والدنيا واستمالة قلوب الناس إليه للحظوة والمباهاة، و«إن أقبح ما طُلب به الدنيا؛ عمل الآخرة»(55) «فطالب الرياسة في نفسه هالك، وقد يصلح بسببه غيره إن كان يدعو إلى ترك الدنيا، وذلك فيمن كان ظاهرُ حاله في ظاهر الأمر ظاهرَ حال علماء السلف، ولكنه يضمر قصد الجاه، فمثاله مثال الشمع الذي يحترق في نفسه ويستضيء به غيره فصلاح غيره في هلاكه، فأما إذا كان يدعو إلى طلب الدنيا فمثاله مثال النار المحرقة التي تأكل نفسها وغيرها.
فالعلماء ثلاثة إما مُهلِكٌ نفسَه وغيرَه وهم المصرحون بطلب الدنيا والمقبلون عليها، وإما مُسعِدٌ نفسَه وغيرَه وهم الداعون الخلق إلى الله سبحانه ظاهرًا وباطنًا، وإما مُهلِكٌ نفسَه مُسعِدٌ غيره وهو الذي يدعو إلى الآخرة وقد رفض الدنيا في ظاهره وقصده في الباطن قبول الخلق وإقامة الجاه، فانظر من أي الأقسام أنت ومن الذي اشتغلت بالاعتداد له، فلا تظنن أن الله تعالى يقبل غير الخالص لوجهه تعالى من العلم والعمل»(56) .
كتب عمر إلى أبي موسى رضي الله عنهما: «من خلصت نيته كفاه الله تعالى ما بينه وبين الناس، ومن تزيَّن للناس بغير ما يعلم الله من قلبه شانه الله عز وجل، فما ظنك في ثواب الله في عاجل رزقه وخزائن رحمته؟ والسلام»(57) ، وقال ابن عباس رضي الله عنه: «إنما يحفظ الرجل على قدر نيته»(58) .
