه، وما هو حريٌّ بالتنزه عنه، وقد منَّ الله تعالى علينا بأن جعلنا من أمة محمد صلوات ربي وسلامه عليه، ورسولنا خير تمثُّلات ذلك الوحي، فهو الإنسان الكامل، المتفرد من بين عباد الله بالمقام المحمود، وبالمنزلة الرفيعة، وبرتبة الوسيلة التي لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وإنَّا لنرجو أنه من ينالها، بفضل من الله تعالى وكرم.
وخير تمثُّلات الوحي بعد نبينا هم الذين عاينوا الوحي وشهدوا التنزيل، وفهموا عن نبيهم مراد خالقهم، وخيرهم بعدهم
