اجتهاده اجتهاد غيره وَسِعَه أن يقول بشيء وغيره بخلافه وهذا قليل إذا نظر فيه»(47)
واستدل على التفريق بين السواغ وعدمه بقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخۡتَلَفُواْ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُۚ﴾ [آل عمران: 105]، وقوله سبحانه: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَةُ٤﴾ [البينة: 4].
فقال رحمه الله: «فإنما رأيت الله ذم الاختلاف في الموضع الذي أقام عليهم الحجة ولم يأذن لهم فيه»(48) .
والتأثيم في الخلاف غير السائغ هو لأجل البغي، فظهور الحجة يتناسب طردًا وعدم الإعذار، فكلما كانت أظهر كان مجال الإعذار أضيق، إذ كانت المخالفة مع ظهور الحجة علامة على اتباع الهوى، وفي ذلك يقول الراغب رحمه الله: «وأنهم لم يختلفوا إلا من بعد ما جاءتهم البينات ذمًّا للمختلفين، فإن من شأن البينات أن ترفع الخلاف»(49) .
وفي تأويل قول الله تعالى: ﴿وَمَا ٱخۡتَلَفَ فِيهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ بَغۡيَۢا بَيۡنَهُمۡۖ﴾ [البقرة: 213] قال الطبري رحمه الله: «يقول: لم يكن اختلاف هؤلاء المختلفين من اليهود من بني إسرائيل في كتابي الذي أنزلته مع نبيي عن جهل منهم به، بل كان اختلافهم فيه، وخلافُ حكمه، من بعد ما ثبتت حجته عليهم، بغيًا بينهم، طلبَ الرياسة من بعضهم على بعض، واستذلالًا من بعضهم لبعض»(50) .
